ابـــــــــن المقبرة.. الجزء التاسع..

الكاتب : Rami83   المشاهدات : 1,472   الردود : 33    ‏2006-02-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-02-04
  1. Rami83

    Rami83 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-11-09
    المشاركات:
    2,470
    الإعجاب :
    0
    [​IMG]

    رابط الأجزاء من 1 إلى 6

    رابط الجزء السابع

    رابط الجزء الثامن

    9- الخيوط تتضح..

    وهكذا أعزائي المستمعين ما زلتم تستمعون لمحدثكم الذي يهوى الثرثرة و هو يروي لكم الأحداث الأخيرة لقصة (ابن المقبرة) التي بدأ الشك يساوركم على أنها لن تنتهي.. كان الذهول يغمرني و أنا أرى تلكم الأشياء في سلة المهملات الخاصة بصيدلية (خالد).. كنت مرتبك بحق إلا أنني فكرت بسرعة و اتخذت قراري بأخذ أحد تلك الأشياء, فحاستي السادسة تصرخ بشدة هذه المرة قائلة بأن لتلك الأشياء علاقة بالجرائم التي حدثت في القرية.. فأخذت ذلك الشيء من سلة المهملات و وضعته بحذر في جيبي و عدت لمقعدي.. كان قلبي ينبض بشده.. فلو ما أعتقده صحيح حيال هذه الأشياء فهذا يعني أن (خالد) متورط بشكل أو بآخر بجرائم القتل التي حدثت في الآونة الأخيرة.. لكن هل يعقل هذا؟.. و ما الداعي لكل هذا؟.. يااااه يكاد رأسي أن ينفجر من كثر هذه التساؤلات.. أثناء ما كنت غارق ببحر أفكاري دخل (خالد) حامل مشروب غازي و الحزن ما زال يكتسي وجهه.. يا للتمثيل المتقن!.. لو أكتشف أن له علاقة بجرائم القتل سأرشحه لنيل جائزة الأوسكار في التمثيل..
    أعطاني الزجاجة و بدأ يسرد لي ذكرياته مع (منصور) و تتخلل كلماته التنهدات بينما كنت أنا مشوَّش تماماً.. حاولت قدر الإمكان أن لا أظهر ذلك, فخطتي قد تنهار كلياً عند أي بادرة شك من جانبه.. و بعد حوالي نصف ساعة طلبت الإذن للمغادرة..
    - حسناً أخي.. لا أرغب أن أثقل عليك في يوم كهذا, لهذا سأتركك لوحدك..
    - بالعكس أخي, وجودك يخفف الكثير من آلامي..
    - أنا سعيد لأنني استطعت تخفيف جزء من آلامك, لكنني مضطر للذهاب الآن.. أن تعرف أن الشيخ ينتظرني في داره, و لا ينبغي أن أتأخر عليه..
    - إن كان الأمر كذلك فلا بأس, يمكنك المغادرة لكن بشرط أن تعدني أنك ستكرر الزيارة..
    - بالطبع.. بالطبع, و صدقني سيكون ذلك قريباً.. أقرب مما تتصور..

    و غادرت و أنا نادماً على عبارتي الأخيرة و التي تُظهر نوع من التوعد, فلآمل أنه لم ينتبه لنبرة كلامي حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه.. كانت الحركة في القرية شبه مشلولة, بينما الحركة في أوجها داخل عقلي الذي بدأ بتحليل المعلومات التي توصل إليها حتى الآن.. يا لهذه الحياة, لم أكن أتوقع أنه سيأتي يوم من الأيام أكون فيه بقرية تعيش كابوس جرائم قتل متسلسلة و أنا أحلل الأحداث للوصول إلى الجاني.. واصلت سيري و الهدوء المغيظ ما زال مسيطر على القرية و أخيراً وجدت شخص فاستوقفته بأدب..
    - السلام عليكم..
    - و عليكم السلام..
    - هل يوجد هاتف في القرية؟..
    - نعم يوجد واحد فقط في متجر الحاج (عبد الله)..
    - أين أجد هذا المتجر؟..
    - يقع في منطقة المحلات التجارية, يمكنك السؤال عنه هناك و سيدلك أي شخص إليه.. لكن لماذا تحتاج الهاتف؟!..
    - لكي أنظف أسناني..!

    قلتها بتهكم لم يفهمه ذلك القروي الذي راح يتمتم بذهول..
    - يا لطباع أهل المدينة الغريبة..!

    وعندما وصلت إلى متجر الحاج (عبد الله) و جدت كهل تبدو عليه الطيبة ذو تقاسيم هادئة فرحب بي كوني ضيف على القرية, يبدو أن أهل القرية – كما قال (منصور) الله يرحمه – كريمين مع الغرباء..
    - أهلاً يا بني.. هل أنت ذلك الصحفي الذي يتحدثون عنه؟..
    - نعم يا سيدي, لكن ماذا يقولون عني؟..
    - كل شيء طيب..

    كانت إجابة دبلوماسية تشف عن خبرة في الحياة ظاهرة.. رغم أنني متأكد من أن كل الأقاويل حولي مثيرة للشك حول ظهوري المفاجئ في القرية و بهذه الأيام بالذات..
    - هل من الممكن أن أستخدم الهاتف؟..
    - بالطبع يا بني.......... آه من الدنيا هذه, لقد كان (منصور) – رحمة الله عليه- هنا صباح الأمس يتحدث من الهاتف و اليوم هو راقد في التراب..
    - هل تعرف لمن كان يتصل؟
    - لا.. لكنه أعطاني هذا الرقم كي يتصل به..

    و أعطاني ورقة صغيرة مهترئة تحمل رقم مدير تحرير صحيفتي.. فتعجبت كثيراً, ترى ما الذي قاله (منصور) لمدير التحرير بالأمس, يجب أن أعرف ذلك و الآن لذلك طلبت ذات الرقم حتى أعرف سر اتصال (منصور), لن تصدقوا أنني سررت عندما سمعت صوت المدير الأجش تنقله الأسلاك إليّ:
    - الو..
    - السلام عليكم.. كيف حالك يا سيدي؟..
    - من؟!.. (أكرم).. أحمدك يا الله, هل أنت حي يا بني؟..
    - لم أسمع بعد عن جثة استخدمت هاتف من قبل..
    - آه صحيح.. نعم.. نعم.. في الحقيقة كنت بغاية القلق عليك فلقد أتصل بي شخصاً ما صباح الأمس ليهددني أن لم أستدعيك من مهمتك فسيقتلك.. و المفترض أنك تكون مقتول الآن..
    - لم يحن أجلي بعد, و لو كان حدسي صحيح فأن الذي أتصل بك أمس يعض التراب الآن..
    - لم أفهم.. ماذا تقصد؟
    - لقد توصلت إلى بعض الخيوط التي ستوصلني إلى الجاني الحقيقي, و ستجد كل التفاصيل موضحة في تقريري إن شاء الله..
    - عن أي تقرير تتكلم؟!.. يجب أن تعود حالاً, فأنا لن أتحمل فكرة تعرضك للخطر عندك.. فأنت صحفي مبشر بالخير.. ثم.. ثم أن عملك هو الصحافة و ليس التحقيق عن جرائم.. يجب أن تعود على الفور..
    - لقد فات أوان هذا الكلام يا سيدي.. لقد أقنعتك في بادئ الأمر أن هذه المهمة تخص رجال الشرطة و لكنك لم تقتنع بحجة البحث عن سبق صحفي, والآن بعد أن وصلت إلى هذا الحد فلن أتوقف حتى لو كانت حياتي هي الثمن..
    - لكن..

    أغلقت سماعة الهاتف و لم أسمع اعتراض المدير.. أشد ما أكره في طبائع الناس هو اتخاذ القرار و من ثم التفكير حول تبعات ذلك القرار من بعد, فالأصح هو التفكير قبل اتخاذ القرار..
    و قبل أن أغادر المتجر طلبت الاتصال برقم آخر, إلا أن المكالمة الأخيرة حملت في طياتها تطورات خطيرة..
    إلى أقصى حد..

    *** *** ***​


    كان عقلي يعمل كخلية نحل بينما كنت عائد إلى دار الشيخ الذي سيستضيفني الفترة القادمة, فالمعلومات التي حصلت عليها من الهاتف في غاية الأهمية.. أهمية من شأنها تغيير خيوط اللعبة جذرياً, و أثناء ما كان عقلي مشغول بالتحليل و الاستنتاج شاهدت الحاج (نعمان) جالساً تحت شجرة.. طبعاً لا داعي لأن أصفه لكم فلقد تعرفنا عليه من قبل, فاقتربت منه و طلبت الأذن بالجلوس بجانبه فوافق مبتسماً ابتسامة أظهرت أجمل أسنان نخرة رأيتها بحياتي و ما أن جلست حتى سعل الحاج (نعمان) سعالاً مع ارتجاف حاد حتى ضننت أن هذا آخر ما سيعمله في حياته.. و بعد أن انتهى من نوبة السعال تلك حتى بدأ بتجميع أنفاسه و يعود ليسترخي من جديد.. صدقوني أن بقاء هذا الشخص حي حتى الآن لمعجزة بحد ذاتها..
    - في الحقيقة يا سيدي أود أن أتكلم معك بخصوص (ابن المقبرة)..
    - ياااااااااه مر زمن طويل لم أسمع كلمة (سيدي) هذه.. ما الذي تريد أن تعرفه من كهل مثلي.. فلا يوجد في هذه القرية من يثق بكلامي مطلقاً, بل أن البعض يعتبرني مجنوناً و أنا لا ألومهم كثيراً..
    - بالعكس يا سيدي.. أنا أثق بكلامك تماماً.. أخبرني كل ما تعرفه عن هذه القصة.. من البداية..
    - كل ما أعرفه أن جميع أهل القرية حمقى.. فـ(إبراهيم) لم يقبر تحت الشجرة.. فما معنى وجود جميع الضحايا في القبر الذي يوجد تحت الشجرة؟!.. ​


    *** *** ***​


    - هل تعني أن قبر (ابن المقبرة) ليس تحت تلك الشجرة..
    - أجل..
    - لكن لماذا صدق الجميع أنه المكان الذي دُفن فيه (ابن المقبرة)؟
    - لأنهم حمقى..
    - حسناً, ماذا عن الكهف؟.. لقد سمعتك صباح اليوم تتكلم عنه..
    - هل تقصد كهف المارد؟..
    - نعم..
    - يا بني, أنني كما ترى شخص مسن و لقد ضعف نظري كثيراً و لم أعد كما كنت في السابق, و كل ما في الأمر أنني أحياناً أرى من بعيد أشباح تخرج و تدخل من و إلى ذلك الكهف أثناء بكاء (ابن المقبرة) ليلاً..
    - هل يعني هذا أنك تكون خارج دارك أثناء البكاء ليلاً؟..
    - يا بني أنا لا أملك دار, بل كوخ صغيرة أقضي بها ما تبقى من حياتي.. ثم أنني لا أهتم بالترهات التي يقولها الحمقى بخصوص موت كل من يذهب إلى المقبرة أثناء البكاء..
    - هل معنى هذا أنك زرت المقبرة يوماً أثناء البكاء..
    - لا, لم أفعل.. فلا يوجد شيء يدعوني لزيارة المقبرة..
    - إذاً كيف عرفت بخصوص أشباح الكهف..
    - السبب ببساطة لأن الكهف يظهر واضحاً من كوخي..
    - هكذا إذاً.. أشكرك يا سيدي لإضاعة بعض من وقتك معي.. و الآن اسمح لي بالانصراف..
    - لا تشكرني يا بني.. فكهل مثلي لا يحتاج إلا إلى قليل من الاحترام و لقد أعطيتني من هذا الاحترام ما يكفيني لبقية حياتي.. لهذا أنت من يستحق الشكر..

    و هكذا ذهبت و أنا أكثر أيماناً بالمقولة " الكلمة الطيبة تذيب الحديد".. حقاً أن الكلمات الطيبة لا تخسرنا شيء, بل تمنحنا احترام الآخرين بالمقابل..

    *** *** ***​


    "هاوية.. هاوية..
    قرية بطريقها إلى هاوية..
    و عقول متراخية..
    تواصل ترنحها نحو الهاوية.. "

    *** *** ***​


    " كهف الأسرار فاغر فاه..
    كوحش يبحث عن طريدة..
    و الأمل في المقبرة واه..
    لكل عين شريدة.. "​


    *** *** ***​


    في دار الشيخ استقبلني الأخير بحفاوة بالغة و هو يدخلني إلى داره الذي يبدو من الداخل أكثر جمالاً من الخارج.. و بعد أن انتهينا من الغداء و تناول الفاكهة رمى لي بـ(ربطة) قات قائلاً:
    - سنخزن الآن و في المساء سأجيب عن كل تساؤلاتك.. فبعد قليل سيمتلئ الديوان برجال القرية الذين يحظرون للنقاش هنا..
    - لكنني لا أتعاط القات يا سيدي.. سأجلس معكم دون أن أخزن..
    - كيف ستظهر أمام الناس و أنت لن تخزن..
    - سأظهر كما يظهر أي شخص آخر لا يخزن..
    - ماذا سيقول الناس؟. ضيف الشيخ لا يوجد لديه قات..
    - لا عليك يا سيدي, سأشرح لهم أنني لا أتعاط القات أساساً.. و لا يوجد أي تقصير من ناحيتك..

    لم يكن الشيخ مقتنع لكلامي إلا أنه توقف عن الجدال مرغماً, و بالفعل بعد حوالي ساعة كان الديوان مكتظ بالرجال و أوراق القات تغطي الأرض و الدخان يملأ الهواء.. كان الجو غير مناسب لي على الإطلاق لكنني كنت مضطر للمكوث معهم عسى أن أسمع معلومة جديدة قد أستفيد منها.. أحياناً يتحدثون عن موضوع (ابن المقبرة) ثم لا أدري متى تتغير دفة الموضوع إلى موضوع آخر فأسمع قضايا عن أمور كثيرة.. المعنى باختصار أن جلسة القات هذه لم تثمر شيء بالنسبة لي..

    و في الليل بدأت حديثي مع شيخ القرية التي استطعت من خلاله التعرف على خيوط جديدة لـ(ابن المقبرة)..
    - و الآن يا سيدي هل لك أن تخبرني عن قصة (إبراهيم) من البداية..

    شرد الشيخ ببصرة و هو يقول:
    - أنها قصة قديمة تعود إلى ما قبل عشرين سنة حيث مات صبي يدعى (إبراهيم), يبلغ من العمر سبع سنوات و بعد وفاته بثلاثة أيام اكتشفنا أننا عندما دفناه كان على قيد الحياة و لم يمت بعد و منذ ذلك اليوم أصبح الجميع يعرفه بـ(ابن المقبرة) لأنه توفى في المقبرة من العطش.. و اليوم بعد هذه المدة الطويلة يعتقد القرويون أن (إبراهيم) ينتقم منهم لأنهم قتلوه فيما مضى بالخطأ, حيث يبكي ليلاً من المقبرة و كل من يذهب إلى هناك لم يعد ليروي لنا ماذا يحصل في المقبرة أثناء البكاء لأنه يموت من العطش.. هذا كل ما في الأمر..
    - سيدي إن عباراتك هذه فتحت أمامي سيلاً من الأسئلة.. فمثلاً كيف اكتشفتم بعد ثلاثة أيام من الدفن أنه لم يكن قد مات أثناء الدفن؟!.. و كيف عرفتم أن سبب وفاته في القبر هو العطش؟!..
    - لقد عرفنا ذلك عن طريق (المُسَفِلة)..
    - (المُسَفِلة)..؟!
    - نعم, أنها امرأة كانت تعيش في الماضي بقريتنا, يقال أنها قادرة على التواصل مع الأموات حيث تزورهم في المقابر ليلاً, و منها عرفنا أن (إبراهيم) – الذي أخبرها بحقيقة الأمر - كان حي أثناء الدفن و عندما كان في المقبرة شعر بعطش شديد توفى على أثرة..
    - لم أستسيغ فكرة وجود امرأة تستطيع التحدث مع الأموات في قبورهم..
    - لكن هذه هي الحقيقة التي يؤمن بها جميع أهل هذه القرية, و منذ ذلك الحين بدأ أهل القرية بالشعور بالذنب.. هذا الشعور الذي تحول إلى ذعر عندما بدأت التطورات الجديدة في القرية و التي تتمثل بانتقام (ابن المقبرة) من أهل قريته الذين قتلوه بالخطأ..
    - حسناً, كيف تكهنت بأن ما أصاب (إبراهيم) كان تصلب عضلات..
    - لقد أخبرني بهذا أبني (محمد) الذي كان يدرس الطب آنذاك و هو الآن يعمل كطبيب في أحد المستشفيات الحكومية في المدينة بعد أن وصفت له حالة (إبراهيم) عند الدفن..
    - هكذا إذاً.. و ماذا عن كهف المارد.. ما سره؟!..
    - كهف المارد.. هممممممم.. في الحقيقة تختلف آراء أهالي القرية بخصوص هذا الكهف الذي يحيطه الغموض من زمن بعيد.. حيث تدور حوله أسطورة مفادها أنه كان يعيش في هذه القرية في قديم الزمان مارد عاث في الأرض فساداً و بعد أن تمت محاربته بالقرآن الكريم تمكن مجموعة من شيوخ العلم من احتجازه في كهف داخل كهف..
    - ماذا تعني بكهف داخل كهف؟!..
    - تقول الأسطورة أن في قريتنا كهف داخل كهف, فعندما تدخل كهف المارد فأنك ستجد بعد مسيرة ربع ساعة صخرة كبيرة تسد فتحة كهف آخر الذي يقال أن المارد محبوس فيها.. و تقريباً جميع من في القرية مؤمن بهذه القصة التي نقلها لنا آباؤنا من آبائهم و البعض الآخر لا يؤمن بها و مع هذا فلا أحد يجرؤ دخول الكهف..
    - اها.. ماذا عنك أنت؟. هل تؤمن بوجود المارد أم لا؟..
    - أنا لا أؤمن بوجوده لكنني لا أنكر أنني أخشى دخول هذا الكهف..
    - أشكرك يا سيدي على هذه المعلومات , لقد أتعبتك معي..
    - لا عليك يا بني.. سأذهب الآن فلقد حان موعد نومي, أما أنت فأرجو أن تأخذ راحتك و سيكون ولديّ (وديع) و (ريدان) في الغرفة المجاورة لغرفتك لتلبية طلباتك.. أتمنى لك ليلة طيبة..
    - أشكرك يا عم.. تصبح على خير..

    و ما أن ذهب حتى دخل الغرفة شابان في مقتبل العمر الأول هو (وديع) و الذي قد تعرفنا عليه من قبل مع (منصور) عندما قدمت لزيارة الشيخ يوم أمس بينما كان يعمل فحوصه الطبية بالمدينة.. أم (ريدان) فكان مراهق ضئيل الجسد مقارنة بأخيه هائل الجسد مقارنة بي.. كانا أشبه ببابين خشبيان أحدهما يكبر الآخر.. لكن هذا لا يمنع أنهما يمتازان بأخلاق رائعة.. فلقد استطاعا أن ينسياني جهد هذا اليوم المضني حيث راحا يخبراني عن مواقفهما الطريفة فوجدت نفسي منغمساً بعالم من الضحك و في الساعة التاسعة و النصف مساءً فتح (وديع) نافذة الغرفة و أخرج علبة سجائر من جيبه و راح ينفث الدخان بعصبية..
    - يبدو أن السيد الوالد لا يعلم أنك تدخن..
    - كيف علمت ذلك؟!..
    - أن أي شخص يدخن بالجهر و لا يستطيع فعل ذلك إلا إذا فتح النافذة و ينفث الدخان خارج الغرفة لفي مأزق كبير.. ألست معي في ذلك؟..
    - آه.. نعم, هذا صحيح.. لقد بدأت التدخين بالسر منذ حوالي سنة.. و لا زلت لا أملك الجرأة لأخبر أبي بذلك..
    - و لن تملكها.. صدقني أنا يا أستاذ (اكرم).. لقد حاول (وديع) مراراً أن يصارح أبي بهذه الحقيقة إلا أنه لم يستطع..
    - ماذا عنك يا (ريدان)؟.. هل تدخن كذلك؟..
    - بالطبع لا, أنا غير راضي عن نفسي لأنني أخزن القات و أنت تسألني هل تدخن..!
    - جميل أنني أسمع هذا الكلام منك, لكن أن لم تكن ترغب بتعاطي القات فماذا تتعاطاه؟..
    - أنه المجتمع الذي لا يرحم يا أستاذ.. هل من الممكن أن تخبرني كيف سأقضي وقتي بعد الظهر إن لم أذهب لمجلس القات, و إن ذهبت إلى هناك لا أستطيع أن أكون مع الناس بدون قات.. أنت تعرف أقاويل الناس..
    - نفس المشكلة التي أسمعها دائماً.. المجتمع.. المجتمع.. كثير من أصدقائي يتعاطون القات لذات هذا السبب..
    - أن الخطوة الأولى لمحاربة القات هي أن يصحح المجتمع نظرته للأشخاص الذين لا يخزنون, و بهذه الطريقة لن يخجل أي شخص من حضور مجالس القات بدون قات..
    - نعم هذا صحيح..

    بينما كنت أتكلم مع (ريدان) حول مشكلة القات ببلادنا كان (وديع) يواصل نفث الدخان بعصبية مبالغ بها هذه المرة من نافذة الغرفة.. فاستأذني (ريدان) أن يذهب ليحظر شيء من غرفته, أما أنا فتقدمت نحو (وديع) و ما أن رآني حتى تنهد قائلاً:
    - هل تصدق يا أستاذ (اكرم) أنني أتألم هذه الليلة بشكل لا يتصوره عقل؟.. فعلى الرغم من الابتسامة التي أحاول رسمها طيلة الوقت إلى أن في قلبي جراح لا تندمل..
    - خير إن شاء الله.. ما سبب كل هذه الآلام؟..
    - لقد فقدت اليوم واحد من أعز أصدقائي..
    - هل تقصد (منصور)؟..
    - نعم, رحمة الله كان رجل بمعنى الكلمة.. كنا الأربعة لا نفترق تقريباً و هانحن الآن ثلاثة و لا أدري كم سنكون غداً!..
    - من تقصد بالأربعة؟..
    - أنا و (منصور) و الصيدلي (خالد) و (نشوان) الذي يملك المتجر المجاور للصيدلية.. لكن الموت خطف (منصور) مننا.. آه الله يرحمك يا (منصور).. لقد كان يحثني دائماً على الإقلاع عن التدخين..
    - ألا يدخن (خالد) و (نشوان)؟..
    - لا أحد من الشلة يدخن غيري..
    - غريبة!..
    - ما لغريب بذلك؟..
    - عادة يكون الدخان صفة مكتسبة من الغير و غالباً ما يكون أصدقاء السوء هم السبب الأول للتدخين..
    - هذا صحيح.. لقد بدأت تدخيني في المدينة عندما كنت أدرس الثانوية العامة.. لكن ماذا دهاك الليلة يا أستاذ (اكرم)؟.. هل حولت مهنتك من صحفي إلى مختص اجتماعي؟..
    - هههههههههه.. لا.. لا.. أنا صحفي و سأظل صحفي.. و إن كان كلامي قد ضايقك فأنا أعتذر..
    - بالعكس لقد استمتعت كثيراً بالحديث معـ...

    دخل علينا فجأة (ريدان) و هو يحمل البوم صور من الحجم الثقيل.. آخ.. أنها الطامة الكبرى إذاً.. قد تكون الذكريات مهمة و ثمينة, لكنها تظل كذلك لأصحابها فقط أما للغير فهي لا تعني لهم شيء.. معنى هذا أنني سأضطر بقية الوقت أن أرى صور لأشخاص لا أعرفهم و هم يبتسمون ببلاهة أمام الكاميرا.. و هكذا بدأت ساعات العذاب بالنسبة لي و المتعة بالنسبة لهما.. " هذه الصورة التقطناها في العيد الكبير مع خالي (مرزوق) و عمي (حسن) و..." " هذه الصورة و نحن في الجبل نتعلم القنص.." و كانت الصورة لـ(ريدان) و (وديع) و مجموعة أشخاص لا أعرفهم, و كان جميعهم يرتدوا الملابس التقليدية اليمنية و يحمل كل واحد منهم بندقية و جميعهم ينظرون للكاميرا مع الابتسامة البلهاء التي أصبحت شرط من شروط التقاط الصور..
    كنت أحاول أن أكون متفاعل معهما و هما يسترجعا ذكرياتهما فأشرت إلى طاقية حمراء اللون قبيحة الشكل تمتلئ بنجوم صفراء و يتوسطها الحرف الإنجليزي (R) يرتديها (ريدان)..
    - طاقية رائعة يا (ريدان).. أنت الوحيد الذي يرتديها..
    - لا أحد في القرية يملك مثل هذا النوع, فلقد اشتراها لي والدي من المدينة.. و لكم كنت أفخر بارتدائها..

    يا لهذا الذوق المريع.. كتمت تعليقي و أنا أقول:
    - لماذا تتحدث عنها بصيغة الماضي..
    - لأنني فقدتها منذ فترة.. لقد بحثت عنها طويلاً لكنني لم أجدها..

    قالها بحزن حقيقي ما لبث أن أنتزع نفسه منه و هو يواصل تعليقاته حول بقية الصور.. أستمر تعذيبي في بحر ذكريات (وديع) و (ريدان) حوالي ساعة, بعدها ودعاني حتى يسمحا لي بالنوم.. و قبل أن يذهب (وديع) طلبت منه أن يحظر لي مصباح يدوي و شمعة و ولاعة و حبل و بوصلة..
    - مصباح يدوي و شمعة.. طبيعي.. لكن حبل و بوصلة!!.. ما حاجتك إليهما يا أستاذ (اكرم)؟..

    قلت له و أنا محرج:
    - أنها عادة قديمة و أحاول قدر إمكاني التوقف عنها.. فأنا لا أستطيع أن أنام إلا إذا كان تحت وسادتي حبل و بوصلة لكي أشعر و كأنني مغامر..
    - غريب.. لم أسمع عن عادة كهذه!.. و مع هذا لك ما تطلب.. مع أني لا أضمن وجود بوصلة معي..

    و ذهب (وديع) ليحظر لي ما طلبته دون أن يدري أن ما طلبته كان عبارة عن العدة التي ستساعدني لدخول كهف المارد..
    الليلة..

    *** *** ***​


    يـــتبع ​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-02-04
  3. العسيب

    العسيب مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-09-21
    المشاركات:
    10,475
    الإعجاب :
    0
    هذا ابداع ممتاز يا غالي
    واتمني لك التفوق في الدنيا والاخره
    واستمر في الكتابة حتي لوجفت الاقلام



    there is never wrong time to do something right
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-02-04
  5. zhraltef

    zhraltef قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2005-11-08
    المشاركات:
    23,396
    الإعجاب :
    58
    اللقب الاضافي:
    نجم التعارف والتسلية 2007
    اسمع القصه عجبتنا في واحد من الاجزاء

    وانا منتظر بس تخلصها تعملها بملف واحده


    واقراها كامله


    اصلا اضبح من الكلام المقطع
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-02-04
  7. صاحـ السـمو بـة

    صاحـ السـمو بـة قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2004-03-28
    المشاركات:
    6,627
    الإعجاب :
    0
    رامي ... انت رجعت بكلامك ولا ايه ... افتكر انك قلت الجزء التاسع هو الاخير


    طيب يا سي رامي منتظرين البقية بشوق
    القصة جميلة جدا خليتني على اعصابي


    ^-^
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-02-04
  9. zhraltef

    zhraltef قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2005-11-08
    المشاركات:
    23,396
    الإعجاب :
    58
    اللقب الاضافي:
    نجم التعارف والتسلية 2007

    هو قصده يتبع بيكمل بقيه الجزاء بعدين
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2006-02-04
  11. ( زينهم )

    ( زينهم ) عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2006-02-02
    المشاركات:
    1,514
    الإعجاب :
    0
    رائع رائع أوبه من الكهف
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2006-02-05
  13. الغزال الشمالي

    الغزال الشمالي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-09-15
    المشاركات:
    11,596
    الإعجاب :
    0
    ابداااااااع متجدد...

    والتشويق يزداد مرة بعد مرة...

    منتظرين البقية ...

    ومتابعين...
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2006-02-05
  15. مستقيل

    مستقيل قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-08-08
    المشاركات:
    7,596
    الإعجاب :
    0
    الرائع دوما

    انتهت كل حروف المديح

    والقك يزداد يوما بعد يوم

    ربنا لا يحرم المجلس منك ومن ابداعك










    ومن غير فراغات :d :d
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2006-02-05
  17. المعماري

    المعماري عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-03-20
    المشاركات:
    1,449
    الإعجاب :
    1
    لا اااااااااااااااااا
    ولكن الى الامام دوما
    انتظر الحلقة الاخيرة بفارغ الصبر
    تحياتي لك .. وللعزيز اكرم الذي اتمنى التعرف علية
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2006-02-05
  19. ابوبسام

    ابوبسام قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2002-11-21
    المشاركات:
    8,926
    الإعجاب :
    0
    الليله ... قررت ان اخصص وقتي لقراءة ابن المقبرة ، مع تأكيدي على ملاحظة صاحبة السمو بأنك وعدت ان هذا الجزء سيكون الاخير ...

    وعلى العموم

    لست بحاجة يا رامي لأن نثني على هذه التحفة الادبية الرائعه ، فقد تكون شهادتنا بها مجروحه ، لذلك لن نقول سوى انك امتعتنا ، وربطتنا الى هذه القصة الرائعه بحبلٍ مطاط ، لذلك سننتظر تكملتها ...


    ولك








    خالص المودة
     

مشاركة هذه الصفحة