قـصـة ابـن النـمــر

الكاتب : ابــو الـخيــر   المشاهدات : 605   الردود : 0    ‏2006-02-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-02-15
  1. ابــو الـخيــر

    ابــو الـخيــر قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-10-21
    المشاركات:
    3,549
    الإعجاب :
    0
    {تأليف بو شنج لنج}
    {ترجمة يوسف الرفاعي}



    يحكى أن أرملة عجوزاً تدعى "شين ما" كانت تعيش مع ابنها في غابة باقليم شلنكسي الصيني . كان ابنها واحداً من أمهر صيادي النمور بترخيص من الحاكم المحلي وقد توارث هذه المهنة عن أبيه وجَدِّه . وكان نصيبه من أرباح بيع فراء النمور ولحومها وعظامها لا يكفي لسد احتياجاته وأمه من المؤن والغذاء . بقي الحال على ما هو عليه إلى أن حلَّ شتاء قارس .. وضل ابن "شين ما" عن زملائه الصيادين خلال عاصفة ثلجية عنيفة ضربت الغابة .. وأصبح طعماً سهلاً لنمور الغابة الجائعة . وبعد أن هدأت صدمتها النفسية وثورة الحزن في نفس "شين ما" أسرعت إلى الحاكم المحلي وطالبته بتعويض عن فقدانها لابنها الذي كان عائلها الوحيد . فأصدر الحاكم مرسوماً يقضي بمنح "شين ما" جزءاً من أرباح صيد كل نمر يصطاده الصيادون . وقد أثار هذا القرار غضب الصيادين الذين كان ورائهم عشرات الأفواه والبطون التي عليهم أن يشبعونها . وعندما تمكن الصيادون من قتل النمر الذي التهم ابن "شين ما" رفضوا أن يعطوها جزءاً من الربح الذي جنوه عن بيعه .. وبدلاً من ذلك قرروا اعطائها أحد أشبال هذا النمر والذي لم يكن سوى كتلة صغيرة من اللحم مكسوة بفراء ذهبي وبأرجل ضعيفة ولثة حمراء بلا أي سن أو ناب . وكان الزمام الذي ربطوه حول عنقه محكماً جداً لدرجة خانقة . انفطر قلب "شين ما" لرؤية هذا الكائن الصغير الذي لا حول له ولا قوة .. والذي كانت عيناه الخضراوان كحجر الجاد تغرغران بدموع لامعة . وما أن غادر الصيادون .. حتى قفز النمر الرضيع إلى حيث تجلس "شين ما" واستلقى بين قدميها . فانعطفت "شين ما" تمسح على فرائه وأذنيه .. ويبدو أن لمساتها الحانية أعجبته فأخذ يلعق قدميها بلسانها تأملت "شين ما" النمر الرضيع طويلاً ثم حدثت نفسها قائلة : لقد قالوا لي أن أنحرك .. وأطهو لحمك وأدخنه .. وأن أصنع من جلدك حذاءً لقدمي .. كما قالوا إن عظامك يمكن أن يُصنع منها دواء لأعالج به مفاصلي المريضة .. ولكن .. كيف يمكن لي أن أتحمل قتلك ؟ أنت أيها الرضيع الصغير .. أيها الكائن الحي المتفجر بالرغبة في الحياة .. أما أنا فمجرد عجوز مسنة . حلت "شين ما" الزمام الخانق الذي كان يطوق عنق النمر الرضيع .. وأخذت تطعمه بأصابعها كعكعة صنعتها من الجذور المطهوة . وكان ابنها قد خزن لها كمية ضخمة من حبوب القمح والجذور كانت تكفيها حتى الشتاء المقبل . ولما كان خزينها من أخشاب التدفئة قليلاً فلم يكن بامكانها أن تجهز فراشها الدافيء الذي وصفه لها الأطباء وهو سرير يصنع من الأجر وتترك فيه فراغات توضع تحتها شمعات للتدفئة . استلقت "شين ما" قرب النمر الرضيع .. وأخذت تربت على فرائه الدافئ الناعم بعطف . وكانت نساء القرى المجاورة يحملن الأقمشة إلى "شين ما" لتحيكها لهن حيث أنها كانت بارعة في فن الحياكة والتطريز .. وكانت تحصل منهن في المقابل على قطع من لحوم الغزلان وأكياس من الطحين. في البداية لم تلحظ النساء وجود النمر الرضيع الذي لم يكن حجمه يفوق حجم عنزة رضيعة وعندما حل الربيع كان النمر الرضيع قد بدأ ينمو حتى أصبح في حجم العجل .. ونمى جميع أضراسه وأنيابه وقويت براثنه . عندها فقط بدأت النساء يلحظن وجوده .. وأخبرن أزواجهن الصيادين فجاء الرجال ليقتلوا النمر . وحين علمت "شين ما" بنيتهم تسلحت برمح ابنها وحذرت بقتل أي شخص يحاول إلحاق الأذى بنمرها الصغير . وقالت لهم : لقد فقدت زوجي وابني وهذا النمر هو ما تبقى لي في هذه الحياة وسأذهب إلى الحاكم لأطلب منه أن يأذن لي بتبني هذا النمر . وظن الصيادون أن الأرملة العجوز فقدت عقلها .. وأخذوا يسخرون منها .. ولكن لأنها بدت لهم جادة تماماً في تهديدها .. فقد أحجموا عن محاولة قتل نمرها خاصة إذا نجحت في الحصول على إذن من الحاكم بتبنيه . ولذلك فقد تبعوا "شين ما" ونمرها إلى قصر الحاكم . قال لها الحاكم : يا لك من أم رحيمة .. ولكن ألا ترين أن طلبك غريب وغير عادي .. ألا تخافين من أن يلتهمك ذلك النمر في يوم من الأيام عندما تستيقظ بداخله طبيعته الوحشية ؟ وأجابته "شين ما" والدموع تتلألأ في عينيها : سيدي المبجل .. ماذا يخيفني ؟ لقد عشت طويلاً ومصدر قلقي الوحيد الآن هو أن أبقى وحيدة .. أرجوك دعني أرعى هذا النمر الصغير الذي أصبح بالنسبة لي كإبني . ولم يقو قلب الحاكم الرقيق على أن يقسو على هذه الأرملة العجوز .. فلم يتجاهل توسلاتها .. بل وجَّه مساعده بأن يستخرج وثيقة تبني للنمر الصغير . ولكي يحمي النمر الصغير من سهام ورماح الصيادين .. أمر بوضع رباط غليظ من النحاس حول رقبة النمر حفرت عليه كلمتان هما "فو شي" أي ابن النمر . وإزاء هذا القرار الرحيم ركعت "شين ما" على الأرض أمام الحاكم وأحنت له رأسها ثلاث مرات ثم اصطحبت نمرها "فو شي" عائدة إلى بيتها في الغابة وعندما حل الشتاء التالي .. كان "فو شي" قد اكتمل نموه وبلغ أقصى حجم يمكن أن يصل إليه نمر يافع .. وأصبح بيت "شين ما" المبني من الطين عرضة للانهيار عندما يبدأ "فو شي" في المرح .. مما اضطر "شين ما" أن تسمح له على مضض بأن يتخذ له بيتاً في كهف قريب من منزلها . وكان "فو شي" يأتي لزيارة أمه بالتبني "شين ما" من آن لآخر وكان يحمل لها بين انيابه هدية كلما زارها .. فمرة يأتيها بغزال اصطاده .. ومرة أخرى يأتيها بفرع شجرة ضخم لتشعله وتتدفأ به .. ولم يتخل عن عادته في لعق حذائها .. ويستمتع بلمساتها حين تربت على أذنيه . حتى ظنت "شين ما" أنها لم تكن لتحظى برعاية أفضل لو كان ابنها الحقيقي على قيد الحياة . وبعد أن وافتها المنية عن عمر يناهز المائة .. كان الصيادون يندهشون من رؤية النمر "فو شي" وهو يحرس قبرها كل مساء .. ولذلك قرروا أن يتركوه لشأنه وألا يزعجونه .. خاصة وأنه لم يكن يهاجم أي انسان ولا حتى أي حيوان مملوك للناس .. وقد بقي الوضع على ما هو عليه لسنوات إلى أن اختفى "فو شي" فجأة في يوم من الأيام . لقد مات "فو شي" .. وعندما علم الصيادون بموته قاموا بنحت قصته على حجر وضعوه فوق قبره الذي حفروه له بجوار قبر "شين ما" ليخلدوا فيه ذكراه كأول وحش مستأنس في اقليم شانكسي
     

مشاركة هذه الصفحة