السباق إلى العقول الحلقة (20) الجزء الثاني

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 512   الردود : 0    ‏2002-04-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-04-28
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    الحلقة (20) الجزء الثاني.

    أمثلة لكذب الطغاة المدمر على الشعوب.

    المثال الثاني:
    الثورة الناصرية في مصر التي اتخذ زعماؤها الإسلام واجهة لثورتهم، والقومية العربية شعارا لهم، وعلى رأسهم عبد الناصر الذي اختفى وراء كبار الضباط في أول الأمر، واغتر بهم دعاة الإسلام بسبب كذبهم ووعودهم التي قطعوها على أنفسهم، بل إن عبد الناصر بايع المرشد العام للإخوان المسلمين "حسن البنا"، ثم خدعهم وقلب لهم ظهر المجن، وكان من أهم أسباب نجاح ثورته مناصرتهم له، اعتمادا على أن ولاءه وولاء الضباط الأحرار كان في الأصل للإسلام ودعاته، وكانت التسمية نفسها "الضباط الأحرار" قد أطلقها الإخوان الذين كانوا مسؤولين عن الضباط، ولكن عبد الناصر الذي بايع المرشد العام وسار تابعا للمسؤول الذي عينه الإخوان للإشراف على الضباط الذين انضموا للحركة الإسلامية وارتبطوا بها، كان يخطط في الخفاء لسحب الولاء له شخصيا، بدلا من الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وكافأ الإخوان الذين خدعهم وأقام الثورة على أكتافهم، بما يعرفه القاصي والداني من الاعتقال والسجن والتعذيب والقتل والتشريد والحظر لنشاطهم. [ راجع كتاب: صفحات من التاريخ، لصلاح شادي (1120) وما بعدها، وراجع كتاب: الإخوان المسلمون لمحمود عبد الحليم (وهو ثلاثة أجزاء).]

    كما أنه عندما تمكن من الحكم أسرف في وعوده وتبشيره للشعب المصري والعالم العربي والشعوب الإسلامية، بأنه سيحقق لهم العزة والكرامة ضد البغي والعدوان الأجنبي، ويرفع عنهم الذنب الذي نزل بهم وغلا في رفع شعار القومية العربية مخففا من ذكر الإسلام، ثم تطور حكمه إلى أن وصل إلى الاشتراكية، العربية ثم الاشتراكية العلمية، وأحدث شقاقا ونزاعا شديدا بين الدول العربية، بل بين أحزاب قامت معتمدة على دعمه وتحر يشه وبين الحكومات القائمة، وحكم مصر حكما عسكريا بغيضا، وسلب الأغنياء غناهم، وزاد الفقراء فقرا، حتى أصبحت مصر شبيهة بمقبرة يخيم عليها الصمت المطبق، لا ينطق من سكانها إلا من يسبح بحمد الطاغية.

    وانقلبت العزة التي بشر بها الشعب والعرب والمسلمين إلى ذلة نالت كل عربي ومسلم، ولا زال المسلمون يسبحون في مستنقع تلك الذلة، فقد احتل اليهود مصر عمرو بن العاص ومرتفعات الجولان والقدس وما حولها وغزة، ولم تعد أرض مصر إلى المصريين إلا بعد أن سجد خَلَفُه أمام أقدام اليهود، ورفع العلم اليهودي على مصر، ولا زالت الأراضي الأخرى-إضافة إلى أرض فلسطين التي احتلها اليهود سنة 1948م-في قبضة اليهود يعيثون فيها فسادا يعلمه الناس كلهم.

    وهذا وغيره من المصائب والمحن التي أنزلها بالأمة كانت عكس وعوده وتصريحاته، فقد كذب على الأمة كما كذب قبله مصطفى أتاتورك كذبا سياسيا مدمرا.

    وليس من السهل الاستمرار في ضرب الأمثلة لطغاة الكذب السياسي المدمر للشعوب، فهو الأصل-وما عداه استثناء-في وعد طاغية العراق شعبه بإمبراطورية واسعة الأطراف، بالغزو المسلح الذي بدأه باحتلال الكويت وما آل إليه أمر العراق والشعوب الإسلامية، وبخاصة العربية منها ما فيه غناء عن الأمثلة للأكاذيب السياسية المدمرة.

    ولم يعد يخفى على كثير من أبناء الشعوب كذب طغاتها المحاربين للإسلام، والذي تحتاجه تلك الشعوب الآن ليس كشف ذلك الكذب المدمر الذي لم يعد خافيا عليها، ولكنها تحتاج إلى معرفة السبيل التي تسلكها للتخلص من ذلك الدمار. [لعل شيئا من ذلك يأتي في مكانه المناسب من هذا الكتاب].

    ولكني أذكر مثالا واضحا من أمثلة كذب الطغاة المدمر لشعوبهم نراه رأي العين اليوم ويراه العالم كله، وهو كذب طاغية الصومال الذي استولى على الحكم-كغيره من حكام الشعوب الإسلامية-بالقوة العسكرية [سنة 1969م] مدعيا أنه أراد بذلك تخليص الشعب الصومالي من محنته، واعدا إياه بالعيش في جنة من الحياة، وهو الآن يعيش تعيسا جائعا، عاريا، عطشانا، لم يبق من أفراده إلا الجلد والعظم تلهبه الشمس المحرقة، ويقتله البرد القارس، وتفتك به الأمراض المتنوعة، عدا المئات الذين يموتون كل يوم من الجوع والعطش والمرض.

    وأمامي الآن جريدة الشرق الأوسط[عدد (5110) 30/5/1413هـ-24/11/1992م. ص: 8 بقلم اللواء عمر الحاج محمد مصلي. ] وبها عنوان: (الصومال.... أسوأ كارثة إنسانية) أقتطف من المقال الذي كتب تحته المقطع الآتي لأنه يناسب المقام:

    "النظام الذي استولى على الحكم في عام 1969م تراجع عن المبادئ التي أعلنها بعد أعوام قليلة من استيلائه على الحكم، وبعد أن أعلن حربا على الفساد والمحسوبية واختلاس أموال، والقبلية، تعثرت خطاه من تلقاء نفسه، مما أدى إلى اختلال ترتيب الأمور والتقاعس في تحقيق الوعود. من تلك اللحظة بدأ كل شئ يخطو عكس ما خطط له سابقا [هذا إذا أحسن الظن بمن الأصل فيهم الكذب فيقال: خططوا بأن يقضوا على الفساد، أما إذا جرينا على الأصل فهو أن أصل التخطيط كان الهدف منه الفساد المذكور وإن زعم صاحبه أنه أراد الصلاح.
    والشك في ذي الكذبِ أصل ولو لم يكذبِ]

    فظهرت القبيلة بقوة جبارة وفعالة، وسيطرت المحسوبية على الدوائر الحكومية، ونهبت الأموال العامة والخاصة، وعمّت الفوضى ربوع البلاد.

    هذه الظواهر السلبية مهدت الطريق إلى ظهور ديكتاتور ينفرد بحكم البلاد لا يشاركه أحد في اتخاذ القرارات، كما أن السلطات كلها أصبحت في قبضته وتمكن من التخلص من المسؤولين الذين كانوا يتقاسمون معه الحكم، وعين بدلا منهم شخصيات انتهازية لا تعارضه في أبسط الأمور.

    هذا الخلل الذي أصاب النظام وفّر مناخا ملائما لتنشيط القبلية، كما أعطى فرصة ثمينة لصيادي القبلية والمستفيدين منها، فزرعوا الفتن والشكوك بين القبائل، وكسبوا مراكز حكومية رفيعة في الدوائر الحكومية، وأداروا ظهورهم للمصلحة العامة.

    ظهرت شخصيات كثيرة في قمة سلم الحكم، لا يهمها التاريخ وما يسجله من تصرفاتهم، فركزوا نفوذهم على الكسب غير المشروع..."

    هذا النص من مقال اللواء عمر الحاج، وهو وزير الدفاع الصومالي السابق الذي كان مشاركا في الحكم، وقد جرت العادة أن التاريخ الذي يكتب في عهد الطغاة وينشر، يكون غالبا في صفهم مدحا وثناء بالكذب والبهتان، وأن التاريخ الذي يكتب بعد ذهابهم قد يكون صادقا وقد يكون مبالغا في ذمهم ونسبة السوء إليهم، ولكننا نعرف أن هذا الكاتب لم يذكر إلا قطرة من بحار تاريخ الزعيم الصومالي وكذبه السياسي المدمر.

    كما أنه لم يذكر ما يتعلق بمحاربته الإسلام وعلماء الإسلام الذين أحرق مجموعة منهم[راجع مجلة المجتمع الكويتية. عدد (234) 15/11/1395هـ-. 28يناير سنة 1975م ص: 6 وما بعدها.] بسبب معارضتهم لقانون أصدره يساوي بين المرأة والرجل في الإرث الذي فرق الله فيه بينهما في نص كتابه.

    والأمة التي تحارب عقيدتها ودينها وشريعتها ويحرق علماؤها، ثم لا تحرك ساكنا في ردع المعتدي الآثم، لا بد أن تصل في النهاية إلى هذه المأساة التي يقول الله فيها وفي أمثالها: (( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب)).[الأنفال: 25]

    ومن هنا نعلم أن أهل الحق الصادقين يسعدون البشرية بحقهم وصدقهم، وأن أهل الباطل الكاذبين يشقون البشرية بباطلهم وكذبهم.

    ولعل الأمة الإسلامية تتنبه لخطر كذب قادتها الذين يحاربون الإسلام، وكذبهم السياسي المدمر الذي تجند لترويجه كل طاقات الدولة، حتى ينطلي عليها ويستمر في تضليلها فترة طويلة، ولا تشعر بآثاره المدمرة إلا بعد أن يفوت الأوان وتتحطم الشعوب اقتصاديا وسياسيا وأمنيا وخلقيا وعسكريا، حتى يصبح استعمارها من قبل أعداء الإسلام الذين يوفرون لها لقمة العيش وشيئا من الأمن النسبي، أحب إليها من بقائها تحت مطارق الخوف والجوع والسلب والنهب والقتل والتشريد [كما هو حاصل الآن في الصومال الذي سيطرت عليه القوات الأمريكية تحت مظلة مجلس الأمن والإغاثة الإنسانية مستترة بتأييد حلفائها الذين شاركوها بقوات رمزية شبيهة بالمحلل في فقه النكاح!]
     

مشاركة هذه الصفحة