مذكرات عسكرية شيقة جدا.. للشهيد القسامي عوض سلمي

الكاتب : كتائب القسام   المشاهدات : 748   الردود : 0    ‏2002-04-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-04-29
  1. كتائب القسام

    كتائب القسام عضو

    التسجيل :
    ‏2002-03-11
    المشاركات:
    16
    الإعجاب :
    0
    الحلقة الأولى
    عملية الخط الشرقي (معبر كارني)

    جاءت هذه العملية بعد نشاط مميز، وجهود مضنية لخليتنا التي كانت تعمل تحت اسم كتيبة الشهيد ياسر النمروطي ـ رحمه الله ـ والتي قامت خلال فترة وجيزة بخطف أكثر من عشرة عملاء، والتحقيق معهم، وإعدام من يستحق الإعدام، والإفراج عن البعض منهم.

    لفت هذا النشاط الملحوظ انتباه الأخ المجاهد/ عماد عقل ـ رحمه الله ـ فطلب مقابلة مسئول الخلية ـ وكنت حينها مسئولاً عنها ـ وعندما التقيت به في منزلي طلب مني أن أعمل بالتنسيق المباشر معه فقط فيما يتعلق بالعمل العسكري ضد قوات الاحتلال، وأن أترك العمل تماماً في مجال مكافحة العملاء والمتعاونين، ولم نكن نملك يومها سوى قطعة سلاح قديمة جداً من نوع (كارلوستاف) وبعض الخناجر، وقد شرحت له ذلك، فوعدني بأن يحضر لي أربع قطع سلاح من نوع (كلاشن كوف)، وكمية من الذخيرة، وبالفعل أحضر لنا السلاح بعد فترة وجيزة، فقمنا سوية بتنظيف هذه البنادق بمنزلي، ومن ثم جهزناها تماماً للعمل، ويومها قام الأخ عماد بتدريبي على هذا النوع من السلاح، وأمرني بأن أقوم بتدريب باقي أفراد خليتي، وهم: الأخ المجاهد/ م د، والأخ المجاهد/ ب ز، والأخ المجاهد/ م ع، وبالفعل قمت بتدريبهم على تفكيك السلاح وتركيبه وتنظيفه، واتفقنا على أن أقوم بتدريبهم على إطلاق النار في إحدى البيارات قرب منطقة أم الليمون ليلاً، وتم ذلك بالرماية على شواخص وهمية للتصويب عليها.

    كنت أدربهم على الرماية حتى طلوع الفجر، ثم ننسحب ونضع سلاحنا في مخازن أعدت خصيصاً في باطن الأرض لهذا الغرض.

    التقيت بالأخ عماد ـ رحمه الله ـ وكان سعيداً جداً حين أخبرته أنني قد أنهيت المهمة على خير وجه، وخلال لقائي أخبرني أنه ينوي القيام بعملية نوعية ضد قوات الاحتلال الصهيوني، وبدون تردد جلسنا للتخطيط لهذه العملية، واتفقنا على القيام برصد الهدف المطلوب، وتأمين خط الانسحاب، واستكشاف موقع العملية، وتجهيز السلاح اللازم لتنفيذ العملية، وقد قمت بمساعدة أفراد خليتي بإتمام كل هذه الأمور وتجهيزها، وكانت خطة العملية كالتالي:

    أولاً: خطة التنفيذ العسكرية:

    تم الاتفاق مع الأخ عماد ـ رحمه الله ـ على أن تكون خطة التنفيذ هي تجاوز الهدف بعربة حصان نستقلها نحن، ونكون بأسلحتنا المغطاة على أهبة الاستعداد والجاهزية، وعندما يقترب الهدف، ويتجاوزنا بخمسة أمتار، نقوم بإطلاق النار بعد أن نأخذ إشارة البدء من الأخ عماد، حتى إذا ابتعد عنا يكون قد انصلى بنيران أسلحتنا ونحن متمكنون منه عن قرب وبشكل مباشر، حيث إننا أعلى من الجيب العسكري ونسير بجانب الطريق الذي يمر عليه الهدف.

    بعد إتمام العملية يكون في انتظارنا سيارتان: الأولى من نوع ( 305) يستقلها الأخ عماد، وينسحب بها بمفرده، حيث قاعدته ومكانه الذي لا نعرفه، وأما السيارة الثانية فكانت من نوع بيجو (404) أستقلها أنا وباقي أفراد خليتي، وننسحب إلى قاعدتنا، وقد كان سائق سيارة الأخ عماد ـ رحمه الله ـ هو الأخ م أ، وأما سائقنا فكان الأخ منذر الدهشان ـ فك الله قيده.

    ثانياً: الهدف المطلوب:
    كان الهدف هو عبارة عن جيب عسكري تابع لما يسمى بحرس الحدود الصهيوني، وكنا نقصد هذا الهدف بالذات؛ لممارساته القذرة والتي تصاعدت وتيرتها في تلك الفترة ضد أبناء شعبنا، حيث العربدة، والترويع، والإرهاب الذي كانت تمارسه هذه الوحدات ضد أبناء شعبنا، وقد كان هدف العملية هو القضاء الكامل على أفراد الجيب وخطف أسلحتهم ما أمكن.

    ثالثاً: تجهيز السلاح اللازم للعملية:

    تم الاتفاق على اختيار قطعة سلاح من نوع (إم 16) يحملها الأخ عماد ـ رحمه الله ـ وثلاث بنادق من نوع ( كلاشن كوف) مع المجاهدين الثلاثة الآخرين، على أن يحمل كل مجاهد مخزنين من الذخيرة، ويحمل الأخ عماد ـ رحمه الله ـ لوحده ستة مخازن، وتم كذلك تجهيز عربة الحصان، بالإضافة إلى سيارتين وسائقين محترفين.

    رابعاً: مكان تنفيذ العملية:

    يقع مكان تنفيذ العملية على رأس الشارع المحاذي للخط الشرقي لمدينة غزة، المتجه غرباً نحو مسجد مصعب بن عمير الذي اتفقنا على أن يكون بمثابة خط الانسحاب بعد تنفيذ العملية، وقد تم كذلك تحديد زمن العملية بناءً على الرصد الدقيق للهدف، حيث تم اختيار يوم الجمعة المبارك تيمناً بهذا اليوم الفضيل، وكذلك بسبب خلو الخط الشرقي من السيارات العسكرية وسيارات المستوطنين الصهاينة في يوم الجمعة، أما فيما عدا يوم الجمعة فإن هذا الخط يعد طريقاً استراتيجياً بالنسبة للعدو الصهيوني، وعلى أي حال فقد كان قصدنا وهدفنا هو الجيب العسكري التابع لحرس الحدود بعينه والتمكن من القضاء على من فيه من الجنود والاستيلاء على أسلحتهم.

    خامساً: تنفيذ العملية:

    بعد إتمام كافة متطلبات العملية جاء القرار حاسماً من الأخ القائد عماد ـ رحمه الله ـ بأن غداً الجمعة الساعة السادسة والنصف تماماً سيكون اللقاء مع أعداء الله والإنسانية، وطلب منا تجهيز أنفسنا والاستعداد التام، وأوصانا بالاستعانة بقيام الليل وكثرة الدعاء والتوجه إلى الله والتذلل إليه واستجداء النصر والتمكين منه وحده، ثم تركنا ليلة الخميس، وانصرف إلى ربه يطلب منه العون والتأييد.

    بتنا ليلتنا ـ أنا وأفراد خليتي ـ في حوش كبير ومهجور مصلين مبتهلين متضرعين إلى الله جلّ شأنه، فهذه هي العملية الأولى لنا فلها بالتأكيد وقع كبير على نفوسنا،لا سيما وأننا مع أحد أعظم رجال الجهاد والمقاومة في تاريخ فلسطين المعاصر.

    نودي للصلاة من فجر الجمعة، فسعينا إلى ذكر الله، وأدينا الصلاة في جماعة، ثم أخرجنا السلاح المعد لتنفيذ العملية وتفقدناه جيداً، وتفقدنا أمشاط الذخيرة رصاصة رصاصة، كل هذا وألسنتنا تلهج بالدعاء، وبذكر الله، والإلحاح عليه أن يوفقنا ويحقق لنا الظفر والنجاح في عملنا هذا، وأن يجعله خالصاً لجلال وجهه الكريم، وأن يتقبلنا شهداء صادقين مقبلين غير مدبرين.

    مكثنا على حالنا هذا حتى طلوع شمس يوم الجمعة، فشددنا الأحزمة وامتشقنا سلاحنا وصرنا على أتم الاستعداد لخوض المعركة، وبعد أن أدركنا الموعد المحدد انطلقنا، نحمل بنادقنا على أكتافنا، وأرواحنا على أكفنا، ولسان حالنا يردد قول الله تعالى:" يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون". (الأنفال45 ).

    أقبل إلينا القائد الهمام، الفارس المقدام، الأسد الهصور بطلعته البهية ووجهه المشرق بنور الإيمان، كله ثقة ويقين بنصر الله، تعلو وجهه الابتسامة المعتادة الساخرة بأعداء الله، وكأنه في نزهة، أو رحلة صيد.

    أقبل القائد عماد ـ رحمه الله ـ وسلم علينا، وأخذ يشحذ فينا الهمم، ويقوي فينا العزيمة، ثم أمرنا بأن يأخذ كل واحد منا موقعه ويجهز بندقيته.

    امتطينا عربة الحصان وانطلقنا على اسم الله، وقد سبقنا أخوانا السائقان بسيارتيهما؛ ليكونا على أتم الاستعداد لتأمين انسحابنا بعد تنفيذ العملية.

    وصلنا إلى المكان المحدد للعملية، وهنا يصعب على المرء أن يصف بقلمه هول الموقف وصعوبته، خصوصاً وأننا أمام أول تجربة جهادية في حياتنا، ويجب أن نثبت جدارتنا فيها، ونحقق هدفنا، ومما زاد من روعنا وجود الأخ عماد بيننا فهو المطلوب رقم واحد، وقد كان كل همنا هو النجاح في العملية أولاً، وتأمين حياة القائد عماد ثانياً، فقد كنا نخشى أن يحدث له مكروه في أول عملية لنا معه، خصوصاً وأن الأخ عماد كان يبني آمالاً كبيرة على خليتنا هذه، والحقيقة أنها كانت مسئولية كبيرة ملقاة على عاتقنا، فقد كنا حريصين أشد الحرص على نجاح هذه العملية.

    كنت أسوق الحصان وخلفي باقي أفراد الخلية، وكل واحد منا يضع يده على سلاحه المغطى تحت بطانية من الصوف، وأخذنا نسير على رصيف الخط الشرقي قريبين من خط الانسحاب بحوالي مائة متر، وقد أخذنا نسير شمالاً وجنوباً بانتظار مجيء الهدف، واستمر هذا الحال حوالي ربع ساعة، وهنا تملكنا خوف شديد بسبب تأخر الهدف، ووجودنا في مكان أشبه بالثكنة العسكرية فتلك المنطقة تعج بمعسكرات العدو الصهيوني، وهنا قررنا وضع خطة ميدانية بديلة عن الخطة المقررة، وتقضي بالاستغناء عن عربة الحصان، وآثرنا عدم الانسحاب أبداً، ولو استدعى ذلك ضرب أي هدف للعدو يمر من هناك، فأصدر القائد عماد أمره بأن نأخذ مواقع أرضية بين أشجار الزيتون المطلة على الشارع العام، وكلف الأخ أحد أفراد الخلية باستكشاف الآليات الإسرائيلية القادمة من مسافات بعيدة، وعند مشاهدة أي آلية للعدو عليه يعطينا إشارة للاستعداد، ثم يأتي مسرعاً ليأخذ موقعه مع إخوانه ليشارك في إطلاق النار، وما هي إلا لحظات حتى أقبلت سيارة شرطة كبيرة (ترانزيت)، فأعطى الأخ المكلف بالمراقبة إشارة الاستعداد، ثم أخذ موقعه معنا، وعندما اقتربت منا سيارة الشـرطة استقبلناها بوابل من الرصاص ينطلق من فوهات بنادقنا، وبصرخات (الله أكبر) تنطلق من حناجرنا.

    ظل أزيز الرصاص يمتزج بصرخات الله أكبر، والجنود يصطرخون داخل سيارتهم حتى فرغت مخازن أسلحتنا، فانسحبنا مسرعين نحو سياراتنا، حيث استقل الأخ عمـــاد ـ رحمه الله ـ سيارته وحده بصحبة سائقه الخاص، وانطلقت أنا مع أفراد خليتي نحو السيارة الأخرى، وهنا ظهرت حنكة القائد وجرأته، حيث قام عماد ـ رحمه الله ـ بعملية تغطية من خلال إطلاق النار في الهواء لتأمين انسحابنا، حيث يظن العدو بأن إطلاق النار عليهم لا زال مستمراً فلا يستطيعون النهوض من سيارتهم فضلاً عن إطلاق النار.

    في أثناء عملية الانسحاب كان عماد يسير بسيارته أمامنا بسرعة خيالية، وكانت طبيعة الأرض طينية، مما جعل سائقنا لا يكاد يرى إصبع يده من شدة الغبار المنبعث من سيارة عماد فانقلبت بنا السيارة، ودخلت بين أشجار الزيتون، وأصبحت رأساً على عقب، وعلى الفور أمرت أفراد الخلية بكسر نوافذ السيارة والخروج بسرعة.

    كان الأمر مرعباً وخطيراً، وقد غلب علينا الظن أن العدو يتعقبنا، ولا مناص من الوقوع بقبضته، أو تصفيتنا.

    وفي هذه اللحظات الحرجة تدخلت عناية الله، فسقطت البندقية ولأول مرة من يد الأخ عماد أثناء إطلاقه النار؛ لتكون سبباً في نجاتنا، فلم يكن يعلم بما حدث معنا، فأمر سائقه بالتوقف والرجوع لأخذ قطعة السلاح التي سقطت من يده، وفي أثناء رجوعه شاهدنا، فاقترب منا، وانبطح أرضاً، وأمرنا بأن نستقل سيارته، بينما أخذ هو يطلق النار بشكل متقطع باتجاه سيارة الشرطة المتوقفة تماماً عن الحركة، حيث كانت المسافة بيننا وبين سيارة الشرطة لا تتجاوز المائتي متر حينما انقلبت بنا السيارة، ولولا عناية الله وعودة الأخ عماد لأخذ بندقيته لتمت تصفيتنا جميعاً، حيث جاءت على الفور تعزيزات الجيش من المعسكرات القريبة من المكان.

    وفي أثناء الانسحاب استمر عماد في إطلاق النار للتغطية، وهو يصرخ بأعلى صوته (نحن كتائب القسام) من أجل أن يعلم الناس أن هذه العملية من صنع الكتائب، فقد كنا نعاني من تبني بعض الفصائل الأخرى لعملياتنا العسكرية.

    وصلنا إلى المدخل الجنوبي لمدينة غزة، وبعدها توجهنا إلى حيث انطلقنا من قواعدنا لنشاهد ما أثار استغرابنا ودهشتنا، حيث وجدنا الحصان الذي كنا نركبه ينتظرنا عند المكان الذي أخذناه منه في منطقة أم الليمون التي تبتعد عن مكان العملية أكثر من ثلاثة كيلو مترات.

    بعد أن وصلنا إلى قاعدتنا وأصبحنا في مأمن، أخذنا نضمد جراحنا البسيطة التي أصبنا بها أثناء انقلاب السيارة، أما الأخ عماد ـ رحمه الله ـ فقد أصيبت (قُصِعَت) يده جراء سقوط البندقية منها أثناء إطلاق النار، وبقيت تؤلمه حتى استشهاده رحمه الله.

    عندما عاد عماد لقاعدته الخاصة به، أصدر من هناك بياناً أعلن فيه مسئولية كتائب الشهيد عز الدين القسام ـ الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس ـ عن تنفيذ هذه العملية البطولية، بينما اعترفت إذاعة العدو بإصابة اثنين من أفراد الشرطة أحدهما في حالة خطرة، وحملت مسئولية هذه العملية لكتائب القسام ـ جناح حماس العسكرية.
    يتبع حلقة /2
    [​IMG]
     

مشاركة هذه الصفحة