أمريكا وإفشال الإسلام السياسي.. حماس نموذجا

الكاتب : محمد الرخمي   المشاهدات : 422   الردود : 0    ‏2006-02-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-02-19
  1. محمد الرخمي

    محمد الرخمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-06-11
    المشاركات:
    4,629
    الإعجاب :
    0
    أمريكا وإفشال الإسلام السياسي.. حماس نموذجا

    شيرين حامد فهمي**
    18/02/2006
    هل كان فوز "حماس" ووصولها إلى السلطة الفلسطينية مُخططا له من قبل الإدارة الأمريكية؟ أو بلغة أكثر وضوحا، هل كانت الإدارة الأمريكية "تحلم" بفوز "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة؟ قد يبدو السؤال مستنكرا لدى الكثير؛ إلا أنه بقراءة بعض الأدبيات الأمريكية، والتي ركزت خصيصا على دور الديمقراطية الأمريكية في المنطقة العربية، تتجلى أهمية هذا السؤال؛ ويتبين لنا أن الرد قد يكون إيجابا، من أجل الوصول إلى أهداف "أخرى" تصب في مصلحة الإدارة الأمريكية.

    الإسلاميون في قلب السياسة.. مطب أمريكي :
    في عام 2003، ألّف "جيرهام فوللر" -المتخصص الأمريكي في المنطقة العربية والإسلامية- كتابا اسمه "مستقبل الإسلام السياسي"؛ أوجز فيه فرضيته المشهورة القائلة: "لا شيء يمكن أن يُظهر الأسلمة في صورة غير جذابة أكثر من تجربة فاشلة في السلطة". ويستدعي "فوللر" النظام الإسلامي في السودان والنظام الطالباني في أفغانستان؛ فهما نظامان وصلا إلى السلطة باسم الإسلام، ليجدا أنفسهما في النهاية بعيدين كل البعد عن الإسلام، كما يعتقد مؤلف الكتاب.
    وفي عام 2004، صدر كتاب تحت عنوان "الظل المنحسر للنبي: صعود وسقوط الإسلام السياسي"، للمؤلفين "راي تاكيا" و"نيكولاس كاي. جفوسديف". وفي هذا الكتاب، ذهب مؤلفاه "راي" و"جفوسديف" اللذان قاما بدراسة الحركات الإسلامية في كل من إيران والجزائر ومصر والسودان وأفغانستان ويوغوسلافيا السابقة، إلى أن الإسلاميين في هذه الدول، على الرغم من القوة التي اكتسبوها في بعض الأحيان، فإنهم لم يثبتوا نجاحهم كحركات سياسية. وهو ما عبّر عنه المؤلفان عبر المقولة التالية: "إن الرؤية تزداد وضوحا على الدوام بأن الإسلام السياسي الراديكالي لا يستطيع التمكن سلطويا من الدول الحديثة أو الدول المتحولة إلى طور الحداثة في قلب العالم الإسلامي، وأنه لا يستطيع إقامة نموذج بديل وفعال للحكم".
    ويفترض كتاب "الظل المنحسر للنبي" بأن دفع الإدارة الأمريكية للعملية الديمقراطية شرق الأوسطية سيفضي في النهاية إلى انتخابات شرعية سينتج عنها إخراج الأصوات الموالية لـ"بن لادن" من اللعبة السياسية، وإظهار الأصوات الإسلامية المعتدلة التي لن تكون بالضرورة مؤيدة لواشنطن، ولكن ستكون على الأقل سلمية و"مستنيرة". وحتى إذا وصل الإسلاميون السلميون إلى السلطة -كما يشير الكتاب- فإن وصولهم سيكون إيذانا بخسارة قضيتهم وفقدان مصداقيتهم؛ وذلك لعدم تمكنهم سياسيا كما أوضحنا على لسان المؤلفين من قبل.
    وبالطبع لا نستطيع ذكر تلك الأدبيات دون التطرق إلى كتابات كل من "أوليفييه روا" و"جيل كيبيل" -المتخصصين في الإسلام السياسي- حيث تمحورت مؤلفاتهما حول نقطة أساسية، وهي: أن الإسلام السياسي قد فقد صلابته الفكرية؛ وهو ما كلل جهوده بالفشل أينما كان.

    حماس نموذجا :
    ما الذي يمكن أن نقرأه من تلك الأدبيات؟ لا شك أنها توحي بعدة دلالات فيما يخص وصول "حماس" إلى السلطة الفلسطينية:
    أولها: أن الإدارة الأمريكية ما كان يستحيل عليها منع مشاركة حماس في الانتخابات التشريعية لو أرادت ذلك بشكل قاطع. لا يمنع ذلك إن كانت حماس ستدخل لأروقة المجلس بأغلبية كما حدث أو مجرد المشاركة الفاعلة كما كان متوقعا. الحصيلة النهائية هي أن الإدارة الأمريكية رغم تكرار تنديدها وقفت موقفا سلبيا في الواقع من مسألة إمكانية مشاركة حماس؛ وهو ما يدل في الغالب على رغبة الإدارة الأمريكية في وصول "حماس" إلى السلطة.
    ثانيها: أن هدف الإدارة الأمريكية وراء ذلك لم يكن حبا في "حماس" أو قناعة بها، وإنما تحميلها فوق طاقتها، ومن ثم قهرها واستنزافها والوصول بها إلى الفشل على المستوى السياسي؛ الأمر الذي سيؤدي في النهاية إلى إظهار أحد نماذج "الإسلام السياسي" -رغم خصوصية وضعية حماس التي ترى نفسها حركة تحرر وطني في المقام الأول- في صورة غير جذابة، وهو ما تطمع فيه الإدارة الأمريكية في سياق "حربها على الإرهاب".
    ثالثها: ربما افترض المسئولون الأمريكيون أنه حتى لو قام البعض من حركة "حماس" باعتناق الرؤى "المعتدلة" -مثل الاعتراف بإسرائيل وبقرار مجلس الأمن 242- فإنهم لن ينجحوا سياسيا نظرا لخبرتهم الضئيلة بالعملية السياسية على وجه العموم، واشتغالهم بالمقاومة طيلة فترة وجودهم منذ ديسمبر 1987. وحتى إن نجحوا سياسيا، فإن نجاحهم هذا ستشوبه الكثير من علامات الاستفهام حول مدى تنازل تلك المنظمة الإسلامية عن ثوابتها الرئيسية؛ وهو ما سيثير تخبطا وتشككا حول وجودها، ليس في الشارع الفلسطيني فحسب، بل في الشارع العربي الإسلامي كله، وهو ما تطمح إليه واشنطن كوسيلة لإحداث تغيير تلقائي في فكر التيارات الإسلامية من داخلها وكنتاج لممارستها العملية السياسية التي تثبت الادعاء بصعوبة قدرة هذه التيارات على إدارة الحكم عمليا.
    إن الرؤية الأمريكية فيما يخص الحركات الإسلامية السياسية، كما رأينا أعلاه، تنطلق من نظرة سلبية وقاتمة، يتلخص مُجملها في التهوين المبالغ فيه من قدراتها وإمكاناتها، والاستبعاد المطلق لأي نجاح لها، سواء على المدى القريب أو البعيد. ومن ثم، كانت قناعة الرؤية الأمريكية بأن وصول تلك الحركات إلى السلطة سيُسلط الضوء على قدراتها وإمكاناتها الضعيفة، وسيكون الفرصة الحقيقية أو "الذهبية" لإظهار ذلك الضعف أمام أعين الجميع.
    وبُناء على ذلك، يمكن أن نعلل إقدام واشنطن على إتاحة تلك الفرصة "الذهبية" للإسلاميين، ليس لمنظمة "حماس" فقط، بل أيضا للإخوان المسلمين في مصر، وللمقاومة السُنية في العراق. فقد مهدت واشنطن الطريق أمام هؤلاء جميعا للوصول إلى المجالس التشريعية بنسب تعتبر كبيرة، إذا ما قارناها بالانتخابات التشريعية في الأعوام الماضية، وفتحت الباب السياسي لهؤلاء الإسلاميين لكي تمتص طاقات الغضب المدفونة على مدار عقود من الزمان، والناتجة عن سياسات الظلم والاستبعاد التي كابدها هؤلاء الإسلاميون في ظل الأنظمة العربية الحديثة، وألزمت تلك الأنظمة باحترام هؤلاء الإسلاميين ومنحهم مساحة كبيرة من حرية الحركة السياسية التي حُرموا منها طيلة العقود السابقة. ولم تجد تلك الأنظمة مفرا من الالتزام بذلك الطلب أو "الفرمان" الأمريكي الذي كان شرطا أساسيا لنيل "رضا" البيت الأبيض، ولإتمام "صفقة المقايضات" بين الأنظمة العربية والإدارة الأمريكية.
    بيد أن تلك الحرية "الممنوحة" لهؤلاء الإسلاميين ستتحدد بمن يديرون قواعد اللعبة وقوانينها، وبمن يديرون الملعب ويحكمونه. فهي ليست حرية من أجل الحرية والإصلاح الحقيقي، وإنما هي حرية من أجل الإذلال والإخضاع وتشويه صورة الإسلاميين على كافة المستويات. بمعنى آخر، إن الإسلاميين باتوا اليوم أشبه بلاعبي كرة القدم الذين يجرون يمينا وشمالا على أراضي الملعب الشاسعة، والذين بإمكانهم إحراز هدف بل هدفين وثلاثة، إلا أنهم في النهاية ملزمون بالخضوع والاستسلام للحَكَم "الأمريكي" الذي يستطيع طردهم في أي لحظة. فهل سيفطن الإسلاميون إلى ذلك قبل فوات الأوان؟ وهل هناك من وسيلة لإحراز "الأهداف" والخروج على الحَكَم في نفس الوقت؟.

    -** باحثة دكتوراه بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
     

مشاركة هذه الصفحة