مملكة القش :للشاعر القعطبي.

الكاتب : T0M_Jerry   المشاهدات : 318   الردود : 0    ‏2006-02-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-02-19
  1. T0M_Jerry

    T0M_Jerry عضو

    التسجيل :
    ‏2006-02-19
    المشاركات:
    83
    الإعجاب :
    0
    1– الكهف
    يمضَغونَ القاتَ في مملكةِ القشِّ، كأنَّ القاتَ ترياقُ الحياهْ،
    ويحنُّونَ لِعهدِ الجاهِليَّه،
    ويُصلّونَ لِعِشرينَ مليكٍ، وأميرٍ، وَصنَمْ،
    ويُجافُونَ الألهْ،
    فألو الأمرِ هنا يَعتَنقُونَ الوَثَنيّهْ،
    وألو الأمرِ هنا، قد وَسَموا كلَّ الجِباهْ،
    مثلما تُوسَمُ بالكيِّ الغَنَمْ ..
    بِسِماتِ التَّبَعِيّهْ:
    فـ "سعيدٌ" عُمريٌّ،
    وسُعودٌ مضريٌّ،
    وحَرامٌ أن يكونْ ..
    لسَعيدٍ أيُّ حقٍّ في انتِماءٍ، أو هُويَّهْ،
    فسَعيدٌ وأخُوهُ، وجميعُ الناسِ في الأرضِ السّبيَّهْ،
    أصبَحوا مُلكَ السّلاطينِ، وَصاروا يُدركونْ ..
    أنّهُ لا بُدَّ من نَقدِ ألي الأمرِ دَمَ الخلقِ زكاهْ،
    لِيظلَّ القاتُ في أفواهِهِمْ،
    مضغَةَ الكيفِ الزّكيّهْ،
    فَيدومُ العيشُ دفّاقَ النّعمْ،
    ويُسرَّ المضَريُّ ..
    ويُبَشَّ العُمريُّ ..
    ويَعمَّ السّعدُ في مملكةِ القشِّ السّنيهْ!
    ..................................
    الفُ مرحى لبِلادٍ صارَ فيها القاتُ عِنوانَ القَضيّهْ!
    الفُ مرحى لرُبوعِ، نَكصتْ نحوَ العُهودِ الحجريّهْ!
    * * * *
    2 – عكاظ
    يخلِطونَ اللغوَ في مملكةِ القشِّ، فيغدو الفَاعِلُ المفعُولَ بِهْ!
    يَرفَعونَ الحالَ، يَبنُونَ على الجرِّ الخَبرْ!
    يمزِجونَ القاتَ بالآهاتِ يُشجيهمْ يها شادٍ نَبِهْ،
    شاعِرٌ أو زُمرةٌ من شُعراءْ
    أعيِياءٍ، أغبِياءْ،
    يحمِلونَ الشِّعرَ أصفاداً، وما همْ بِعبيدْ!
    يُؤفِنُونَ الملِكَ العاتي بفَضفَاضِ القَصيدْ!
    يرجِزونُ الأبلَ بالشّعرِ لعلَّ الأبلَ النشوى تَمُرّْ ..
    عبرَ أثقابِ الأبَرْ!
    يَخسِفونَ الشّمسَ بالشّعرِ، ويغتالونَ بالشّعرِ القمَرْ،
    يملؤون البرَّ .. تَهريجاً " ملأنا البحرَ حتى ضاقَ عنّا!"
    آهِ من بَرٍّ بهِ عاثَ الجَرادُ المُنتشِرْ!
    يُعلنونَ الحربَ تكرارَ صُراخٍ أجوَفٍ
    يَرتَجونَ النّصرَ، يأتيهمْ بهِ ماضٍ غَبَرْ!
    رَهطُ أغرارٍ نيامٍ، سُخِطوا ..
    ساَمَهُمْ سُخطاً على سُخطٍ صَعاليكُ البَشَرْ!
    * * * *
    4 – ياليل
    خصَّصُوا في وطنِ القَشِّ لإيناسِ الأمير ..
    ألفَ بارٍ، ألفَ حانه!
    أوفَدُوا من كلِّ إقليمٍ حِسانَهْ!
    ليُشاركنَ الحُضورْ ..
    نَزَواتِ الكيفِ، ذلاًّ ومَهانهْ،
    ومُضَيْغَاتٍ من القاتِ، على ترجِيعِ أنغامِ اهتِزازاتِ "جُمانهْ"
    وارتِجافاتِ
    انِعطافاتِ "ربابْ"
    وشَهيقاً ليس يتلوهُ زفيرٌ،
    يَتولاّهُ ألو الأمرِ: فريقٌ، وعميدٌ، ومَشيرٌ،
    ومليكٌ، ورَئيسٌ، ووزيرٌ،
    (ياحَمامَ الأيكِ بَرجِمْ!)
    إذ تلوّى ألفُ خَصرٍ:
    (ياغُصينَ البانِ بَرعِمْ!)
    وتهاوى ألفُ شلاّلِ عبيرٍ
    في ميادين الهوى والقاتِ،
    (ياليلُ ألا أطبِقْ وأظلِمْ!)
    وتجهّمْ أيها الليلُ، تجهّمْ
    .....................................
    قومُنا في وطنِ القشِّ أجادوا فنَّ إيناسِ المُلوكْ!
    كلّهمْ ساعةُ أنسٍ تتمَطّى ألفَ يومٍ، كلّهمْ فكٌّ يَلوكْ!
    * * *
    4 – طُغرائية
    دشّنوا في وطنِ القشِّ لتَنويرِ الحجارهْ ..
    ألفَ صرحٍ، ألفَ معهَدْ!
    ثم صارَ العِلمُ في مملكةِ القشِّ تِجارهْ،
    صارَ بُستانَ نخيلٍ، كرمَ زيتَونِ ومقهى، وعمارَهْ
    صارَ أطياناً، عقاراً، بعضَ أملاكٍ مُدارهْ ..
    بوَزيرٍ يتباهى أن توقيعَ معالهِ مُعقّدْ!
    أنهُ يُشبهُ طُغرائيةَ السُّلطانِ أحمدْ!
    رُغم فرقٍ واحدٍ: كلُّ السّلاطين تولّوا،
    واضمحَلّوا،
    وبَنوا عُثمانَ ماتوا من زَمنْ!
    وهو – كلبُ الشّيخِ شيخٌ – هو ..
    حيٌّ ميّتٌ في وطنِ القشِّ، وإن عزَّ الكفَنْ!
    ..............................
    منذُ عهدِ النُّورِ في مملكةِ القَشِّ، وفي بِضعِ سنينْ
    خرَّجَتْ مملكةُ القَشِّ رُهوطَ الجاهِلينْ!
    منَحَتهمْ أرفَعَ الألقابِ، عرفانَ الوَلاءْ،
    نصّبتهُمْ مُدَراءً، وُزراءْ!
    وصَمَتهُمْ بالرّذيله!
    سَلبَتهُمْ كلَّ مِيزاتِ الرّجُولهْ!
    كلَّها! .. لم تُبقِ فيهمْ كِبرياءْ!
    * * * *
    5) العيد
    مملكةُ القشِّ اليومَ سَعيدهْ!
    كلُّ أقاليمِ القشِّ سَعيدهْ
    الشّرقُ القشيُّ سَعيدْ
    والغَربُ المنفيُّ سَعيدْ!
    وشمالُ القشِّ المُنقَرِضِ سعيدْ!
    حتى إقليمُ الجِنِّ الحُمرِ،
    المُوغِلِ في سَفَرٍ دائم،
    يشدو بأهازيج مفعمة بالفرح العارمْ:
    (شوشةُ مولانا ذهبيَّه!)
    (ياربُ احفظْ شوشةَ مولانا!)
    (عينا مولانا سَنَمكيّهْ!)
    (ياربُّ احفظْ عينيّْ مولانا!)
    (سحنةُ مولانا ملكيّهْ!)
    (ياربُّ احفظْ سحنةَ مولانا!)

    (نكهةُ مولانا عطريَهْ!)
    (مولانا فرحٌ جداً بالعيد!)
    مولانا، والله سعيدْ!)
    .............................
    ما أيسَرَ أن يسعَدَ مولانا!
    أوَما ابتاعَ الموتَ لأطفالِ أقاليمِ القشّْ؟
    بالجملةِ؟! العشرةُ أرواحٍ، (يا أُترنجَ بُويبَ!) بقرشْ!
    القريةُ، كلُّ القريةِ في نعشٍ مُحتَرِقٍ .. لا أكثرَ من نَعشْ!
    أسبغَ مولانا نُعماهُ عليها، عُنقُوديّاتٍ مُجرِمةٍ سوداءْ!
    ما أيسَرَ أن يسعَدَ مولانا!
    أن يجعَلَ منا أمواتاً سُعَداءْ!
    سَلمت يُمنى المولى تزرَعُ موتاً، تحصدُ موتاً، تشحدُ موتْ!
    سَلمَتْ يُسراهُ، لا تعرف ما اليُمنى جانِيَةٌ، غير المَوتْ!
    سَلِمتْ يدُ كلِّ مليكٍ في وَطَنِ القَشّْ،
    سَلمَ العَرشْ!
    لم لا يَصدُرُ عن مولانا مرسُومٌ يقضِي أن تَمتَدَّ يدا مَولانا،
    فَتَنالا بالخَيْرْ ..
    ما لمْ تُغدقْ بعدُ عليهِ النُّعمى من أرضِ القَشِّ خُصُوصاً في
    الأقليمِ الشّرقيِّ،
    الأقليمِ الغربيِّ،
    الأقليمِ المُوغِلِ في السَّفَرِ
    إلى أبعَدِ بَحرْ،
    مُتّجِهَةً نحوَ القُطبْ؟ّ
    لمَ يحجبُ مولانا فيَّاضَ إرادَتِهِ القَشيَّةِ، فيّاضَ الحُبْ ..
    عن شعبٍ في إقليمٍ قشيٍّ .. في حينْ،
    يُغدقهُ في إقليمٍ آخرْ؟
    .......................................
    هذا مولى لا يَعدِلُ بين أقاليمِ القشْ!
    هذا مولى يَحدِقُ فنَّ الغُشْ!
    فليَسقُطْ هذا المولى!
    فليُلعَنْ هذا المولى!
    * * * *
    6) قمـــة
    اجتَمعتْ في إقليمٍ مُضطَرِبٍ من مملكةِ القشّْ ..
    زُمَرُ الوحشْ،
    وتَبادَلَتِ الآراءَ المَعنيّةَ بالوَطنِ المأفُونْ!
    قال الذِّئبُ: "دعُونا نهجُرُ هذي الأرضَ إلى أرضٍ أخرى!"
    قالَ السّبعُ الضّاري: "هذا الذئبُ المجنُونُ ..
    دّعُوهُ يُهاجرُ إن شاءَ .. فنحنُ الأُسُدُ ..
    لا نقبَلُ إلاّ عَيشَاً حُرّاً،
    في أرضِ الآباءِ المَوروثَةِ جَدّأً عن جَدّْ!"
    قالتْ لبُؤه:
    "لكن أين هُوَ العَيشُ الحُرُّ
    إذا كانت كلُّ أقاليمِ القَشِّ غَزاهَا ..
    نملٌ أحمرُ ذو أنيابٍ صُفرٍ، واغتَالَ نَداهَا؟!"
    قالَ الجَمَلَ المُتَثاقِلُ في نَزَقٍ حادَّ:
    " ياأولادْ!
    آفةُ مملكةِ القشِّ .. ألو الأمرْ!
    هم رأسُ الأفعى! هم كلُّ الشَّرّْ!
    ثُورُوا ضدَّ أُلي الأمرْ!
    أو .. ليسَ لكم واللهِ سوى الصّبرْ!"
    ...................................
    ارفضَّ المُجتَمِعُونَ وغابُوا بين غُمُورِ القشّْ ..!
    في مملكةٍ ذات أقاليمٍ شاسِعَةٍ،
    لا ينبتُ فيها إلاّ القشُّ، ولا يَعقلُ فيها غيرُ الوَحشْ!
    * * * *
    7) بصيص
    يُجمِعُونَ الرّأيَ في مملكةِ القشِّ بأن الغَدَ آتٍ عن قَريبْ ..
    وهو يومٌ رائعُ الأشراقِ، وضّاءٌ، قشيبْ،
    وهو يومٌ ماجِدٌ، ثرٌّ، حبيبْ!
    * * * *
    8) هامش
    يُروى في صفحَاتِ سِجلِّ التّاريخِ القَشيِّ القادِمِ ..
    أو غيرِ القادِمْ،
    أن السُّلطانَ "ضريرُ ابنُ الغاشِمْ"،
    أعتى ملكٍ في مملكةِ القشّْ
    مشّطَ لحيَتَهُ الغَبراءَ وطيَبَها، لملمَ في شِفّالِ عباءتِهِ
    بعضَاً من كرشْ ..
    يحمِلُهُ سِمَةَ التُّخمَةِ، رمزَ رخاءِ العيشْْ!
    نادى بالجَيشِ القشيِّ المُتَوكِّلِ في الصّحراءِ على اللهِ:
    هلمُّوا يا عسكَرُ! فانجَمَعَ الجيشْ! ..
    وتَربَّعَ مولانا، ثم استَلقى مُنكَفئاً فوقَ العرش،
    وتَنحنَحَ مثنى وثلاثَ وقالَ بصوتٍ مُحتَقِنٍ خَشِنٍ وأجشّْ:
    "يا شعبي النّائمَ من ناسٍ، من عسْكرَ، من أنعامٍ، من وحشْ
    هبُّوا يَقِظينَ، فإني أوجِسُ شرّاً يزحَفُ من قلبِ الغابْ!
    ولذا قررتُ بحَولِ اللهِ وقوّتِهِ،
    أن أنهيَ عهدَ القشِّ برمَّتِهِ!
    (أستبدِلُ قشّأً بيَبابْ!)
    (فأنا نيرونُ الأحقابِ!)
    (أنا نيرُونُ ..
    أنا نيرونْ!)
    وتناوَلَ من جُعبَتِهِ ..
    عُودَ ثِقابْ،
    أشعَلَهُ بتأنٍّ مأفُونْ!
    قَهقَهَ كالمَجنُونْ!
    ألقَمَهُ ذيلَ عباءَتِهِ!
    التَهَمَ اللهبُ عبَاءَةَ مولانا!
    اشتَعَلَ البترولُ الملكيُّ،
    السِّروالُ الملكيُّ،
    الحَرَسُ الملكيُّ،
    اتَّسَخَتْ حُلَلُ الملِكِ!
    التَهَمَ اللهبُ العرشَ،
    ارفضَّ الجيشُ، الجيشُ هلكَ،
    احتَرقَ القشّْ،
    انهارَ القَشّْ!
    إنهارتْ كلُّ أقاليمِ بلاد القَشّْ
    انهارَتْ مملكةُ القشّْ
    دوّتْ صرخَاتُ ضريرِ ابنِ الغاشِمْ،
    بصَدى هدّارٍ محمُومٍ عارمْ:
    "صرتِ يبَاباً يا مملكةَ القَشِّ المسبيَّةِ، صِرتِ يبابْ!"
    صِرتِ خراباً يا مملكةَ القَشِّ المشؤومةِ، صِرتِ خرابْ!"
    "صِر ..تِ
    يـ..با بـاً ..
    صِر..تِ
    خَر..ا..بَاً
    مطمُوراً في محرَقَةِ التّاريخِ القادِمِ،
    غيرِ المكتُوبِ، أو المكتُوبْ!
    ............................
    بعدَ هُنيهَاتْ ..
    خَفَتَ الصّوتُ الهَادِرُ واندَاحَ صدى الصّوتْ!
    وتدَلّى جَسَدُ الملِكِ النّافِقِ من حافّةِ عرشِ القشِّ
    المَعطُوبِ .. وسادَ الصّمتْ
     

مشاركة هذه الصفحة