أقراء معـــــــــــــــي وقُــــل رايــــــــك (( عــــن اليـــــــمن ))

الكاتب : مـــــدْرَم   المشاهدات : 410   الردود : 0    ‏2006-02-18
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-02-18
  1. مـــــدْرَم

    مـــــدْرَم مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-10-02
    المشاركات:
    20,309
    الإعجاب :
    1,589
    بناء الدولة الرابعة


    يذهب الأنثربولوجيون إلى صعوبة الابداع في ظل أوضاع اقتصادية سيّئة و كهنوت سياسي شديد الوطأة . فالابداع العلمي و الأدبي هو محاولة حثيثة لإعادة ترتيب الكون و تشكيل الوعي الجماعي وفق تصور فلسفي يقدّمه المبدع الخلّاق ، حين يطلق بصره في الأشياء و العالم لاكتشاف ما يحدث .. و هو ما لا يمكن أن يكون حين يعاني المبدعُ أولاً ، و المكان ثانياً ، من ظروف مجمِّدة و طاردة ؛ حينئذٍ يرتدّ المبدع إلى داخله ليوازن بين مستويات تطلّعاته : أن يعيش ، أو أن ينقذ الكون . و عند هذا التساؤل تتهدّم القيم الابداعية ، و تتشكل شبكة جديدة من الفوضى داخل الذات المبدعة و الذات الجماعية تحكمها رؤى قاسية لغوريلا حرب الجميع ضد الجميع . و دائماً ما يقال : إنه ليكفي أن تنشر الجوع في مدينةٍ لكي تحوّل أهلها إلى مجرمين . فهناك تبرز غريزة البقاء و تتسيّد نظرية الإفناء لـ" مالتوس " من أجل الحفاظ على القدر الأقل من النوع البشري ليتكيّف مع القدر الكافي من موارد العيش .





    ( 2 )



    .. اليمن ، عبقرية المكان و الانسان ، أكبر من شخص و أبقى من نظام حكم ؛ مرّ على جبين هذا البلد التاريخُ كلّه ملوكاً و ساسةً و محاربين ، عمروهُ و سكنهم ، ثم صعدوا إلى منطقة قريبةٍ من الشمس يشيرون إليه من بعيد في كل صباحٍ يوافق عيد ميلاده ، حين تفرح الإنسانية على وجه الأرض بمطرٍ موسميّ أو مولودٍ ينزلُ بقلبه إلى عالمنا الموجوع فثمّ وجه هذا الوطن .



    و كأيّ كائنٍ جميل أصيب هذا الوطن بالبرد و الحمّى ، و ظل يراوح بين الفروسية و الأسر لكنّه في كل تاريخه القديم رفض أن يكون هامشيّاً ، أو أن يتحوّل إلى واق الواق ، كما انتكس في تاريخه الحديث . و حفظ لنا التاريخ " جاعت حمير حتى أكلت الحنطة " عندما أوشك هذا البلد أن ينكسر ، و عجب التاريخ نفسه كيف أنّ هذا البلد العظيم أوشك أن ( يأكل الحنطة ) ، و هو الذي ولد من بين أصابع الملك في الأرض و أنشأ مواطنين كباراً لا يدانيهم خوفٌ و لا يعبدونُ رجالاً . إنّها الحنطة التي أوشكت أن تكون مسبّة لليمن في التاريخ ، وهو هي التي أدخلتنا الآن في القائمة الاحتياطية للأمم التي تعيش في مستويات ما قبل الدولة ؛ و جثا تاريخنا الحديث ، بكل أسى ، أمام قيم اليمانين الكبيرة و أصبحنا مرتهنين بحفنة من حنطة و أرز ؛ لأنه لا يصاب وطنٌ حتى يصاب الانسان الذي يعمره .



    لذا فقد كان ممكناً جداً أن يخرج اليمن باكراً من المنافسة الحضارية منذ قرون عدّة في تاريخه الحديث – منذ السنوات الأولى التي تلت عام الوفود – و توزّعت الأمم أبناء اليمن حتى سُجّلت أسماؤهم على جدران الأرض كلّها ، حكّاماً و فقهاء و قادة . و استمر اليمن ينزفُ أبناءه ، الجماعة تلو الجماعة و الفرد تلو الفرد ، حتى روى البعضُ عن الإمام الشافعي " ولدتُ في اليمن ، فلما خافت عليّ أمي من مضيعة هذا البلد أرسلتني إلى قريبٍ لي في مكّة " . و ليس من المناسب هنا أن نناقش صحّة هذه الرواية التاريخية لأن مجرّد ذكر هذه الرواية في كتب التاريخ يلقي ظلالاً رهيبة على وعيٍ تشكّل لدى المؤرخين بواقع اليمن في مدده التاريخية المتلاحقة ..



    و منذ أن تربّعت الدولة الهاشميّة ، كظلّ للإله على الأرض ، على صدر هذا المكان الفريد حتى عملت على تغييب الذاكرة الوطنيّة بكل تفاصيلها الحضارية و إرثها العبقري لمصلحة ذاكرة جديدة تنحصر في عبادة الشخص و تقديس شجرة العائلة ، و قسّمت المجتمع إلى سادة و " دون " لتصادر كل إرث الإنسان اليمني عن الحرية و الحياة الكريمة و الإبداع .. و دخل اليمن في طور جديد من نزيف العقل اليمني المبدع ، لكنه كان نزيفاً داخليّاً هذه المرّة ؛ و لن يقدح في هذه الحقيقة ما حفظه لنا التاريخ الحديث – ما بعد الاسلام – من أسماء يمنية شكّلت منارات علم و تنوير ، فنحنُ نتحدّث هنا عن مشروع بحجم الأمّة ، غاب بسبب سلطة الدولة ، تلك المشكلة الأزلية .





    ( 3 )



    مرّ اليمن الحديث – يمن القرن العشرين – بأزمات مفصليّة ، برز في كلّ منها رجال مرحلة استطاعوا أن ينتقلوا باليمن بنجاحٍ " قلّ أو كفى " إلى مراحل تالية ، و نال بعضهم شرف حماية الجغرافية و التاريخ بينما اختفى آخرون – من المستحقّين الحقيقيين - و غسلتهم مدينة صنعاء من مذكراتها تماماً . فثورة سبتمبر في الشمال ، و أكتوبر في الجنوب ، جسّدتا ، و بكل مرار ، واقعية أن الذين عبروا على الجسر أثناء الحرب ببسالة لم يكونوا هم الذين تسلموا جوائز النصر . و لعلّ هذه الواقعية قد ميّزت التاريخ اليمني المعاصر في النصف الثاني من القرن العشرين . فالسلال لم يكن إلا براجماتيّاً صرفاً ، انضم إلى الثور – بحسب إدجار أو بالانس – بعد أن وافقوا على أن يكون هو الرئيس الجمهوري عقب الاطاحة بالنظام الملكي . بينما تم اغتيال الزبيري – المهندس الحقيقي للثورة و المجتمع اليمني الجديد - في 1965 م و قام الثوار الكومبارس بتهريب القاتلين من السجن الرئيسي في صنعاء بعد منتصف الليل – بحسب عبد الملك الطيب في التاريح يتكلّم – ثم دخلت اليمن في احترابٍ شديد الوطأة بلغ ذروته في أحداث أغسطس 1968 م عقب خروج القوات المصرية من اليمن ، حيثُ شرع رفاق السلاح في حرب انتزاع الشرعيّة و التسيّد من بعضهم البعض بدعاوي مذهبية و عرقية ، لا تختلف كثيراً عن دعاوي الإمامة للحكم . و هو الصراع الذي أنهاه حصار القبائل لصنعاء . ثم عادت هذه الصورة ، و تكرر المشهد ذاته : الذين عبروا على الجسر صبيحة يوم الثورة لم يكونوا هم الذين استلموا جوائز النصر . و بلغ الأمر ذروته في المكسب اليمني الأعظم " الوحدة اليمنية " حيثُ أقصي الشركاء ، و تحوّل النصر إلى حزب ، ثم إلى خصلة حميدة من خصال شخصٍ واحد .





    ( 4 )



    .. عندما تمّ تدشين أول حقول النفط اليمني في مأرب في العام 1987 م و بحضور " جورج بوش الأب " الذي كان نائباً للرئيس الأمريكي آنذاك ، غضبت الجارة الكبرى " السعودية " و زعمت أنّ هذه الحقول تخصّها بالمقام الأول . و الأمر برمّته لم يكن إلا محاولة من هذه الأخت الجميلة للتملّص من التزماتها المادية تجاه اليمن . و بالرغم من أنّ الأمر كان واضحاً لصانعي القرار في اليمن إلا أنّ أيّاً منهم لم يحاول تقريب الفجوة ، بل نشطت المكايدات و التصريحات ، و جرى العمل على تأسيس مجلس التعاون العربي ليس كامتداد لفكرة مجلس التعاون الخليجي بل كمنافس و " ضرّة " لهذا المجلس ، حتى توّج الصراع الخفي بأزمة الخليج و موقف القيادة اليمنية المعيب منها ، و لا ندري على وجه اليقين كيف جاز للقيادة أن تقف موقفاً كانت كل الشواهد فيه تشيرُ إلى أنه سيؤدي ، و بكل تأكيد ، إلى انهيار في البنية الاجتماعية اليمنية ، و كيف لم تحسب هذه القيادة حساب أكثر من مليوني مغترب يمني في دول الخليج ؟ و لأن الصورة ، مهما كانت قتامتها ، تتحول بالتقادم إلى منجز تاريخي فقد جرى تعكير الحقيقة و أصبحنا نقرأ أن من انجاز الشخص السوبر أنّه نجا باليمن من أزمة حرب الخليج الثانية . بينما لم نسمع أحداً يسأل : من الذي ورّط اليمن ، أساساً ، في حرب الخليج الثانية ؟





    ( 5 )



    .. وعدونا كثيراً بعبقرية الوحدة اليمنية ، قبل و بعد إعلانها ، حتى كذّبناهم لكثرة حديثهم . و ذكروا لنا طرفاً عن الفرص الاقتصادية الهائلة التي سيوفّرها هذا البلد الشاسع بالتقاء عالمي الأشياء و الأفكار و توسيع قاعدة الخبرة و التجربة و توليد آفاق اقتصادية جديدة يتطلبها البلد الموحّد . غير أن الدولة اليمنية الموحّدة لم تلبَث أن كرّرت نفس مشهد الصراع بين رفاق الجمهورية الثانية " دولة الوحدة " كما حدث مع رفاق الجمهورية الأولى " الثورة " . و انفرد حزبٌ واحدٌ ، ثم حزبٌ وحيد بالسلطة ، و لمّا فشل في إدارتها أعادنا إلى الوراء ، و بعد 15 عام من الوحدة ، ليقول : إن الوحدة اليمنية أثقلت الكاهل اليمني بإضافة أربعمائة ألف موظف جنوبي إلى الشمال ، و مديونيّة باهضة . و بهذه البساطة يتم تغيير الحقائق . فمديونية جنوب اليمن لم تكن تتجاوز 450 مليون دولار ، بينما حصل اليمن الموحّد على إعفاء لنصف ديونه من نادي باريس في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي . و من الطبيعي أن يكون هذا الاعفاء شاملاً لديون الشطرين ، و قبل هذا و ذاك : ظلت الجغرافية الجنوبية و بدءً من نوفمبر 1993 م ترفدُ ميزانية الدولة اليمنية الموحدّة بأكثر من 80% من قوامها ، بينما قام الكادر القادم من الجنوب بعبء كبير فيما يخص التعليم و الإدارة في دولة الوحدة ، و مثّل رافداً مهمّاً من روافد بناء مجتمع سليم و معافى .



    ( 7 )



    أدّت صراعات المتناقضين ذهنيّاً و أخلاقيّاً إلى صيف 1994 م ، و أدّى الصيفُ إلى حربٍ باردة بين شركاء جدد في السلطة ، ثم انتهت الحرب الباردة بخُلع ساخن ، و تفرّد المؤتمر بالحكومة بُعيد انتخابات 1997 م ، ليؤسس للجمهورية الثالثة . و لإثبات حسن النوايا في العملية الاصلاحيّة فقد تم استدعاء " فرج بن غانم " ليضع المعالم المدنية لهذه الجمهورية الثالثة . و فوجئ ، كما متوقّعاً ، بأن الذين تسلّموا جوائز النصر في تاريخ اليمن الحديث ، دون أدنى جهد ، يقفون سدّاً منيعاً أمام أي حراك جاد قد يطالهم في المقام الأول . وتكوّنت أوليجاركي اقتصادية سيطرت على الإدارة ثم على الحكومة ، لتتسلم الدولة جاهزةً بكل مقوّماتها . ثم دخلنا في طور من الغبش و العشى الليلي تحت ظل صناع الجمهورية الثالثة ، و غاب المشروع تماماً . و من الأغلبية المريحة إلى الأغلبية الكاسحة توطّدت معالم هذه الجمهورية الثالثة ، و هي ملكية صرفة ، تسيّد فيها الإقليدوس " السلطان و النبلاء " و خرج الشعبُ عن المنافسة و الأهلية الحضارية . و بنفس منطق " ماري أنطوانيت " التي دعت الشعب الفرنسي إلى تناول البسكويت في حال غياب رغيف الخبز ، فقد ظهرت نصائح الحكومة للشعب - الذي لا يجد لقمة العيش - بترشيد نفقات الأعراس ، و عدم التبذير ، و ضرورة تحديد النسل . الغريب في هذا الربط هو أنّ الشعب الفرنسي انقلب على ماري أنطوانيت و قتلها بعد أن أن قتل زوجها لويس السادس عشر في العام 1793 م ،عندما بلغ الجوع منهم مبلغه ، و قامت المحاكم الشعبية في عموم فرنسا و خرجت الدولة الفرنسية من دكتاتورية السلطان إلى دكتاتوية الدهماء ، بينما أعلن الرئيس اليمني – و هو رئيس منتخب وفق قواعد الدستور – تنازله عن حقّه في ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة . و هو الأمر الذي يلقي بظلال مشهد آخر مروع ، يجسد خيال المحاكم الشعبية التي يقيمها أبناء الشعب اليمني ضد بقايا هذا النظام الذي تركه رئيسُه عندما علم – بكل تأكيد – أن بقاءهم بجوارِه لن يؤدّي إلا إلى مزيد من الافقار و التجويع في ظل غياب المشروع و تورّط الكبار في " اللعب ع المكشوف " .. فهل سيعاجل الشعبُ اليمني رئيسَه الديموقراطي المنتخب ، و المتنازل عن حقّه الدستوري لمصلحة شباب هذا الجيل اليمني ، بمظاهرة كبيرة على غرار تلك التي حدثت في مصر في الأيام الأولى لحكم السادات عندما قبل استقالة كل أعضاء مجلس الوزراء – من جماعة الضغط – و أن يهتفوا كما هتف المصريون : افرم افرم يا سادات ؟



    لا يكفي أن يعلن الرئيس اليمني الحالي عن نيّته في التنحي قبل انتخابات الرئاسة القادمة ، بل يكفينا أن نقف معه أمام المحاكم الدستورية اليمنية – بدلاً من أن تحدث فوضى محتملة يقف فيها الجميع أمام محاكم شعبية ينصبها الحفاة و الجياع في ظل غياب الرئيس الحالي و تخليه عن أصدقائه الذين خانوه – لنحاكم كل المتورّطين في سرقة قوت الشعب و امتهان كرامته ، من مدير أبسط مركز تعليمي إلى أعلى شخصيات الدولة ، أو موالي الدولة !





    سيدي الرئيس .. أمامك منجزٌ تاريخي آخر ، ننتظره منك ، لتكونَ – بكل حقّ - مؤسس الجمهورية اليمنية الرابعة و الأخيرة .



    مروان الغفوري .




    مروان أحمد الغفوري
     

مشاركة هذه الصفحة