يوم مات عمري

الكاتب : sayd_al3asha8   المشاهدات : 774   الردود : 0    ‏2006-02-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-02-07
  1. sayd_al3asha8

    sayd_al3asha8 عضو

    التسجيل :
    ‏2005-08-24
    المشاركات:
    216
    الإعجاب :
    0
    يوم مات عمري

    لم استوعب فكرة موت أبي بهذه السرعة وبهذه البساطة فقد وقفت مذهولا مجفول العينين مسمر الحركة على بوابة العناية المركزة وكل أقربائي من حولي يتلفظون بكلمات المواساة وعلى أعينهم تلك النظرة الحزينة المليئة بدموع الفراق , لم أتحمل كل ذلك فقد كنت أحس بنظراتهم تلك و كأنها سهام تخترق جسدي وكلماتهم تلك و كأنها قيود التفت حول عنقي أحسست باختناق و بألم غريب بين أضلعي و كأن شيء قد تحطم بداخله, لذلك فقد تركت ساقي للريح وانطلقت على غير هدى نحو اللا مكان والى أين سأذهب فليس هناك أي مكان قد يطيب لي الذهاب إليه و أبي ليس موجود فيه. أبي ذلك الرجل الحنون العطوف أصبح ألان جسد بلا روح لقد فارقنا بصورة مفجعه وحزينة ذهب حتى دون أن يقول كلمة وداع واحده ولكن هل بالفعل قد مات؟؟.
    انطلقت بسيارتي في شوارع العاصمة اخترق الشوارع كما يخترق الحزن كل مشاعري وكياني لم استطع البكاء فلم أتقبل بعد فكرة انه مات ,مات ما أبشع هذه الكلمة فلأول مره انطقها ليتردد صداها في كل جوارحي محدثا كل ذلك الألم,كنت أسابق الريح بسيارتي لعلي اصل إلى ذلك المكان البعيد من عقلي والذي لم يستوعب بعد فكرة الموت أريد أن أخاطبه و أناقشه لكي اعرف واستوعب منه كل ما حدث و أتقبل العزاء منه ولعلي أجد معه المواساة التي قد يكون فيها ما يطيب خاطري.
    وصلت إلى ابعد مكان في صنعاء ولم اصل بعد في تفكيري إلى ما قد يلقي ببعض ضلاله على قلبي ليخفف عنه ذلك اللهيب الذي يستعر فيه ,عندها خطرت في ذهني أن اذهب للبيت و أتفقد الأهل لعلي أجد منهم ما قد يواسيني فهم أهلي و أخوتي من دمي ولحمي ولابد أنهم يشعرون بما اشعر به وسيخفف كل واحد منا حزن الأخر لأننا نشعر بنفس الفجيعة التي حلت بنا بدون أي توقع منا, ولابد أن الجميع سيتشارك معي حزنه بنفس الدرجة وعندها فقط قد استوعب تلك الفكرة فكرة موت أبي .
    عندما وصلت إلى باب البيت ترددت كثيرا في فتحه وترددت أكثر في الدخول إلية ,لم يكن البيت يشبه ذلك البيت الذي خرجت منه قبل ثلاثة أيام والذي كان مليء بالبهجة والسرور ,لماذا أصبح في هذه اللحظة صامت باهت الألوان كئيب الملامح ,تراجعت بخطواتي نحو الوراء بدل أن أتقدم فقد كان من الصعب علي أن ادخل البيت وقد تغيرت ملامحه بهذه الصورة ,الا إني وبصعوبة شديدة لملمت ما تبقى من إرادتي وانطلقت مخترقا البيت بيت الأحزان والذي لم اعد أجد فيه ما يشبه بيتنا ذلك البيت الذي كانت تعبق أرجائه علامات الفرح والبهجة.
    لم أجد بداخل البيت ولا بداخل قلوب الأهل الا الحزن والملامة والعتاب والصراخ والعويل لقد كانوا أكثر مني مذهولون مصدومون موجوعون غير مصدقين لما حدث, عندما دخلت بينهم شعرت بعيون الجميع تسألني عن مكان والدي وعن خبر وفاته هل هو صحيح ميت أم لا , و أنا الذي جئت باحثا عن الإجابة عن هذا السؤال ها أنا ذا أجد نفسي محاصرا بعشرات العيون الحائرة الدامعة وصداها الحائر يتردد في أرجاء القلوب والعقول والجدران الباردة للمنزل.
    لم استطع تحمل تلك النظرات ولم أتحمل كل ذلك الحزن الذي يعتصر الجميع ليصب حممه في جسدي كسيل من البراكين تخترق كل ذرة من جسدي في حزن والتياع و ألم لذلك فقد عدت إلى سيارتي وانطلقت مرة أخرى ولكن هذه المرة نحو مستشفى الثورة حيث تركت السؤال و الجواب هناك.

    لم أكن اعلم باني أنا السؤال وان الإجابة كانت مسجاة في غرفة غسيل الموتى تنتظرني لأقوم بآخر واجب للابن لوالده وهو غسله وتكفينه في وداع أخير وواجب أخير سوف أقوم به نحو والدي.
    قمت بغسل جسد والدي وأنا اعلم بأنه لم يعد يسكنه ذلك الروح والتي سرها بأمر ربي ,كان الجسد مسجى ساكنا بدون أي حركة لم تعد تلك الرئتين تلفظ أنفاسها ولم يعد ذلك القلب ينبض لقد سكن كل شيء ,الا أن هذا لم يمنع أن يسجل الجسد أخر لحظه مر فيها والدي قبل وفاته فقد ارتسمت ابتسامه سحرية على شفتيه وعيناه كانت مغمضتين وكأنه شخص نائم وقد يصحو في أي لحظه أما الوجه فقد كان مضيء إضاءة روحانية عجيبة توحي بأن صاحب الجسد لابد وانه تلقى رضاء ربه وانه انتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة حيث النعيم, حمدت ربي على هذه الصورة التي وجدته عليها ,ووجدت فيها بعض العزاء لي و أحسست انه لا يجب أن نبكي عليه بل أن نفرح له فهذه هي الموتة التي يتمناها أي إنسان راضيا مرضيا,ولكن بالرغم من كل ذلك بقي سؤال محيرا لي... هل مات أبي فعلا وبالرغم أني المس جسده و أقوم بغسله الا أني لم استطع الجزم بذلك فهو يبدو نائما ليس الا.
    انتهيت من غسل جسد أبي وغطيت كل جزء من جسده بالكفن الثوب الأخير الذي يرتديه الموتى......هنا تذكرت كم كان يسعدنا بأثواب العيد الغالية التي كان يشتريها لنا وكان أيضا يسعد وهو يرى علامات الرضا على وجوهنا وفي هذا اليوم ها أنا أهدية ثوب من الكتان البسيط ليرتديه في أخر مناسباته ثوب الوداع.
    بعد الغسل والتكفين انطلقنا في موكب جنائزي كبير لتوديع الأب والأخ والصديق والحبيب, كنت أسير حاملا الجنازة وعلى ذهني ذلك النور الذي يصدر من وجه أبي وتلك الابتسامة التي لم تفارق وجهه, وقررت انه لابد أن يشاركني كل أفراد أسرتي ذلك المنظر لعلهم يجدون فيه بعض المواساة لذلك فقد طلبت من الجميع التوقف والعودة بالجثمان نحو البيت ليلقي عليه أفراد الأسرة النظرة الأخيرة.
    وصلنا و أدخلنا جثمان والدي على أكتافنا إلى داخل البيت ليلقي أفراد أسرتي النظرة الأخيرة على والدهم,كان أفراد الأسرة يدخلون ويلقون نظرة أخيرة على وجهه وكانوا يقبلون وجهه ويديه ورجليه والحزن يكاد يفطر القلوب لهذا المنظر المؤثر حتى على أقوى القلوب وأقساها, إلى أن جاء دور الأخت الصغرى مدللة أبيها و عروستنا التي كانت ستزف بعد أيام قليلة إلا أن القدر كان أقوى من كل شيء واستبدلت تلك العروسه ثوبها الأبيض بثوب اسود كئيب وغمر قلبها الحزن بعد أن كان لا يسعه الفرح,عندما وصلت أختي الصغرى إلى جانب جثمانه أطلقت صرخة ملتاعة وبدأت في النواح بصوت عالي وكان كلامها يتردد عبر أركان المنزل وهي تعاتب أبيها على تركها قبل أيام من زفافها وبدل من أن يقف مودعا لها على باب بيت زوجها ها هي تقف اليوم مودعة له وبدل أن يقبلها على جبينها ويدعو لها بالفرح والسرور ها هي الآن تقبله على جبينه قبلة وداع و الم وحزن وفراق لقد تغير كل شيء وضاع الأب الحنون والصديق الصدوق لها.
    لقد كان معها الحق في كل ما فعلته فانا أيضا كنت سأعقد قراني بعد أسبوع و أبي كان سيكون حاضرا مباركا لكل خطوه أخطوها ولكن الآن تغير كل شيء و أصبحت أنا المسئول عن كل أخوتي و أمي وعن نفسي أيضا أصبحت وحيدا أمام هذه المسؤولية الكبيرة بعد أن ترك والدي فراغ كبير في حياتي .
    لم أفكر في ذلك كثيرا فقد كان من واجبي الإسراع في دفن جثمان والدي حسب وصيته التي أوصاني بها فقد طلب مني عدم تأخير دفنه لذلك فقد حملت الجثمان مرة أخرى وسط نواح أخوتي ونواحي الذي كتمته بداخل صدري وذلك السؤال ما زال يحوم على كل ذرة في جسدي هل بالفعل مات والدي.
    لم يكن وفاة والدي هو أخر الأحزان فقد توفي من بعده أقرباء كثيرين لم تتجاوز الفترة بينهم في بعض الأحيان إلا أيام معدودة,لم استطع أن أجد جواب عن سؤالي و بالرغم من كل ذلك فقد فارق الأحبة دنيانا وتركونا هنا نقاسي مرارة فراقهم ,وذلك السؤال مازال يتردد صداه في أركان وزوايا عقلي هل بالفعل مات والدي أم انه أنا من مات فقد توقف كل شيء في حياتي في اللحظة التي أعلن فيها موته.
     

مشاركة هذه الصفحة