المنهج السلفي وسط بين الإفراط والتفريط

الكاتب : أبو بكر محمد   المشاهدات : 659   الردود : 7    ‏2006-03-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-03-05
  1. أبو بكر محمد

    أبو بكر محمد عضو

    التسجيل :
    ‏2006-01-17
    المشاركات:
    100
    الإعجاب :
    0

    وسطـيــة الإســلام

    إنّ الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لاشريك له و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله
     يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله حقّ تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون 
     يا أيّها النّاس اتّقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة و خلق منها زوجها و بثّ منهما رجالا كثيرا و نساء و اتّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إنّ الله كان عليكم رقيبا 
     يا أيّها الذين آمنوا اتّقوا الله و قولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم و من يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما 
    أمّا بعد :
    فإنّ أصدق الحديث كلام الله وخير الهدي هدي محمد  و شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ثم أمّا بعد :
    فمرحبا بكم أيّها الإخوة و الأبناء الكرام المنتمين إلى المنهج السلفيّ و الذي أرجو أن نكون جميعا صادقين فيه و مخلصين لله فيه , و العنوان كما بلغني ( وسطيّة الإسلام ) أليس كذلك ؟
    من ميزات الإسلام التي لا تعد و لا تحصى التوسط والاعتدال في كل شأن من الشؤون ومن مزاياه الرحمة و الحكمة والصبر و سائر الأخلاق الكريمة التي بُعث محمد لإكمالها وهي موجودة في الرسالات جميعا , قال  ( بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) . الإسلام فيه اعتدال و فيه توسط , في عقائده و مناهجه و شرائعه و أحكامه وما رسمه من أخلاق , و قد وعاه صحابة محمد  الذين حظوا بتلك التزكية و تلك التربية العظيمة التي امتنّ الله تبارك و تعالى بها على هذه الأمّة  هو الذي بعث في الأمييّن رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة  .
    يدخل في هذه التزكية و في حفظ الكتاب و في هذه الحكمة التوسط والاعتدال و يتضمن ذلك نبذ الغلوّ و نبذ الجفاء , فالتوسط هو بين طرفين , طرف الغلو و الإفراط و طرف التفريط و الجفاء , و ما من قضية يتأمّلها المسلم في عقائد الإسلام أو من قضايا العقائد و العبادات و الأحكام إلاّ و يرى العدل فيها و التوسط فيها , بعيدة عن الإفراط و التفريط و الله تبارك و تعالى يقول في الإشـادة بهذه الأمة و منزلتها عند الله تبارك وتعــالى  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً هكذا زكّى الله هذه الأمة و اختارها وشهد لها بأنّها الوسط ,و الوسط الخيار والوسط الاعتدال وجعلها شاهدة على الأمم كلها ,مقبولة الشهادة عند الله تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة و هذه لمن التزم بتعاليم الإسلام و التزم بهذه الوسطية ,وتجد في المنحرفين عن هذه الوسطية من الغلو و الجفاء في نفس الوقت ما يخالف هذه الميزة التي امتازت بها هذه الشريعة المحمدية و امتازت بها الأمة التي التزمت هذه الشريعة .
    وقال الله تعالى :  وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ الآية .
    فالله اجتبى هذه الأمة و اختارها و نفى عن دينها الحرج و هو الضيق و الشدة التي تنشأ عن الغلو , فنفى هذه الصفة الدنيئة , نفى الحرج و الضيق و الشدة و ربط هذه الأمة بأبيها إبراهيم إمام الحنفاء و أبو الأنبياء - منّة من الله تبارك و تعالى - و مقتضى هذا الاختيار و هذا الاجتباء أن نقوم بشرائع الله عزّ وجل ذات الاعتدال و السعة والسماحة و الرحمة .
    من مقتضيات هذه الشريعة التي أثنى الله عليها و نفى الحرج فيها أن نقوم بها ومن أهمها الصلاة و الزكاة و الاعتصام بالله تبارك وتعالى والرضى به ربّا نتوكل عليه و نستنصر به فينصرنا و يحفظنا ويرعانا و لا يضيعنا - سبحانه وتعالى - إذا نحن التزمنا هذا المنهج العظيم و ما حواه من عقائد و شرائع .
    كان الرسول  يربي أمّته على هذا الاعتدال ويبعدهم عن الشدة و الشطط في كل شأن من الشؤون وخاصة في العبادات بل في المعاملات و غيرها .
    جاء نفر إلى بيوت أزواج النبي يسألون عن عمله فأخبروا أن رسول الله  يقوم وينام و يصوم و يفطر و يتزوج النساء , فقال أحد هؤلاء النفر أمّا أنا فأقوم و لا أنام و قال آخر أما أنا فأصوم و لا أفطر و قال آخر أما أنا فلا أتزوج النساء فجاءهم النبي  فقال لهم أنتم تقولون كذا ؟ قالوا نعم قال : ( أما أنا فأقوم و أنام و أصوم و أفطر و أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس منّي ) .
    فاعتبر الشدة خلاف سنته و اعتبر عدم الاعتدال و التشدد رغبة عن سنته و تبرأ ممن يرغب عن سنته , فلينتبه الغلاة إلى مثل هذه البراءة .
    أما صحابة رسول الله الذين علّمهم و أعطاهم هذا الدرس العظيم فقد استفادوا , وأمّا أهل الأهواء و أهل البدع فقد لا تنفعهم مثل هذه الدروس نسأل الله العافية.
    و بلغ رسول الله  أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص قال : لأقومنّ الليل و لأصومنّ النّهار , قال: أنت تقول هذا ؟ قال نعم بأبي أنت و أمي يا رسول الله فقال  : ( صم من كل شهر ثلاثة أيام ,قال إنّي أطيق أكثر من ذلك قال: صم يوما و أفطر يومين , قال إنّي أطيق أكثر من ذلك قال: صم يوما وأفطر يوما و هذا أعدل الصيام ) .
    قال : أعدل و هذا في رواية يعني وسط و أفضل وهو صيام داود عليه الصلاة و السلام , لأنّه ليس فيه شدّة و كما علّمه رسول الله وعلّم غيره فقال : ( إنّ لنفسك عليك حقّا و لزورك عليك حقا و لزوجك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه ) ,فالذين يتشدّدون في الأمور لا يُوّفون هذه المطالب حقّها , يضيّعون كثيرا من الحقوق على أبنائهم و أسرهم و على أمّتهم بل قد يضيّعون كثيرا من حقوق الله عزّ و جلّ , فربّى النبيّ صلّى الله عليه و سلّم أمّته على الاعتدال و التوسط في كلّ شأن و من أهمّها العبادات .
    هذه نبذة عن التوسط , ونلفت النظر إلى أنّ الغلوّ قديم في الأمم و قد يمتدّ إلى يوم القيامة فأوّل غلوّ حصل في قوم نوح - عليه السلام - غلوا في قوم صالحين فقادهم الشيطان بهذه النزعة , نزعة الغلوّ إلى أن ينصبوا لهم أنصابا أوثانا فنصبوا لهم أنصابا , و لمّا هلك ذلك الجيل جاء جيل بعدهم أو أجيال فعبدوا هذه الأصنام , فجاء نوح عليه السلام يدعوهم إلى الله تبارك و تعالى وإلى عبادته وحده , ويجتهد في صرفهم عن هذا الغلوّ و هذه العبادة الوثنية التي جرّهم إليها الغلوّ , دعاهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما فأبوا و استكبروا وعاندوا , و يدخل ضمن غلوّهم , الغلوّ فيما كان عليه آباؤهم  قالوا ما سمعتا بهذا في آبائنا الأوّلين  ,وهم يقدّسون آباءهم و ما ورثوه عن آبائهم ,الغلوّ في التراث من أمجاد يزعمونها خلّفها لهم آباءهم , ولو كانت في حضيض الأخلاق و العقائد يعتبرونها أمجادا و يعتزّون بها و يكذّبون الرّسل و يقذفونهم بالتّهم , ما الّذي حملهم على هذا ؟ على هذا العناد الذي امتدّ إلى قرابة ألف سنة  ألف سنة إلاّ خمسين عاما  ما ذلك إلا لغلوّهم في تلك الأوثان و الغلوّ فيما وجدوا عليه آباءهم من وثنيّة ومن ضلالات أخرى .
    و هكذا قوم هود و قوم صالح و سائر الأمم التي ضلّت وانحرفت بعث الله إليها الرسل لتحارب انحرافاتها و غلوّها في أوثانها و غلوّها في تقاليد وعادات آبائها  إنّ وجدنا آباءنا على أمّة و إنّا على آثارهم مقتدون  غلوّ واعتزاز أهوج بما وجدوه من تراث عفن من تراث آبائهم من وثنية مهلكة وأخلاق مردية يواجهون بها الرسل ويتشبثون بها ويقولون وجدنا آباءنا على كذا وكذا و إنّا على آثارهم مقتدون و إنّا على آثارهم مهتدون  قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)  وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ  فالتشبث بالعقائد الفاسدة و الأخلاق الرّذيلة عادات قديمة تداولتها الأمم الهالكة و واجهت بها الرّسل عليهم الصلاة والسلام فأهلكهم الله تبارك وتعالى بهذا الغلوّ و هذا الانحراف الناشئ عن الغلوّ في الأشخاص وفي العادات وفي العقائد وفيما وجدوا عليه آباءهم ,أهلكهم الله تبارك وتعالى وجعلهم عبرة للمعتبرين ولكن الغلاة لا يعتبرون في كلّ زمان ومكان مهما رأوا و سمعوا ,مهما شاهدوا بأعينهم العقوبات التي تحيق بأولئك الغلاة , مثل الطوفان الذي أهلك الله به قوم نوح و مثل الرّيح التي دمّرت قوم هود و مثل الصّيحة التي أهلكت قوم صالح , و سائر أنواع المثلات التي حاقت بالأمم .
    فترى الغلاة الغارقين في هذا الغلوّ لا يستيقظون و لا ينتبهون ولا يعتبرون- والعياذ بالله - و الذي يستعرض القرآن يجد ما لقي الرّسل فيه من أقوامهم الغلاة في الباطل و المتشبثون بالوراثات الفاسدة , و هكذا يجد في النّصارى , في اليهود , في المجوس في الهندوك , و في غيرهم غلوّا شنيعاً في أقذر الأشياء و أوسخها و أحطّها فتأريخ الوثنيات قذر وسخ , حتّى تجد في حياة الهنود وعقائدهم عبادة القرود و الخنازير و الحيّات والفروج وثنيّة منحطّة إلى أبعد الحدود , يتعصّبون لها و يحاربون من أجلها الإسلام , فيسفكون الدماء و ينتهكون الأعراض و يدمّرون الأسر و البيوت و الأموال من أجل هذه الوثنيّة المنحطّة , ما الذي دفعهم إليها ؟ دفعهم إليها الغلوّ الأهوج - و العياذ بالله - وقل مثل ذلك في اليهـود و النّصارى.
    على كل حالّ هذه لمحة عن الغلّو في الماضي و في الأمم التي تحيط بهذه الأمّة , اليهود غلوا في عزير و قالوا إنّه ابن الله و أصيبوا بداء الجفاء فقتلوا الأنبياء وقتلوا الذين يأمرون الناّس بالقسط و هذا من الجفاء و كذّبوا عيسى عليه السلام و كذّبوا محمدا  وما جاء به , و هم يعرفون أنّه رسول الله حقّا عليه الصلاة و السلام , يعرفونه كما يعرفون أبناءهم , ومع ذلك دعاهم الجفاء و الغلوّ في آن واحد إلى تكذيب الرسول و محاربته و جحود الحقّ الذي يعلمونه قال تعالى عنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم .
    و النصارى كذلك غلوا في عيسى و عبدوه وقالوا إنّه ابن الله و ثالث ثلاثة و قالوا فيه هو الله , و بيّن الله تبارك و تعالى أنّ عيسى عبد من عباد الله و أنّه رسول و أمّه صدّيقة كانا يأكلان الطعام , بيّنه الإسلام غاية البيان , و العقول تدرك هذا و تدرك ما وقع فيه النصارى من السّخف و الضلال , و لهذا سمّاهم الله تبارك تعالى الضّالين , وعلّمنا الاستعاذة من هذه الصفة , صفة الضلال في كلّ صلاة نصليها  اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضاّلين المغضوب عليهم هم اليهود لأنّهم يعلمون الحقّ و يجحدونه ويعاندون فيه ( والضّالين ) النّصارى . و الدّافع لهذا الضلال هو الغلوّ الموجب لغضب الله تعالى و لعناته هو الغلوّ و الجفاء فالغلوّ والجفاء من الصفات الذميمة , و الاعتدال هو الصفة المحمودة عند الله عزّ و جلّ وهو من صفات هذه الشّريعة التي جاء بها محمد  , و لقد حصل هذا الغلوّ في هذه الأمّة رغم أنّ القرآن حذّر من ذلك و السنّة حذّر فيها رسول الله  من الغلوّ , قال الله تعالى :  يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم و لا تقولوا على الله إلاّ الحقّ  و هذا نداء لأهل الكتاب وهو يتناول المسلمين , فإذا كان ينهى أهل الكتاب عن الغلوّ فهذه الأمّة من باب أولى  ولا تقولوا على الله إلاّ الحقّ  لأنّ الغلوّ ضدّ الحقّ و المؤمن المعتدل يقول الحقّ فلا يغلوا ولا يجفو .
    وقال  : ( إيّاكم و الغلوّ فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ ) فحذّر الرّسول  من الغلو أشدّ التّحذير , حتّى إنّه في حجّة الوداع في رجوعه من عرفات إلى مزدلفة طلب من الفضل أن يناوله حصيات ليرمي بها الجمرة فالتُقِطت له الحصيات فرفع واحدة منها و قال : ( بمثل هذه فارموا و إيّاكم و الغلوّ فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ ) حتّى الحصاة هذه لابدّ أن تعتدل فيها وتتبع فيها محمدا  فلا تتقدّم بين يديه في شيء فتزيد أو تنقص , النقص جفاء والزيادة غلوّ .
    القرآن يربّي على الاعتدال و السنة كذلك و سيرة الرسول تربّي على ذلك وكذا سيرة السلف الصالح , و لكنّه دبّ إلى الفرق الضّالة داء الأمم الهالكة ووقع في مراتع الغلوّ , أناس مفرّطون و أناس مُفْرِطون .
    و المنهج السّلفي من بين المناهج الموجودة هو المنهج الوسط المعتدل لمن فقهه حقّ الفقه , لا للأدعياء , فمن فقه هذا المنهج من كتاب الله و سنّة رسوله  ومن سيرته ومن سيرة السّلف الصالح يعرف أنّ المنهج السلفي هو دين الله الحقّ القائم على الاعتدال و القائم على الصراط المستقيم و القائد إلى الحقّ في عقيدته و منهجه و تربيته و دعوته , بينما تجد في المناهج الأخرى التّأرجح بين الإفراط و التّفريط , المنهج السّلفي وسط في هذه الفرق كوسطية الإسلام بين الأديان و الملل السّابقة .
    فأهل السنّة و الجماعة في عقيدتهم وسط في عدد من المناهج , فهم وسط بين الجهميّة المعطلة و المشبهة المنحرفة , المعطلة غلوا في التّنزيه فأدّاهم هذا الغلو ّإلى تعطيل صفات الله عزّ وجلّ , و المشبّهة غلوا في الإثبات فأدّاهم هذا الغلو إلى أن يشبهوا الله تعالى بخلقه في أسمائه وصفاته فتعالى الله عماّ يقول الظاّلمون علوّا كبيرا .
    و توسط أهل السنة و الجماعة في هذا الباب بين المعطلة و المشبهة فأثبتوا صفات الله تعالى , صفات جلاله و نعوت كماله , أثبتوها من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تحريف و لا تعطيل , تو سّطوا بين الطّائفتين المنحرفتين , إثبات بلا تعطيل , ننـزه الله تعالى عن المشابهة و ننزهه تبارك وتعالى عن التّعطيل فلا نشابه المعطلة فنغلوا في التنزيه حتّى يُخرِج هذا الغلوّ من وقع فيه إلى التّعطيل , و لا نشارك المشبهة في الغلوّ في الإثبات حتّى لا يخرجنا ذلك إلى التّشبيه .
    وهم وسط في باب الأفعال بين الجبرية و القدريّة , الجبريّة ترى أنّ العباد مسلوبيّ الإرادة و القدرة و حركاتهم اضطراريّة كحركة أوراق الشجر تحركها الرّياح , و كحركة الجمادات المسخّرة لا اختيار لهم و لا قدرة ولا إرادة - و العياذ بالله - .
    و القدريّة يرون أنّ العبد مستقّل بمشيئته و إرادته يفعل ما يشاء و لا ارتباط بين إرادته و فعله و مشيئته و بين مشيئة الله و إرادته و تقديره للأشياء , و هدى الله أهل السنّة فتوسّطوا بين هاتين الطّائفتين , أثبتوا للعبد أفعالا و قدرة وإرادة و اختيارا لكنّها تابعة لمشيئة الله تبارك و تعالى , فالعبد عنده عقل وكلّفه الله تبارك وتعالى لوجود هذا العقل و منحه القدرة و الاختيار , و أعطاه التّمييز بين الحقّ و الضلال و الحقّ و الباطل و أعطاه قدرة و اختيارا و إرادة و كلّ ذلك مربوط بمشيئة الله تعالى , و العبد فعّال , هو المصلّي , هو المزكّي , هو الصّائم , و هو الزّاني , و هو السّارق , وهو...الخ .
    هذه أفعاله فعلها باختياره و إرادته و قدرته ومع ذلك هي مربوطة بمشيئة الله عزّ وجلّ فالله خالق للعبد وأفعاله والعبد فاعل فعلاً حقيقياً ينسب إليه , أتاه بقدرته و إرادته و اختياره و ليس مجبورا على ذلك كما تقول الجبريّة - بارك الله فيكم - .
    وهم وسط في باب الوعد و الوعيد بين المرجئة و بين الخوارج و المعتزلة , فالخوارج و المعتزلة يتعلقون بنصوص الوعيد , و المرجئة يتعلّقون بنصوص الوعد , و أهل السنّة وسط بين الطّائفتين , يؤمنون بنصوص الوعيد وأنّها تلحق بمشيئة الله العصاة , فالزّاني و السّارق و القاتل معرّض للوعيد , و عند المرجئة تعلّقٌ بنصوص الوعد و إهمال لنصوص الوعيد فأهل الذنوب عندهم مؤمنون كاملوا الإيمان , لا تُنقِص المعاصي من إيمانهم شيئا و غلاتهم يرون أنّه لا يضرّ مع الإيمان ذنب , فإذا لقي الله موحِّداً غير مشرك فلا عقوبة عليه و لا تنطبق عليه نصوص الوعيد وهو مؤمن كامل الإيمان و لو كان من أفجر النّاس و أفسقهم إيمانه مثل إيمان جبريل و محمد عليهما الصلاة و السلام , اشتطّوا و غلوا في التّعلق بنصوص الوعد و اشتطّ الخوارج في التعلق بنصوص الوعيد , فكفّروا العصاة و حكموا عليهم بالخلود في النّار , و غلاة المرجئة قالوا بنجاة الموحدّين و لا عقاب عليه و لا عذاب و هم مؤمنون كاملوا الإيمان .
    و أهل السنّة توسّطوا فقالوا : إنّ الذنوب لا تخرج بأصحابها من الإيمان إلى الكفر كما يقول الخوارج وكما يقول المعتزلة يخرج من دائرة الإيمان إلى منزلة بين المنزلتين ثمّ يلتقي الخوارج و المعتزلة في الحكم على المصرّين على الكبائر , الذين ماتوا مصرّين على الكبائر أنّهم خالدون مخلّدون في النّار .
    و قال أهل السنّة : إنّ هؤلاء الذين ماتوا وهم مصرين على المعاصي هم فسّاق و ناقصوا الإيمان , نقول مؤمن ناقص الإيمان و نقول مؤمن فاسق , ولا نقول كافر و نقول إنّه معرّض للعقوبة إن لم تتداركه رحمة الله عزّ و جلّ لأنّ من مات وهو غير مشرك فهو تحت مشيئة الله  إنّ الله لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء  إلى نصوص أخرى و أحاديث تبيّن أنّ العصاة يخرجون من النّار , يعذّبون , يعذّب الله من شاء منهم ثمّ يخرجهم الله بشفاعة الشفعاء , شفاعة محمد صلى الله عليه و سلم و شفاعة غيره من الأنبياء و المرسلين و شفاعة الملائكة و شفاعة المؤمنين , ثمّ يبقى منهم من يخرجه الله تبارك وتعالى بفضل رحمته عزّ و جلّ .
    من الغلوّ الذي ابتلي به المسلمون غلوّ الخوارج , الذي بدأ من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأبه ذو الخويصرة الذي انطلق - و الله أعلم - من فكرة المساواة التي يدندن بها الديمقراطيّون , الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزوة حنين قسّم الغنائم و فضّل بعض الزعماء لمصلحة عظيمة , فضّلهم في العطاء , أعطى لهذا مائة من الإبل و أعطى لهذا مائة من الإبل و... و.... ولم يعط الآخرين مثلهم لمصلحة الإسلام , لأنّه لمّا يعطي هذا الزعيم يطمئن إلى الإسلام فيؤمن و يستقر على الإسلام فتتبعه عشيرته و قبيلته , الرّسول بعيد النّظر , و هو أعدل النّاس - عليه الصلاة و السلام - .
    قسّم هذه القسمة و فضّل فيها فقال ذو الخويصرة : و الله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله أو ما عُدل فيها , فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- و قال : ( من يعدل إذا لم أعدل , خبت و خسرت إن لم أعدل ) و استأذنه عمر في قتله , فقال : ( لا إنّه يصلّي ) ثم قال - عليه الصلاة والسلام - : ( يخرج من ضئضئ هذا قوم تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم و قراءتكم إلى قراءتهم و صيامكم إلى صيامهم يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرمية ) .
    غلوّهم في الدّين و غلوّهم في طلب المساواة أوقعهم في هذا الهلاك الذي أهلكوا به أنفسهم وأهلكوا به الأمّة و خرج من ضئضئه قوم كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه و سلم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام , و قاتلوا عليّا و الصحابة , لا حكم إلاّ لله , غلوا في الحاكمية و جهلوا معنى الحاكمية و خرجوا على عليّ رضي الله عنه , و أرسل عبد الله بن عباس يناظرهم فناظرهم , فرجع منهم الكثير و الباقون ثبتوا على غلوّهم في الدّين و في الحاكمية التي جهلوها فسفكوا الدّماء فاضطرّ عليّ إلى قتالهم فاستأصل شأفتهم و بقي منهم من بقي و توارثوا هذا الغلوّ إلى يومنا هذا , غلوٌّ في السياسة , غلوٌّ في الحاكمية و إهمالٌ للعقيدة و إهمال للمنهج و إهمال لجوانب عظيمة , فانتبهوا لهذا .
    ومن آثار و بقايا هؤلاء الغلاة ما يعيشه المسلمون الآن من خراب و دمار في مشارق الأرض و مغاربها , و منابع هذا الغلوّ في التّكفير و التدمير و التّفجير , من أهمّ منابعه التي يغالط أتباعه فيها هذه الأمّة و يبحثون عن أسباب بعيدة كلّ البعد عن منابع الفساد الحقيقية و هي التراث القطبي الذي ورّثه السيّد قطب في كتابه الظلال المشحون بالتّكفير تكفير الأمّة , و المشحون بضلالات خطيرة جدّا كالحلول و وحدة الوجود و تعطيل الصفات و ما شاكل ذلك , و في كتابه * المعالم * المشحون بالتّكفير و شحن الشباب , هذا الغلوّ أهلك الأمّة في الجزائر و في أفغانستان و في البلاد العربيّة و الإسلاميّة و تعاني الأمّة الآن منهم من الهلاك ما لا يعلمه إلاّ الله عزّ و جلّ , فعلى الأمّة أن تعرف هذه المنابع لهذا الدّاء العضال , ألا و هي كتب سيّد قطب و الكتب التي تفرّعت عنها مثل كتب صلاح الصّاوي و كتب أبو بصير و حركات أبي حمزة و أسامة بن لادن و أمثالهم , هؤلاء المخربون الخوارج إنّما تربّوا على كتب سيّد قطب و لا تنسوا أيمن الظواهري و جماعة الجهاد والتكفير , هؤلاء أوقعهم في هذا البلاء كتب سيّد قطب المشحونة بالغلوّ في التّكفير , فهو يكفر حتى بالجزئية , لو أطاع إنسان غيره في جزئية فقد ارتّد عن الإسلام , وهذا و الله أشدّ من تكفير الخوارج الأوّلين , و يتربون على هذه الكتب و صاحبها إمام مقدّس و لو طعن في الأنبياء و لو طعن في الصحابة الكرام و لو دمّر أصول الإسلام و عقائده , حلول ووحدة وجود , تعطيل الصفات , هذه لا تضر و لا تنال من قداسة هذا الرجل شيئا و لا تحطّ من كرامة هذه الكتب مع الأسف الشديد , مالذي جعل كثيراً من النّاس ينزلون سيّد قطب هذه المنزلة و هو في حضيض الضلال و ينزلون كتبه هذه المنزلة و هي من كتب الضلال و الدمار , مالذي جعل كثيرا من شباب الأمّة , يعني يقعون في هذه المهالك و يوقعون فيها الأمّة ؟ ما منشأ ذلك إلاّ الغلوّ المناهض لمنهج محمد صلى الله عليه و سلم و شريعته , المناهض لعقائد القرآن و أحكامه و عقائد السنّة و أحكامها و عقائد الصحابة و السلف الصالح , ومع الأسف الشديد هذا الصنف من النّاس يرى نفسه أنّه هو المسلم و لهذا ترى في مواقعهم أنا المسلم و تسمع من كلماتهم : إلى الجحيم خالدا فيها مخلدا يا ابن عثيميين, و ترى فيها التّكفير و ترى فيها الطعن للمعتدلين الثابتين على منهج الإسلام , منهج الرّسول صلى الله عليه وسلم و منهج القرآن الكريم , فعلى شباب الأمّة في مشارق الأرض و مغاربها أن يتّجه إلى كتاب الله و سنّة نبيّه  اللذان تربّى عليهما خير أمّة أخرجت للنّاس يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و يؤمنون بالله و أسعدَ الله بهم أمما فأنقذ الله بهم و بما جاءوا به أمما من الضلال و الكفر و الشّرك و أنقذهم الله بهذه الرّسالة أمما و شعوبا من النّار , و قد كانوا على شفا حفرة من النّار فأنقذهم منها تبارك و تعالى بما جاء به محمد صلى الله عليه و سلم و بما نشره صحابته الكرام من تعاليم و عقائد و أخلاق منبثقة من كتاب الله و سنّة رسوله - صلى الله عليه و سلم - فتبوءوا القمم العالية من العزّة و الكرامة , لأنّهم أمّة وسط و لأنّهم خير أمّة أخرجت للنّاس , و ترى ما يلحق النّاس من الغلوّ إلاّ الهلاك و الدّمار فهذه النّوعيات الغالية لا يزيدون الأمّة إلاّ هلاكا و دمارا و خزيا و عارا .
    منذ نشأ الإخوان المسلمون و هم يقولون جهاد , جهاد , الدولة الإسلامية , الخلافة الإسلامية , و المسلمون في انحطاط على أيديهم و في تقهقر إلى الوراء و الوراء على أيديهم , مع الأسف الشّديد و هم يزعمون أنّهم دعاة الإسلام و المجاهدون باسم الإسلام ومع الأسف الشّديد لا يزيدون الأمّة إلاّ هلاكا , و يقدمون شباب الأمّة هدايا على أطباق من الذهب كما يقال للأمريكان و للرّوس يذبحونهم كما يذبحون الفراريخ و الدّجاج , يقدّمونهم هكذا لا عدّة من عقيدة و لا عدّة من مادّة و سلاح .
    الله تبارك و تعالى شرع الجهاد في هذه الأمّة إذا كانت أمّة حقّا مؤهلة للجهاد بعقيدتها و برجالها و بأخلاقها و بعدّتها المادية و العسكرية فهؤلاء لا عقيدة صحيحة و لا منهج صحيح و لا عدّة مادية , الجهاد , الجهاد , أهلكوا الأمّة و هم و الله يتمتّعون و يتلذذون بالمناصب و بالأموال و المآكل و المشارب و يذهب ضحيّة هذه الشعارات الفاسدة و هذا الصراخ المفتعل , يذهب ضحايا كثيرة من أبناء المسلمين بهذه الشعارات و النّداءات الفارغة , فعلى الأمّة أن ترجع إلى كتاب ربّها و سنّة نبيّها لتكون أمّة وسطا كما أخبر الله و كما وصف الله تبارك و تعالى , و لتكون خير أمّة أخرجت للنّاس و بهذه العودة و باستعادة هذه المكانة عند الله عزّ و جلّ تعود العزّة و الكرامة للأمّة ووالله لن تنفع هذه الشعارات هذه الأمّة أبدا بل ما تزيدها إلاّ انحطاطا و دمارا و ذلاً و هوانا .
    ألا فليدرك المسلمون مصدر عزّهم و مصدر هلاكهم فيجتنبوا مصادر الهلاك و منها هذا الغلوّ و كثير من هذا الغلوّ مفتعل و الله أعلم و مصطنع , و تعرف مصدر عزّها فتهرع إليه و تعظّ عليه بالنّواجذ و تربّي أنفسها و أجيالها عليه ليحقق الله لهم ما حقّقه لأسلافهم الكرام .
    أسأل الله أن يهيئ لهذه الأمّة دعاة صادقين مخلصين يعودون بهم إلى مصدر عزّتهم وكرامتهم وسعادتهم ,كتاب الله و سنّة رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي فيه كلّ الكمال و منه التّوسط والاعتدال . أسأل الله أن يحقق ذلك
    و صلّى الله على نبيّنا محمد
    و على آله و صحبه و سلم .
    و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
    ( شريط مفرَّغ )
    ألقاه شيخنا العلاَّمة
    ربيع بن هادي المدخلي-حفظه الله-
    بتاريخ 26/محرَّم/1426 هـ
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-03-05
  3. al-nibras

    al-nibras مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-01-17
    المشاركات:
    3,518
    الإعجاب :
    0

    والله ما ادري ااضحك ام ابكي
    لكن اقول هذا الكلام حجة على ادعياء السلفية وليس لهم
    والله المستعان
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-03-05
  5. فارس الاسلام

    فارس الاسلام عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-04-26
    المشاركات:
    2,226
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خير


    فمنهج اهل السنه منهج واضح وبين


    ولاكن من ملئ التحزب قلوبهم

    وتمكن التعصب في انفسهم

    يتقولون على اهل السنه مالم يقولو

    ويتعصبون للباطل
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-03-06
  7. محمد القوباني

    محمد القوباني عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-12-23
    المشاركات:
    535
    الإعجاب :
    0
    نعم ان التعصب الاعمى سببه الحزبية
    تقبل تحياتي اخي سيف الاسلام
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-03-07
  9. aborayed

    aborayed قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2003-08-03
    المشاركات:
    7,186
    الإعجاب :
    0
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2006-03-07
  11. محمد القوباني

    محمد القوباني عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-12-23
    المشاركات:
    535
    الإعجاب :
    0
    حسبي الله ونعم الوكيل
    نسأل الله لك الهداية
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2006-03-09
  13. aborayed

    aborayed قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2003-08-03
    المشاركات:
    7,186
    الإعجاب :
    0
    اخي محمد بس ماعطيتنا رايك ومن هولا هل هم مسلمون ام يهود ام ماذا
    عندما يسمون المدخلي واصحابه يهود القبله
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2006-03-24
  15. محمد القوباني

    محمد القوباني عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-12-23
    المشاركات:
    535
    الإعجاب :
    0
    انا لست مكلف ان اكفر احدا
    ولكن انا مكلف لوكفرت احدا
    ثم اني اريد ان اقول لك ان الشيخ ربيع
    قد :cool: كشف زيف المبتدعة فثاروا عليه ولكن هي تشجنجات مصروع
    تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة