كشف الشبهات

الكاتب : هراب   المشاهدات : 418   الردود : 0    ‏2006-01-18
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-01-18
  1. هراب

    هراب عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-07-27
    المشاركات:
    1,813
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلي عباده فأولهم نوح عليه السلام أرسله إلي قومه لما غلوا في الصالحين وداً وسوعاً ويغوث ويعوق ونسراً.

    وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين أرسله الله إلي أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثراً ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله .

    يقولون: نريد منهم التقرب إلي الله ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم عليه السلام ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله لا يصلح منه شيء لغير الله لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فضلاً عن غيرهما وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو ولا يدبر الأمر إلا هو وأن جميع السموات ومن فيهن والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره.

    فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهدون بهذا فأقرأ قوله تعالى ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (يونس:31) وقوله ( قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (المؤمنون:84) (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (المؤمنون:85) (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (المؤمنون:86) (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ) (المؤمنون:87) ( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (المؤمنون:88) ( سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (المؤمنون:89) وغير ذلك من الآيات .

    فإذا تحققت أنهم قرون بهذا ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد.

    كما كانوا يدعون الله سبحانه ليلاً ونهاراً ثم منهم من يدعو الملائكة لأجل صلاحهم وقربهم من الله ليشفعوا به أو يدعو رجلاً صالحاً مثل اللات أو نبياً مثل عيسى وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم على هذا الشرك ودعاهم إلي إخلاص العبادة لله وحده كما قال الله تعالى ( فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً)(الجـن: من الآية18) وقال تعالى (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ)(الرعد: من الآية14)

    وتحققت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلهم ليكون الدعاء كله لله والنذر كله لله والذبح كله لله والاستغاثة كلها بالله وجميع أنواع العبادات كلها لله.

    وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام وأن قصدهم الملائكة والأنبياء والأولياء يريدون شفاعتهم والتقرب إلي الله بذلك هو الذي أحل دماءهم وأموالهم عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل وأبى عن الإقرار به المشركون.

    وهذا التوحيد هو معنى قولك ( لا إله إلا الله ) فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجدل هذه الأمور سواء كان ملكاً أو نبياً أو ولياً أو شجرة أو قبراً أو جنياً لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ " السيد " فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلي كلمة التوحيد وهي ( لا إله إلا الله ) والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها.

    والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق والكفر بما يعبد من دون الله والبراءة منه فإنه لما قال لهم قولوا ( لا إله إلا الله ) قالوا (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (صّ:5)

    فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير إعتقاد القلب لشيء من المعاني والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر الله.

    فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى ( لا إله إلا الله ) إذا عرفت ما ذكرت لك معرفة قلب وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء)(النساء: من الآية48) وعرفت دين الله الذي أرسله به الرسل من أولهم إلي آخرهم الذي لا يقبل الله من أحد ديناً سواه وعرفت ما أصبح غالب الناس فيه من الجهل بهذا أفادك فائدتين .

    الأولى الفرح بفضل الله ورحمته كما قال الله تعالى (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (يونس:58) وأفادك أيضاً الخوف العظيم فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه وقد يقولها وهو جاهل فلابد يعذر بالجهل وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلي الله تعالى كما ظن المشركون خصوصاً إن ألهمك الله ما قص عن قوم موسى مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)(لأعراف: من الآية138) فحينئذ يعظم خوفك وحرصك على ما يخلصك من هذا وأمثاله.

    وأعلم أن الله سبحانه من حكمته لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء كما قال الله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً)(الأنعام: من الآية112) وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال الله تعالى (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ )(غافر: من الآية83).

    إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلي الله لابد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج فالواجب عليك أن تتعلم من دين الله ما يصير سلاحاً لك تقاتل به هؤلاء الشياطين الذي قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)(لأعراف: من الآية16) (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (لأعراف:17) ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلي حججه وبيناته فلا تخف ولا تحزن ( كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً)(النساء: من الآية76) والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين كما قال تعالى (وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) (الصافات:173) فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله ( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)(النحل: من الآية89) فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها كما قال تعالى (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (الفرقان:33).

    قال بعض المفسرين هذا الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلي يوم القيامة وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا فنقول جواب أهل الباطل من طريقتين مجمل ونفصل .

    أما المجمل فهو الأمر العظيم والفائدة الكبيرة لمن علقها وذلك قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) (آل عمران:7) وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " مثال ذلك إذا قال بعض المشركين (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62) وأن الشفاعة حق وأن الأنبياء لهم جاه عند الله أو ذكر كلاماً للنبي صلى الله عليه وسلم يستدل به على شيء من باطله وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره فجاوبه بقولك إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه وما ذكرته من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم ( هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)(يونس: من الآية18) هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا أعرف معناه ولكن اقطع أن كلام الله لا يتناقص وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالف كلام الله وهذا جواب جيد سديد ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله فلا تستهن به فإن كما قال تعالى (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:35) فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل يصدون بها الناس عنه منها قولهم نحن لا نشرك بالله بل نشهد أنه لا يخلق ولا يرزق ولا ينفع ولا يضر إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن عبد القادر أو غيره ولكن أنا مذنب والصالحون لهم جاه عند الله وأطلب من الله بهم فجاوبه بما تقدم وهو أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرون بما ذكرت ومقرون أن أوثانهم لا تدبر شيئاً وإنما أرادوا الجاه والشفاعة واقرأ عليه ما ذكره الله في كتابه ووضحه فإن قال هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام أم كيف تجعلون الأنبياء فجاوبه بما تقدم فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة ولكن أارد أن يفرق بين فعله وفعلهم بما ذكر فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام ومنهم من يدعو الأولياء الذي قال الله فيهم (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ )(الاسراء: من الآية57) ويدعون عيسى بن مريم وأمه وقد قال تعالى (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (المائدة:75) (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (المائدة:76) واذكر له قوله تعالى (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ) (سـبأ:40) (قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ) (سـبأ:41) وقوله (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة:116) فقل له أعرفت أن الله كفر من قصد الأصنام وكفر أيضاً من قصد الصالحين وقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن قال الكفار يريدون منهم وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار المدبر لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم فالجواب أن هذا قول الكفار سواء بسواء واقرأ عليه قوله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)(الزمر: من الآية3).

    وقوله تعالى ( وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)(يونس: من الآية18) واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكب ما عندهم فإذا عرفت أن الله وضحها لنا في كتابه وفهمتها فهماً جيداً فما يعدها أيسر منها فإن قال أنا لا أعبد إلا الله وهذا الإلتجاء إلي الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة فقل له أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك فإذا قال نعم فقل له بين لي هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها فبينها له بقولك قال الله تعالى (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَة)(لأعراف: من الآية55) فإذا أعلمته بهذا فقل هل علمت هذه عبادة لله فلابد أن يقول نعم " والدعاء مخ العبادة " فقل له إذا أقررت أنها عبادة ودعوت الله ليلاً ونهاراً خوفاً وطمعاً ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً أو غيره هل أشركت في عبادة الله غيره فلابد أنه يقول نعم فقل له فإذا علمت بقول الله تعالى (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر:2) وأطعت الله ونحرت له هل هذه عبادة فلابد أن يقول نعم فقل له إذا نحرت لمخلوق نبي أو جني أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة غير الله فلابد أن يقر ويقول نعم وقل له أيضاً المشركون الذين نزل فيهم القرآن هل كانوا يعبدون الملائكة والصالحين واللات وغير ذلك فلابد أن يقول نعم فقل له وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء والذبح والالتجاء ونحو ذلك وإلا فهم مقرون أنهم عبيده وتحت قهره وأن الله هو الذي يدبر الأمر ولكن دعوهم والتجأوا إليهم للجاه والشفاعة وهذا ظاهر جداً فإن قال أتنكر شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتبرأ منها فقل لا أنكرها ولا أتبرأ منها بل هو صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع وأرجو شفاعته ولكن الشفاعة كلها لله كما قال تعالى (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً)(الزمر: من الآية44) ولا تكون إلا من بعد إذن الله كما قال عز وجل ( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ)(البقرة: من الآية255) ولا يشفع في أحد إلا من بعد أن يأذن الله فيه كما قال عز وجل ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى)(الانبياء: من الآية28).

    وهو لا يرضى إلا التوحيد ما عز وجل (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)(آل عمران: من الآية85) فإذا كانت الشفاعة كلها لله ولا تكون إلا من بعد إذنه ولا يشفع النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره في أحد حتى يأذن الله فيه ولا يأذن إلا لأهل التوحيد تبين لك أن الشفاعة كلها لله فاطلبها منه فأقول اللهم لا تحرمني شفاعته اللهم شفعه في وأمثال هذا فإن قال النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله فالجواب أن الله أعطاه الشفاعة ونهاك عن هذا فقال ( فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً)(الجـن: من الآية18) فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك فأطعه في قوله ( فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً) وأيضاً فإن الشفاعة أعطيها غير النبي صلى الله عليه وسلم فصح أن الملائكة يشفعون والأولياء يشفعون والأفراط يشفعون أتقول إن الله أعطاهم الشفاعة فأطلبها منهم فان قلت هذا رجعت إلي عبادة الصالحين التي ذكر الله في كتباه وإن قلت لا بطل قولك أعطاه الله الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله فان قال أنا أشرك بالله شيئاً حشا وكلا ولكن الإلتجاء إلي الصالحين ليس بشرك فقل له إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أظم من تحريم الزنا وتقر أن الله لا يغفره فما هذا الأمر الذي حرمه الله وذكر أنه لا يفغره فإنه لا يدري فقل له كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه أم كيف يحرم الله عليك هذا ويذكر أنه لا يغفره ولا تسأل عنه ولا تعرفه أتظن أن الله يحرمه ولا يبينه لنا فإن قال الشرك عبادة الأصنام ونحن لا نعبد الأصنام فقل له ما معنى عبادة الأصنام أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأخشاب والأحجار تحلق وترزق وتدبر أمر من دعاها فهذا يكذبه القرآن وإن قال هو من قصد خشبة أو حجراً أو أبنية على قبر أو غيره يدعون ذلك ويذبحون له ويقولون إنه يقربنا إلي الله زلفى ويدفع الله عنا ببركته أو يعطينا ببركته فقل صدقت وهذا هو فعلكم عند الأحجار والأبنية التي على القبور وغيرها فهذا أقر أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام فهو المطلوب ويقال له أيضاً قولك الشرك عبادة الأصنام هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا وأن الاعتماد على الصالحين ودعاءهم لا يدخل في ذلك فهذا يرده ما ذكره الله في كتابه من كفر من تعلق على الملائكة أو عيسى أو الصالحين فلابد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحد من الصالحين فهو الشرك المذكور في القرآن وهذا هو المطلوب وسر المسألة أنه إذا قال أنا لا أشرك بالله فقل له وما الشرك بالله فسره لي فإن قال هو عبادة الأصنام فقل وما معنى عبادة الأصنام فسرها لي فإن قال أنا أعبد إلا الله وحده فقل ما معنى عبادة الله وحده فسرها لي فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب وإن لم يرفه فكيف يدعي شيئاً وهو لا يعرفه وإن فسر ذلك بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيه كما صاح إخوانهم حيث قالوا (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (صّ:5) فإن قال إنهم لا يكفرون بدعاء الملائكة والأنبياء وإنما يكفرون لما قالوا الملائكة بنات الله فإنا لم نقل عبد القار بن الله ولا غيره فالجواب : أن نسبة الولد إلي الله كفر مستقل قال الله تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الاخلاص:1) (اللَّهُ الصَّمَدُ) (الاخلاص:2)

    والأحد الذي لا نظير له والصمد المقصود في الحوائج فمن جحد هذا فقد كفر ولو لم يجحد السورة وقال الله تعالى (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ )(المؤمنون: من الآية91) ففرق بين النوعين وعل كلا منهما كفراً مستقلاً وقال تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (الأنعام: من الآية100) ففرق بين كفرين.

    والدليل على هذا أيضاً أن الذين كفروا بدعاء اللات مع كونه رجلاً صالحاً لم يجعلوه ابن الله والذين كفروا بعبادة الجن لم يجعلوهم كذلك وكذلك أيضاً العلماء في جميع المذاهب الأربعة يذكرون في ( باب حكم المرتد ) أن المسلم إذا زعم أن لله ولداً فهو مرتد ويفرقون بين النوعين وهذا في غاية الوضوح وإن قال (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (يونس:62)



    فقل هذا هو الحق ولكن لا يعبدون ونحن لم نذكر ([1]) إلا عبادتهم مع الله وشكرهم معه وإلا فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكرامتهم.

    ولا يجحد كرامات الأوياء إلا أهل البدع والضلال ودين الله وسط بني طرفين وهدى بين ضلالتين وحق بين باطلين فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا [ كبير الاعتقاد ] هو الشرك الذي نزل فيه القرآن وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس عليه فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين أحدهما أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء ولأوثان مع الله إلا في الرخاء وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً) (الاسراء:67) وقوله (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الأنعام:40) (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) (الأنعام:41).

    وقوله (وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ) إلي قوله ( قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (الزمر:8) وقوله (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين)(لقمان: من الآية32) فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء وأما في الشدة فيخلصون لله الدعاء كما قال تعالى (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُوراً) (الاسراء:67) وقوله (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الأنعام:40) (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) (الأنعام:41) وقوله (وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ) إلي قوله (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (الزمر:8) وقوله (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)(لقمان: من الآية32) .

    فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه وهي أن المشركين



    الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون الله ويدعون غيره في الرخاء وأما في الضراء والشدة فلا دعون إلا الله وحده لا شريك له وينسون سادتهم تبين له الفرق بين الشرك أهل زماننا وشرك الأولين ولكن أين من فهم قبله هذه المسألة فهماً راسخاً والله المستعان الأمر الثاني أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله إما أنبياء وإما أولياء وإما ملائكة أو يدعون أشجاراً أو أحجاراً مطيعة لله وليست عاصية وهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور من الزنا والسرقة وترك الصلاة وغير ذلك .

    والذي يعتقد في الصالح أو الذي لا يعصي مثل الخشب والحجر أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه وفساده ويشهده به فإذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصح عقولاً وأخف شركاً من هؤلاء فاعلم أن لهؤلاء شبهة يردونها على ما ذكرنا وهي من أعظم شبههم فأصغ سمعك لجوابها وهي أنهم يقولون إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحراً ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك.

    فالجواب أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء وكذبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة أو أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة أو أقر بهذا كله وجحد الصوم أو أقر بها كله وجحد الحج ولما لم ينقد أناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للحج أنزل الله في حقهم ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)(آل عمران: من الآية97) ومن أقر بهذا كله وجحد البعث كفر بالإجماع وحل دمه وماله كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) (النساء:150) (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) (النساء:151) .

    فإذا كان الله قد صرح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض فهو الكافر حقاً وأنه يستحق ما ذكر زالت هذه الشبهة وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله الينا ويقال أيضاً إن كمنت تقر أن من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء وجحد وجوب الصلاة أنه كافر حلال الدم والمال بالإجماع وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان وصدق بذلك كله لا تختلف المذاهب فيه وقد نطق به القرآن كما قدمنا فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج فكيف إذا جحد الإنسان شيئاً من هذه الأمور كفر ولو عمل بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر سبحان الله ما أعجب هذا الجهل ويقال أيضاً هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويؤذنون ويصلون فإن قال أنهم يقولون إن مسيلمة نبي فقل هذا هو المطلوب إذا كان مع رفع رجلاً إلي رتبة النبي صلى الله عليه وسلم كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة فكيف بمن رفع شمسان أو يوصف أو صحابياً أو نبياً إلي مرتبة جبار السموات ولأرض سبحان الله ما أعظم شأنه (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الروم:59) ويقال أيضاً الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار كلهم يدعون الإسلام وهم من أصحاب علي وتعلموا العلم من الصحابة ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف وشمسان وأمثالهما فكيف أجمع الصحابة على قتلهم وكفرهم أتظنون أن الصحابة يكفرون المسلمين أم تظنون أن الاعتقاد في تاج وأمثاله لا يضر والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفر ويقال أيضاً بنو عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويدعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم وأن بلادهم بلاد حرب وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين ويقال أيضاً إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك فما معنى الباب الذي ذكره العلماء في كل مذهب ( باب حكم المرتد ) وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه ثم ذكروا أنواعاً كثيرة كل نوع منها يكفر ويحل دم الرجل وماله حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قبله أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب ويقال أيضاً الذين قال الله فيهم (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ )(التوبة: من الآية74) أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون وكذلك الذين قال الله فيهم ( قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)(التوبة: من الآية65) (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ )(التوبة: من الآية66) فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم تكفرون من المسلمين أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون ويصومون ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذا الأوراق ومن الدليل على ذلك أيضاً ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)(لأعراف: من الآية138) وقول أناس من الصحابة " اجعل لنا ذات أنواط " فحلف النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا نظير قول بني إسرائيل ( اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً ) ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك وكذلك الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم " اجعل لنا ذات أنواط لم يكفروا " فالجواب أن نقول إن بني إسرائيل لم يفعلوا ذلك وكذلك الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعلوا ذلك ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا وهذا هو المطلوب ولكن هذه القصة تقيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها فتفيد التعلم والتحرز معرفة أن قول الجاهل ( التوحيد فهمناه ) أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبه على ذلك فتاب من ساعته أنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم وتفيد أيضاً أنه لو لم يكفر فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وللمشركين شبهة أخرى يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على أسامة قتل من قال لا إله إلا الله وكذلك قوله " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " وأحاديث أخر في الكف عمن قالها مراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر ولا يقتل ولو فعل ما فعل فيقال لهؤلاء المشركين الجهال معلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل اليهود وسباهم وهم يقولون لا إله إلا الله وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويصلون ويدعون الإسلام وكذلك الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار وهؤلاء جهلة مقرون أن من أنكر البعث كفر وقتل ولو قال لا إله إلا الله وأن من جحد شيئاً من أركان الإسلام كفر وقتل ولو قالها فكيف لا تنفعه إذا جحد فرعاً من الفروع وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أصل دين الرسل ورأسه ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث فأما حديث أسامة فإنه قتل رجلاً ادعى الإسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعى الإسلام إلا خوفاً على دمه وماله والرجل إذا أظهر الإسلام ويجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك وأنزل الله تعالى في ذلك (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا)(النساء: من الآية94) أي فتثبتوا فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل لقوله تعالى (فَتَبَيَّنُوا) ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن لتثبيت معنى وكذلك الحديث الآخر وأمثاله معناه ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلي أن يتبين منه ما يناقض ذلك والدليل على هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله " وقال " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " هو الذي قال في الخوارج " أينما لقيتموهم فاقتلوهم لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلاً وتسبيحاً حتى أن الصحابة يحقرون صلاتهم عندهم وهم تعلموا العلم من الصحابة فلم تنفعهم ( لا إله إلا الله ) ولا كثرة العبادة ولا ادعاء الإسلام لم ظهر منهم مخالفة الشريعة وكذلك ما ذكرناه من قتال اليهود وقتال الصحابة بني حنيفة وكذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزو بين المصطلق لما أخبره رجل أنهم منعوا الزكاة حتى أنزل الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا)(الحجرات: من الآية6) وكان الرجل كاذباً عليهم وكل هذا يدل على أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث التي أحتجوا بها ما ذكرناه ولهم شبهة أخرى وهو ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فكلهم يعتذرون حتى ينتهوا إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركاً والجواب أن نقول سبحان الله من طبع على قلوب أعدائه فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها كما قال الله تعالى في قصة موسى ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ )(القصص: من الآية15) وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الهل إذا ثبت ذلك فاستغاثتهم بالأنبياء يوم القيامة يريدون منهم أن يدعوا الله يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف وهذا جائز في الدنيا والآخرة وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك فتقول له ادع الله لي كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه ذلك في حياته وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعائه نفسه ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال له ألك حاجة فقال إبراهيم أما إليك فلا قالوا لو كانت الاستغاثة بجبريل شركاً لم يعرضها على إبراهيم أن ينفعه بأمر يقدر عليه فإنه كما قال الله فيه ( شَدِيدُ الْقُوَى)(لنجم: من الآية5) فلو أذن الله أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق والمغرب لفعل ولو أمره أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل ولو أمره أن يرفعه إلي السماء لفعل وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلاً محتاجاً فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهبه شيئاً يقضى به حاجته فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر إلي أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة تفهم مما تقدم ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب اللسان والعمل فإن أختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلماً فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون هذا حق ونحن نفهم هذا ونشهد أنه الحق ولكن لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم أو غير ذلك من الأعذار ولم يدر المسكين أو غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى (اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً )(التوبة: من الآية9) وغير ذلك من الآيات كقوله (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ )(البقرة: من الآية146) فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه أو لا يعتقده بقلبه فهو منافق وهو شر من الكافر الخالص (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)(النساء: من الآية145) وهذه المسألة مسألة كبيرة طويلة تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دنيا أو جاه أو مداراة لأحد

    وترى من يعمل به ظاهراً لا باطناً فإذا سألته عما يعتقد بقبله فإذا هو لا يعرفه ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله أولاهما قوله تعالى (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ )(التوبة: من الآية66).

    فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع الرسول صلى الله عليه وسلم كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفاً من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها والآية الثانية قوله تعالى (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النحل:106) (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ)(النحل: من الآية107).

    فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان وأما غير هذا فقد كفر بعد إيمانه سواء فعله خوفاً أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض إلا المكره فالآية تدل على هذا من جهتين الأولى قوله (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) فلم يستثن الله تعالى إلا المكره ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل وأما عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد .

    والثانية : قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يكن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر وإنما سببه أنه له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الدين .

    والله سبحانه وتعالى أعلم

    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم


    الشيخ هراب
     

مشاركة هذه الصفحة