أنت (يمني) إذاً أنت (فقير) !!

الكاتب : محمد الرخمي   المشاهدات : 469   الردود : 0    ‏2006-01-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-01-16
  1. محمد الرخمي

    محمد الرخمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-06-11
    المشاركات:
    4,629
    الإعجاب :
    0
    أنت (يمني) ، إذاً أنت (فقير) !!
    عبدالغني الأهجري* :
    صديقي واحد من أفضل أبناء اليمن الذين حباهم الله عز وجل بمجموعةٍ من المهارات والمواهب ، كانت حكومتنا الرشيدة بريئة كل البراءة من مظنة التنشئة والتشجيع والاحتواء لهم ، فتمكنوا - بتوفيق الله تعالى ثم - بتلك المهارات من ترسيخ أقدامهم في وسط يعج بالعمالقة في أصعب التخصصات وفي أعرق الجامعات المصرية ، أصبح صديقي - بشهادة الجميع - أول عربي يُسمح له باعتلاء منصة التدريس في إحدى كليات جامعة القاهرة ، وفي واحدٍ من أصعب فروع علم الرياضيات وهو التحليل الرياضي ، ولِـمَ لا يكون كذلك وهو الذي فاق كل زملاءه - من عددٍ من الجنسيات العربية - في مرحلة الماجستير بطريقة غير عادية ، إذ كان فيها حائزاً على تقدير ( الامتياز ) بينما الثاني في الترتيب لم يتعد حاجز الـ( جيد ) ، بل لقد بلغ من تفوقه أن أثبت خطأ جزئياتٍ في برهنة واحدةٍ من أشهر نظريات التحليل الرياضي التي تدرس في شتى أنحاء العالم ، لم يكن من مشرفه حين ثبت له دقة إنجازه ذلك إلا أن قام فقبله بين عينيه .
    جاء صديقي إليَّ في الأسبوع الماضي ليروي لي موقفاً طريفاً ، أو على الأقل هكذا رآه ، تعرض له في جامعة القاهرة ، لكنني - وهو يروي الموقف لي - أحسست بحسرةٍ خانقةٍ ، وكمدٍ قاتلٍ ، وألمٍ غيرِ محتمل ، أما الموقف فقد حصل له في سياق الإعداد للمؤتمر الدولي للتحليل الرياضي وتطبيقاته التي احتضنته جامعة أسيوط المصرية في الفترة من 3-6 يناير الجاري ، والذي كان صديقي هو الأكاديمي اليمني الوحيد المشارك فيه ، إذ أعلنت إحدى المؤسسات الأكاديمية الأمريكية المتبنية لتمويل البحوث الرياضيات بأنها ستتحمل كل تكاليف مشاركة الأعضاء المنتمين إلى الدول الفقيرة ، ولما تم فحص كل سجلات المشاركين لم يكن هناك من ينتمي إلى دولة فقيرة سواه ، أكثر من مائة عالم في الرياضيات هم قوام قائمة المشاركين في المؤتمر، لم يكن فيهم من يستحق دعم هذا الممول الخَـيِّر سوى الأستاذ القدير رشاد مدهش الشرعبي .
    لعله ليس الموقف الوحيد ، ولعل غيره من صفوة هذه البلدة الطيبة تعرضوا لمواقف شبيهة بموقفه ، وفيه دلالة على مدى ما وصلت إليه سمعة اليمن من تدنٍ وضعةٍ ، وفيه إشارةٌ إلى أي حدٍ بلغته أوضاعنا من التدهور والفساد ، وإلى أي درجة بات فيها العالم على علم بكل تفاصيل حالتنا المزرية ، نتيجةً منطقيةً لمنحنى الانهيار الذي تنحدر إليه أوضاعنا عموماً والاقتصادية على وجه الخصوص ، ومآلاً حتمياً ينجم عن استشراء الشللية الحزبية الفاسدة في جميع مناحي الحياة في اليمن كأخطبوط نشر أذرعه في كل الاتجاهات .
    وليت غسيل التدني الهائل في مستوى دخل المواطن اليمني لم ينشر على الملأ فعرفه القاصي والداني وأصبح فضيحةً عبر القارات - على حدِّ تعبير العزيز الدكتور مروان الغفوري - لقد بات تعامل المواطن المصري البسيط مع ابن اليمن نابعاً من هذا الإدراك ، إنه يقوده - عندما يطلب منه أن يدله على مكان مناسب للسكن - إلى شقق لا يقبلها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، ويقول : " أنا أعرف ماهية طلبكم يا أبناء اليمن " ، ليت صانع القرار ومن أوصلنا إلى هذا الحضيض يكون شاهداً على مثل هذه المواقف .
    نحن لا نلوم من يعاملنا بهذا التعالي ، ولا نعتب على من يخاطبنا بهذا الأسلوب ، فالمسؤول عن ذلك كله معروف لدى الجميع ، ولعل الجميع يتحملون من المسؤولية بنصيب محفوظ ، ألسنا الصامتين حتى عن قول كلمةٍ يستشعر من خلالها لوبي الفساد أن ثمة وعي قائم ، ألسنا المتخاذلين عن نصرة من يتصدر المواقف عنا ليقول ما لم نجرؤ على قوله ، وما لم ننوِ - مجرد النية - على فعله ، إن العجب ليستمكن من المتأمل لأوضاعنا في الوطن الحبيب ، إذ أصبح اللص هو المتشدق المغتر بفعله ، وانحاز العفيفون وانحسر نشاط الأمناء ، وانكفأ جمهور العامة في انتظار المخلِّص القادم .
    إن السمة التي انتشرت عنا وعمت في الآفاق بـ ( أنت يمني ، إذاً أنت فقير ) ستستمر ما بقينا في رقادنا هذا ، ولن تنجاب غيوم الظلم ، ولن ينحسر جبروت الفساد ما لم يكن هناك ثمرةٌ لوعي قائم بما يجب أن يكون ، ونشرٌ للإدراك بحقيقة أن الحقوق لا تمنح ولكنها تنتزع ، إن منطق الحياة يقول : إن المدان ضعيف مهما انتفخت أوداجه ، وإن المفسد لهَـشٌّ مهما احمرت عيناه ، ألم نسمع أبا الأحرار الشهيد محمد محمود الزبيري وهو يقرر هذه الحقيقة التي كثيراً ما تغيب عنا فتثبط فينا الهمم وتقتل فينا روح الطموح ، ألم نسمعه وهو يقول :
    إن اللصوص وإن كانوا جبابرةً **** لهم قلوبٌ من الأطفال تنخلع
    إننا في حاجة ماسة إلى التغيير في طريقة التفكير السائدة بيننا بأن : " ماذا عساي أن أصنع؟! " ، إنها المقولة التي لا تصدر إلا عن الخَـوَّار المتثاقل ، وما كان لمثل هذا النوع من البشر أن يصنع فرقاً ، أو أن يحدث أمراً ، إن في مثل هذه المقولة والمعنى المتضمن فيها لخطرٌ عظيم ، لأنها تكرس الاستبداد في وعي الحاكم المتسلط ، وتجعله ينعم بقدر من الأمن والطمأنينة أنْ لم يَحِنْ وقتُ ردعي بعدُ ، أتُرى الشرفاء والأحرار كانوا قادرين على أن يعملوا شيئاً يوم أن قاوموا الظلم والكهنوت لو فكروا بمثل ذلك المعنى أو تركوا لمثله طريقاً إلى وعيهم ؟؟ لعلهم كانوا الأحرى بقوله وتمثُّـله يوم أن كانوا قلةً في مجتمع يرزح تحت وطأة أميِّـةٍ وجهلٍ مطبقين فلا يدعان لنورِ الوعي بالحق والحرية من سبيل - على عكسنا اليوم - إن شيوع التفكير السلبي بيننا واستشراءه في مخيلتنا لأخطر من الفساد نفسه ، ولنكن على ثقة بأن إيماننا بأن الله ناصرنا والمرتبط بخلعنا لربقة التفكير بأن غيرنا أجدر منا بالقيام بواجب انتزاع حقوقنا كفيلان بإحداث الفرق الكبير في حياتنا ، وبغير ذلك أقول : عش هنيئاً أيها الفساد ، ومدد رجليك ولا تبالي ، ولتمت كمداً يا صديقي رشاد .
    --------------------------
    * باحث يمني مقيم في القاهرة
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    -- الموضوع عن موقع (الصحوة نت) 12/1/2006
     

مشاركة هذه الصفحة