فجرٌ في دُجَى الأحداث (*)

الكاتب : محمد القوباني   المشاهدات : 492   الردود : 0    ‏2006-02-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-02-27
  1. محمد القوباني

    محمد القوباني عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-12-23
    المشاركات:
    535
    الإعجاب :
    0
    كلُّ ما صاغَه خيالُ الظُّنونِ *** يتهاوى أمَام فجرِ اليقينِ
    لغةُ الفجرِ ذاتُ معنىً صحيحٍ *** ولسانٍ طَلْقٍ، ولفظٍ مبينِ
    يتهاوى أمامها كلُّ ليل *** سرمدي من العذاب المُهينِ
    لغةٌ تمنح القلوبَ صفاءً *** ونقاءً في عصرنا المفتونِ
    ها هنا الفجرُ، ما يزال يُريني *** كيف ينجو من الخِضَمِّ سَفيني
    كيف أَلْقى بشائر الخيرِ، لمَّا *** تتضاغى سِباغُ ذاتِ القرونِ
    كيف نمضي وإنْ أُقيمتْ سدودٌ *** من أكاذيب حاقد وخؤون
    ها هنا الفجرُ مشرقاً فاطمئنِّي *** يا قلوباً، ويا عيونُ استبيني
    ها هنا الفجر، فاقرأوه كتاباً *** سُطِّرتْ فيه ذكرياتُ الحنينِ
    أيَّ فجر تعنيه؟، كان سؤالاً *** جارحاً من مواجعي وشجوني
    من ربوع الإسراء للرُّعب فيها *** قصصٌ سُطِّرتْ بحبر المَنُونِ
    من بناتٍ محصَّناتٍ يتامى *** لا تقولوا: مَنْ هُنَّ لا تَجرحوني
    لا تقولوا: مَنْ هُنَّ، هُنَّ دموعٌ *** ذرفتْها جفونُ عرضٍ مَصُونِ
    كان قبلَ الغاراتِ عرضاً مصوناً *** وهو اليومَ، وصْمةٌ في الجبينِ
    أي فجرٍ تعنيه، كان سؤالاً *** من عجوز يعيش عِيشَةَ هُونِ
    من ثكالى وَلَجْن بابَ المآسي *** شاحباتٍ يبكينَ فقد البنينِ
    من صغارٍ في القدس ذاقوا وبالاً *** ولهذا بِحُرْقةٍ سألوني:
    أيَّ فجر تعنيه، والليلُ أعمى *** مزَّق القَصْفُ فيه ثوبَ السُّكونِ؟
    أيَّ فجرٍ تعنيه، هل هو فجرٌ *** من ترانيم شعرك الموزونِ؟؟
    من عباراتك الجميلة، إنَّا *** لنراها بديعةَ التَّلحينِ؟
    نحن يا شاعرَ التفاؤلِ نَحيا *** مُنْذُ دهرٍ في ليلنا «الصهيوني»
    كيف تشدو بالفجر والناسُ تشكو *** من ظلام مُعَتَّقٍ بالأنينِ؟!
    أي فجر رأيته؟ هل تناءَى *** بك وعيٌ عن صرخة من سجينِ؟!
    عن دموع الأيتام في كل أرضٍ *** والثكالى ومُسْقِطاتِ الجنينِ؟!
    عن قتيل في القدس من غير ذنبٍ *** عمره في الشهور، قبل السنينِ؟!
    عن بيوت الأفغان صارتْ ركاماً *** أكْسَبَتْهُ الدماءُ حمرةَ طينِ؟!
    عن ألوف المشردين الضحايا *** يتمنون حَفْنَةً من طحينِ؟!
    لغة الفجر عذبة غير أنَّا *** لم نُمَتَّعْ بلحنها منذ حين
    أيَّ فجر تعنيه، هل هو فجرٌ *** لانتصارات ألْفِنا المليون؟!
    أيَّ فجر تعنيه؟، يا لسؤال *** مرَّ كالسهم نحو قلبي الحزين؟!
    هزَّني ذلك السؤال، وكادتْ *** حسرتي تحت وقعه تَجْتَويني
    غيرَ أني نفضتُ وَهْمَ انكساري *** حين لاحت أنواره تدعوني
    إنه الفجر، كيف تنسون فجراً *** ساطعَ النور، في الكتاب المبين؟!
    في هُدَى الأنبياء من عهد نوح *** وختاماً بالصادق المأمون؟
    منذ أن عاش في حراء وحيداً *** ثم نادى في أهله: دثروني
    ثم أحيا القلوب بعدَ مواتٍ *** وحماها من وسوسات اللعين
    ها هنا الفجر، فاركضي يا قوافي *** في ميادين لهفتي واتبعيني
    وابعثي لحنك الجميل نداءً *** من صميم الفؤاد، لا تَخْذُليني:
    يا ابن أرض الهُدَى، أرى العصر يشكو *** من دعاة التيئيس والتوهينِ
    وأرى السَّامريَّ يصنع عجلاً *** وينادي برأيه المأْفون
    وأرى صَوْلةَ البُغاة علينا *** روَّعتْنا في قُدسنا المحزون
    وأرى فتنةً تلاحق أخرى *** وجنوناً للحرب بعد حنون
    وأرى القوة العظيمة صارتْ *** آلةَ الموت في يد «التِّنينِ»
    وأرى الوهم مُمْسِكاً بالنواصي *** مُستخفّاً بكل عقل رزينِ
    يا أبا متعب أرى الغربَ يرمي *** بدعاوى ممهورة بالظنون
    هم أراقوا دَمَ العدالة لمَّا *** واجهوا أمتي بحقد دفين
    أهدروا «دُرَّةَ» الصِّغار وصانوا *** دَمَ سفاح قُدسنا «شارون»
    رسموا العنف لوحةً لوَّنوها *** بدماء الضعيف والمسكين
    نسبوها زُوراً إلينا ولسنا *** في يَسارٍ من أمرها أو يمين
    عجباً، غيَّروا الحقائق حتى *** منحوا للهزيل وصف السمين
    ألبسونا الإرهاب ثوباً غريباً *** ورمونا بكلِّ فعلٍ مَشينِ
    أيكونُ الإرهابَ في صَدِّ باغٍ *** مستبد وظالم مُستهينِ؟؟
    أيكونُ الإرهاب في نصر حقٍ *** واحتكام إلى تعاليم دينِ؟!
    إنها الحربُ أشعلوها، فماذا *** يَصْنَع السيفُ في يدِ المستكين؟!
    يا أبا متعب أرى الأرض عَطْشى *** تطلب الماء من شحيح ضنين
    تتلوَّى جوعاً على باب أفعى *** ونريد الإنقاذ من حَيْزَبُونِ
    لو أصَخْنا سمعاً إليها رهيفاً *** لسمعنا نداءها: أنقذوني
    أنقذوني من ظالم مستبد *** لم تزلْ نارُ ظُلمه تُصْليني
    أنقذوني من الفساد، تمادى *** وسرى في النفوس كالطاعون
    يا أبا متعب، هي الأرض تشكو *** وتنادي يا قوم لا تتركوني
    عندنا نحن أمنُها وهُداها *** ولدينا وسائل التأمينِ
    من حمى بيتنا الحرام انطلقنا *** نُنقِذُ الناس من ظلام السجون
    أنتَ أعلنتَها بياناً صريحاً *** ما به حاجةٌ إلى تَبْييِن:
    دينُنا الرُّوحُ لا نساومُ فيه *** أو نُحابي به دُعاة الفُتون
    نحن أهل القرآن منه ابتدأنا *** ومضينا بنوره في يقين
    وتلوناه للوجود، فأجرى *** للقلوب الظماء أصفى مَعين
    وسكنَّا من آيهِ في حصونٍ *** شامخات الذُّرى وحرزٍ مكينِ
    وفتحنا نوافذَ الكونِ حتى *** صار سِفْراً لنا بديع الفنون
    ورفعنا الأَذانَ حياً فتاقتْ *** كلُّ نفسٍ إلى جميل اللُّحون
    عندنا الكنزُ، كنزُ دين حنيفٍ *** نحن أغنى بفضله المخزون
    عندنا حكمة الشيوخِ، وفينا *** همَّةٌ للشباب ذاتُ شؤون
    إن خسرنا، والكنزُ فينا، فبُعداً *** ثم بعداً لنا، ولا تعذلوني
    يا ابنَ أرض الهُدى، عُلانا هُدانا *** وهدانا هدى النبيِّ الأمينِ
    أرضنا الواحة العظيمة تُدني *** من يد المجتني ثمارَ الغصونِ
    أرضنا للعباد صدرٌ حنونٌ *** يا رعى اللهُ كلَّ صدرٍ حنونِ
    نحن في هذه البلاد اتَّخذنا *** منهجاً واضحاً منيعَ الحصونِ
    ومددنا أواصر الحق فينا *** واتصلنا منها بحبل متينِ
    وسقينا بواسقَ النخل حباً *** فسعدنا بطلعها الميمون
    ومحالٌ أن يصبح التمر جمراً *** ويكون الأصيل مثل الهجين
    يا أخا الفهد، عصرنا لا يُبالي *** بضعيف يحيا على التخمين
    لا يبالي بأمة تتساقى *** بكؤوس من الخضوع المَشين
    عَصْرُنا عصرُ ذَرَّةٍ وفضاءٍ *** واكتشاف المجمهول والمكنون
    فافتحوا الباب للشموخ، فإنا *** قد وَرِثنا بالدين وَعْيَ القرون
    رَسَمَ الغربُ للحضارة وجهاً *** دموياً مشوَّه التكوين
    ملأوا الأرض بالعلوم ولكن *** أثخنوها بفسقهم والمجون
    ورَسَمْنا وجهَ الحضارة طَلْقاً *** ومدَدْنا لها ظلال الغصون
    مُنْذُ فاضت بطحاء مكَّةَ بِشْرًا *** وانتشى بالضياء «رِيْعُ الحُجون»
    إن ضَعُفْنا في عصرنا فلأنَّا *** قد ركنَّا للغرب أقسى رُكونِ
    يا ابنَ أرضِ الهُدى سيرعى خُطانا *** مَنْ رعى في محيطهِ «ذا النُّونِ»
    إنما الأمرُ في يدِ اللهِ يُمضي *** ما طوى علمُه بكافٍ ونونِ
    دَعْوَةُ الكُفر تنتهي وستبقى *** دعوةُ الحقِّ دعوةَ التمكينِ
    عبدالرحمن صالح العشماوي
    (*) ألقيت القصيدة في افتتاح مهرجان الجناردية يوم الأربعاء الموافق 8/11/1422هـ
     

مشاركة هذه الصفحة