شذرات ليــبـرالية من البليهي ...^^عــــــقـــــــل الــــصــحـــراء^^(فقط للمثقفين)

الكاتب : حبشوش   المشاهدات : 484   الردود : 0    ‏2006-03-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-06
  1. حبشوش

    حبشوش ابراهيم مثنى (رحمه الله)

    التسجيل :
    ‏2005-12-19
    المشاركات:
    316
    الإعجاب :
    0
    ابراهيم البليهي ..

    مفكر ليبرالي سعودي وأحد النقّاد والكتّاب في المجال الصحفي , بالإضافة إلى عمله كمسؤول في الوزارات السعودية , بدءاً من جهاز البلدية ثم مجلس الشورى مؤخراً ..


    [​IMG]

    ( الليبرالية تتأسَّس على الاعتراف بالنـزعة الفردية فليست الشعوب سوى مجموع الأفراد فإذا تحقَّق الاعتراف بفردية الإنسان فإن ذلك يعني الالتزام بحقه في الاختيار الحر والتفكير المستقل وحقه في التعبير عن نفسه وعن أفكاره وآرائه ومواقفه دون خوف ولا تقييد .. وبالنتيجة فإن هذا يعني توفُّر الحريات للجميع.. ويؤدي إلى فتْح كل الخيارات أمامهم وتوفير تكافؤ الفرص فيما بينهم؛ فالفردية هي أساس الليبرالية , أما الحرية فهي جوهرها وهما مفهومان متلازمان؛ فالاعتراف بالفردية يؤدي تلقائياً إلى الالتزام للأفراد بالحريات الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية ) .

    ( إن التباينات المتعاركة في الثقافات الغربية هي مصدر قوتـها وهي حافز نموها وهي سبب استمرار تطورها , فحتى على المستوى الصناعي ومستوى الخدمات لولا التنافس لما حصلت فيها هذه التطورات المدهشة , فالتنافس بين الأفكار والصناعات والخدمات وبين الأشخاص والشعوب والثقافات هو الذي يدفعها إلى التحسُّن المستمر؛ لأنه في المناخ التنافسي يسقط من لا يتطوَّر وهذا هو السبب الذي جعل المجتمعات ذات الثقافات المغلقة تبقى في قبضة التخلف ؛ لأنـها محرومة من هذا العامل الأساسي المحرِّك , فالثقافة السائدة في المجتمعات المتخلِفة تكون مهيمنة على كل شيء مما يجعلها مطمئنة وغير نامية؛ فغياب التنافس وعدم شعورها بالتحدي يُبقيها مستقرة وراكدة ولا تتحرك إلا ضمن مسارات ثابتة وداخل إطار مغلق فهي تكرار واجترار ) .
    ( إننا في المجتمعات العربية نحصر الأخلاق بالعلاقات الجنسية وهذا تقزيمٌ مفْرط لمفهوم الأخلاق فإذا تجاوزنا هذه الجزئية فإننا نجد المجتمعات الغربية ذات أخلاق عالية للغاية , فلدى الناس إحساسٌ شديد بالمسؤولية سواء كانت مسؤولية مهنية أو مسؤولية وطنية أو مسؤولية إنسانية فالغربي لا يفرَّط بحقوقه لكنه بالمقابل ملتـزمٌ بواجباته , إننا حين نركَّز على الجانب الجنسي فقط في تقييم أخلاق الأمم فإننا كمن يدخل صرحاً عظيماً بالغ الروعة ثم يرى في أحد أركانه وعاءً مليئاً بالقمامة فيحصر تفكيره في هذا الوعاء ويلغي كل الروائع التي شاهدها في الصرح العظيم ) .
    ( يجب أن يكون تقييمنا مبنيّاً على مبدأ التغليب والترجيح فهكذا هي أمور هذه الدنيا تُبنى على الغالب وليس على الخير المحض ولا الشر المحض ولا على توقُّع الكمال المطلق ) .
    ( إن النقد المستمر للذات والمراجعة الدائمة للأفكار والأوضاع تُعَدُّ من أهم عوامل تطور الثقافات الغربية وقد أثبتت الأحداث والواقع بأن الغرب يزداد تقدُّماً وتتضاعف قدراته كلما اشتدتْ انتقاداته وكَثُر المتنبئون بسقوطه .. إنه بسبب آلية المراجعة والنقد بات الغرب عصْيّاً على الانـهيار وليست التنبؤات بانـهياره سوى أحد مظاهر هذه الآلية المدهشة التي تجدَّد الحيوية في هذه الحضارة الاستثنائية , ففي الربع الأول من القرن العشرين تَنَبَّأ المفكر الألماني (اشبنجلر) بأن الحضارة الغربية سوف تنهار ولكن الأيام أثبتت عكس ما تنبَّأ به وكذلك فَعَلَ آخرون ولكن كلَّ هذه التنبؤات ما هي إلا تحذيرات وحوافز للمزيد من التقدم ) .
    ( إن الفرد يتبرمَج بعد ولادته وليس قبلها .. وإن الفرد قبل رُشده لا خيار له فهو لم يقم باختيار الوجود أصلاً كما أنه لم يختر أمه ولا أباه ولا شكله الجسدي ولا تكوينه ولا لونه ولا المكان الذي وُلد فيه ولا الزمان الذي بدأ فيه رحلة الحياة .. كما أن غيره قد اختار له اسمه واختار طريقة تربيته وغرس فيه القيم التي ورثها هو أيضا عن أبويه وورثها أبواه عن أبويهما في تناسل ثقافي لا محيص عنه .. وهكذا يستمر التناسل الثقافي في كل المجتمعات وهو يُشْبه أو يقترب في ثباته من التناسل البيولوجي .. إن الإنسان في طفولته لا خيار له في أي شيء فهو ينشأ على ثقافة لم يُستَشَرْ في اختيارها .. ويتشرَّب دين أبويه سواء كانا من الهندوس أو اليهود أو من الوثنيين أو غيرهم .. ويتكلم لغتهما ويخضع لبيئة طبيعية وثقافية وسياسية واجتماعية وأُسريَّة لا خيار له فيها .. وهي التي تصوغ عقله وتوجَّه عواطفه وتحدَّد اتجاهاته وتضع له منظومة قيمه.. وكلُّ ذلك يحصل قبل بزوغ وعيه ومع ذلك فإن أكثر الناس يبقون متمسكين بـهذه البرمجة ومغتبطين بـها ومتوهمين بأنـهم اختاروها بأنفسهم لأنفسهم ويستمرون مأخوذين بـهذا الوهم إلى أن يموتوا ) . ( إن عدداً محدوداً جدا من الناس هم الذين يستطيعون الإفلات من قبضة الثقافات السائدة وهؤلاء هم قادة التطور في كل العصور وفي المجتمعات كافة ) .

    ( إن الحياة الإنسانية في سوائها أو انحرافها وفي تخلفها أو ازدهارها تقوم على ركني القيادة والانقياد ) .
    ( إن الناس يقادون نحو الخير أو نحو الشر أو نحو خليط منهما .. وهم يقادون بالتقاليد والاجترار والبقاء في مسارات الدوران التاريخية؛ فيبقون متخلفين أو يقادون بأفكار النقد والمراجعة والتجديد؛ فيخرجون من خطوط الدوران وينطلقون في آفاق الازدهار؛ فالمبدعون الذين يستطيعون اختراق حُجُب المألوف يراجعون هذا المألوف وينتقدونه ويقدَّمون لمجتمعاتـهم البديل المتاح وفق التجارب الإنسانية الناجحة ) .
    ( إن التخلف هو الأصل وهذه الأسبقية للتخلف تُحكِم قبضتها على الشعوب فلا تُفلت منها إلا بجهود استثنائية ..إن المجتمعات والثقافات محكومة بقانون القصور الذاتي؛ فلا شيء يعلو على ذاته وإنما لا بد أن يأتيه دفعٌ من خارجه.. فالمفكرون والمبدعون في أي مجتمع هم من داخله لكنهم يفحصون أوضاعه وكأنـهم من خارجه .. إنـهم يتمكَّنون من رؤية نقائص السائد وهم بداخله وبذلك فإنـهم قادة الازدهار إذا استجاب لهم الناس.. أما إذا رفضهم المجتمع ولم يستجب لهم ـ كما هو واقع الثقافات المغلقة ـ فإن التخلف بشتَّى أبعاده يبقى مهيمنا فتستمر الثقافات تعيد إنتاج ذاتـها وتجترُّ مكوِّناتـها دون تطوُّر ثقافي ولا حراك اجتماعي .. فشرط الإفلات من قبضة التخلف أن تستجيب المجتمعات المتخلفة لمفكريها وتراجع مألوفاتـها وتأخذ بالنافع مما هو وافدٌ أو طارئ .. وهكذا فإن التقدَّم لا يأتي إلا مما هو مغاير للمألوف ؛ فالتخلف ذو أسبقية ولا بد أن ندرك أصالته الراسخة .. وكذلك ينبغي أن ندرك أصالة الجهل واستثنائية العلم.. وأصالة الأثَرَة واستثنائية الإيثار.. وأصالة سلوك القطيع واستثنائية شعور الفرد بفرديته ) .
    ( إن الفرد لو أُبعد منذ ولادته عن المؤثرات الثقافية فإنه سوف ينشأ لا يعرف لغة ولا يملك ثقافة فيبقى في عداد البهائم ..لكن الثقافة مهما كان مستواها بدائياً تُخرجه من مستوى القابلية إلى مستوى الإنسانية الفعلي؛ فإنسانية الإنسان مشروطة بنشأته في مجتمع لكن هذه النشأة قد تبرمجه على الخرافات والأوهام وهذه هي الإشكالية البشرية الكبرى .. وبـهذا يتضح أن الانعتاق من قيود الثقافة المغلقة والانطلاق في آفاق العلم والابتكار والقدرة على الإبداع هي مزايا غير عادية ) .
    ( إن الثقافات السائدة عموماً في كل مكان هي خليطٌ متراكم من الحقائق والعادات والأوهام والتحيزات ومن واجب الإنسان أن يتحقق بنفسه فالحياة جدٌّ لا هزل وليس من العقل أن يترك الفردُ الآخرين يبرمجونه بالأوهام والأباطيل ) .
    ( في غابر الأيام عارض الناس في نجد تعليم البنين.. ثم استساغوه.. ثم عارضوا تعليم البنات.. ثم استساغوه وأقبلوا عليه.. وتزاحموا حول تعليم وتوظيف بناتـهم .. كما عارضوا الإذاعة والمذياع.. وعارضوا المخترعات وأنكروا أيضا لبس (العقال) بل واستنكروا لبس (الغترة) البيضاء واستفظعوا أزارير أطراف الأكمام (الكبك) .. وفي البدء حَرَّموا القهوة .. وما من شيء جاء وافداً إلا وقوبل في البداية بالاستنكار الشديد .. ثم يُقبلون عليه في النهاية بشدة لا تقل عن شدة رفض البداية ) .
    ( من مفارقات الثقافات المغلقة أن المحكومين بـها يواصلون هجاء العقل وتحقيره لكنهم أكثر الناس ثقة بعقولهم .. فلولا هذه الثقة العمياء لما كانوا بـهذا الوثوق الأعمى لما في رؤوسهم .. إنـهم حين يذمُّون العقل ويُحَقَّرونه فإنـهم يقصدون عقول الآخرين لكنهم متأكدون من صواب فهومهم ودقة معلوماتـهم وصحة استنتاجاتـهم وهذه إحدى النقائص الكبرى للعقل البشري ) . ( إن الغرب لم يتقدم حتى عرف أن العقل مقودٌ بالأهواء ومأسور بالتحيزات فأصبح يستوثق من كل شيء ولا يتقبَّل الأحكام والآراء إلا بعد المراجعة والتمحيص .. إن العقل ليس جامحاً وإنما الأهواء هي الجامحة وهي في الغالب تسيطر على العقول وتخدع الناس ) .

    ( إن العقل أداةٌ تتلاعب بـها العواطف ومهمة الإنسان الأساسية أن يراقب عواطفه ويتفحَّص أهواءه ويعيد الفاعلية لعقله ولا بد أن تبقى المراقبة شديدة اليقظة وأن يظل التفحُّص مستمراً حتى يعتاد الإنسان على الرؤية الموضوعية .. وما لم يصل الفرد إلى هذا المستوى من التعوُّد على الموضوعية النسبية فسوف تستعيد العواطف سيطرتـها ويعود للأهواء سلطانـها المطلق ) .
    ( إن العقلانية هي السمة الغالبة في آداب الحضارة الإنسانية المعاصرة ؛ فالكثير من الإبداعات الأدبية في الغرب ليست للإمتاع والمؤانسة .. وإنما هي لنشر الأفكار الإنسانية إنـها نصوصٌ أدبية لكنها في الغالب تحمل مضموناً فلسفيا أو رسالة اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو تحملها جميعا .. وبالنسبة للثقافات الأوربية لم تكن عقلانية النص الأدبي طارئة أو جديدة .. بل إن الأدب الإغريقي منذ القرن الخامس قبل الميلاد كان زاخراً بالعقلانية .. ثم عاد المضمون العقلاني إلى الأدب منذ عصر النهضة.. ولقد كان (شكسبير) في مسرحياته صاحب رسالة تنويرية وظل المسرح في الغرب من أهم أدوات التنوير من (شكسبير) مروراً بـ(هنريك ابسن) إلى (بريخت) ومئات المسرحيين الغربيين .. وكذلك كان الفن الروائي في غالبه عقلانياًّ حتى النخاع ويكفي أن نقرأ كنموذج روايات (جورج أرويل) لنرى إشعاعات العقلانية في كل سطر من رواياته .. بل حتى على المستوى العربي نجد نجيب محفوظ وعبد الله العروي وتوفيق الحكيم والطاهر بن جلون وغيرهم كثير يتخذون من الفن الروائي وسيلة للتنوير وتوطين العقلانية .. بل من يقرأ رواية (نـهاية سري الخطير) لخيرهم زكيَّة على سبيل المثال يجد معالجة عقلانية باهرة لقضية ثقافية واجتماعية شديدة التعقيد .. وحين نلتفت إلى تجليات الفن الروائي على المستوى المحلي السعودي نجد معظم الروائيين يستخدمون هذا الفن الرائع لتوطين الفكر العقلاني التنويري .. أما الأدب العربي القديم فهو نثارٌ للإمتاع والمؤانسة ولكن هذا النوع الترويحي من الأدب لم يَعُدْ له مكان في حضارة العصر العقلانية الجادة ) .

    ( يوجد في المجتمع السعودي صراع فكري؛ فالصراع يعني المواجهة بين الأفكار المختلفة وهذا غير حاصل؛ فالمجتمع ما زال يقوم على رؤية أحادية مغلقة مهيمنة وقد كانت تبرر هذا الاحتكار المطلق بأنه للمحافظة على الدين ) .
    ( تخلُّف العرب لا يعود إلى أسباب عرقية وراثية بيولوجية .. وإنما يعود إلى الانغلاق الثقافي وإلى الأوضاع السياسية والاجتماعية ..؛ فالعرب يتوارثون التخلف .. لكن لو حصل انفراجٌ سياسي وتعدُّدية ثقافية وانفتاح إعلامي فسوف يزدهرون كما ازدهر غيرهم؛ فالخلل ثقافي سياسي اجتماعي وليس بيولوجيا عرقيا ) .
    ( إن الفكر العلمي هو نتاج الفكر الفلسفي الذي أسَّسه الإغريق في القرن السادس والخامس قبل الميلاد ثم أحياه الأوربيون في العصر الحديث؛ فبنى لهم هذا الازدهار الهائل وإذا كان في السؤال خطأ مطبعي كما أتوقع وأن المقصود الفكر العالمي (وليس العلمي) فإن وجود مفكرين يهود لا يعني أن الثقافات الغربية المزدهرة هي نتاج اليهود وإنما العكس هو الصحيح فالمفكرون من اليهود وغيرهم هم نتاج الثقافات الغربية ذات التحولات السريعة والواعية وما حققته من تغيرات نوعية في الحضارة الإنسانية ) .
    ( إن التفكيكية التي قال بـها دريدا وغيره هي امتدادٌ لفلسفة المعلمين المتجولين الذين أُطلق عليهم اسم السفسطائيين؛ فهم الذين بتطرفهم في الشك والقول بأن الحقيقة تتعدَّد بتعدُّد الأفراد قد أحدثوا بـهذا القول وبالجدل حوله زلزالاً في العقل الإغريقي؛ فأنتج تلك الإنجازات الفكرية والعلمية والأدبية الباهرة ثم توالت سلسلة الفلاسفة الذين أشعلوا آلية الشك وأعملوا آلية (الديالكتيك) مثل (ديكارت وكانط وهيجل وهيوم) وغيرهم , وأسفرتْ هذه الآلية العجيبة عن هذا الازدهار الثقافي الشامل الذي تجلَّتْ نتائجه في العلم والفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع وفي كافة جوانب الحياة الإنسانية .. إن الثقافات تستعصي على التقويض وأقصى ما تفعله آليات النقد حتى لو كان نقداً جذريا مثل فلسفة نيتشه ودريدا .. إنه تحريك الثقافات وتسريع نموها لذلك فإنه رغم المضمون التقويضي للتفكيكية فإنـها لم تؤثر على الثقافات الغربية إلا بمزيد من الحركة والنماء؛ فالتفكيك والتقويض أعجز من أن يزلزل الكيانات الثقافية الهائلة وإنما هو باستفزازها يسرِّع حركتها ويضاعف أسباب نموها ويجعلها أقدر على مواجهة كل التغيرات ) .

    ( لقد أنـهكتْنا وأربكتْنا أوهامُ المؤامرات فيجب أن نكفَّ عن هذا الخوف المَرَضي .. كما يجب أن نتوقف عن تحقير الجهود ؛ فبفضل المترجمين والدارسين والنقاد اطَّلَعْنا على إنجازات الغرب في العلوم والنقد والفلسفة والأدب ونحن لا ننتظر منهم الكمال وإنما يكفي أنـهم اجتهدوا وأنـهم تعبوا من أجل إشراكنا بما قرؤوه .. ومن البديهي ما دمنا ننقل عن الغرب مفردات حضارية أن يتفاوت نجاحنا في هذا النقل فالنقاد العرب مثل غيرهم منهم المتمكن ومنهم الذي دون ذلك .. لكن النقل عن الغرب ليس خاصاً بالنقاد فكل شعوب الشرق عالة على الغرب في الحضارة المعاصرة .. فنظُم التعليم في كل الدنيا منقولة نقلاً حرفياً من الغرب وكذلك تكوين الجامعات وأنظمتها وتراتباتـها ومعظم المواد الدراسية فيها منقولة نقلاً حرفياً من الغرب ومثل ذلك يقال عن كل النشاطات العصرية ) .

    ( أما تشومسكي فإنه أسهم عن قصد أو عن غير قصد في إبعاد العرب والمسلمين عن أمريكا وزاد فجوة الجفاء والكره والتباعد وهذا يصبُّ في مصلحة إسرائيل فكلما أظهر المسلمون مزيداً من العداوة للولايات المتحدة الأمريكية ازدادت قناعة الساسة الأمريكيين بضرورة المزيد من الدعم لإسرائيل . وهذا هو الذي يريده اليهود فيدفعوننا إلى الإمعان في إعلان العداوة لأمريكا وملء الدنيا بـهذا الصخب اللفظي الذي يجلب الدمار ويفسد العقول ويستبقينا في الدائرة الغوغائية العاجزة عن فهم العصر ويمنعنا من الانتقال من ثقافة العضل إلى ثقافة العقل ومن ثقافة القوة والإخضاع إلى ثقافة التواصل والإقناع ) .

    ( إن حياة الناس في المجتمعات العربية مشحونة بالخوف من المهد إلى اللحد لذلك يلجأون إلى الإخفاء " أي كُتاب الإنترنت " فالظهور الصريح محفوف بالمخاطر وأقلها الهجران والقطيعة والإدانة وتشويه السمعة , فليس في المجتمع العربي أي تعدُّدية فكرية وإنما هناك تيار سائد وحيد وقوي وهو يترصَّد كل ما يقال ويتعقَّب كل ما يُنشر فإخفاء الأسماء هو أحد وسائل النجاة من هذا الترصُّد المخيف ) .

    ( ما يحصل الآن في العالم العربي مجرد تغييرات شكلية ولا يمكن أن تتحقَّق بـها تطورات نوعية , فالتطورات النوعية تتطلب تغيُّرات في البنية الثقافية وفي منظومة القيم ) .

    ( الذي يجري في العالم العربي فهو مجرد تلميع للواقع وإضفاء ديكورات شكلية لا تمس البنية ولا تغيَّر المسار؛ فالناس في المجتمع العربي يماثلون ركاب الطائرة أو القطار أو الباخرة .. إنـهم قد يتحركون داخل القطار بعكس اتجاهه لكنه يتجه بـهم إلى حيث يريد هو لا حيث يريدون هم وحتى الذين يتبنون موقفاً نقديا من الممارسات الضارة في المجتمعات العربية ليسوا خارج القطار وإنما حركتهم محكومة بحركته ) .

    ( فوكوياما لم يزد عن إعادة التذكير بما رآه الفيلسوف الألماني هيجل والتعبير عن حقيقة صارخة وهي أن تجارب الشعوب سوف تنتهي بـها إلى أنه لا بديل عن الليبرالية المتجسدة سياسيا بالنظام الديمقراطي الذي يعترف للإنسان بفرديته ويوفر له الحرية والكرامة ويلتـزم بالقانون وتكافؤ الفرص .. ومع أنه ليس نظاماً كاملاً بل فيه كغيره من أعمال البشر عيوبٌ كثيرة إلا أنه النظام الوحيد الأقل سوءاً بين أنظمة الحكم التي مارستْها الإنسانية منذ بداية تاريخها وجرَّبتها واقعاً معاشاً في أقطار كثيرة أما المثاليات التي لا توجد إلا في الكتب فليست محلاًّ للمقارنة لأن الكلام لا يفيد الناس إذا لم يعيشوا المضمون واقعا حياًّ في حياتـهم اليومية ) .

    ( الشعر هو الفن الوحيد الذي يجيده الأميون وتجيده الشعوب المتخلفة .. إنه الفن الفطري الذي وُجِد قبل أن توجد المدن وقبل التطور الحضاري .. إنه فن البداوة لا فن الحضارة وهو فن العاطفة لا فن العقل وفن الارتجال لا فن التَّرَوَّي .. إنه عند العرب فن التفاخر الزائف والهجاء الكاذب ؛ فقد كان منذ نشأته لا يهتم بالحقيقة ولا يلتـزم بالموضوعية إلى درجة أن العرب يقولون إن أعذب الشعر أكذبه .. إنه فن التضليل الماسخ والانتفاش الفارغ ) .

    ( النقد الشديد لسوءات المجتمع هي علامة الحب الشديد له وليست دلالة الكُرْه؛ فالذي لا يـهتم بالناس لا يهمه أن يقعوا في الأخطاء ولا أن يبقوا في أقفاص التخلف .. أما الذي يحبهم فإنه يصاب بالغم إذا رآهم في أوضاع سيئة .. وكلما كان الحب عميقاً وصادقاً صار الألم غائراً ومؤْذيا ) .

    ( معضلة العرب والمسلمين في كافة الجوانب هي معضلة ثقافية .. إنـها ناشئة عن الانغلاق الثقافي وقمع الرأي المخالف فلقد تمَّتْ برمجة الناس على تزكية الذات تزكية مطلقة وتجريم الآخرين تجريماً مطلقا فإذا تحقق الانفتاح الثقافي وتوفرت التعددية الفكرية وتوقفتْ الثقافة المحلية عن الاحتكار المطلق للرأي ولم يَعُدْ بإمكانـها عمليا تكفير وقمع واستئصال الآخرين ) .

    ( إن الإرهاب نتيجةٌ وليس سبباً .. إنه ناتجٌ عن كُرْه المخالف .. والاعتياد على قمعه .. والإحساس القوي بضرورة استئصاله .. والتوهُّم بالوصاية على الناس .. والرغبة الجامحة في إرغامهم على قبول هذه الوصاية .. بل وعدم الاكتفاء منهم بقبولها وإنما لا بد أن يُظهروا أنـهم مبتهجون بـها ) .

    ( اعتدنا تبسيط القضايا المعقدة فتوهَّمنا بأننا بـهذه الأعمال العنيفة العشوائية نؤكد وجوداً ونبني مجداً ونستردُّ حقاًّ ولم ندرك أنه حصلت تغيُّرات جذرية في الحضارة الإنسانية .. ليس فقط في الوسائل والأدوات .. وإنما بشكل أعمق وأهم .. في الثقافة .. وفي قيمة الإنسان .. ودوره في الحياة.. وفي العلاقات بين الثقافات والشعوب والدول .. ولكن لأننا لم نلتفت لهذه التغيرات النوعية الطارئة على الحياة الإنسانية؛ فقد بقينا عاجزين عن التعامل الناضج مع العالم وظللنا نتخاطب مع أنفسنا ومع العالم بمنطق القوة .. مع أننا أقل الأمم امتلاكاً لها ولكننا الأكثر استخداماً لها وتـهديداً بـها!!! ) . ( الثقافة العربية وكل العلاقات فيها ما زالت تقوم على الإخضاع وليس على الإقناع ) .

    ( ما زلنا مأسورين بثقافة العضل ولم نتعرَّف بعد على التغيرات النوعية التي طرأت على الثقافة الإنسانية التي جعلت شعوب ودول أوربا الأعداء تاريخيا يتجهون إلى الوحدة ويتناسون عداواتـهم التاريخية بل ويتخطون التباينات اللغوية ويتغاضون عن الاختلافات الثقافية , فلقد اشتدَّت عندهم فاعلية العقل وتلاشت معوقات هذه الفاعلية فهيمن العقلُ على العواطف وتخلَّص الناس من عبودية التراب والحدود والعرق والطائفة والطبقة وصارت القيم الإنسانية الرفيعة والحريات والعلم ومنجزات العقل هي القواسم المشتركة التي يسعى إليها الجميع , لقد تخطوا مراحل الطفولة والمراهقة الحضارية وبلغوا مرحلة النضج الحضاري والرشد العقلي ) .

    ( إن الإنسان لا يولد بعقل ناجز وإنما يولد بقابليات فقط وهذه القابليات لديها قدرة عجيبة على الامتصاص التلقائي , فتتشكَّل بالمؤثرات الأولى ؛ فالعقل يحتله الأسبق إليه ؛ فإذا تشكَّل بثقافة مغلقة؛ فإنه ينغلق ويتوهم الكمال ويميل إلى كره الآخر والتعصُّب ضده والرغبة في استئصاله ) .

    ( نجد أن الفرد العربي شديد الاهتمام بالمظاهر الجوفاء .. كما أنه مهتم إلى درجة الهوس: بما يقوله الناس عنه .. وما هو رأيهم فيه .. ومهتم بالوجاهة إلى درجة تثير الإشفاق والسخرية ..ومهتم بالنفوذ .. ومهتم بمصالحه الخاصة .. ومهتم بتأكيد ذاته بشتى الوسائل حتى غير المشروعة .. وهذه الاهتمامات الفجَّة لا يمكن أن تبني حضارة ولا أن تُحقق ازدهاراً .. أما الفرد في المجتمعات المزدهرة فلا يهتم كثيراً بالمظاهر .. وإنما هو مهتم بالمضمون وبالمعنى وبالنتائج .. وهو لا يستمد قيمته مما يقوله الناس عنه .. وإنما يستمدها من : ذاته .. من معرفته .. وأخلاقه.. ومهاراته.. وإنتاجه .. وإبداعه .. وانضباطه .. وهكذا باختلاف الاهتمامات تختلف أوضاع الأفراد والمجتمعات..؛ فالمجتمع الذي تشغله اهتمامات حضارية يكون مزدهراً .. أما المجتمعات التي تشغلها اهتمامات رديئة فتبقى متخلفة ) .
    ( إن معضلة الثقافات المغلقة أنـها محكومة بقانون القصور الذاتي .. وأنـها مع ذلك تملك قوة طرد هائلة .. فهي لا تتقبَّل أيَّ محرَّك من خارجها .. إن هذه إشكالية معقَّدة ومزدوجة لذلك يأتي التغيُّر دائماً من داخل الثقافة .. ولكن بأدوات من خارجها ) .

    ( إن ثقافة العرب هي ثقافة لغوية شعرية , فنحن كما قيل ظاهرة صوتية ؛ فالشعر هو ديوان العرب , ومن المعروف أن الإبداع الشعري مصدره العاطفة وعماده الخيال ومادته اللغة وهو الفن الرفيع الوحيد الذي أجاده العرب في الجاهلية والإسلام , إنه فن البداوة ؛ فالإبداع فيه لا يتطلب شيئا من العلم .. وإنما هو فيضانٌ لفظي يندلق بارتفاع درجة حرارة العاطفة , إن الثقافة العربية لم تعرف الفلسفة أصلاً لا في الجاهلية ولا في الإسلام .. أما الذين اهتموا بالفلسفة من المسلمين فإنـهم أفرادٌ قلائل كانوا خارج النسق الثقافي العربي ؛ فابن رشد وابن سينا والفارابي والكندي وابن طفيل والرازي وأمثالهم ..لم يكونوا يُشَكِّلون تياراً داخل الثقافة العربية .. وإنما كانوا نشازاً في المجتمع .. بل كان المجتمع يحاربـهم ويُحرق كتبهم وما زالت أفكارهم موصومة بالانحراف والضلال والخطورة .. ويجري التحذير منها والتخويف من ضلالاتـها .. لذلك لا يمكن أن يقال بأن الثقافة العربية قامت بإقصاء الفلسفة ؛ لأنـها لم تتقبلها أصلاً ولم تسمح لها أبداً بالرواج..؛ فالتفكير العقلاني كلُّه غريبٌ على العقل العربي..؛ فالثقافة العربية ثقافة لغوية وليست ثقافة فلسفية , إنـها ثقافة البداهة السطحية والارتجال العفوي .. أما الفلسفة فهي نتاج التأمل العميق والبحث الجاد والعقل الحر .. وهذه شروط أو صفات لم تعرفها الثقافة العربية ومازالت بعيدة عنها بُعداً شاسعاً ) .

    ( إن المثقف كمفهوم وتاريخ وإنتاج وممارسة هو نتاجٌ غربي محض .. لذلك فإن المثقفين العرب لم يكتسبوا صفة المثقف من ثقافتهم العربية .. وإنما اكتسبوها باستيعاب ثقافة الغرب والانتقال من ثقافة النقل إلى ثقافة العقل , ومن ثقافة الانصياع إلى ثقافة الإقناع , ومن ثقافة التسليم المطلق إلى ثقافة المراجعة والتمحيص , وهنا ينبغي أن لا نخلط بين المتعلَّم والمثقف؛ فالمتعلم حتى لو نال الدكتوراه من أمريكا قد يبقى مبرمَجاً ومنصاعاً للمألوف ) .

    ( الآن أعيش بين الكتب وأرى الاختلاط مَضْيعة للوقت ومضاعفة للكَمَد ) .
     

مشاركة هذه الصفحة