السلطة وصناعة الثأر!!

الكاتب : محمد الرخمي   المشاهدات : 442   الردود : 0    ‏2006-01-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-01-25
  1. محمد الرخمي

    محمد الرخمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-06-11
    المشاركات:
    4,629
    الإعجاب :
    0
    السلطة وصناعة الثأر!!

    من ملفات صحيفة الشورى:
    في الثأر غالباً ما يجري الاقتصاص من أحد الأبرياء بينما يبقى الجاني خارج الدائرة

    ثمة أسباب متعاضدة في تراكم قضايا الثأر في مقدمتها الأمن المفقود والعدالة الغائبة

    أحياناً كل ما تفعله بعض الأطقم العسكرية هو القبض على القتيل

    تشكيل اللجان العليا لكل شيء «تقليعة» والدليل لجنة مكافحة الفساد!!

    تراخي الدولة هو السبب في إشتعال جرائم الثأر

    قسم التحقيقات

    * لم يمهلوه الاحتفاء بملازمه الدراسية التي صورها للتو.

    ووسط شارع يكتظ في الغالب بطلاب جامعيين سقط الطالب المستجد في كلية الطب بجامعة صنعاء ياسر عبدربه القاضي مضرجاً بدمائه بعد أن كان اثنان من رسل الثأر عاجلاه بزخات رصاص حولت جثته إلى ما يشبه الغربال.

    وقد وهب يوم 29 مارس من عام 97 «ياسر» شهادة قتل على خلفية قضية ثأر «مأربية» لم يكن له فيها ناقة ولا جمل ليلحق بأخيه عمار الذي سبق أن احتفى به «قتلة» آخرون في يوم 14 أكتوبر من عام 96م ليرحل مع رفيق له كان بجواره، على جناح كمين إلى العالم الآخر.

    الفرق بين عمار وياسر أن الأول سقط في مأرب والثاني في قلب العاصمة صنعاء بالقرب من عمود «الحكمة يمانية» الشهير وفي وضح النهار.

    والإثنان ومعهما آلاف اليمنيين الذين حصدتهم الثأرات يشتركون في كونهم ضحايا غياب الأمن والعدل ومبادرات إشعال فتيل الثأر!!

    * في العادة ليس ثمة مجرمٌ معدٌّ فطرياً لتنفيذ عمليات القتل أو الإعتداء.. بيئة الفوضى وضياع الحقوق تخلق قتلةً محترفين. وما تكرسه الدولة بأجهزتها المختلفة من انفلات وتسيب يحيل الأشخاص إلى مجرمين وسفاكو دماء في الغالب كان جل همهم البحث عن عدالة تقتص للمظلوم من الظالم..

    وإذ يتعذر الحصول على بصيص عدل فإن الثأر آلية إقتصاص مدمر يلجأ إليها أولياء دم قتيل لم يجدوا عدلاً يقتص له.

    ولذلك فإن الثأر: عملية اقتصاص غير مشروع من الجاني أو قبيلته في قضايا القتل العمد.

    ويؤكد الشيخ علوي الباشا في ورقته المقدمة إلى منتدى الهواء الطلق الذي تبناه المعهد اليمني لتنمية الديمقراطية (عقد مؤخرآً) إن عادة الثأر منتشرة منذ القدم في المجتمع القبلي في اليمن إذ تلجأ قبيلة المجني عليه بالقتل أو أسرته للثأر من القاتل أو من قبيلته أو من أسرته.

    وفي النتيجة فإن الثأر عملية إهدار لدم المجني عليه تزيد من دائرة الدم فيما يبقى الجاني خارجها.

    يقول الباشا «كثيراً ما يحدث في عمليات الثأر أن يقتص من أحد الأبرياء في قبيلة الجاني، ويبقى الجان نفسه خارج دائرة القصاص، فيتمتع فيما بعد بحياته بين أهله بينما يدفع ثمن جريمته غيره».

    الثأر آلية للإقتصاص أنتجها المجتمع القبلي الذي لم يعرف الدولة، ويؤكد الدكتور عادل الشرجبي أستاذ علم الإجتماع بكلية الآداب جامعة صنعاء - بأن ظاهرة الثأر وجدت في المجتمعات القبلية التي لم تكن بها دولة، فكل قبيلة لا تخضع لأعراف القبيلة الأخرى في حل قضية القتل فكانت العادة الأخذ بالثأر وبالتالي فإن الثأر كظاهرة وعادة تنتمي إلى مرحلة ما قبل الدولة الحديثة.

    مرحلة ما قبل الدولة وسيادة الإنفلات المقصود في بعض الأحيان لا يزال يثبت تواجده القوي ويؤكد بأن دم اليمنيين سيظل نازفاً ما لم يحدث تغيير جذري.

    وتحصد عمليات الثأر المنتشرة في مناطق عدة من اليمن آلاف الأرواح.

    ويرصد تقرير رسمي أكثر من (1679) عملية قتل حدثت في أربع محافظات يمنية فقط هي عمران والبيضاء وصنعاء وذمار.

    وحسب تقرير لجنة الصلح ومعالجة قضايا الثأر بمجلس الشورى عام 2002م فإن محافظة ذمار تأتي في المقدمة بـ581 حالة قتل تلتها محافظة عمران بـ527 حالة ومن ثم صنعاء بـ510 حالات والبيضاء بـ361 حالة. وكان المسح الذي قامت به اللجنة من خلال إستبيان وزعته على المحافظات اقتصر على خمس محافظات بما فيها شبوه التي شهدت خلال السنوات الأخيرة العديد من حالات الثأر والحروب القبلية. لكن احصائية بعدد حالات القتل في شبوه لم ترد إلى اللجنة حسب التقرير.

    فرَّق التقرير بين ثلاثة أنواع لحالات القتل المرصودة: النوع الأول وهو ما يعني بالقضايا التي حدث فيها القتل إبتداءً لأي سبب من أسباب النزاع، والنوع الثاني يعني بالقضايا التي حدث فيها القتل ثأراً والثالث يعني بقضايا اقتتال متصلة أو تحت الهدنة.

    في عمران نتج عن 169 قضية من النوع الأول والخاصة بقضايا القتل إبتداء (56) قضية خاصة بقضايا القتل ثأراً و(33) قضية استمرت فيها عمليات الحرب والإقتتال المتواصل.

    وبلغ عدد القضايا المنظورة أمام المحاكم (23) قضية فيما بلغ عدد القضايا المنظورة أمام المحكمين (تحكيم قبلي) (14) قضية في حين بلغت القضايا الغير منظورة والمعلقة -المفتوحة للصراع- (184) قضية تمثل نسبة %73 من إجمالي عدد القضايا في المحافظة.

    ووسط هذا الجحيم تبدو القبائل مكرهة على الإستمرار في الصراع فيما بينها رغم قناعتها بأهمية معالجة هذه الظاهرة. ويؤكد تقرير لجنة الصلح ومعالجة قضايا الثأر بأن رد محافظة عمران أوضح «بأن هناك استعداداً وقناعة تامة بين أوساط القبائل للحد من هذه الظاهرة ولم يتبق سوى تفعيل هذا الجانب من قبل الدولة».

    في محافظة ذمار التي تتصدر ترتيب المحافظات الممسوحة من حيث عمليات الثأر بـ(581) قال التقرير بأن عدد القضايا المنظورة أمام المحاكم من جملة (106) قضايا (21) قضية فقط أما القضايا المنظورة أمام المحكمين فعددها (27) قضية، فيما عدد القضايا غير المنظورة والمعلقة 58 قضية تمثل نسبة %55 من إجمالي عدد القضايا.

    وتتركز قضايا الثأر في محافظة ذمار في مديريات الحدأ وعنس وجهران وضوران ومغرب عنس والمنار.

    في المعلومات المتعلقة بقضايا الثأر في ذمار كان لافتاً ما أورده التقرير من أرقام عن الفروق في عدد الأشخاص المقتولين بين طرفي النزاع.

    ففي مديرية الحدأ بلغ عدد القضايا الخاصة بالثأر أربعين قضية ضحاياها بلغوا (392) شخصاً.

    وقال التقرير -بحسب بيانات المحافظة- إن اجمالي الفروق بين طرفي النزاع يصل إلى (92) شخصاً.

    أما في مديرية عنس التي بلغ عدد قضايا الثأر فيها (19) قضية وضحاياها (51) شخصاً، فإن الفرق بين طرفي النزاع في عدد القتلى (28) شخصاً.

    وكذلك الحال في مديرية جهران إذ بلغ عدد القضايا (17) قضية ضحاياها (36) شخصاً لكن الفرق بين طرفي النزاع في عدد القتلى يصل إلى (32) شخصاً.!!

    ويتقلص الفرق في عدد القتلى بين طرفي النزاع في مديرية ضوران إلى (16) شخصاً في (5) قضايا ضحاياها بلغوا (36) شخصاً.

    أما في مديرية مغرب عنس فإن الثأر في عدد القتلى تقلص بشكل أكبر ليصل إلى (7) أشخاص وكذلك الحال في مديرية المنار.

    ومنذ ذلك التاريخ الذي صدر به التقرير فإن الفارق بين أطراف النزاع في قضايا الثأر ربما يكون قد فاق الأرقام المذكورة لصالح هذا الطرف أو ذاك.

    ولربما كان إيراد الفارق في عدد القتلى بين الأطراف المتنازعة إشارة إلى سباق محموم لتقليص الفارق قد تنتج عنه ارقام جديدة في محاولة لتسجيل أكبر عدد ممكن من القتلى في جدلية الثأر اللانهائية برعاية رسمية!!

    في المحصلة ليس ثمة رقم محدد لعدد ضحايا الثأر في اليمن، وما أورده التقرير لم يكن سوى محاولة أولية لقراءة خارطة الثأر اقتصرت على أربع محافظات فقط.


    فيما قضايا الثأر التي تندلع بين الحين والآخر في أغلب المحافظات اليمنية تؤكد أن الضحايا بالآلاف وأن الخارطة تمتد لتشمل محافظات كانت فيما مضى تنعم بسلام اجتماعي شبه دائم.

    فالمحافظات الجنوبية والشرقية مثلاً لم تعرف قضايا الثأر والحروب القبلية إلا في السنوات الأخيرة فيما كانت محافظات شمالية كتعز وإب تعد الثأر والحروب القبلية إستثناءً نادراً.. لقاعدة الهدوء وسيادة السلام الإجتماعي..

    وبدلاً من إشاعة الطمأنينة ونماذج السلام الإجتماعي في المحافظات تتحول العملية إلى إشاعة «القبيّلة» ونبش العصبيات البدائية لتشعل الثارات والحروب القبلية في معظم المحافظات بينما تمتهن السلطات الرسمية -العليا- والسفلى- الفرجة والاستمتاع.. بمشاهد الدمار الإجتماعي بل، إن هناك من يؤكد إستخدام هذا السلاح الإجتماعي الفتاك لتحقيق مآرب معينة.

    يقول الشيخ علي أحمد ناصر الذهب شيخ قبيلة قيفه - رداع - بمحافظة البيضاء: «مشاكل الثارات والحروب القبلية تخمد بعض الوقت ولمجرد أن يحدث موقف سياسي من جهة أو شخص يتم تحريك هذه القضايا لتجديد الحروب من باب الضغط. وهذا الموقف ليس موقف الدولة فقط، فهناك أحزاب أيضاً تشارك في هذه الفتن».

    الشيخ الذهب -عضو مجلس الشورى- وعضو لجنة «الثأر» في المجلس أكد لـ«الشورى» بأن مشاكل الثأر تنتشر الآن في أكثر من منطقة حتى تلك التي كانت بعيدة عن هذه المشاكل «هناك مناطق، مثل المناطق الجنوبية والشرقية كانت هادئة وبدأت تُثار فيها هذه القضايا».

    قبل 14 سنة دار قتال بين قبيلة الشيخ الذهب وقبيلة أخرى ذهب على إثرها والده ضحية فخاض تجربة مريرة في هذا الجانب.. وثمة مشاكل إن حدثت -يقول الذهب- «إحنا نحلها وأي واحد يقتل نجيبه وندخله السجن المركزي».

    وأينما تحل مأساة أو جريمة فثمة أسباب متعاضدة في مراكمتها واتساع نطاقها يأتي في مقدمتها: أمن مفقود وعدالة غائبة.

    ويرجع المحامي عبدالعزيز السماوي ظاهرة الثأر إلى أسباب عدة منها فساد القضاء، وأجهزة الأمن وعدم تطبيق القانون.

    ويؤكد السماوي بأن عدم إستطاعة ولي الدم الحصول على الحكم الشرعي البعيد عن الرغبات والأهواء ما يدفعه بسبب طبيعة الأعراف القبلية إلى قتل من لم يكن قاتلاً لمؤرثه.

    بحيث يقتل أي شخص يصادفه من أسرة الجاني أو من قبيلته، وهذا بدوره يؤدي إلى تفاقم الأزمة مرة أخرى فتنتشر قضايا الثأر وتتعدد القضايا.

    أما الجانب الأمني فيسهم بشكل أو بآخر في تفاقم الظاهرة ويقول السماوي: المشكلة تكمن في أن أجهزة الأمن مثلها مثل غيرها من الأجهزة ذات الصلة بالموضوع». يضيف: الأصل في وظيفة رجل الأمن منع الجريمة قبل وقوعها لكن ما يجري الآن هو أن رجال الأمن يقومون بمحاولة مواجهة الجريمة بعد وقوعها وهذا دليل على إختلال أجهزة الأمن».

    في كثير من القضايا لا دور للأجهزة الأمنية سوى إستنزاف أموال المواطنين والقبض على القتلى(!!) فضلاً عن البطء في التحرك.

    ويؤكد السماوي بأن الكثير من القضايا لا تقوم أجهزة الأمن بالتحرك السريع لمواجهتها وجمع الإستدلال بشأنها خاصة تلك الجرائم التي تقع خارج المدن الرئيسية.

    ويضيف السماوي: أحياناً يطلب الأمن من ولي الدم أجرة الطقم للبحث عن قاتل، ومع ذلك فإن معظم الأطقم العسكرية تخيب آمال ولي الدم، وكل ما تفعله هو القبض على القتيل».

    وهو ما يعني -حسب السماوي- أن كل طقم يخرج للمتابعة بحاجة إلى نزيف مالي يتحمله أولياء الدم.

    فوق ذلك ثمة من يعمل على إضاعة الأدلة ومن الأمن نفسه وهذا مكمن خطر.

    يقول السماوي: الأخطر من كل ذلك أن بعض رجال الأمن يحاول إضاعة الأدلة التي يجري التوصل إليها للأسباب التي لا تخفى على أحد (!!) خاصة عندما لا يكون أولياء الدم متابعين للقضية أو ظهرهم الإجتماعي والإقتصادي ضعيف».

    ثمة وهم نسير في فلكه بينما هو يقودنا إلى واقع مشوه: وجود شكلي لأجهزة الدولة بينما هي في الحقيقة تعمل في غير ما وجدت له، لأنها جاءت لمسايرة واقع اجتماعي وتكريس البناء التقليدي في المجتمع والدولة.

    ولم يعد ثمة فرق بين الدولة والقبيلة، ووفقاً للدكتور عادل الشرجبي:- فإن تطورآً مشوهاً حدث في المجتمع اليمني.. فالإنتقال من مرحلة ما قبل الدولة إلى مرحلة الدولة ليس سوى انتقال شكلي. بالإضافة إلى كونه غير متوازن على جميع الأصعدة الإجتماعية والإقتصادية والثقافية والسياسية.. إلخ.

    ويؤكد أستاذ علم الإجتماع بأن الدولة مؤسسة مختلفة كلياً عن المؤسسات الإجتماعية التقليدية الأخرى كالقبائل والعشائر التي يربط بين أفرادها رابط الإنتماء.

    فالدولة يفترض أن تكون هي الرابطة التي تربط الأفراد في المجتمع بشكل كامل وليس كل قبيلة على حده.. وبالتالي: الدولة هي من تمتلك حق الإستخدام الشرعي للقوة، ومن ضمنها أنها تقتص للمقتول، عن طريق جهازها القضائي سواء في تحديد العقوبة أو في اختيار شكل القتل..

    بحسب الشرجبي فإن استمرار ظاهرة الثأر في المجتمع اليمني يرجع إلى أن الدولة لا تقوم بوظائفها كاملة وغير متواجدة في كثير من المناطق.. فضلاً عن غياب ممارسات وسياسات وبرامج لإضعاف البنية القبلية التي إستمرت قوية بفعل وجود «أفراد» في المجتمع شجعوا إستمرار القبيلة. وإستمرار القبيلة كبناء مؤسسي هو الذي شجع على إستمرار ظاهرة الثأر.

    شكلياً الدولة موجودة وهي تنتمي شكلياً أىضاً للحداثة ويقول الشرجبي:- الدولة تنتمي الى الحداثة من الناحية الشكلية لكنها ليست دولة مؤسسية فلم تفعل القانون وحقوق المواطنة المتساوية، وليست فاعلة، والناس لا يستطيعون الوصول إلى حقوقهم، فالقضاء بطيء ويعاني من تشوهات وتدخلات، والأجهزة الأمنية لا تمارس عملها بالشكل المطلوب.

    ما هو قائم من دولة شكلية -بحسب الشرجبي- يشجع بقاء الثقافة والبنى الإجتماعية التقليدية، وبالتالي شجع ظاهرة الثأر.

    ويعتقد أستاذ علم الإجتماع بجامعة صنعاء -أن ظاهرة الثأر ستستمر بغض النظر عن الخطاب السياسي الذي يتحدث عن وقف ظاهرة الثأر. لأن حسن النوايا لا يكفي.


    وكل القضايا المطروحة على الأجندة السياسية والثقافية في المجتمع اليمني ستظل أطروحات نظرية لا تغير من الواقع شيئاً ما لم تتخذ إجراءات على الصعيدين الإجتماعي والثقافي تتضمن برامج تغيير حقيقية.

    الإتجاه الذي يسلكه أفراد القبائل في معالجة صراعاتهم والدخول في دوامات ثأر لا تنتهي ثمة ما يبرره فليس هناك جهة محايدة (كالدولة) تبت في القضايا وتتدخل لوضع حد للصراعات بموضوعية.


    ويقول الشيخ علي الذهب: الثأر لا يقوم إلا نتيجة ظلم وقع على اصحابه.


    ويؤكد بأن تراخي الدولة هو السبب في إشتعال الثارات وعدم الإقتصاص من مرتكبي جرائم القتل يشجعها ويغذيها.


    ويقول الشيخ علي عبدربه القاضي -عضو مجلس النواب بأن أي طرف قبلي لديه نزاع لا يريد أن يستمر نزيف الدم، ما يعني أن لجوء الأفراد للثأر هو بسبب غياب القانون: «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب»


    السلاح المتواجد في أيدي المواطنين سبب أيضاً لإنتشار ظاهرة الثأر، وفي ظل غياب معالجات قانونية وجدية حكومية في الحد من استخدام السلاح، فإن (60) مليون قطعة سلاح بحسب احصائية حكومية ستنال من أرواح كثيرة.


    على عبدربه القاضي -عضو مجلس النواب - الذي فقد ثلاثة من أبنائه إثنين منهم بسبب الثأر أكد بأن وجود السلاح الحديث في أيدي الناس يساعد على إرتكاب الجرائم: «المرأة إذا وقع بيدها هذا السلاح يمكن أن تقتل حتى عشرة» على حد قوله.


    ويؤكد القاضي بأن الثأر ضاق منه الناس ذرعاً ويتمنى الجميع العيش بطمأنينة وسلام بدون ثارات.


    في بداية العام 2002م تم تشكيل لجنة مكونة من عدد من أعضاء مجلس الشورى للصلح ومعالجة قضايا الثأر.


    وقد «توصلت اللجنة الى تقرير ورفع التقرير، وما لقي إستجابة من القيادة السياسية على حد قول الشيخ علي الذهب عضو اللجنة ويضيف الذهب: جاء الرئيس إلى المجلس وقال بأن أعضاء اللجنة «حانبين» بمشاكل الثأر».


    وقال الذهب: هذه ليست أول لجنة تفشل، اللجان لا يتاح لها فرصة ممارسة عملها.


    في الأسبوع الماضي إنطلقت دعوة رئاسية لمختلف القبائل إلى عقد صلح عام أعتبرها كثيرون نتيجة ضغوط خارجية خاصة وأنها بدأت من محافظة مأرب، إذ باتت موضع إهتمام أمريكي (!!) وفيما كان المفترض بحسب مراقبين الاعلان عن عقد مؤتمر وطني عام لمعالجة مشاكل الثأر أعلن عن تشكيل لجنة عليا لتسوية مشاكل الثأر وقد إعتادت القبائل إستقبال دعوات الصلح من أطراف قبلية وليس من الدولة!!.


    الدعوة الرئاسية طرحتها وسائل الإعلام الرسمية وكأنها منجزٌ، بينما لم تكن الأرواح التي أزهقت ولا زالت بسبب الثأر مثار إستياء عام توجب مساءلة السلطة التي تملك أجهزة الدولة. أما ما يتردد عن المبادرة فيعتقد البعض بأن ثمة فهم مغلوط لدور الدولة، في المبادرة المطروحة ذاتها مكاناً وزماناً واسلوباً.. فقد طرحت في مارب المحافظة التي تحظى باهتمام أمريكي متزايد في العامين الماضيين، مع انها ليست المحافظة الأولى في قائمة الثأر.. وزماناً لا يوجد مستجد معين في مارب وقضايا الثأر أكثر اشتعالاً في مناطق أخرى. أما اسلوباً فيلاحظ ان المبادرة طرحت بعقلية القبيلة فالصلح عادة طريقة قبلية أما السلطة فيفترض ان حلولها تأخذ إطاراً وطنياً وقانونياً واجتماعياً واسعاً يبدأ بنزع فتيل الثأرات. وكان قبل سنوات يطرح مشروع لمعالجة قضايا الثأر هو المؤتمر الوطني إلا ان المبادرة الأخيرة طرحت الصلح والصلح حل مؤقت. أو هدنة مؤقتة وهكذا فان المبادرة رغم الهالة الإعلامية لم ترتفع بعد الى مستوى وحجم مأساة الثأر كمشكلة وطنية مما عكس عدم الجدية.


    ويرى المحامي السماوي بأن هناك خللاً في فهم وظيفة الدولة. فالدولة. ملزمة بتحقيق الأمن والإستقرار والعدل وهذا كله لا يتأتى إلا بتطبيق سيادة القانون، وبتصرف الدولة عبر أجهزتها المختصة التصرف الصحيح المتفق مع روح القانون..

    ويقول السماوي: البحث عن حل قضايا الثأر من خلال إستدعاء المشائخ أو رجال القبائل مضيعة للوقت.

    الشيخ الذهب من جانبه يرى بأن لا جدية لدى الدولة في حل أي مشكلة وهذا ليس كلاماً على حد قوله لكن هناك وقائع كثيرة تؤيد هذا الكلام.

    ويعتقد الذهب بأن هذه الدعوة ربما جاءت في سياق الضغوط من الخارج على الدول العربية وربما أيضاً تكون القيادة أدركت بأن هذه الظاهرة ضد التنمية!!.

    ومع ذلك فإن «الذهب» من خلال تجربته -كما قال- ليس لديه أمل رغم أنه يرجو من الله أن يكون مخطئاً في إعتقاده.

    ويوافق الشيخ «الذهب» على تدخل الدولة في شؤون القبائل. كشخصية قبلية- يقول الذهب: يا ريت والدولة تتدخل على العين والرأس إذا وجد التدخل فإنه سيوفر علينا الكثير. لكنه يعتقد بأن الإرادة السياسية لحل مشاكل الثأر غير موجودة رغم المبادرة الرئاسية..

    الشيخ علي عبدربه القاضي الذي شبه وضع القبائل اليمنية بالوضع العربي تمنى أن تكون الدعوة بداية في الطريق الصحيح، أما إذا كان الصلح مؤقتاً، فلا «يسوى شيء» على حد قوله، والمطلوب أن يعقد صلح شامل بعدها يحتكم الجميع للقضاء والقانون وعلى الجميع أن يتعاون مع الدولة في هذا الجانب.

    ثمة ملاحظة جديرة بالتأمل.. وقراءة فاحصة للأمر ربما تكشف المستور..

    إزداد الفساد تفشياً وظهرت صوره القبيحة في كل مكان.. فكان ملاذ السلطة: تشكيل لجنة عليا لمكافحة الفساد، ومع ذلك لا يزال الفساد سيد الحال الحاكم.

    وبات العلاج لكل علة يمنية تشكيل لجنة عليا، حتى الأمراض النفسية والعصبية التي لا «تحتكم» على أكثر من ثلاثة مرافق في أنحاء الجمهورية أصبح لها لجنة عليا.. وثمة من يعتقد بأن اللجان العليا ليست أكثر من «تقليعة» وربما «ترضيات» لمقربين لم يعد سوى تشكيل اللجان العليا قادراً على استيعابهم.

    تشكيل لجنة عليا «للثأر» جاء في سياق هذه التقليعات وهو ما يعتقده الدكتور عادل الشرجبي إذ أكد بأن الحاصل هو نوع من «تقليعة» لتشكيل لجان عليا، كاللجنة العليا للمرأة، واللجنة العليا لحقوق الإنسان.. إلخ. بالمقابل أيضاً هناك إستراتيجيات: إستراتيجية الشباب واستراتيجية مكافحة الفقر وإستراتيجية التنمية الريفية.. إلخ.

    ويرى الشرجبي بأن تشكيل هذه اللجان لم يسمح للرأي الآخر الشعبي والمثقفين بالتواجد فيها.

    من يكوِّن هذه اللجان ومن الذي يضع هذه الإستراتيجيات هي الدولة والدولة -بحسب- الشرجبي- توجهها هو توجه صانعي القرار.

    وصناعة القرار لا تتاح للناس المتخصصين والقادرين فعلاً على تقديم أشياء فعالة.

    ولا مفر إذاً من النظر إلى المسألة على أنها شكلية ما لم تفند ذلك عملياً.

    ويؤكد الشرجبي بأنه من غير المعقول أن ندير دولة حديثة كما نطمح -بعقليات قبلية وقوى تقليدية وهذا ما يحصل لدينا على حد قوله.

    الحال أن مشكلة الثأر في اليمن ليست سوى نتاج انفلات تكرسه السلطة على جميع الأصعدة، ولا يمكن «للجان العليا» النجاح وللمشاكل اليمنية التواري والإختفاء ما لم يكن ثمة مبادرة جادة تستهدف إصلاحاً سياسياً شاملاً يطيح بكل موروثات التخلف وفلسفة -فرق تسد- والأمر قد لا يتجاوز إعادة الإعتبار لمفهوم الدولة التي تحتاج اليوم وبشكل أساسي إلى اصلاحات سياسية جذرية وشاملة وهي التي يجب ان تنبني على ارادة سياسية مفقودة في حل مشكلة الثأر كما يقول الشيخ الذهب، فأنىَّ لها ان تتحقق في غيره.
     

مشاركة هذه الصفحة