الحكيمي‮ !!الرئيسُ ليس مكروهاً لشخصه، وإنما مكروهٌ لسياساته

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 423   الردود : 1    ‏2006-02-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-02-27
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    عبدالله‮ ‬سلاّم‮ ‬الحكيمي‮ - ‬مرشح‮ ‬الرئاسة‮ ‬في‮ ‬حوار‮ ‬صريح‮ ‬لـ‮»‬البلاغ‮«:‬




    نريد گسر الحاجز التأريخي للحكم وأن نرى رئيساً من حضرموت أو عدن أو تعز

    الرئيسُ ليس مكروهاً لشخصه، وإنما مكروهٌ لسياساته والدولة الإتحادية هي الحل
    } الحوارُ مع السياسي المعروف/ عبدالله سلاّم الحكيمي يكتسبُ أهميةً عندما يرتبطُ بالانتخابات الرئاسية..

    ربما يتساءلُ البعضُ لماذا أقدم عبدُالله سلاّم الحكيمي على ترشيح نفسه للرئاسة؟، ولماذا هو في الخارج ولم يعد حتى الآن؟، ولماذا طرح فكرةَ الأقاليم الأربعة، وفكرة الدولة الإتحادية؟، ولماذا منافسة الرئيس/ علي عبدالله صالح؟.

    كلُّ هذه الأسئلة وغيرها كانت الهدفَ من وراء الحوار، بالإضافة إلى رغبتنا في أن نجعلَ القارئ على معرفة كاملة بشخصية مرشح الرئاسة؛ لأن المواطنَ هو الذي سيُعطي صوتـَه لهذا المرشح أو ذاك..

    منافسةُ الرئيس لها أسبابُها عند الرجل.. اعتبَرَ أن »28« عاماً كافية للرئيس.. واعتبَرَ أن هناك حاجزاً تأريخياً في المنافسة على الرئاسة.. تمَنـَّى أن يجدَ يوماً ما رئيساً من حضرموت أو عدن أو تعز أو الحديدة..

    يرى ضرورةَ فصل أيّ قاضٍ أو أكاديمي جامعي يتعاملُ مع المخابرات..

    خمسُ ساعات كانت خلاصةََ الحوار الذي حاولنا فيه أن نأتيَ على كل الأفكار التي طرحها مرشحُ الرئاسة في برنامجه.. الحوارُ كان أشبهَ بالمكاشفة وهو بالمقابل كان جريئاً وواضحاً في أنه يريدُ أن يكونَ واضحاً مع المواطن أولاً وأخيراً؛ لأنه هو الذي سيقولُ كلمةَ الفصل في الانتخابات الرئاسية.

    في الجانب الاقتصادي هناك أفكارٌ جريئة مثل تخصيص »5٥٪« من موارد النفط لمؤسسة الضمان الإجتماعي، وأفكار أخرى.. في الجانب العسكري هناك إلغاء المؤسسة العسكرية نهائياً.. لكن الوقتَ لم يسعفـْـنا لمناقشة الجانبين الاقتصادي والعسكري، لكننا موعودون بإكمال الحوار في أعداد قادمة..

    { أجرى الحوار/ رئىس التحرير

    > أولاً: لماذا جاءت فكرةُ الترشح للرئاسة؟.

    >> الترشحُ للرئاسة جاءَ مفاجئاً تماماً لي، لم أكن في أيِّ وقت من الأوقات أفكرُ بالترشح لا للرئاسة ولا لأي موضع يتطلبُ الترشحَ ما دون ذلك، ولكن وجدتُ أن الأوضاعَ في البلاد تسيرُ حقيقةً نحو انهيار شامل، إذا استمرت الأوضاعُ على ما هي عليه الآن، ثم وجدت إحجاماً من الشخصيات التي ينبغي لها أن ترشحَ نفسَها لأسباب عديدة جعلها تحجم عن ترشيح نفسها رغم أنها مؤهلة وقادرة، فلم يعد أمامي من خيار سوى أن أعلنَ عن رغبتي في الترشح رغم علمي بأني لستُ بأفضل من الشخصيات البارزة التي كان مؤملاً منها أن تعلنَ عن ترشيح نفسها، هذا من جانب، ومن جانب آخر وجدتُ أن كلَّ الرؤى والبرامج المطروحة للإصلاحات حتى الآن لم تعالج الأزمة الحقيقية للنظام، بل طرحت حلولاً يمكن وصفُها بأنها جزئيةٌ على سبيل المثال.. طرحُ صيغة النظام البرلماني بدلاً عن النظام الرئاسي، وهذه صيغة جيدة لكنها جزئية، ذلك أن الذي يسيطر على النظام الرئاسي سيسيطر على النظام البرلماني بالتأكيد، وهكذا كان برنامجي يطرح صيغة الدولة الاتحادية الديمقراطية اللامركزية باعتبارها إعادة بناء للنظام السياسي بأكمله، ويحقق تداولاً سلمياً للسلطة فعلياً وحقيقياً.

    > أنت ذكرتَ أن الترشحَ جاء لتجاوز أزمة النظام.. ما هي هذه الأزمة؟.

    >> أزمةُ النظام تتمثلُ في السيطرة الأسرية العسكرية، الأمنية على النظام، وهذا ما فتح البابَ على مصراعيه للفساد والإفساد العام، وأصبح الشعارُ الديمقراطي على هامشيته مجرد شعار لا معنى له؛ لأنه لا يتجسَدُ عملياً على أرض الواقع من حيث التداول السلمي للسلطة، ومن حيث التلاعب الواسع في نتائج الانتخابات وتزويرها، أي بعبارة أخرى هناك نظامٌ فردي أسري عسكري قمعي يتدثرُ بدثار الديمقراطية الزائفة.

    هذه الطبيعةُ للنظام هي التي انتجت سائرَ الاختلالات في سائر النظام في بلادي.

    > قد يقولُ البعضُ بأننا نعيشُ في وضع ديمقراطي وأن هذا هو خيار الشعب؟.

    >> الديمقراطيةُ المدعاةُ في بلادنا لا تتعدى كونها مجرد شعار تتداولـُه دوائرُ الإعلام الرسمية، ومن وجهة نظري فلا وجودَ لشيء اسمه ديمقراطية على الإطلاق وذلك للأسباب التالية:

    ١- فردٌ يسيطرُ على كل صغيرة وكبيرة في البلاد.

    ٢- أسرتـُه وأقاربُه ومقرَّبوه يسيطرون على مفاصل السلطة وهم الحكام الفعليون للبلاد.

    ٣- عدمُ وجود القضاء النزيه والمستقل والحيادي.

    ٤- غيابُ سيادة القانون.

    ٥- غيابُ الفصل بين سلطات الدولة.

    ٦- تزويرُ الانتخابات وهذا أمرٌ بات معلوماً.

    خلاصة ذلك كله أننا لا نسمعُ عن ديمقراطية في ظل غياب البُنية الأساسية ولو بحدها الأدنى لها.

    وهذا ما يوجبُ إعادةَ بناء النظام السياسي برمته لكي ندخل البلد على أول طريق للديمقراطية الحقيقية.

    > أنت أشرت إلى فردية السلطة هل تقصد أسرة الرئيس؟، أم منطقة؟، أم جهة معينة؟.

    >> المقصودُ هو الرئيسُ شخصياً كحاكم أول، ثم أسرته المقربون، ثم أبناء عشيرته.. دوائرُ بعضُها فوق بعض، كلُّ واحدة تسلم إلى الأخرى، والأدهى من ذلك أن الوظيفة العامة في زماننا هذا باتت هي الأخرى تورَّثُ، فأبناءُ كبار المسؤولين مدنيين وعسكريين صاروا يورثون المناصبَ القيادية كلـَّها تقريباً، وأولُ ما يعيَّنُ هذا الابنُ وزيراً أو ما يعادلُ ذلك.. فأين هي سلطة الشعب إذاً؟!.. بقيةُ فئات الشعب ستصبحُ بعد عقدين أو ثلاثة عبارةً عن خدَم لهؤلاء الذين يتوارثون الوظائفَ العامة للدولة بدون وجه حق.

    > ألا تعتبرُ أن التنافـُسَ عبر صندوق الانتخابات للرئاسة هو اعترافٌ بالديمقراطية حتى لو أدى إلى ترشح نجل الرئيس بدلاً عنه؟.

    >> في دساتير العالم أو معظمَ دول العالم الديمقراطي يحرم على قرابة الرجل الأول في الدولة إلى درجة معينة استلام مناصب قيادية، أو الدخول في مشاريع تجارية خوفاً من سوء استغلال سلطة الوالد أو القريب، ناهيك عما لذلك من أثر في إفساد الحياة السياسية الطبيعية، ولو كنا في بلد تجري فيه الانتخابات نزيهةً وشفافةً ولا يجري فيها تزويرٌ لقبلنا ذلك الأمر على علاته؛ لأننا ندرك أن للشعب بصيرةً نافذةً يستطيعُ بها أن يميز بين الغث والسمين.. دعني أفشي لك بسر، في انتخابات 1997م مثلاً أقصد انتخابات الرئاسة قيل هناك مرشح منافس وهو نجيب قحطان الشعبي.. علمت بعد سنوات من إجراء هذه الانتخابات من مصادر صديقة لي ساهمت في فرز نتائج الانتخابات أن قحطان حصل على ما لا يقل عن مليوني صوت ورغم أن هذه الأصوات لا تؤهله للفوز بمنصب الرئاسة إلا أن حجمَها أفزع الحاكم وجرى التلاعب بها ولو كان الحاكمُ فطناً وكيِّساً لكان ترك النتيجة كما هي خاصة وأنها لا تؤثر على الحكم، ولكان أصبح أن يوصف أن هناك ديمقراطية، لكن أنظمة الحكم الديكتاتورية عادة ما تفزع من هبة نسيم لو جاءت من اتجاه معاكس.

    > كلامك هذا يعني أنه لا مانع من ترشح نجل الرئيس لكن على أن يكون هنالك فاصلٌ بين فترة حكم الرئيس، وترشيح نفسه، ولو فترة واحدة؟.

    >> نحن مستعدون للقبول بترشيح الرئيس، وابنه معه إن أرادا أو حتى ابن الرئيس بدون مُحلـِّل، أهم شيء في رأيي أن تكون الانتخابات نزيهةً وشفافةً وتحت إشراف دولي مباشر، كما جرى في فلسطين، ودعنا نسقط الحواجز كلها حتى لا يقولوا بأننا نضعُ شروطاً تعجيزيةً أمامهم.

    > البعضُ يقولُ: إن مشكلة الانتخابات ليس في التزوير في النتائج النهائية ولكن التلاعب يكون قد سبق أثناء تقسيم الدوائر ومن خلال استخدام المال العام في شراء الأصوات؟.

    >> بالتأكيد أنه حينما نطالبُ بالإشراف الدولي والمحلي أيضاً فإننا نقصُدُ به إشرافاً على كل مراحل العملية الانتخابية ابتداءً من جداول الناخبين ومروراً بالإقتراع، وانتهاءً بالفرز وليس هناك ما يعيبُ من الناحية الدستورية أن يكون هناك إشرافٌ دولي مباشرٌ، بل وحتى إدارة دولية للانتخابات طالما واليمن عضوٌ في المنظمة الدولية، ووقـّعت على كل المواثيق والمعاهدات الدولية المتعلقة بالحريات العامة، وحقوق الإنسان، والحقوق المدنية والسياسية...الخ، فالإشرافُ الدولي هنا ليس تدخلاً في شؤون السيادة، وإنما إعمال للسيادة الأممية التي وقـّعنا على معاهداتها في إطار يسمى بالسيادة الوطنية.

    > ماذا عن التلاعُب بالأموال العامة في الانتخابات؟.

    >> ألم أقل لك قبل قليل بأن الدولة والبلاد بمالها وناسها ومؤسساتها بيد فرد واحد يديرُها عبر الأقارب والمقربين على ما يشاء وكما يشاء، ولا يوجد هناك فصل بين المال العام والمال الخاص ومال الدولة، ومال الحزب الحاكم، والتنافـُسُ في وضع كما هو الحال في بلادنا إنما يتم عادةً بين الدولة بكل سُلطاتها وإمكاناتها وقراراتها وقوتها، وبين منافسين مُعارضين لا يملكون شيئاً.. هذا هو الوضعُ في بلادنا، وليست هنالك ديمقراطية لا يتوفر فيها تكافؤ الفرص.. فالحاكمُ الذي يستطيعُ أن يفصُلَ من الوظيفة مَن يشاء، ويعينَ مَن يشاء، والذي يستطيع أن يمنحَ المالَ أو يحجبه بدون ضوابط قانونية، والذي يتحكم بالقضاء ويملي عليه قراراته بل ويتعدى على قضاة بطريقة مخالفة للقانون هو الحاكم مدى الحياة.. من هنا قلنا وأكدنا في برنامجنا الانتخابي أنه لا بد من تغيير النظام برمته وإعادة تأسيسه وفق الشروط والمقومات الديمقراطية.. أعطني بالله عليك مقراً أو مكتباً أو مالاً يعتبر ملكاً خاصاً للحزب الحاكم.. أليست كلها من الممتلكات العامة؟!.. وإذا كان يجوزُ للأحزاب أن تتملكَ الممتلكات العامة فلماذا لا تكونُ قاعدةً عامةً؟!.. هل هذا يحدُثُ في بلد ديمقراطي؟!، ومن هذا الذي يقولُ لنا أن في اليمن ديمقراطيةً والحال هذه.

    > السلطةُ تقولُ: إننا لا نعيشُ حالةً ديمقراطيةً كاملةً.. ولكننا في أول سُلّم للديمقراطية؟.

    >> سمعتُ ذات مرة من فخامة الرئيس يقول لي: إن هنالك كثيراً من الأصوات تنبهه وتحذره بالقول: إلى أين أنت ذاهب يا فخامة الرئيس لقد تجاوزت ديمقراطيتنا ديمقراطية الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.. وكان هنالك في هذه الجلسة أربعةُ شهود لا زالوا أحياءً، ولا داعي لذكر أسمائهم إلا إذا اضطررت.. فقلت له: يا فخامة الرئيس إن هؤلاء يكذبون عليك، فلا تصدقهم، نحن لم نخطُ الخطوةَ الأولى بعد نحو الديمقراطية الحقيقية.. وعوقبت على هذا القول بإيقافي في الصومال سنين عدداً، وكان عمل سنة في السفارة بالصومال كسنين مما يعد الناس.

    > إذاً نقولُ: إن القضيةَ تكمُنُ في البطانة التي لا تقول الحقيقة للأخ الرئيس؟.

    >> بالتأكيد هي البطانة، ولكن البطانة هذه لم تأت من فراغ، بل اختيرت بطانةً اختياراً دقيقاً ووفق شروط معينة تضمن أن الكل يجب أن يقولَ: »كله تمام يا فندم« و»رويدك يا فندم«، و»إمش الهوينا يا فندم حتى لا نثير حسد أمريكا وبريطانيا«!!، الحاكم لا يريد إلا من يقول له هذا، وأشهد أن النظام تحرى كثيراً وكان دقيقاً في اختيار بطانته من هذه الشاكلة، وهذه هي بذورُ فناء هذا النظام.

    > مما سبق يتضحُ أنْ لا أمل لك في الفوز.. إذاً لماذا الترشح؟.

    >> أدرك ذلك، وأعلم أنه حتى عند مرحلة التزكية حسب المعلومات التي وصلتني أن هناك تهديدات لأعضاء مجلسي النواب والشورى بأنْ لا يزكوا إلا من يريدون أن يزكوه وإلا تعرضوا للويل والثبور وعظائم الأمور..

    ولكنني مع ذلك أراهنُ على صحوة ضمير عند هؤلاء المئات من هؤلاء الأعضاء وأن يقفوا في لحظة تأريخية وجهاً لوجه أمام مسؤوليتهم أمام الله وشعبهم ليقولوا كلمة حق، ولهذا طالبنا بأن يكونَ هناك إشرافٌ دولي كاملٌ على مراحل العملية الانتخابية كلها، وأضفنا إلى ذلك كما قال الدكتور/ عبدالرحمن البيضاني وهو من الذين أعلنوا رغبتهم في الترشح بأن أية عمليات للتصفية الجسدية أو الترهيب للمرشحين أو مناصريهم فإن رأسَ النظام يتحملُ المسؤولية شخصياً، ونحن في مجتمع دولي جديد سوف يلاحقُ كُلَّ مَن يرتكبُ جريمةً ضد الإنسانية في سماء أو أرض ولن يجد له ملجأً.. ذلك من محاسن النظام الجديد إن صدق.

    > أنتم تراهنون على المجتمع الدولي.. بينما هو يتحرك ضمن مصالحه أولاً وأخيراً، والنظام الذي يوفر له هذه المصالحَ فإنه سيتم غض الطرف عن أية تجاوزات في مجال الحريات وحقوق الإنسان.

    >> نعم نحنُ نراهنُ على المجتمع الدولي بمطالبته فقط بأن يضمن الحد الأدنى لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة في حين أن النظامَ قد باع البلادَ والعبادَ لهذا المجتمع الدولي وقواه ويراهن عليه في قوت الشعب.. وأنا أعلم يقيناً أن المراهنة على المجتمع الدولي لا يجبُ أن تكونَ كاملةً، هذا ما تؤكده لنا التجارب السابقة.. هل علمت أن الفرَقَ الدوليةَ التي قدمت في الانتخابات البرلمانية لعام ٧٩٩١م جاءت وفي جعبتها بيانات جاهزة الصياغة مسبقاً تشهد بأن الانتخابات قد جرت على أحسن ما يرام؟!!، ذلك أن القوى الدولية النافذة تكيل بأكثر من مكيال، وتقيس بأكثر من معيار وفقاً لمصالحها وحساباتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية.. وأنا شخصياً لا أعلق كبيرَ تعويل على المنظمات الدولية.. كل ما أطمح إليه من وراء ترشح يبدو في مهب الريح هو أن نمارسَ قدراً متزايداً من إنهاك واستنزاف الفساد، وأنْ لا نترك الساحةَ له وحدَه يعيثُ ويلوثُ فيها كيف يشاءُ، على الأقل محاولاتنا هذه وأن بدت يائسة لكنها عسى ذات يوم أن توقظ النيامَ، وتوقظ الضمائرَ الميتة، فيهب كما قال المؤرخون قديماً: »إن لليمنيين هبات كهبات السباع« وإنا لمنتظرون لهؤلاء السباع.

    > ماذا عن أحزاب المعارضة ودورها في هذه الانتخابات وفي إرساء قواعد العملية الديمقراطية؟.

    >> أحزابُ اللقاء المشترَك وهي المعارضة الحقيقية تقف أمام مفترق طرُق حاسمة بالذات في هذه المرحلة، حيث بلغت الأحوال في البلاد مستوىً مخيفاً من الانهيار، فإما أن تبادرَ إلى أخذ زمام دورها بالكامل أو أن يجعلها الرأي العام خلف ظهره، وهي مطالبةٌ أول شيء بأن تتفقَ على مرشح جاد واحد يمثلها لانتخابات تنافسية يتوفر فيها الحد الأدنى من الجدية والتنافس.. وفي اعتقادي أن الشعب بات أكثرَ من أي وقت مضى يؤمنُ بضرورة التغيير، وأنا على يقين بأن الشعب سيغير.. والكرةُ الآن واقفة عند مرمى أحزاب اللقاء المشترك، وفي كل الأحوال إذا لا سمح اللهُ تخاذل اللقاء المشترك عن القيام بدوره أو دخل في مساومات غير ذات جدوى فإن الشعبَ سيتجاوزُه وسيوجد هناك مرشحون يرى فيهم الشعبُ محلاً لثقته، وبالتأكيد سيمنحُهم أصواته.. وفي قواعد العمل السياسي فإن المهم قبل أي شيء آخر هو كيفية التقاط الموقف المناسب في اللحظة المناسبة.. وما لم يتم ذلك يكون العمل السياسي قد تخلف كثيراً عن طموح الجماهير وأمانيه، وبالتالي يخسر العمل السياسي المعارض كثيراً من رصيده لـدى الجماهير بل ويفتقد حتى دوره وهو ما لا نريدُه للقاء المشترك الذي يمثل بصيص أمل وسط الظلام الدامس الذي تعيشُه البلادُ.

    > ماذا عن المقولة: »جني تعرفه ولا إنسي ما تعرفه«؟، هل ستكونُ شعارَ اللقاء المشترك؟..

    >> المقولةُ صحيحةٌ.. ولكن غير الصحيح هو تفسيرُها.. بمعنى أن »الجني« إذا عرفته يسهل عليك مقاومته ومصارعته، وليس الإستكانة له كما يتم تأويلها خطأً..

    > ماذا عن أحزاب "المجلس الوطني للمعارضة"؟.

    >> "المجلسُ الوطني للمعارضة" أمرُه غريبٌ وعجيبٌ، فحينما ألقيت كلمتـُه في المؤتمر العام السابع للمؤتمر الشعبي العام الحزب الحاكم ظن الضيوفُ الكرامُ الوافدون من الكثير من الدول بعقولهم سوءاً إذ لم يستطيعوا أن يميزوا إن كان هذا المجلسُ معارضاً أم موالياً للحكم، فقد كانت كلمته أكثر إشادة وتمجيداً للحكم من كلمة قادة الحزب الحاكم نفسه.. ولهذا لست أدري هو معارضة لمن؟!.

    > نأتي الآن إلى البرنامج.. ذكرت في برنامجك أنك ستقوم بإلغاء لجنة شؤون الأحزاب ليكونَ القضاء هو جهة الفصل في حال نشوب نزاعات أو تجاوزات.

    في حال التجاوزات مَن هي الجهة التي ستتقدم إلى القضاء هل هي وزارة الداخلية؟، إذاً ستكون نقلت الأحزاب من لجنة خاصة إلى وزارة الداخلية!!.

    >> مسألةُ تشكيل الأحزاب يجب أن يكون مفتوحاً دون قيد مهما بلغ عددُها.. فالعملية الديمقراطية تملك دينامكية فعالة لفرز تلك الأحزاب، وتحديدَ الأحزاب الجادة من غير الجادة.. وطالما أنه لا يلحق الدولة ولا المجتمع أي ضرر مادي أو معنوي من تشكيل الأحزاب فلماذا نفرض قيوداً على تأسيسها.. وطالما صناديق الإقتراع هي وحدَها التي تحدد الحزبَ أو الأحزابَ التي يمنحون ثقتها من خلال الناخبين فلماذا القيود إذاً؟.. وفي اعتقادي أنه لو تركت عملية تأسيس الأحزاب وتشكيلها دون قيود فإن طبيعة العملية الديمقراطية ستفضي في المحصلة النهائية إلى بلورة وإفراز الأحزاب الكبيرة وغيرها، وستتبلور التعددية الحزبية بحزبين كبيرين أو ثلاثة دون أن يكون هناك أي قسر أو قهر لعملية التبلور تلك.. وكل من هو متضرر من نشاط هذا الحزب أو ذاك، سواء كانت الحكومة أو الهيئات أو المنظمات أو الأفراد فمآلُه الوحيدُ القضاءُ مدعياً ومدعَى عليه، والقضاءُ وحدَه هو الذي يفصل في هذه المنازعات، مثلما يفصُلُ في مسألة تنازُع سلطات الدولة نفسها وتضارب اختصاصاتها.. ولهذا ليس فقط سأقوم بإلغاء لجنة شؤون الأحزاب بل وإلغاء قانون الأحزاب ذاته.. فالدستور أباح تشكيلَ الأحزاب فلماذا يقيده القانون إذاً؟!..

    > في هذه الحالة مَن سيديرُ العمليةَ الانتخابية؟.

    >> المفترَضُ حينما تكونُ مؤسساتُ الدولة مَبنيةً على أسُس صحيحة من الديمقراطية وسيادة القانون فإن القضاءَ هو المؤهلُ لإدارة العملية الانتخابية، باعتباره مستقلاً ومحايداً ولا أجد جهة أخرى مؤهلة لإدارة العملية الإنتخابية من القضاء في حالة صلاحه.

    > فإذا لم يكن صالحاً.. أليس هناك من منزلة بين المنزلتين؟.

    >> بلى هناك منزلةٌ بين المنزلتين، أو ما يمكن أن نسميَه مرحلةً انتقاليةً.. وفي هذا فأنا أميل إلى الأخذ بالرأي الذي طرحه الأستاذ/ محمد قحطان -رئيس الدائرة السياسية للتجمع اليمني للإصلاح الذي انطلق فيه من مادة في الدستور تقول بإجراء انتخابات نزيهة، ودعا من خلال هذا النص جميعَ أطراف العملية السياسية حُكاماً ومعارضين إلى الحوار والتفاهم والإتفاق على لجنة انتخابية يتوفر لها الاستقلالُ والحياديةُ والنزاهةُ بحق وحقيق.. حينها يمكن الاطمئنان إلى أن الانتخابات يمكن أن يتوفرَ لها أقصى قدر ممكن من الحيادية والنزاهة إلى أن يتم تصحيحُ وإصلاحُ وضع القضاء في بلادنا.

    > ما يجري اليومَ من تفاهم بين أحزاب المعارضة واللجنة العليا للانتخابات ألا يمثل هذا التفاهم الذي ذكرت؟.

    >> لا، أبداً لا يمثلـُه قيدَ أنملة.. فلقد أفزعت حقاً حينما أقرت اللجنةُ العليا للانتخابات مبدأَ تقسيم اللجان الانتخابية أثلاثاً.. ثلثٌ للحزب الحاكم ومَن إليه، وثلثٌ للقاء المشترك، وثلثٌ للجنة العليا للانتخابات.. ما أفزعني حقاً، بأية مشروعية تجيزُ اللجنة العليا لنفسها أن تكون طرفاً في الصراع الانتخابي.. إن هذا المقترح يدل بما لا يدع مجالاً للشك أن اللجنة العليا ليست طرفاً محايداً بل هي طرف في الصراع، وهي بذلك تخالف الدستور والقانون، والأدهى من ذلك أن اللجنة راحت تسقط حجمَ الثلث أصواتاً فجعلت لنفسها عدداً من الأصوات يكافئ ثلثَ اللجان..

    المشكلةُ أن اللجنةَ العليا إذا استثنينا ممثلاً واحداً للإصلاح، وآخر للإشتراكي، فإن باقيَ أعضائها يمثلون الحزبَ الحاكم، أو الأمن لا فرق.

    فالذي انتخبهم هم أصحابُ الأغلبية داخل البرلمان.. وفي هذا إفتئاتٌ ونقضٌ لمبدأ الحيادية والاستقلال، ولهذا كان مقترحُ محمد قحطان وجيهاً ومعقولاً ينسجمُ مع الدستور والقانون.

    > الدستورُ أو القانونُ يقول بأن من حق اللجنة العليا وحدَها أن تختارَ أعضاءَ ورؤساءَ اللجان.. ومن حق الأحزاب وضع مندوبين في كل الدوائر الانتخابية.. وبالتالي فإن ما تعطيه اللجنة للأحزاب هو تنازُلٌ عن حق من حقوقها.

    >> ذلك يكونُ صحيحاً حينما تتوفر في اللجنة العليا معاييرُ الاستقلالية والحيادية المنصوصُ عليها في الدستور والقانون، أما إذا لم تتوفر تلك المعايير -وهي بالتأكيد غير متوفرة- يصبحُ الأمرُ تحكماً بالعملية الانتخابية من قبل الحزب الحاكم، أو قل الدولة بكاملها، ولعل تنازل اللجنة -إذا صح وصفُه بالتنازل- هو ما يؤكد عدمَ توافر معايير الاستقلالية والحيادية وإلا لما كان هناك داعٍ للتنازل عن حق من حقوقها.

    > ذكرت في برنامجك أن هنالك مجلساً أحدهما مجلسُ النواب والآخر مجلسُ الأعيان، وكلاهما بالانتخاب.. ما الفرق بينهما؟.. وهل سيكونُ أحدُهما برلماناً بمعنى الكلمة، والآخر مجلساً للترضية كما هو حاصلٌ اليوم؟، بمعنى أن الشروطَ ستكون مشددةً على أحدهما والآخر يكون صورياً؟.

    >> هذا نظامٌ معمولٌ به في الدول الديمقراطية عادةً، وهو يسمى بنظام المجلسين كنوع من أنواع خلق التوازن بين الوحدات الإدارية المكونة للدولة، فأحدُهما يقومُ على الأغلبية العددية للسكان، والآخر يقوم على التمثيل المتساوي للوحدات الإدارية المكونة للدولة.

    هو نوعٌ من التحاشي لهضم الكيانات الصغيرة، من حيث العدد السكاني، وهو نظام إيجابي في اعتقادي، ولكل مجلس من المجلسين اختصاصاتٌ وسلطاتٌ يحددُها الدستورُ، ويضمن ذلك التوازنَ المنشودَ، ويجبُ أن يكون المجلسان معاً منتخبين، وليس كما هو الحالُ اليوم في بلادنا، حيث يتشكلُ مجلس الشورى كله وفقاً لأمزجة التعيين التي يقومُ بها الحاكمُ، فهذا تناقـُضٌ صارخٌ للمبدأ الديمقراطي.

    > هنالك فصلٌ بين دور الرئيس وأية تغييرات دستورية تعتمد على الأغلبية في مجلس النواب ثم على الاستفتاء الشعبي.. فكيف بالحال إذا فزت في الانتخابات الرئاسية؟.. كيف ستغير الدستور لتطبق برنامجَك؟!، مع العلم أن الأغلبية هي مع المؤتمر الشعبي العام الذي لا شك أنه لن يوافقَ على هذه التغييرات؟.

    >> إذا ما فزت في الانتخابات وهو ما أرجحه فإن ذلك الفوز لن يكون فوزاً لشخصي، وإنما فوزاً لبرنامجي الانتخابي، بعبارة أخرى إنه يمثل استفتاء شعبياً بالموافقة على ما ورد في البرنامج، ومن هنا يكسب البرنامج مشروعيته وشعبيته، ويصبح هو ما يريده الشعب، ولهذا فإن خطواتي في تنفيذ ما يتضمنه البرنامج ستتخذ الخطوات الرئيسية التالية:

    أولاً: وضع البرنامج موضع التطبيق فوراً بجميع مجالاته، وليس للتعديلات الدستورية فقط.

    ثانياً: سأشكل حكومةً وسأمنحُها كل صلاحيات وسلطات الرئيس لوضع البرنامج موضع التطبيق.

    ثالثاً: من ضمن تطبيقات البرنامج سأشكل هيئةً وطنيةً من المتخصصين والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب لصياغة دستور جديد يستلهم مضامين البرنامج، وسيطرَحُ هذا الدستورُ الجديدُ على مجلس النواب لمناقشته، فإما أن يقرَّه أو يرفضَه.. وفي حالة رفضه سأنزله لاستفتاء شعبي، فإن وافق عليه الشعبُ
    بالأغلبية يعتبر مجلسُ النواب منحلاً، وإن لم يوافق عليه الشعبُ قدمت استقالتي.

    > إذا فزتَ في الانتخابات قد يكون معظمُ المصوِّتين لك صوّتوا ليس من أجل البرنامج وإنما حُبُّ في تغيير الوضع، وبالتالي فوزُك هو ليس بحجة في أنه استفتاءٌ على البرنامج، وإنما استفتاءٌ على التغيير، وبالتالي فإن الشعب إذا لم يوافق على التغييرات الدستورية فإن تقديمَك للاستقالة يعتبَرُ خـُذلاناً للشعب الذي أراد تغييرَ السلطة.

    >> أتفقُ معك في هذه الرؤية تماماً، والدليلُ هو ما ذكرته لك آنفاً من حصول مرشح الرئاسة السابق/ نجيب قحطان الشعبي على مليوني صوت، فإن ذلك لم يكن لشخصيته، ولكن رغبةٌ في التغيير.. لكن المرشحَ عادةً قد اشترط عليه القانونُ أن يكونَ له برنامجٌ انتخابيٌّ، والتصويتُ له هنا يتم بالتظافر بين رغبة في التغيير، وتأييد للبرنامج.. والبرنامج هو في كل الأحوال عبارةٌ عن ميثاق أو عهد بين المرشح والناخبين، ففي حالة عدم موافقة الناخبين على التعديلات الدستورية التي وردت أصلاً في البرنامج الانتخابي فإنني حينما استقيلُ ليس خذلاناً للشعب لكن الشعب يكونُ هو من خذلني وليس عليَّ حجة.. فإذا كان قد أعطاني صوتـَه ونجحت في الانتخابات من أجل التغيير فإن هذه التعديلات هي التغيير.. فلماذا لا يوافق عليها؟..

    > قد يكونُ مرادُ الناخب تغييرَ شخص الرئيس، ولهذا ففوزُك يعد بالنسبة للناخب جزءً من التغيير المطلوب، وقد يوافق الناخبُ على كثير من برنامجك ولكن ليس بشكل كامل؟.

    >> الرئيسُ ليس مكروهاً لشخصه، وإنما مكروهٌ لسياساته، وليس الحكمةُ الجوهريةُ من التداوُل السلمي للسلطة تغييرَ الوجوه، وإنما تغييرُ السياسات والمناهج وإلا أصبحت العمليةُ أقربَ إلى مسابقات ملكات جمال العالم.. واعتقد أن الشعبَ يريدُ التغييرَ لتحسين أحواله، ومستوى معيشته، وانتزاع حقوقه، وصون كرامته، ولو كان الرئيس/ علي عبدالله صالح مستعداً وجاداً لتغيير جذري وشامل للأوضاع وهو ما نستبعدُه؛ لأن »٨٢« عاماً من الحكم كافيةٌ للتجربة فإن الشعب لن يتردد في منحه ثقتـَه.. ولكنه بعد هذه الفترة الطويلة لن يفعلَ فيما تشير إليه استطلاعات الرأي.

    > جاء في برنامجك: إن برلمانات الأقاليم يتم انتخابُها من "مجالس الشعب" المنتخبة في المديريات والمحافظات.. هل هذا يعني أن "مجالس الشعب" هو ما يسمى الآن المجالس المحلية؟.. وهل انتخابُ مجلس النواب سيكون من بين أعضاء مجالس الشعب؟.. أم هي التي ستقومُ بانتخاب المتقدمين للتنافس؟..

    ألا ترى أن في هذا إقصاءً للتنوع؛ لأنك جعلت الانتخابات الحقيقية هي في مجالس الأقاليم، بينما البقية فقد أصبحت بيد مجالس الأقاليم ولا وجودَ للتنافس؟.

    >> لما كان النظامُ الذي نريد إقامتَه هو نظام ديمقراطي برلماني اتحادي فإن ذلك يستلزم أولَ ما يستلزم أن تكون هناك برلمانات وحكومات محلية لكل إقليم من الأقاليم كما هو معمول به في الدول التي تأخذ بهذه الصيغة، وخاصة منها الهند وباكستان وبنجلاديش، ناهيك عن الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بل وحتى في دولة الإمارات العربية المتحدة، وبالمقابل هناك حكومةٌ وبرلمانٌ إتحادي.. ولكلٍّ من هذه السلطات اختصاصتـُها وسُلطاتـُها في إطار الدولة الاتحادية الواحدة، وهذه هي أفضلُ صيغة حتى الآن تضمَنُ القضاءَ نهائياً على مركزية الدولة المفرطة، كما أنها تحقق مبدأَ المشاركة الشعبية الفعلية للسلطة واتخاذ القرار، بمعنى آخر إعادةُ توزيع السلطات المتركزة كلها في المركز إلى الوحدات الإدارية الأدنى »الأقاليم والمحافظات« وهو ما يجعلُ التباري في تحقيق مستويات أعلى للتنمية والخدمات بين الأقاليم والمحافظات أفضلَ وأكثرَ فاعليةً، وهو ما يعودُ بالنفع في الأخير على الوطن ككل.

    كما أنه ينهي الأمراضَ والتناقضات الإجتماعية والسياسية والطائفية والمناطقية...الخ، والفرق بينها والمجالس المحلية فرقٌ جوهري.. المجالسُ المحليةُ تكونُ عادةً ذات سلطات وصلاحيات محدودة، ومرتبطة بالمركز، أما الصيغةُ الإتحاديةُ فإن سلطاتها واختصاصاتها أوسع بكثير من المجالس المحلية خاصة وأن تجربتنا المحدودة مع المجالس المحلية كانت باهتةً وسلبيةً؛ لأن السلطات المركزية أفرغتها من مضامينها الحقيقية، ولفتها معها في دوامة الفساد والإفساد بما في ذلك تزوير الانتخابات، والتلاعب بها.

    كما أن تأريخنا وتراثنا الوطني القديم والوسيط يؤكد على أن النظام السياسي كان نظاماً إتحادياً فدرالياً بالتعبير المعاصر على الدوام.. بل إن المحاولات التي كانت تجري لإلغائه لصالح السلطة المركزية الفردية الأحادية -وذلك نادراً ما كان يحدث- كانت تفضي إلى حروب أهلية ومنازعات وفتن داخلية تفتح الباب واسعاً أمام الغزو الخارجي.. فما طرحته في برنامجي إنما يستمد جذورَه من هويتنا وشخصيتنا الوطنية المتكونة عبر التأريخ، ولم آت بجديد إلا تعبيرات معاصرة فقط.

    أما بالنسبة لانتخاب أعضاء البرلمان ومجلس الأعيان الإتحادي والإقليمي الحقيقة أن تجاربَنا مع الانتخابات الشعبية العامة وما يحدث فيها من تزوير وتلاعب قد أفقدني الثقة بجدوى هذه الانتخابات، بالإضافة إلى حقيقة شكليتها؛ لأن المرشح أو المرشحين عادة لا يكونون معروفين على مستوى الساحة كلها أو معظمها، ولهذا رأيت أن أتجه إلى صيغة أراها أكثرَ فاعلية وأكثرَ تعبيراً عن إرادة شعبية حقيقية.. وهي أن يكونَ انتخابُ مجلس النواب ومجلس الأعيان الإتحادي مثلاً عبر انتخاب يجري في برلمانات الأقاليم بحسب العدد المطلوب لكل إقليم، وهكذا يكونُ انتخابُ رئيس الجمهورية طالما أن النظامَ سيصبحُ برلمانياً.

    كما أن أعضاءَ مجلس البرلمان في الإقليم يكونون منتخبين من قبل المواطنين في الإقليم، أما البرلمانُ المركزي فهو نظام مجلسين هما النواب والأعيان.. مجلس النواب ينتخَبُ بحسب عدد السكان، حيث يقومُ برلمانُ كل إقليم بانتخاب العدد المطلوب له سواء كانوا من أعضائه أو من خارجه.. وهكذا بالنسبة لمجلس الأعيان المتساوي في عدد أعضائه بين الأقاليم، ذلك أنه في النظم البرلمانية عادة ينتخب رئيس الجمهورية مثلما هو الحال بالنسبة لرئيس الحكومة وأعضائها من خلال مجلس السلطة التشريعي الاتحادي، وليس بانتخاب شعبي، وذلك يجري في النظم الرئاسية.. وهدفي من هذا هو جعل السلطات العليا في الدولة منتخبةً نوعياً من السلطة التحتية التي هي سلطة البرلمانات الإقليمية لتكون المشاركةُ جادةً وواسعةً.. وفي كل إقليم بالإضافة إلى البرلمان الإقليمي هناك حكومةٌ محليةٌ للإقليم تديرُ الشؤونُ التنفيذية في الإقليم تحت إشراف برلمان الإقليم ذاته، ولعل أهم ما ورد في البرنامج في هذا الشأن هو أنني جعلت تمثيلَ المديريات في المحافظات، وتمثيل المحافظات في برلمان الإقليم متساويين، وليس بحسب عدد السكان حتى لا تبرز حساسيات الأكثرية والأقلية السكانية.

    > هل من حق برلمانات الأقاليم أن تسن قوانينَ خاصةً بالأقاليم؟.

    >> لا شك أنه في النظام الإتحادي يحق لبرلمانات الإقليم أن تسن تشريعات خاصة بها، وفرض ضرائب تحقق مصالحها على أنْ لا يتناقض ذلك التشريع مع التشريعات الإتحادية، وعلى وجه العموم فإننا سنكون بحاجة ماسة وضرورية لإعادة النظر في كثير من التشريعات القائمة حالياً لتتوافقَ مع النظام السياسي الجديد الذي نزمعُ إنشاءَه..

    وقد رأيت أن انتخاب البرلمانات المركزية من قبل برلمانات الأقاليم وليس من أبناء الأقاليم مباشرةً أن ذلك يلغي كثيراً من التعقيد ومن الأعباء التي لا لزوم لها، وتمكن معالجة هذه المسألة من خلال إضافة العدد المطلوب لتمثيل الإقليم في مجلسي السلطة التشريعية الاتحادية إلى عدد قوام أعضاء برلمان الإقليم، ويكون الجميعُ ضمن انتخاب واحد.. مثلاً إذا كان المطلوبُ في مجلسي السلطة التشريعية الاتحادية »٠٥« عضواً مثلاً فإن العددَ المطلوبَ انتخابُه هو »150« عضواً بحيث يذهب الخمسون إلى البرلمان الإتحادي ويبقى البقية في البرلمان الإقليمي.. هذه طريقة أسلسُ وأسهلُ وأكثرُ عملية.

    بمعنى أخر أن الهدفَ هو جعلُ السلطة من الأدنى إلى الأعلى، وليس من الأعلى إلى الأدنى.

    > ذكرتََ مقترحاً بأن تكون هنالك فترة انتقالية لمدة أربع فترات بعدد الأقاليم يكون في كل فترة انتخاب الرئيس ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان من قبل أبناء إقليم محدد لينتقل في الفترة التي تليها إلى إقليم آخر..

    ولكن لماذا لا يكون المقترحُ أن يعطى الحق لإقليم في كل فترة لكن انتخابهم يكونُ من قبل أبناء الأقاليم كلها.. ثم ألا تظن أن هذا المقترحَ يؤدي إلى تجمع مراكز السلطة بيد إقليم، فما الذي يضمن أنْ لا يُستغل هذا لاستغلال مسؤوليات الدولة والاستحواذ على مناصبها؟، ولماذا لا يكونُ الرئيسُ من إقليم، ورئيسُ الوزراء من إقليم آخر، ورئيسُ النواب من ثالث، وفي الفترة التي تليها يتم تغييرُ الأقاليم؟.

    >> الحقيقة أن المشكلةََ تتركزُ في ماهية الآلية الحقيقية التي تحققُ لنا تداولاً سلمياً حقيقياً للسلطة.. فالهدفُ هنا ينحصرُ في تحقيق ذلك التداول في فترة استثنائية محددة، أو ما نطلق عليه فترة انتقالية إلى أن تستكمل بنية النظام السياسي على أسس صحيحة كما ورد في البرنامج، حينها تصبحُ هذه السلطات تخضع لانتخابات مباشرة من خلال مجلسَي السلطة التشريعية الاتحادية.. ولما كان الناس يعتبرون مسألة التداول السلمي للسلطة أقرب إلى الخيال، فقد كان لزاماً أن ينص البرنامج على التداول السلمي للسلطات الاتحادية كلها إقليماً بعد إقليم، وذلك حتى نضمن عدمَ خروج الشموليين الديكتاتوريين من الباب ليعودوا إلينا من النافذة، ونريد في حقيقة الأمر أن يطعمَ أبناءُ كل إقليم السلطة الفعلية ولو مرة واحدة لنكسر الحاجزَ التأريخي المنيع الذي لا زال قائماً.. تخيل عندما يكون رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيسَي مجلسَي السلطة التشريعية الاتحادية من حضرموت أو عدن أو تعز أو تهامة حينها سيقتنعُ الناسُ بأهمية التداول السلمي للسلطة حقيقةً وليس شكلاً.. وعموماً فإن الهدفَ من الفترة الانتقالية هو إعطاءُ الوقت الكافي اللازم لإعادة بناء النظام السياسي الجديد بكل ما يتعلق به من مؤسسات ومنظومة تشريعية ودستورية...الخ، وهو وقتٌ لا أعتقدُ بأنه طويلٌ بالقياس إلى ضخامة المهمة التأريخية في تأسيس نظام سياسي جديد.. وأخشى عندما يتم الأمرُ على ما ذكرت (أن يتم انتخابُ الرئيس ورئيس الحكومة ورئيسي مجلسي السلطة التشريعية في الفترة الانتقالية من أبناء الوطن كاملاً، وليس من أبناء إقليم واحد) أن يخضعَ الأمرُ لاعتبارات أكثرية التمثيل السكاني وأقليته في استبعاد الأقاليم ذات الكثافة السكانية القليلة وبالتالي نحرمهم حقهم الدستوري.

    > عفواً أنا أقصد لماذا لا يتم انتخاب الرئيس ورئيس الحكومة ورئيسي مجلسي السلطة التشريعية من قبل كل أبناء الشعب على أن يتم اختيارُهم في كل فترة من أبناء الإقليم المحدد في هذه الفترة؟.

    >> هذا حَلٌّ جميلٌ ورائعٌ إذا كان يفضي إلى الغرض، فهذه الصيغة التي طرحتها تظل أفضلَ من الصيغة التي طرحتها في برنامجي وأسلم من الناحية الدستورية والقانونية فأنا معك فيها..

    > ماذا تقصُدُ بالحاجز التأريخي؟.

    >> عندما اكتشف البرتغاليون طريقَ رأس الرجاء الصالح، وسيطروا على الطرق التجارية بين أوروبا وآسيا، وتحولت هذه الطرق التي كان يسيطر عليها اليمنيون إلى خليج السويس، والمصريون إلى البحر الأحمر وأوروبا حين كانت الدولة في اليمن بالذات هي دولة الساحل وكانت سيطرتها على الطرق التجارية تحقق لها تراكماً رأسمالياً يبرر موضوعياً الإبقاء عليها دولة سواحل، وعندما سقطت الدولة في اليمن وفي مصر أيضاً بعد سيطرة البرتغاليين على الطرق التجارية الجديدة جاءت في اليمن دولة الجبل.. ودولة الجبل هذه لم يكن أساسُها أو مبررُها الموضوعي اقتصادَ التجارة، وإنما قامت على اقتصاد الحرب.. والمجتمع القبلي بحكم طبيعته وتضاريس بيئته يقوم على اقتصاد الحرب والغنيمة.. من هنا سيطرت دولة الجبل على الدولة على أنقاض دولة الساحل لاعتبارات جيوبولوتيكية أي جغرافية سياسية فلم يحدث في تأريخ اليمن على الإطلاق أن نشبت على أراضيه حروبٌ ذات طابع طائفي أو مذهبي، لا نجد في كتب التأريخ شيئاً من هذا القبيل على الإطلاق، بل كان الصراعُ تمليه وتحدد مسارَه الاعتباراتُ الجيوبولوتيكية لا غير، وهكذا ظل الحكم محصوراً في المنطقة المحيطة بالعاصمة وما حولها إلى الآن، وحتى بعد قيام دولة الوحدة عام ٠٩٩١م ظلت التركيبة القديمة تبسط سلطانها أو تستميت في بسط سلطانها رغم أن تناقضاً صارخاً واضحاً وجلياً للعيان بين حقائق جديدة أملتها وقائع جغرافية سياسية اقتصادية، وبين تركيبة الحكم عائدة إلى مئات من السنين مضت.

    هذا التناقض الصارخ هو الذي يفسر دورات الصراعات التي تشهدها بلادنا، ومنها حرب ٤٩٩١م، وحرب صعدة، والانقلابات والهزات السياسية التي تحصل بين حين وآخر، فهي وغيرها تجليات لذلك التناقض بين الصيغة الفوقية للتركيبة السياسية القائمة والتركيبة التحتية لها.. هذا هو ما قصدته بالحاجز التأريخي النفسي الذي أردت إزالته لصالح الوطن ومستقبله ونهضته المنشودة، ولا يتحقق ذلك إلا بالصيغة الديمقراطية البرلمانية الاتحادية بشكل الحكم وطبيعته.

    > ماذا عن عدم الجمع بين السلطات لإقليم واحد في فترة واحدة على أن يتم التنوعُ في كل فترة ويأخـُذُ كلُّ إقليم ما هو مخصص له في فترته..

    >> ولكن قد يأتي الانتخاب وإن كان من أبناء إقليم واحد بشخصيات متباينة حزبية وسياسية وهذا يكفل الإبقاءَ على التعدد.. ولن يكون الأمر مفضياً إلى لون واحد هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى فإنه ما دام النظام اتحادياً أو فدرالياً فلا يستطيع أصحابُ المواقع المركزية أو الاتحادية أن يهيمنوا على كل شيء؛ لأن طبيعة النظام ستحولُ دون ذلك، فالسلطة موزعة وليست مركزة؟.

    > في عملية اصلاح القضاء أشرت إلى أن ذلك سيتم تحويله إلى لجنة من القضاة تتم الموافقة علىهم من مجلسي التشريع.. يقال في المثل: "إذا أردت أن تميت أي شيء فشكّلْ له لجنة"!!.

    >> ليس في كل الأحوال، فأعمالُ الدول كلها إنما تنجَزُ من خلال اللجان، ولكن المشكلةَ تبرز حينما لا يكون صاحبُ القرار بتشكيل اللجنة جاداً ولا صادقاً في الغرض الذي من أجله أُنشئت اللجنة.. فيما يتعلق بالقضاء، فإن هذه المهمة ستكون في أول قائمة اهتماماتي على الإطلاق.. إذ بدون النجاح في بناء قضاء مستقل ونزيه ومحايد لن ننجح في أي شيء آخر فيما وعدنا به.. فالقضاء هو الضمانة الوحيدة لنجاح الديمقراطية لغرض سيادة القانون، للفصل بين السلطات، لحفظ الحقوق، وإقامة العدالة، وإذا غاب القضاء أو انحرف عن مساره صارت كل مجالات المجتمع والدولة خراباً في خراب.. لهذا فإن ما قصدته باللجنة أن يكون أعضاؤها من القضاة أنفسهم، ولكننا سنختارهم من بين القضاة الذين تعرضوا لعذاب ومعاناة من وضع القضاء نفسه، واُتهموا وسُجنوا وفـُصلوا وعُذبوا؛ لأن مثل هؤلاء سيكونون أكثرَ شعوراً بأهمية وجود قضاء مستقل ونزيه، وأكثر عزماً على بنائه بناءاً صحيحاً وسليماً حتى لا يذوقون ولا يذوق غيرُهم من القضاة أو من المواطنين ما سبق وإن عانوه.. ألا ترى معي أن بعضَ رؤساء الدول العربية الذين أُسقطوا بانقلابات عسكرية مثلاً أو زُجَّ بهم في السجون لسنوات خرجوا من السجون ديمقراطيين حقيقين ومُنادين بالحريات بحق وحقيق؟.. ولو لم تكنْ هناك استحالةٌ لأضفتُ في برنامجي شرطاً إلى الشروط الواجبِ توافرُها في مَن يرغبُ في أن يكونَ رئيساً أن يكونَ قد سُجنَ ما لا يقلُّ عن خمس سنوات حتى يخرُجَ منها "بني آدم ديمقراطي"..

    ولعلك لاحظتَ أنني ذكرتُ في برنامجي أن كُلَّ مَن تثبتْ علاقتـُه وتعامُلُه مع أجهزة الاستخبارات من القـُضاة أو أعضاء هيئة التدريس الجامعية فيجب فصلُه فوراً أو إحالته إلى عمل آخر؛ ذلك لأن القاضي يقيمُ العدلَ بين الجميع، وهو مرجعُ الجميع فما حاجته إلى أن يكون مخبراً وما حاجة عضو هيئة التدريس الجامعي إلى أن يكون مخبراً أيضاً، فالأولُ حينها يضربُ العدالةَ في الصميم ويبيعُ ضميرُه للشيطان، والآخر يفسدُ الأجيالَ التي يقومُ بتربيتها إذ يتجرد من القيَم والمعايير الأخلاقية.

    > إعتبرت وزارةَ العدل أنها من مظاهر التأثير على القضاء ولهذا قلت في برنامجك أنك ستقوم بإلغائها.. بينما يعتبر البعضُ وجودَها بأنه إداري بحت في عمل خطط بناء المحاكم وتوزيعها مثلاً أو فتح محاكم في مديريات وشيء من هذا القبيل.. مَن هي الجهة التي ستتولى ذلك إذا ألغيت وزارة العدل؟.

    >> إذا كان هناك مبدأٌ لفصل السلطات وكان القضاء يجب أن يكون مستقلاً فإن وجود وزارة للعدل ضمن السلطة التنفيذية ينتقصُ بشكل أو بآخر من استقلال القضاء.. لهذا سألغي وزارة العدل بحيث يبقى القضاء سلطة مستقلة تدير شؤونها بنفسها، وليس فقط إلغاء وزارة العدل بل سأعمل أيضاً على أن تكون ميزانية وإيرادات ومصروفات السلطة القضائية مستقلة تماماً عن تحكّم السلطة التنفيذية من خلال وزارة المالية أو وزارة العدل أو حتى من أجهزة السلطة الرقابية الحكومية ذلك أن رقابةَ القضاء يجبُ أن تكونَ من داخله ومن خلاله فقط.

    كما ينبغي أن يحصل القاضي على دخل لائق وكريم لا يجعله بحاجة إلى محاولة الحصول علىه من مصادر أخرى، يجب أن يحددَ القضاءُ نفسُه المرتبات والامتيازات والمكافآت سواء أثناء الخدمة أو بعدها، سواء للقاضي أو لأفراد أسرته دون أن يشعرَ بأن شيئاً ينقصه حتى نضمنَ منه أن يقيمَ العدلَ دون عوَز أو حاجة.. وأقصد بالقضاء هنا كل الوظائف والهيئات المرتبطة بالقضاء كل العاملين في سلك القضاء بما في ذلك أُمناء السر والمكاتب الإدارية والمالية والنيابة العامة...الخ.

    > يقولُ البعضُ: إن جزءً من فساد القضاء هو الأجهزة التنفيذية أو تلك التي لا تنفذ الأحكامَ، بمعنى آخر أقسام الشرطة والداخلية.. فهل في برنامجك خطةٌ لانشاء أجهزة تنفيذية تتبع القضاء؟.

    >> ذلك كان ولا يزالُ أكثرَ ما يثيرُ دهشتي واستغرابي كيف يمكنُ أن تقيمَ العدالةََ بإصدار أحكام لا يتم تنفيذها!!.. إن القضاء هو حكمٌ وتنفيذٌ في آن واحد.. وأيةُ أحكام دون تنفيذ هو تحايُلٌ على العدالة، وتلاعُبٌ بمقتضياتها.. ولهذا فأنا لا أميلُ إلى خلق أجهزة تنفيذية موازية تابعة للقضاء ولكني سأصدرُ تشريعات واضحةً ودقيقةً وحاسمةً تجرِّمُ أيَّ مسؤول في السلطة التنفيذية يطلـُبُ منه القضاءُ تنفيذَ حكم ولا ينفذه، حيث يحالُ إلى المحاكمة فوراً وتكونُ له عقوبتان الأولى تجاهُلـُه لأحكام القضاء، والثانيةُ سوء استخدامه لسلطاته الموكلة إليه.. هذا هو الأسلوبُ الأفضلُ والأكثرُ فاعليةً بدلاً عن إنشاء أجهزة وسلطات تنفيذية موازية تتبع السلطة القضائية، إذ لو تم ذلك فماذا تعملُ أجهزة الدولة إذاً وهي التي يُطلـَقُ عليها في القانون أجهزةُ الضبط؟.

    > تكلمتَ عن إعطاء القضاة حقوقَهم الماديةَ كاملةً السؤال الذي يطرح نفسه.. إذا ما أردنا أن نعطيَ كلَّ موظفي الدولة حقوقَهم كاملةً التي تفي بمتطلبات الحياة فإن ميزانيةَ الدولة لن تكفيَ لتكون مرتبات فقط.. بالإضافة إلى أن لديك جيشاً جراراً من الإداريين الذين لا ينتجون فهل هنالك خطةٌ للإصلاح الإداري؟، أم سيكونُ الاستغناءُ عن هؤلاء هو الطريق الأمثل؟.

    >> أولاً لو أخذنا في الاعتبار المليارات الكثيرة من الدولارات التي تتكدَّسُ في بنوك أوروبا وأمريكا لحسابات خاصة بكبار مسؤولي الدولة مدنيين وعسكريين، وهي منهوبةٌ من المال العام، وهي من الفساد والإفساد، فإننا سنتبينُ بأن بلادَنا ليست فقيرةً في مواردها، وإنما المشكلة هي أن "دراكولا الفساد" يلتهمُ تلك المواردَ ويبددُها بطرق غير مشروعة فلو تم بشكل فعال القضاءُ على هذا الفساد وضبطُ موارد الدولة لاستطعنا أن نمنحَ مرتبات الموظفين أفضلَ بكثير مما هو سائدٌ في كثير من بلدان العالم الثالث هذا جانب.. الجانبُ الثاني فإن معالجةَ الإختلال الوظيفي المريعَ سيتم وفقاً للخطوات الرئيسية التالية:

    ١- عملُ مسح وظيفي شامل لكل الموظفين مع بيانات لمؤهلاتهم وخبراتهم وأعمارهم، ثم بيان بالتكدس الوظيفي القائم بحيث يصار إلى إعادة توزيعه بشكل كفؤ ومحقق للجدوى الوظيفية.

    ٢- إعادةُ النظر في كل الدرجات الوظيفية القيادية التي منحت خلال »29« عاماً لمعرفة درجة مشروعية الاستحقاق الممنوحة لهم من الناحية القانونية بحيث يتم إلغاءُ كل ما كان مخالفاً للقانون.

    ٣- لقد فتحت الأبواب في برنامجي على مصراعيه للاستثمارات المحلية والأجنبية، ودعوت إلى إزالة كل العوائق والعراقيل التي تنفر الاستثمارَ في بلادنا، ليس هذا فحسب.. بل وأشرت إلى حواجز تشريعية واسعة للمشاريع الاستثمارية الجادة.

    ٤- ركزت في البرنامج على الحد من التوسع في التعليم الجامعي النظري، والتوسع الكبير في المعاهد والكليات الفنية والحرفية.. العالية والمتوسطة والأولية، بحيث تكون نسبة مخرجات التعليم الجامعي إلى التعليم الفني المهني بنسبة ١- ٩، بمعنى في مقابل خريج جامعي نظري لا بد أن يكونَ هناك تسعة من خريجي التعليم الفني والمهني الوسيط..

    هذه هي القاعدةُ التربويةُ المثلى في العالم كله، أما عندنا فإن الوضعَ معكوسٌ، ولهذا ترى الآلافَ المؤلفةَ من خريجي الجامعات لا يجدون عملاً بعد تخرجهم، وهذه مشكلة لها عواقب سياسية واقتصادية واجتماعية.

    ٥- ثم جاءت مؤسسة ضمان التكافل الإجتماعي لتحل جذرياً مشاكل الفقر والبطالة في المجتمع..

    > ذكرت في إجابتك الأموالَ الطائلةَ من الدولارات لمسؤولي الدولة والموجودة في بنوك الخارج.. هل هذا يعني أن لديك برنامجاً لاستعادتها؟.

    >> نعم بالتأكيد.. فقد أشرت إلى ذلك في البرنامج، والحقيقة أن هذه الأموال الطائلة التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات لم تعد قضية خافية بل هي أصبحت موضوعاً لتناول أجهزة الإعلام في العالم، ولهذا قلت في البرنامج: إننا سنعمل على استعادة هذه الأموال بإحدى طريقتين:

    الأولى: وديةٌ بعيداً عن الفضائح من حيث
    يُعيدُ هؤلاء الذين كدسوا هذه الأموالَ غيرَ المشروعة بنهبها من الأموال العامة إلى مؤسسة الضمان الإجتماعي، كما نص عليها البرنامج.

    الثانية: اللجوءُ إلى القضاء، وأقصُدُ بالقضاء هنا القضاءَ المحلي والدولي.. لن نظلم أحداً.. لن نقهرَ أحداً بغير وجه حق.. فهذه العمليةُ كلها ستكون منوطة بالقضاء وحدَه إذا ما فشلت الطريقة الودية الأولى.

    والحقيقة أن هؤلاء المسؤولين ينبغي أن يدركوا بأن هذه الأموال أموالٌ حرامٌ، إنما يأكلون في بطونهم ناراً، وأنها تعود إلى الشعب حققها بعرقه ودمه، وأنه من الأفضل لهؤلاء المسؤولين أن يطهروا أنفسهم في الدنيا عسى الله أن يخفف عنهم في الآخرة.

    وكلُّ ما نهب من الداخل بطريقة غير مشروعة من عقارات وأراضٍ وممتلكات نقدية وعينية بالقهر السلطوي لأصحابها ستتم معالجتها من خلال الإجراءات القضائية وحدَها، فإن الحقوقَ لا تسقط بالتقادم لا دُنيا ولا آخرة.. حتى إذا قضى الإنسانُ شهيداً فلا يعفيه ذلك عن العقاب الأخروي لو كانوا يعقلون.

    > ذكرتَ أنه سيكونُ العملُ جاداً وصادقاً للقضاء على الإرهابيين والمتطرفين والتوقف عن تقديم أي دعم أو تسهيلات أو مساعدات.. بالمقابل لم تتكلم عن التسهيلات المقدمة لأمريكا في مكافحة الإرهاب هل سيتم وقفُ هذه التسهيلات؟، أم أن هذه التسهيلات ستكونُ بشكل أكبر في سبل القضاء على الإرهابيين؟، ثم من هم الإرهابيون؟ ومن هم المتطرفون؟.

    >> نعم فإن بلادَنا قد أصبحت للأسف الشديد من وجهة نظر العالم قاعدةً ومنطلقاً ومأوىً للإرهاب والإرهابيين وإعادة تصديرهم إلى هنا وهناك من بلدان العالم، وهذه قضيةٌ تلحقُ ببلادنا أفدحَ الأضرار ونحن في غنى عنها.. ولهذا شددت في البرنامج على قضيتين متقابلتين.. القضية الأولى أننا لن نسمحَ بأي شكل من الأشكال بأن تكونَ بلادنا حاضنةً للإرهاب والإرهابيين، ولا داعمةً لهم، كما أننا سنكون ُعلى استعداد تام للتعاون الكامل مع المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب والإرهابيين.. القضية الثانية أن البرنامج شدد على ضرورة أن تكون اليمنَ ملجأً آمناً لكل المنادين بالحرية وبالحقوق العادلة الذين يناضلون في سبيل حرية شعوبهم ومجتمعاتهم، وأن اليمنَ يجبُ أنْ لا تغلق أبوابها أمام هؤلاء، بل يجب أن توفرَ لهم الملجأَ الآمنَ، وأنْ لا تسلمهم لأية جهة كانت، بل وتدعمهم أيضاً؛ لأنهم أصحابُ قضايا عادلة، يطالبون بحقوقهم المشروعة، ويناضلون من أجل الحرية.. وذلك عملاً بقول الله تعالى وامتثالاً لتعاليمه: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالمِ أهلها)، إن اللهَ يأمُرُنا ليس فقط أن ندعَمَ هؤلاء المستضعفين والمقهورين في العالم بغض النظر عن ديانتهم العرقية بل أن نقاتلَ معهم..

    > ألا ترى أن هذا سيثيرُ معظمَ الدول العربية عليك إذا ما فزت؟.

    >> لا بالعكس فالدول العربية لها قضايا عادلة ولها حقوق مصادَرة، ومن مصلحتها إعمالُ هذا المبدأ المقدس، ألم يأمرْنا اللهُ بالهجرة؟، (قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)، ما أعظم هذا المبدأ.

    إن المقهورين والمظلومين حين يهاجرون من بلدانهم يجدون متنفساً لهم خارجَ أوطانهم وهم بذلك يخففون من الإحتقان داخل مجتمعاتهم كما أنهم يرفدون المجتمعات التي يهاجرون إليها بدماء جديدة وأفكار وقيَم جديدة، وهكذا تمضي الحياةُ في تفاعل وتجدد دائم يحقق الغاية من الحياة كما أرادها اللهُ للبشر، (ولولا دفعُ الله الناسَ بعضهم ببعض لفسدت الأرض)، إن بعضَ الأنظمة تتحكم بها نظرةٌ ضيقةُ الأفق إزاء هذه القضية فهم لو أتاحوا متنفسات للقوى الحية في مجتمعاتهم سواء داخل هذه المجتمعات أو خارجها بالهجرة يكونون قد خدموا أنفسَهم بالدرجة الأولى لو كانوا يعقلون.. ولهذا أعتقدُ بأن هذه القضية قضيةٌ جوهريةٌ ومبدئيةٌ يجبُ أنْ لا نتنازل عنها مهما كانت العواقب على الأقل بدلاً عن أن يهاجر الناسُ أو المضطهدون إلى مجتمعات في أوروبا وغيرها يهاجرون إلى بلدان عربية، وهذا أفضلُ وآمن لجميع الأطرف.

    > ذكرتَ أنك ستتعاونُ مع المجتمع الدولي من أجل مكافحة الإرهاب ألا يؤدي ذلك إلى انتقاص السيادة في الداخل كما حدث عند اغتيال الحارثي في مأرب بطائرة أمريكية؟.

    >> يقيناً سوف أتعاون مع المجتمع الدولي دون قيد أو شرط وبلا حدود في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم ضد الإنسانية والفساد بكل ما في ذلك من غسيل الأموال والإتجار بالبشر والتعذيب والقتل وغيره، ولا أعتقد أن في ذلك أيَّ انتقاص من أي نوع لمقتضيات السيادة الوطنية بل هو يعززُها ويقويها والذين ينتقصون من السيادة الوطنية هم الذين أباحوا البلادَ لقوى دولية نافذة تعيثُ فيها وتلوثُ كيف تشاء، وتقتلُ مَن تشاء، وتستجلبُ من تشاء، وتحقق مع من تشاء، وتشرف على أجهزة الأمن المختلفة وتقيم القواعدَ والتسهيلات العسكرية في أرجاء الوطن.. أما نحن فلا، سنتعاون في مكافحة الإرهاب نعم وبدون حدود.. لكننا سنحارب الإرهابَ والإرهابيين الحقيقيين وليس الذين يدافعون عن قضاياهم العادلة، وسنكونُ مع المجتمع الدولي يداً بيد ضد هؤلاء الذين ينشرون الفزعَ بين معظم الناس في العالم وسواهم من الفاسدين والمفسدين، فلا تستقيمُ مجتمعاتـُنا بسيادتها الوطنية الحقيقية إلا من خلال هذا التعاون وبه.

    > ألا تظنُّ أن ما ذكرتَ من تقديم تسهيلات لمخابرات الدول العظمى هو نوعٌ من التعاون في مكافحة الإرهاب؟.

    >> لا.. ليس هذا تعاوُناً مع المجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب، ولكنه تفريطٌ في السيادة الوطنية التي يتباكَون عليها.. التعاوُنُ هنا المفترضُ فيه أن يكون تعاوناً متكافئاً بين طرفين متكافئين وليس طرفاً يطلُبُ وآخر يلبي.. ثم ليست هناك علاقة للقواعد والتسهيلات العسكرية بالتعاون في مكافحة الإرهاب.

    إن هذه القواعدَ والتسهيلات هي خدمة لمصالح القوى الدولية الكبرى وليس لنا فيها عير ولا نفير، بل إنها تهدد استقلالنا وسيادتنا، فالتعاون الكامل والشامل شيء ورهن البلد لدى الأجنبي شيء آخر.

    > هذا يعني أنه ستطلُبُ إغلاقَ مكاتب C .I . A ومكتب التحقيقات الفيدرالي الموجودة لدى السفارة الأمريكية في اليمن ومثيلاتها الفرنسية؟.

    >> لا، ما دامت هذه المكاتبُ ملحقةً بالسفارات فليس من حقنا إغلاقها لكن حينما تمتد سلطاتها من داخل السفارات إلى شؤون الدولة وسلطاتها حينئذ سنمنعُها، والحقيقة أن هذه كانت موجودةً منذ أمد بعيد، ربما في الفترة الأخيرة توسعت كثيراً وأصبحت أكثرَ إفصاحاً عن نفسها، لكن بحسب علمي فإن كلَّ سفارات الدول المحترمة يوجدُ فيها ملحقيون مخابراتيون بمختلف تشكيلاتها في البلد المعني، وإن لم يتم الإفصاحُ عن ذلك إلا في بعض الحالات التي تتطلبُ تنسيقاً مباشراً بين أجهزة المخابرات في البلدين.. والمسألةُ هنا سلطاتٌ ونطاقُ ممارسة سلطات تلك المكاتب وليست المشكلة في وجودها أو عدم وجودها.. إذا كانت هذه المكاتبُ تريدَ أن تنسق أو تتعاون مع أجهزة مخابراتنا فما المانع إذا كانت السفارة تقوم بنفس المهمة؟! فإنه من باب أولى "ما ينطبق على الكل ينطبق على الجزء" المهمُّ أن يكونَ ذلك التعاوُنُ قائماً على أسس متفق عليها وليس تدخلاً فجاً.

    > فيما يخـُصُّ الإعلامَ قلتَ في البرنامج إنك ستقومُ بحل وزارة الإعلام وإلغاء كل العقوبات المتعلقة بالنشر، إلا ما كان متعلقاً منها بحق شخصي، هذا يعني أنك ستـُبقي على القانون الخاص بالصحافة مع العلم أن الصحفيين يُطالبون بإلغاء القانون ليكونَ قانون العقوبات هو الذي يحكم جميع القضايا سواء ما كان منها إعلامياً أوغير إعلامي؟.

    >> أما إلغاءُ وزارة الإعلام فهو من قبيل تحصيل الحاصل، فطالما أننا سنلغي ملكيةََ الدولة لوسائل الإعلام، فماذا يبقى لوزارة الإعلام من وظيفة؟.. وزارةُ الإعلام هذه هي من سمات النظام الشمولي الدكتاتوري وليس النظام الديمقراطي.. وحتى قانون الصحافة سيتم إلغاؤه؛ لأنه لن تكونَ هناك عقوبات مفروضة على حريات التعبير والنشر إلا ما كان يدخـُلُ في نطاق الحقوق الشخصية، وهذا أمر منوطٌ بالقضاء، ويحكُمُه قانون العقوبات الجنائية، ولا داعي لقانون خاص بالصحافة.

    > في البرنامج إلغاءُ "عقوبة الإعدام" فيما يتعلق بالجرائم السياسية.. ما هي الجرائم السياسية؟.. وهل هناك أساساً عقوبةٌ على السياسة؟.

    >> أقصُُدُ بالجرائم السياسية تحديداً كالعقوبة التي أوقعها النظامُ القضائي الحالي بالعلامة الديلمي مثلاً حُـكم عليه بالإعدام في قضايا لا تخرُجُ عن نطاق حرية التعبير، وحق ممارسة الحريات الشخصية والعامة.. هذا جانبٌ والجانبُ الثاني حريةُ التظاهر وحرية التنظيم والعصيان المدني مثلاً، وغيرها من الجرائم التي لا تدخـُلُ مباشرةً فيما يسمى بالقصاص الشرعي »النفس بالنفس«، كلُّ ما عدا ذلك سنلغي أيةَ عقوبة بالإعدام عليه، واسمح لي أن أذكرَك أنه كان هناك قانون رقم (٧٢) لسنة 1963م يحرم فيه إيقاعُ عقوبة الإعدام بالجرائم السياسية، ولهذا فإن إعدامَ قادة الناصريين في ٥ نوفمبر عام 1978م بسبب محاولتهم القيام بانقلاب أبيض لم ترق فيه قطرة دم واحدة بل ودفنهم في أخدود حُفرَ لهذا الغرض إنما تم بالمخالفة لأحكام هذا القانون الذي لم يبطل بقانون آخر.. ولهذا نحن نطالبُ بمحاكمة الذين خالفوا القانونَ، ودفنوا الناسَ أحياءً!!.. هذا ما قصدته بإلغاء عقوبة الإعدام في الجرائم السياسية التي تشمل كل ما سوى القصاص الشرعي.. ومع ذلك فأنت محقٌّ بأن العبارةَ التي وردت في البرنامج تحمل قدراً من الغموض واللبس على أن ما قصدته هو إلغاءُ عقوبة الإعدام على كافة الجرائم، فيما عدا القصاص الشرعي فقط هو هذا ما قصدته، وهو ما سأوضحُه إن شاء الله.. أما ما يتعلقُ بالسياسة فالمفترضُ أن ليس في ممارستها ما يجرَّمُ..

    > فيما يتعلقُ بما أسميته محاولة الناصريين القيام بانقلاب أبيض.. ألم يكن هنالك تحرُّكٌ للجيش في هذه المحاولة؟.. فكيف تسميه انقلاباً أبيض؟.

    >> بلى كان هناك تحرك عسكري لكن ما قصدته بأن هذا التحركَ العسكري لم تنتج عنه إراقةُ قطرة دم واحدة، ولهذا سميته بالانقلاب الأبيض هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لما كان النظامُ آنذاك شمولياً وديكتاتورياً وغير ديمقراطي فلقد كانت مشروعيةُ القيام بانقلاب عسكري قائمةً ولا غبار عليها؛ لأنه لم يستهدف الإنقضاضَ على نظام ديمقراطي، بل الانقضاض على نظام قام هو نفسُه بانقلاب عسكري أو في أحسن الأحوال في ظل نظام يحكُمُه الحزب الواحد وهو نظامُ غير ديمقراطي بالتأكيد.. ولهذا لا نحاكمُ الانقلابَ من منظور اليوم، وإنما من منظور مكانه وزمانه آنذاك..

    > الآن نقفزُ على البرنامج الانتخابي ونعودُ إلى الساحة اليوم وما شهدت من تغيير حكومي وتغيير بعض المحافظين كيف تنظـُرُ إلى هذا التغيير؟.

    >> بالنسبة إلى التغيير الوزاري فهو ليس أكثرَ من مجرد دعاية انتخابية مبكرة لإيجاد انطباع لدى الرأي العام بأن النظامَ لديه رغبةٌ في التغيير، ولكن المسألة لا تكمُنُ في تغيير هذه الوزير أو ذاك، بل تكمُنُ في التركيبة الكلية للنظام، بمعنى آخر لو أن هذا النظام بهذه التركيبة جاء بوزراء لهم صفة عصمة الأنبياء فإنهم لن يستطيعوا عمل شيء؛ لأن آلةَ التركيب الحاكمة الرهيبة تلفهم معها حيث ذهبت، ولهذا فلستُ أنظرُ بأدنى أهمية للتغييرات الوزارية على الإطلاق على أن أهمَّ ما في تلك التغييرات هو ما يتعلق بتعيين محافظين جديدين لصعدة وعدن.. فأما الأول فإن تعيينَ شخصية مثل العميد/ يحيى الشامي بما عُرف عنه من كفاءة ونظافة يد وحنكة إدارية يعني أحد أمرين، إما التعجيلُ بحسم الصراع عسكرياً مع جماعة الحوثي في صعدة، أو تهدئة المشكلة مؤقتاً إلى ما بعد الانتخابات ولا شك أن الشامي قادرٌ في كلا الحالتين، أما التغييرُ الثاني وهو الأهم فهو تعيين أحمد الكحلاني محافظاً لمحافظة عدن، ومعروف عن الكحلاني من خلال أدائه وإنجازاته المشهودة في أمانة العاصمة أنه رجلٌ على درجة عالية من الكفاءة والخبرة والإبداع، إضافة إلى ما عُرف عنه من نظافة اليد.. فهل كان تعيينـُه مُحافظاً لعدن تجسيداً لرغبة في النظام لتطوير مدينة عدن ولماذا؟!.

    بحسب المعلومات المتوفرة لديّ المستقاة من مصادر مقربة من النظام فإن هذا التعيينَ المهم يجيءُ خطوةً أولى لتنفيذ مشروع تأريخي يقضي بنقل العاصمة إلى عدن، ذلك أن النظامَ في إطار سعيه المحموم لخلق الظروف والأجواء الملائمة لتوريث الحكم بات يشعُرُ بأن صنعاءَ كعاصمة معرضة لمخاطر حقيقية وجادة بحكم كونها مُحاطة بقوى قبَلية مؤثرة وقادرة على الفعل الحاسم وهي لن تقبَلَ بتوريث الحكم؛ لأن طبيعةَ المجتمع القبَلي العشائري في أي مكان يرفـُضُ بحكم طبيعته وتركيبته أن تسيطرَ قبيلةٌ على بقية القبائل من خلال السيطرة على نظام الحكم أو الدولة، وأن وضعَ مبدأ توريث الحكم موضعُ التنفيذ من شأنه أن يفضي إلى حرب أهلية طاحنة يكون عمودُها القوى القبَلية المحيطة بصنعاء وهي قوى اجتماعية قادرة على التأثير والحسم ولهذا بحسب معلوماتي فإن النظامَ قد اتخذَ قرارَه بشكل متكتم لنقل العاصمة إلى عدن، واختار الأستاذ/ أحمد الكحلاني مُحافظاً لعدن كخطوة أولى على طريق تنفيذ هذا المشروع، ذلك إن الكحلاني بالإضافة إلى شخصيته التي ذكرناها آنفاً يعتبَرُ من أهل الثقة المقربين، وتشير المعلوماتُ إلى أنه قد تم رصدُ اعتمادات مالية ضخمة ومنح الكحلاني صلاحيات واسعة لإعداد عدن لتكون مقراً للحكم أي عاصمة بما في ذلك استكمالُ بُنيتها التحتية.. وتوسيعُ نطاقها الجغرافي وتحسينُ مظهرها.. كما أن تلك المعلومات تشيرُ إلى المشروع التدريجي في نقل وإعادة توزيع جانب كبير من الجهاز الإداري العامل في عدن للعمل في محافظات مجاورة لإعادة بناء الجهاز الإداري المطلوب لعاصمة مقبلة.. وفكرةُ نقل العاصمة ليست جديدة في حقيقة الأمر فلقد سبق نقلـُها إلى »المقرانة« و»جبلة« و»تعز«، لكن ذلك النقلُ كان إجراءً متأخراً حينما يصل النظامُ القائمُ إلى حالة من التأزم والإحتقان.. من وجهة نظر النظام فإن مدينةَ عدن كمدينة ذات طابع مدني عبر تأريخها، بالإضافة إلى كونها بعيدةً عن قوى التأثير القبَلي هي المكانُ الملائمُ لعاصمة الدولة التي سيتم توريثُ الحكم فيها بعيداً عن المشاكل وفي ظل قدر من الاستقرار والأمان.. وعلى كل حال فإن مسألةَ نقل العاصمة من صنعاء إلى مدينة ساحلية كانت مطلباً لمنظمات دولية عديدة وجدت أن صنعاءَ والهضبةَ الشماليةَ عموماً مهددةٌ بالجفاف بحلول عام 2025م.

    وقد أوصت هذه المنظماتُ بنقل العاصمة إلى مدينة ساحلية وإعادة توطين حوالى عشرة ملايين نسمة في مناطق الشريط الساحلي ليسهل توفير المياه لهم عبر تحلية مياه البحر بكلفة معقولة.. ربما تظافر هذا العامل مع عامل التوريث.. وبدأ النظامُ بشكل حثيث وسري للغاية للعمل على نقل العاصمة إلى عدن.

    > ألا ترى أن نقلَ العاصمة إلى عدن المدينة الساحلية قد يؤدي مستقبلاً من حيث لا يشعُرُ النظامُ إلى تحويل الحكم من النظام الذي ذكرته أنت سابقاً من الحكم الجبلي القائم على الحروب إلى نظام حكم الساحل القائم على التجارة الساحلية خاصة وأن عدن هي المنطقةُ الحرة لاستعادة هذا النظام الساحلي القائم على التجارة..

    >> قد يكونُ الأمرُ كذلك على نحو أو آخر، ولكن الأهمَّ من نقل المكان هو إحداثُ تغيير في العقلية، بمعنى تغيير نظرة الحاكم إلى طبيعة وفلسفة ووظيفة الحكم أساساً، فإن مجرد انتقال المكان مع بقاء العقلية ذاتها لا يغيّرُ من الأمر شيئاً بل يزيد الأمرَ تفاقماً على أنني أعتقد من جهة أخرى أن هذا النظامَ بعد أن تكوّن لرموزه وأعمدته قدرٌ هائلٌ من الثروات والإمكانات المادية سواء كانت بطريقة مشروعة أو غير مشروعة، وكلـُّها تقريباً غيرُ مشروعة، فإنه بدأ يفكرُ بالمستقبل ويرى بأن الضرورةَ قد باتت ملحةً للقيام بخلق الشروط والضمانات التي تكفلُ لهم ولأسرهم وأقاربهم ضمانات استثمار هذه الثروات بشكل آمن وطبيعي، وذلك لا يتحققُ إلا من خلال إقتناعهم وشعورهم بأنه آن الأوانُ لمصلحتهم قبل مصلحة الوطن بناء دولة النظام والقانون الحقيقية التي هي وحدَها ستوفرُ لهم الأمانَ والحمايةَ لأشخاصهم وثرواتهم؛ لأن تراكُمَ المصالح المادية يستلزمُ أول ما يستلزم وجودَ أداة حماية قانونية لاستثمار وتنمية هذه الثروات وحمايتها على أن ذلك حقيقةٌ لا يمكن أن يتوفرَ في ظل غياب الدولة التي تتسمُ بالديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة وعدالة القانون للجميع وهو ما لم يستشعره النظامُ القائمُ حتى الآن على ما يبدو.. فالنظامُ الآن أمام مفترق طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يقودَ البلدَ وهو معها إلى كارثة مدمرة، وإما أن يسلكَ الخيارَ الأصعبَ وهو بناءُ مثل تلك الدولة التي أشرنا إلى صفاتها وسماتها.. أو على الأقل أن يفسحَ المجالُ لمن يستطيع إقامةَ مثل هذه الدولة؛ لأنه بطبيعته عاجزٌ عن إقامة هذه الدولة كما دلت تجربةُ الــ»٨٢« سنةً الماضيةُ..

    > أخيراً سؤالٌ يفرضُ نفسَه لماذا المعارضةُ من الخارج؟، ولماذا لا تكونُ في الداخل؟، ومتى ستعود؟.

    >> قضيةُ المعارضة من الخارج هي في الحقيقة بالنسبة لي شخصياً لا ينطبقُ عليها وصفُ المعارضة من الخارج؛ لأن إقامتي في الخارج ليست دائمة، وإنما جاءت مؤقتةً؛ لكي تتاح لي فرصة لترتيب أوراقي وتقييمي للأوضاع عامة في جو أهدأ وأصفى، ولعلك سمعتَ ما تطلقه أجهزة الإعلام الرسمية وتركيزها على قضية وجودي في الخارج، وهذه حقيقةً عقدةٌ متأصلةٌ في ذهنية وعقلية النظام الحاكم ومن لف لفه، وهي عقدةُ إجبار الآخرين على ما يمكنُ أن يطلقَ عليه "العودة إلى بيت الطاعة".. حتى في التشريعات الأسرية إفتروا فيها على دين الله، وشرعوا في حالة الخلافات الزوجية وجوب إعادة الزوجة إلى بيت الطاعة أي بيت زوجها قسراً أي بالقوة وهو ما لم تقل به الشرائعُ الإلهية كلها، وهم يسحبون هذه الرؤية على كل مناحي الحياة، فبالله عليك عندما أعلنُ عن رغبتي في ترشيح نفسي للانتخابات الرئاسية فهل سيكونُ ذلك الترشيحُ عبرَ الفاكس أو التخاطـُب عن بُعد »التلباثي« إذ يجبُ عليَّ في كل الأحوال أن أعودَ شخصياً للترشح، وهذا ما سيتم بكل تأكيد وفقاً للإجراءات الدستورية المنصوص عليها.. ثم إنني لستُ معزولاً عن الداخل فهناك فرق عمل نشطة بين الجماهير في مختلف المحافظات وتعملُ في اتجاه الترشح أي أن الأمرَ ليس متوقفاً حتى عودتي بل هو قائمٌ على قدم وساق، وقريباً سأزورُكم في مكتبكم إن شاء الله لأشكركم على هذه المقابلة الفريدة والمتميزة والتي كانت صعبةَ المراس لكنها حيوية..

    > ما دمتَ ناوياً بالعودة هل ينتابُك بعضَ القلق الأمني؟.

    >> القلقُ الأمني قائمٌ ليس من اليوم وإنما من سنوات طويلة مضت، فالنظامُ والجماعاتُ التي تعملُ لحسابه جاهزٌ للتصفيات، وهذا أعلمُه علمَ اليقين لكنني رغم ذلك ليسَ أمامي سوى أن أُقـْدم أو أُحْجم.. أما أن أَغـُضَ النظرَ عن المخاطر الأمنية القائمة وهي جادةٌ وحقيقيةٌ، أو أُحجم وأَقعد في بيتي إلا أن ما وصلت إليه البلادُ من تدهور أوجب عليَّ أن أُقـْدم وأن أتحمَّـلَ كلَّ التبعات والنتائج المتوقعة مهما كانت، ودع النظامُ يُسرفُ في القتل إنه كان مهزوماً..
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-02-28
  3. allan2004

    allan2004 عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-04-03
    المشاركات:
    578
    الإعجاب :
    0
    )))يرى ضرورةَ فصل أيّ قاضٍ أو أكاديمي جامعي يتعاملُ مع المخابرات..(((
    -----------
    معنى ذلك لن نجد لا قاضيا ولا اكاديميا ........ههههههههههههههههه
     

مشاركة هذه الصفحة