خير الدعاء دعاء يوم عرفة فلا تحرم نفسك منه

الكاتب : الصلاحي   المشاهدات : 542   الردود : 8    ‏2006-01-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-01-09
  1. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    [​IMG]

    اللهم انصر الاسلام والمسلمين واذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين

    اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل المسلمين

    اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان

    اللهم اعتق رقابنا من النار

    اللهم تجاوز عنا سيئ العمل واقبل من صالحه

    اللهم ارحم موتى المسلمين وارحمنا اذا صرنا الى ما صاروا اليه

    اللهم اغفر لنا فوق الأرض وارحمن ببطن الأرض وتجاوز عنا يوم العرض

    اللهم ارنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وارنا الباطل باطل وارزقنا اجتنابه

    اللهم فرج كرب المكروبين واقضي الدين عن المدينين واشفي مرضى الملسمين

    اللهم اهدي من ضل عن سبيلك وثبت من على دينك

    اللهم عليك بالعلمانين والجاميين والحداثيين

    اللهم عليك بمن سعى لافسادة المراءة

    اللهم عليى بمن يحب ان تشيع الفاحشة

    اللهم لاتؤاخذنا بما فعل السفهاء منا

    اللهم وان اردت بهم عقاب فخصهم به ونجا

    اللهم لاتؤاخذنا بما نحن اهل له وخذنا بما انت اهل له أنك أهل التقوى وأهل المغفرة

    اللهم انا نسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك او انزلته في كتابك او علمته أحد من خلقك أو استأثرث به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا وجلاء همومنا وذهاب حزننا وان تجعل الجنة دارنا وقرارنا
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-01-09
  3. عين العقل

    عين العقل قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-06-09
    المشاركات:
    3,141
    الإعجاب :
    0
    [​IMG]

    اللهم ارزقنا حبك وحب من احبك وحب عمل يقربنا الى حبك
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-01-09
  5. اليمني الجريح

    اليمني الجريح قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2005-02-26
    المشاركات:
    16,214
    الإعجاب :
    0

    امــــــــــــــــــين يارب العالمين
    و
    جزاك الله الف خير اخي
    و
    كل عام وانت بخير

    و
    عساك من عواده

    [​IMG]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-01-09
  7. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    [​IMG]

    من أسرار الأسماء

    أم القـرى


    جاء في الآية 92 من سورة الأنعام: « وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه، ولتنذر أم القرى ومن حولها...» . وجاء في الآية 7 من سورة الشورى: « وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أمّ القرى ومن حولها... » واضح أنّ «أم القرى» هنا هي «مكة» . وقد يقال إنّ المقصود بذلك أنها العاصمة بمفهومنا المعاصر. وإذا علمنا بأنّ القرآن الكريم قد نزل إلى البشرية جمعاء، أصبح من المحتمل أن يكون المقصود «بمن حولها» مجموع الناس. وقد سبق أن بيّنا في مقام آخر أنّ القرآن الكريم يجعل من مكة البؤرة والمركز، والمكان الذي ينسب إليه، ويقاس عليه، غيره من الأمكنة؛ فالمسجد الأقصى هو الأقصى بالنسبة إلى مكة، أمّا القصي فهو المسجد النبوي. وعليه يصح أن يكون المقصود «بمن حولها» مجموع البشريّة. وإذا كان هذا صحيحاً فما المقصود «بأم القرى» ؟
    «القَرْيُ» هو «الجمع» .
    ولما كان الناس يجتمعون في صيغة شعوب وقبائل، فقد سمّيت مجموعاتهم هذه قرى، وسمّيت كل مجموعة قرية. فالقرية إذن تعبر عن الاجتماع البشري. ولما كان هذا الاجتماع لا بد أن يكون في مكان، فصحّ أن يسمى مكان الاجتماع قرية. جاء في الآية 59 من سورة الكهف: « وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا » : إنّ المقصود هنا أهل القرى، لأنّ القرى تطلق، كما قلنا، على الاجتماع البشري، وعلى مكان الاجتماع أيضاً.
    وعليه يحتمل أن يكون المقصود بأم القرى: أم الأمم. ومعلوم أنّ الأم هي الأصل الذي يصدر عنه الفرع. وهذا يقودنا إلى القول بأنّ مكة هي المكان الذي خرج منه الناس إلى بقاع الأرض المختلفة، أي أنّ مكة هي أول مكانٍ اجتمع فيه البشر، ومنه صدروا، وذلك بعد أن تكاثروا. وقد يعني هذا أنّ مكة هي أول نقطة التقاءٍ للبشريةِ بالأرض. ويبدو أنها كانت المكان الذي نزل فيه آدم، عليه السلام، أول ما نزل.
    جاء في الآية 96 من سورة آل عمران: « إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين » . إذا كان أول بيت وُضِع، ليتعبّد فيه الناس، هو المسجد الحرام في مكة، فإنّ ذلك يعني أنّه مُغرق في القدم، والأقرب أن يكون قد وضع للناس في فجر البشرية، لأنه بعيد في العقل أن يبقى الناس فترة طويلة من الزمن لا يجتمعون في مكان يجمعهم على عبادة الله، وعلى وجه الخصوص عندما نعلم بأنّ آدم، عليه السلام، كان نبياً، فهذا يعني أنّ البشرية قد بدأت مسيرتها في الأرض وهي تعرف الخالق وتعبده، ثم كانت الانحرافات بعد فترة من الزمن، فبعث الله سبحانه وتعالى نوحاً، عليه السلام، فكان أول رسول للناس.
    فإن قيل إنّ قلة عدد الناس، في البداية، لا يحتم وجود مكان يجمعهم للعبادة، بل لا ضرورة لذلك. قلنا نعم هذا ممكن، ولكن إذا عرفنا أنّ مساحة الكعبة من الداخل لا يزيد كثيراً عن «80 متراً مربعاً » وإذا أدخلنا « الحِجر » فقد لا تتجاوز «100متر مربع» . وعليه فكم يمكن أن يكون عدد الذين يحتشدون في مثل هذه المساحة من أجل أداء العبادة ؟. ولا يتوقع أن تكون أول عبادة على صيغة طواف، وإلا فما معنى المساحة الداخلية، وما معنى أنه مسجد ؟ وقد سئل الرسول، صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث الصحيح، عن أول بيت وضع للناس فقال، عليه السلام: المسجد الحرام. قيل: ثم أي ؟ قال: المسجد الأقصى… ومعلوم أنّ المسجد الأقصى لا طواف عنده.
    « إنّ أول بيت وُضِع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين » . لفظة: «وُضع» تدل على أنّ الأمر كان بوحي سماوي، وتكليف ربّاني. أما لفظة: «بيت» فتدل على أنّ العبادة في البداية كانت في داخله. وأما لفظة: « للناس» فتشير إلى أنّه وضع لجميع الناس. وإذا كانت مساحة البيت هي ما ذكرناه آنفا، فانّ هذا يشير إلى عدد الناس القليل، مما يدل على أنّه قد وضع في فجر البشرية، أما جملة: « للذي ببكة مباركاً» فلها مقام آخر، إن شاء الله تعالى؟ وأما جملة: « وهدى للعالمين » فتؤكد أنّه وضع لجميع البشر. وإذا كان صحيحاً ما توصلنا إليه، من أنّ مكة هي أول مكان أقام فيه البشر وجودهم الاجتماعي، أفلا يصبح فهمنا للأمور الآتية أكثر وضوحاً :
    «أولا» أنّ حج الناس كل الناس يجب أن يكون إلى مكة.
    «ثانيا» أن أذان إبراهيم، عليه السلام، بالحج كان من مكة، وإلى الناس في كل مكان، كما توحي الآيات الكريمة من سورة الحج.
    «ثالثا» أنّ فريضة الحج يُخاطب بها الناس، في حين أنّ أركان الإسلام الأخرى يُخاطب بها المؤمنون. وأنّ أعلى نسبة تكرار لكلمة الناس هي في سورة الناس، ثم سورة الحج.
    «رابعا» أنّ لباس الحاج يكون بسيطاً بحيث يلغي الفوارق، فيعود الناس كما كانوا في أول اجتماع لهم على الأرض، فيذكرهم ذلك بأخوتهم الإنسانيّة.


    --------------------------------------------------------------------------------
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-01-09
  9. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    الكعبة


    «الكَعَب» هو النتوء والبروز، ومن هنا سمي الجزء المرتفع والبارز من القدم كعباً. وورد في اللغة أنّ «الكعبة» : هي البيت المكعب، أي المربع، وقيل المرتفع. وصحّح بعضهم المعنى الأول، أي أنّ الكعبة: هي كل بيت مربع. وبما أنّ الكعبة هي أول بيت وُضِع للناس من أجل العبادة، كما ينص القرآن الكريم، فلا يبعد أن تكون التسمية ربّانية المصدر، ولأنّ الكعبة بُنيت مربعة فقد أصبح الناس يَصِفون كل بيت مربع بأنه كعبة، ثمّ اشتق منه المكعّب ليعني المربع، ثم أُطلِق المكعّب على المجسّم ثلاثي الأبعاد ذي الأوجه المربعة.
    وبما أنّ الكعبة هي أول بيت مرتفع وبارز فوق الأرض، فقد كانت كل الألفاظ المشتقة من هذا الاسم تدل على الارتفاع، وبالتالي لا داعي لأن نُرجّح معنى على آخر. ولأنّ الكعبة هي قبلة المسلمين في الصلاة والحج، فقد وجدنا الناس يجعلون لفظة الكعبة مرادفة للفظة القبلة.
    جاء في الآية 97 من سورة المائدة: « جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَام... » .
    واضح أنّ البيت الحرام كان في البداية لا يزيد عن مساحة الكعبة، والتي تقارب «100 م2» . من هنا نجد أنّ الآية تُصرّح بأنّ الكعبة هي البيت الحرام. أمّا اليوم فإنّ مساحة البيت الحرام ضخمة جداً، ويمكن أن تزاد وتلحق بها مساحات أخرى حتى تصل الحدود التي حددها الرسول، صلى الله عليه وسلم، كمنطقة حرام، لها أحكام خاصة. ويبقى للكعبة مركزيتها، بل إنّ كل ما أحاط بها اكتسب مكانته لصلته وقربه منها.
    جاء في الآية 5 من سورة النساء: « وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً » : فقد جعل الله تعالى المال قوام الحياة، فلا تقوم الحياة، ولا تثبت، ولا تستمر، إلا بالمال. وهذا معلوم وبدهي، وليس هو محل جدال أو تشكيك. واللافت للنظر أنّ القرآن الكريم لم يستخدم مثل هذا التعبير مرّة أخرى إلا في سورة المائدة، في قوله تعالى: « جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَام...» فجَعْلُ المال من مقومات الحياة أمر مفهوم ومجمع عليه بين الناس.
    ولكن الأمر الذي قد لا يُفهم بداهة، وليس هو محل إجماع، فهو الإيمان، الذي يولّد في النفوس مفهوم القداسة، ومفهوم الواجب، ومفهوم الحرمات. وقد نزلت الرسالات الربّانية لتقيمه، وتحرسه، وتعززه.
    فالحياة البشرية لا تقوم بالمال وحده، ولا مجال لاستمرار الوجود المجتمعي الإنساني بعيداً عن المفاهيم التي يغرسها الدين في النفوس. من هنا يمكن للمستقرئ أن يُلاحظ ذلك؛ فالمجتمعات التي يضعف فيها تأثير الدين، وتزلزل فيها قِيمهُ ومفاهيمه، لا بد أن تظهر فيها عوامل التفكك والانحلال، بل إنّ الإنسان، في مثل هذه المجتمعات، يفتقد هدفية وجوده ومسوّغ استمراره.
    ومن هنا نجد، مثلاً، أنّ الفلسفة الوجوديّة في الغرب، والتي ترفع شعار: «لا إله» ، هي أيضاً التي ترفع شعار «العبثيّة» ، بل إنّ من أساسيات مبادئهم: « لا شيء له معنى إلا الموت، وغاية إمكانيات الإنسان الانتحار » . ولا شكّ أنّ للدين دوراً متنامياً في المجتمعات البشرية المختلفة، ولذلك يصعب أن نجد اليوم مجتمعاً يتجرّد من الإيمان، ومن مفهوم القداسة، والواجب، والحرمة، إلا أنه بالإمكان أن نلاحظ التناسب الطردي بين قوة الإيمان وقيمهِ في المجتمع، وقوة التماسك الاجتماعي.
    وقد ثبت بالتجربة أنّ توافر المال، والذي هو القوام الأول، غير كافٍ إلى أن يتحقق الإيمان، والذي هو القوام الثاني. ويمكن ملاحظة أثر فقدان القوام الثاني في المدارس المادّيّة، مثل المدرسة الوجودية، وذلك على المستوى الفلسفي، ومثل المدرسة الماركسية، وذلك على المستوى الفلسفي والواقعي. وما تجربة الاتحاد السوفييتي عنّا ببعيد، فهي غنيّة الآن عن البيان.
    فالأحكام المتعلقة بالكعبة والحجّ إليها، والأحكام المتعلقة بالأشهر الحُرُم، والأحكام المتعلقة بالهَدي والأضاحي، وغير ذلك من الأحكام ذات العلاقة بمكانة الكعبة، تُشكّل في شِقّها الإيماني وشقّها السلوكي القوام الثاني. وقد يكون من السهل على الناس أن يدركوا أهمّية نظام العقوبات، مثلا، وضرورته لقيام الحياة المجتمعيّة المستقرّة، إلا أنّهم قد يغفلون عن أهمّية وضرورة تشريعاتٍ كالحج وأحكامه؛ فيلتبس على البعض فَهْم كيف يمكن أن تكون «الكعبة قياما للناس» .
    ويبدو أننا بحاجة إلى إعادة نظر ومزيد تدبُّر لأحكام وأسرار الركن الخامس من أركان الإسلام.


    --------------------------------------------------------------------------------
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2006-01-09
  11. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    عـرفـات


    المتدبّر لمناسك الحجّ يجد أنّها ترمز إلى أساسيّات الفكرة الدينيّة، بل قد تلخّص المقاصد والأهداف من نزول الرسالات؛ فالطواف يرمز إلى ضرورة الانسجام مع قوانين الخلق والفطرة. أمّا السعي بين الصفا والمروة فهو يرمز إلى قطبي الخوف والرجاء ودورهما في البناء الحضاري الإنساني، وقد فصّلنا القول في ذلك في مقام آخر. ونريد هنا أن نتوقّف قليلاً عند ركن الوقوف بعرفة، والذي هو الأهم في كل مناسك الحج، إلى درجة أنّ الحج يتلخّص في هذا الوقوف؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: « الحجُّ عرفة » . ومن لم يقف بعرفة فحجُّه باطل.
    إذا أعلن كلُّ حاج بطوافه عن انسجامه، في حركته وسلوكه، مع حركة الكون من حوله، أو بمعنى آخر أعلن عن استسلامه طوعاً كما استسلم الكون، أو بمعنى ثالث أعلن عن رغبته في تحقيق جوهر الإسلام. نعم، إذا تحقق هذا، ثمّ قام الحاج بالإعلان عن خوفه وطمعه، رغبته ورهبته، بسعيه وتردّده بين الصفا والمروة، إذا حصل كل هذا، فقد آن لكل هؤلاء أن يقفوا في صعيد واحدٍ في عرفات. نعم، لقد آن لهم أن «يتعارفوا» ، وآن لهم أن «يعترفوا» لله بالربوبيّة، وأن يعترفوا بفقرهم والتجائهم إليه عز وجل. وآن لهم أن يتعرّفوا إلى الله ليعرفهم. جاء في الحديث الشريف: «...تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة..» .
    يصح لغةً أن تكون «عرفات» جمع عرفة. وكلّ قطعة أرض يقف عليها حاج فهي عرفة، وكلّ موقف لكلّ حاج عرفة. لذا فالموقف كلّه عرفات. إنّه موقف «تعارف، واعتراف، وتعرّف» .
    وما يهمنا في هذه العجالة هو التعارف؛ ففي يوم عرفة تسقط الفوارق والحواجز، وتقف الأمم والشعوب أمام الحقيقة التي تُذكّر بصلة الرحم: « يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا…» : إنّه صوت الدين الخالد يتواصل عبر العصور يَرُدُّ مسيرة البشرية إلى الطريق المستقيم. ما أكثر النزعات والدعوات والشهوات، التي تحاول أن تنحرف بالمسيرة البشريّة، وتجهد في محاولة طمس حقيقة الأخوّة الإنسانية. وتبلغ البشاعة مبلغها عندما تلبس هذه الدعوات لباس الدين، كما هو في العنصريّة الصّهيونيّة، وليدة اليهوديّة المنحرفة.
    لم ينزل الدين ليحقق القناعات الفكرية فقط، بل جاء ليجعل الفكرة عاملة وفاعلة في الواقع البشري. وتكتمل الصّورة عندما يتطابق الواقع المحسوس مع الفكرة، فيكون الانسجام بين النظرية والتطبيق. ويظهر ذلك جلياً في إجابة عائشة، رضي الله عنها، عندما سُئلت عن خُلق الرسول، صلى الله عليه وسلم، فقالت: « كان خلقه القرآن» .
    وفي الوقت الذي يكون فيه الواقع هو الانعكاس الحقيقي للفكرة الإسلاميّة، والتعبير الصادق عن صدقها وفاعليتها، عندها سيشهد الناس اكتمالين؛ الاكتمال الأول، ويكون بتجلّي يأس أعداء الحقيقة الدينيّة من إمكانية تطويق الدين، أو تطويعه، أو الوقوف حجر عثرة أمام مسيرته. ويكون ذلك نتيجةً لمشاهدتهم الواقع غير القابل للنقض والإفناء. أما الاكتمال الثاني، فهو تحقق المقاصد من إرسال الرسالات، وتجلي الفكرة بتجسدها الكامل في أرض الواقع.
    في التاسع من ذي الحِجّة، في يوم عرفة، من السنة العاشرة للهجرة، وبينما الناس جميعاً يقفون في عرفات، يشهدون الموقف، ويشهد لهم الموقف، نزل الوحي بالإعلان الآتي: «... اليومَ يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون، اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي، ورضيتُ لكم الإسلام ديناً » : في عرفات اكتملت المعرفة، واكتمل العمل. أمّا البداية فقد كانت في غار حراء والرسول، عليه السلام، في الغار وحده. وبعد سنين وسنين، وبعد أن بُنيت الأمة لَبِنة لبنة، كان لا بدّ للبناء أن يكتمل في العلن، وفي ضوء الشمس. كيف لا، وقد أُخرِجت الأمّة وتخرّجت ؟!
    أمّا اليوم فإنّ كلّ الوقائع تُرهص بالاكتمال، كما يرهص الهلال باكتمال البدر، مع يقيننا بأنّ التاريخ لن يعيد نفسه، ومع يقيننا بأنّ أمّة الصحابة هي المثال البشري الأعلى الذي لن يتكرر، لأنّه وجد ليكون المقياس. ولكن المؤشّرات كلها تقول إنّ الغد، بإذن الله، خير من اليوم. وقد يَعجبُ البعض من هذا القول، كما عَجِب آخرون من بشريات الرسول، عليه السلام، عندما حاصر الأحزابُ المدينة المنورة، وما علموا أنّ هذا الحصار، والذي كان يمثّل أوج الكيد الكُفريّ، هو في حقيقته وواقعه، الامتحان الذي سيتمّ بعده تخريج خير أمّة أخرجت من أجل الناس.


    --------------------------------------------------------------------------------
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2006-01-09
  13. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    الحـج
    جاء في الآية 97 من سورة آل عمران: « ولله على الناس حجّ البيت …» وجاء في الآية 27 من سورة الحج: « وأذّن في الناس بالحج…» . فالحج يُمثّل الأفق العالمي للدين. وإذا كان الحج هو الركن الخامس، فإن تشريعه أيضاً جاء خامساً بعد الأركان الأربعة. وتمثل هذه الشعيرة خلاصة أساسيات الدين. والمتدبر لرموز كل خطوة من خطوات الحاج يجد الانسجام بين قوانين الحج وقوانين الحياة الإنسانية، فالحج ثري بالرموز والدلالات.
    يمكن الحكم على صِدقيّة أي دين على أساس مدى انسجام مبادئه وأحكامه مع قوانين الكون؛ فمن غير المتصور أن تتناقض مبادئ الدين الحق وأحكامه مع قوانين الخلق وسننه، لأنّ الذي خلق هو الذي أنزل. وإذا كان الخمر ضاراً كسنّة كونيّة، فلا بد أن يكون محرماً كسنّة تشريعيّة. ومن هنا نجد أنّ الفقهاء، وبعد استقراء أحكام الشريعة الإسلامية، ذهبوا إلى أنّ الشريعة الإسلامية تقصد في أحكامها إلى المحافظة على الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
    وبمعنى آخر فقد جاء الدين ليحقق الانسجام بين حركة الإنسان وحركة الكون من حوله. وعليه يمكن تعريف الطاعة: بأنها الانسجام بين القانون الشرعي والقانون الكوني. ويمكن تعريف المعصية: بأنها التعارض والتناقض بين القانون الكوني والسلوك البشري. وعندما نقول: إنّ الإسلام هو الحل، فإنما نقصد أن نقول: إنّ الانسجام هو الحل.
    يجعل الحاج المسلم الكعبة عن يساره ويبدأ الطواف في حركة دائرية ومتواصلة، وبذلك يكون الإنسان قد أعلن في حركته هذه عن انسجامه الطوعي مع حركة الكون، من أصغر جزء فيه، أي الذرة، إلى المجموعة والمجرّة. نعم إنّه إعلان المخلوق الحر، بأنّ الحريّة، والتي هي منحة الله تعالى للإنسان، لا تعني الفوضى ولا الخروج ولا التناقض، بل هي التوافق والنظام والانسجام. وهذه هي الرسالة الأولى للدين الحق.
    المتدبر لحركة الإنسان في الأرض يجد أنّ قانون التردد بين الخوف والرجاء هو القانون الأساس في بناء الحضارات الإنسانية؛ انظر إلى حركة الناس على مستوى الاقتصاد، تجد أنّ أهم دوافع حركتهم هو الخوف من الفقر ورجاء الغنى. وانظر إلى عالم الدراسة والتعليم، تجد أنّ الدافع إلى الجد يكمن في الخوف من الإخفاق، وفي ورجاء النجاح. وانظر إلى تقدم الطب، تجد خوف الألم ورجاء العافية، وخوف الموت ورجاء الحياة... وهكذا نجد أنّ هذا القانون يشمل كل نشاطات الحياة. وفي الوقت الذي ينعدم فيه قُطبُ الخوف أو قطب الرجاء، نجد أنّ الحركة تتوقف؛ فالخوف الذي لا رجاء عنده يُحبط القدرات. والرجاء لا يكون رجاءً حتى يلابسه خوف. أمّا الأمن الكامل، إن وُجِد، فهو من أكبر دواعي الخمول والسكون. انظر قوله تعالى: « إنّه لا يأمنُ مكر الله إلا القوم الخاسرون » . في المقابل: « إنّه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون » . ثم انظر قوله تعالى: « يدعوننا رغباً ورهباً » ، « ...خوفاً وطمعاً » .
    هل كانت هاجر، عليها السلام، تدرك وهي تسعى بين الصفا والمروة، تبحث عن الماء ثم ترجع مهرولة إلى رضيعها إسماعيل، عليه السلام، لتطمئن عليه، أنّ هذه اللحظات الجليلة ترمز إلى قانون الخوف والرجاء؟! وكيف بها لو كُشف لها الغيب فرأت الملايين من الحجاج تُحاكي حركتها في سعيها الحثيث بين القطبين؟! إنّه القانون والسنّة المحكّمة قبل أن تكون الحادثة، بل إنّ الترغيب بالجنّة والترهيب من النار، في كل دين حق، لهو بعض تجلّيات حكمة خالق القوانين والسنن. وما تلك الحادثة إلا بعض تكريم الحكيم لمن اصطفى من عباده.

     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2006-01-09
  15. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    المدينـة
    هاجر الرسول، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى يثرب. وقبل أن ينزل، عليه السلام، بيتاً من بيوتها كان قد حدد المكان الذي يُبنى فيه المسجد. وهذا الفعل يدل على أهمية المسجد في المجتمع الإسلامي. ثم ما لبث الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن استبدل اسم «يثرب» باسم «المدينة» . ومن اللافت للانتباه أن تُسمّى مدينة ما باسم المدينة، وعلى وجه الخصوص عندما تُعرّف، فكأنّها وحدها المدينة.
    أطال المفكرون والفلاسفة الحديث في أفضل صيغة ممكنة للاجتماع البشري، أو ما يُسمّى: «المدينة الفاضلة» . ولا شك أنّ المدينة الفاضلة هي حُلم البشرية منذ القديم وإلى يومنا هذا. وقد ظنّ الإنسان المعاصر أنّ الحلّ سيكون في التطور العلمي والتكنولوجي، إلاّ أنّ مرور عدّة قرون على النهضة العلميّة أثبت أنّ العلم وحده قاصر عن إيجاد المجتمع البشري الفاضل، بل إنّ التفكك الأسري، والاجتماعي، وانتشار الجرائم، وسيطرة الفلسفة العبثيّة، أصبحت من خصائص المجتمعات العلمانيّة المتقدمة علمياً وتكنولوجيا، فعاد الإنسان فيها، بعد طول معاناة، يحاول أن يستعين بالدين، ليعيد التوازن إلى مسيرته المتعثّرة.
    كان مما نزل في المدينة بعد الهجرة: « كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله » : تُعلن الآية الكريمة عن ميلاد ووجود المجتمع المنشود والمدينة الفاضلة، التي يبحث عنها البشر. ولم تَخرُج هذه الأمة نتيجة التطور العلمي والتكنولوجي، فكل هذا مجرد وسائل ميسّرة للعيش ومساعدة على البقاء. بل إنّ التطور العلمي والمادّي، في المجتمعات الإسلاميّة، جاء ثمرة لصياغة الإنسان على مستوى الفكرة، والسلوك الفردي والاجتماعي. من هنا لم يكن من قبيل الصدفة أن يظهر، مثلاً، الإمام أبو حنيفة والإمام مالك، قبل ظهور الرازي وابن سينا وجابر بن حيان. وليس من قبيل الصدفة أيضاً أن يشتهر عَدل عمر بن الخطاب قبل اشتهار فقه الشافعي، أو فلسفة واصل بن عطاء….
    الإسلام عقيدة وشريعة، ودين منه الدولة. وإذا كانت الفلسفة يمكن أن تبقى فكرة نظرية بعيدة عن الواقع التطبيقي، فان الدين قد نزل من أجل أن يخلق واقعاً جديداً في عالم الاجتماع الإنساني، ولا يجوز أن يبقى سجين الإطار النظري، ومن هنا كانت ضرورة الهجرة من مكة إلى يثرب. وبما أنّ الهجرة قد أوجدت الواقع الذي يجب أن يتحرك فيه الدين، فقد جاء الإعلان المجلجل عن ميلاد المدينة الفاضلة، التي يحلم بها الإنسان منذ فجره الأول. وإذا كانت التسمية للمولود تحمل الرغبة والأمل والتوقّع، فإنّ هذا كان واضحاً تماماً في دلالة تغيير اسم «يثرب» لتصبح «المدينة» .
    بعد هذا الحدث بأقل من عشر سنوات جاء الإعلان عن تخريج شعب المدينة الفاضلة: « كنتم خير أمة أخرجت للناس…» . وعليه فإذا أراد الناس أن يصنعوا مجتمعاً فاضلا، فان هذا هو المثال، وهذه هي المدينة الفاضلة. وليس غريباً بعد ذلك أن نجد المسلمين، عبر العصور والى يومنا هذا، يتوقون بشدّة إلى المجتمع المدني الأول، وأن نجدهم يحكمون على كل المجتمعات الإسلامية، التي جاءت بعد المرحلة الراشدة، بالانحراف النسبي.
    ولا يزال الحنين الشديد إلى تلك الحقبة يشدُّ الجميع، ولا يزال الناس يتخذون من تلك المرحلة مقياساً. ألا يدل كل ذلك بوضوح على أنّ المدينة الفاضلة ولدت ووجدت في مجتمع المدينة الأول من أجل أن تكون على مدى العصور مصدر الإلهام، والقدوة والميزان ؟ وسيبقى كل ما سواها دونها، لأنّها أخرجت وخُرّجت لأجل الناس.
    أما «يثرب» فقد ماتت، ولم تعد تعني أحدا من الناس، إلا ما كان من بعض المتنفذين في مرحلة الجاهلية، من أمثال عبد الله بن أبي بن سلول، الذي توقّع وتمنّى زوال المدينة، وذلك عندما رأى الأحزاب تُطبق بجيوشها على أطرافها، فكانت منه الصيحة التي تكشف عن أسرار القلوب، وتعلن عن رغائب الموتورين من أعداء الحقيقة، وأعداء المدينة الفاضلة: « وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثربَ لا مُقام لكم فارجعوا…» الأحزاب13. وإذا كانت يثرب أمنية بعض المنافقين فإنّ المدينة ستبقى أمنية الإنسانية جمعاء.

    (من كتاب من أسرار الأسماء في القرآن الكريم)
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2006-01-09
  17. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    في يوم عرفة.. يوم الوقوف بين يدي الله لتدعو وتبكي وتطلب المغفرة.. في هذا اليوم قد تواجه أصعب موقف في حياتك.. عندما تمر بحالة ذهول وتنسى الدعاء وتعجز عن الصلاة والاستغفار. وفجأة ينفجر 3 ملايين حاج. وأنت منهم – بالدعاء..وينهمر سيل الدموع ويرتج الجبل بصوت الخشوع والاستغفار. هذا ما حدث بالفعل للداعية عمرو خالد، وهو يستعيد ذكريات أشرف رحلة وأعظم أيام في المشاعر المقدسة.

    عمرو خالد يتحدث عن فضل الحج وأعظم معانيه، ومغزى كل شعيرة فيه..ويؤكد أن من أهم أهدافه أنه يقوي الصلة بينك وبين الله بعد أن عشت في ضيافته..وصارت المعصية أصعب ومقاومة الشيطان أقوى.
    في انتظار الإذن
    سألت عمرو خالد:

    حدثني عن تجربتك في يوم عرفة؟
    سأصف لك شيئاً عجيباً حدث لي في يوم عرفة، في ليلة عرفة في منى كنت أرتب في عقلي دعاء لا مثيل له، والبعض يكتب الدعاء على ورق. وبعد الذهاب إلي عرفة. طلعنا الجبل، ففوجئت بعدم القدرة على العبادة. لا أحس بحلاوة الدعاء. عاجز عن الاستغفار والصلاة. في حالة ذهول لم يسبق لي أن أصبت بها، وأفاجأ أن الكثيرين على الجبل عندهم نفس الشعور. ومرت بي لحظات مليئة بالانكسار. البعض غلبه النوم والبعض راح يأكل. كنا نظن أننا نحن الذين سنشحن أنفسنا بالدعاء والتبتل، بينما كان الأمر مرهونا بمعونة الله عز وجل. كان لابد أن يأذن لي. ولم أفهم الدعاء الذي يقول: "اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" إلا يومها.
    لم أفهم مغزى أن أرغب في التعبد فلا أستطيع. وحين يقول للمرء: "أنا أذنت لك، أذنت للقلب أن يتعبد". وأذن الله تبارك وتعالى لي عند العصر.
    كنت لحظتها في غفوة. ثم حدث شىء عجيب، أنا لا أدري له تفسيراً. فجأة ضج الحجيج بالدعاء والبكاء. شىء ليس له تفسير سوى أن الله أذن. فإذا بالجبل يرتج. الناس تصرخ من القلب: يا رب.
    ثلاثة ملايين إنسان تنادى في لحظة واحدة: يا رب. غفرانك وتوبتك ورضاك. تسمع الأصوات من كل مكان. وسبحانه الذي لا تختلف عنده الأصوات. ولا يشغله سمع عن سمع، سبحانه وتعالى. من العصر حتى المغرب في كل لحظة دعاء وبكاء.

    اطمئنان القلب
    أين كان ذلك من الصباح حتى العصر؟

    القلوب متوقفة. دعاء وبكاء متواصل والناس يسألون: يا رب هل قبلت توبتنا أم لا؟ يا رب لا تردنا بذنوبنا عن رحابك. إلى أن جاء أذان المغرب، وفجأة، حدث العكس. فرحة شديدة. إن من أعظم الذنوب يوم عرفة أن تنزل من على عرفة وأنت تشك أن الله قد غفر لك. هذا أول ذنب يمكن ارتكابه بعد أن غفر الله الذنوب جميعاً. فحذار أن تشك.
    قبلها بدقائق كنت تدعو الله وتقول له: أنا خائف ألا تقبلني. لكن بمجرد أن يؤذن لصلاة المغرب يطمئن القلب فتضحك وتفرح وتقول: الحمد لله. إن شاء الله حجة مقبولة. قد غفر لي بأذن الله.
    ولو أنك قلت: أشك أن الله قد غفر لي، تكون قد وقعت في المحظور وارتكبت أول ذنب. وتخيل نزولك من جبل عرفة وقد غفر لك. تنظر في وجوه الناس، لا..ليست هذه هي الوجوه التي صعدت الجبل. الوجوه مضيئة وعلى الشفاه ابتسامه وفي العيون رضا. هناك راحة وهدوء عجيب.

    اسأل عن الصحبة
    ألم تسمع أحداً غيرك يعلق على هذه الحالة؟

    نعم. سمعت أحد الحجيج يقول: نحن الآن كيوم ولدتنا أمهاتنا. فيا ترى أول ذنب سنرتكبه بعد كم ساعة؟ فقلت له ولمن حوله: بالله عليكم أخروا هذا الذنب قدر استطاعتكم، لا يجب أن يكون اليوم أو غداً أو بعد أسبوع أو بعد شهر. لذلك من أهم الأشياء في الحج، الصحبة التي ذهبت معها للحج. قبل أن تسـال عن شركة السياحة أو الفندق الذي ستقيم فيه، اسأل أنت ذاهب مع من؟ ومن الذي سيأخذ بيدك لمساعدتك؟

    البكاء في مزدلفة
    وماذا بعد النزول من عرفة؟

    بعد النزول من عرفة تتوجه إلى مزدلفة. كتلة من البشر حجمها 3 ملايين إنسان، تتحرك كقطعة واحدة من عرفة للمزدلفة بعد غروب الشمس. أصواتهم تردد بسعادة غامرة: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
    تنظر إلى وجوه الناس تجدهم يبكون من حلاوة الموقف، من وحدة المسلمين وهم يتحركون كتلة واحدة بإرادة الله.
    وفي مزدلفة المبيت على الرصيف. السُنة أن تبيت بمزدلفة. ولن تجد غير الأرض مكاناً يحتويك وتبيت عليه. ستنام وسط الحصى. وستجمع الجمرات، لتنهض في الصباح فترميها. بعد رمي الجمرات تعود إلى مكة لأداء طواف الإفاضة. ثلاثة ملايين إنسان مسلم يطوفان معاً.
    بعد طواف الإفاضة اذبح ثم احلق شعرك. يقول النبي صلى الله علية وسلم: "رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: "رحم الله المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال والمقصرين".
    بعد الحلاقة تعود إلى منى..48 ساعة أنت في حركة دائبة. في منى تقيم ثلاثة أيام.

    حكمة أيام منى
    ما الحكمة من الإقامة ثلاثة أيام في منى؟ ولماذا لا يقضي الحجاج هذه الأيام في الكعبة للتعبد؟

    الحكمة هي التعرف على أحوال المسلمين والتعارف وعمل حصانة لمدة ثلاثة أيام بعيداً عن الناس، حتى يحافظ الحاج على الشحنة الإيمانية التي أكتسبها فوق عرفة. أنت في منى لن تشاهد التليفزيون، ولن ترى "الدش"، ولن تذهب إلى الأسواق. أنت في منى وسط صحراء وخيام.
    من لا يحج على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، يفقد امتيازات كثيرة إلا من كانت لديه أعذار شديدة.
    لكي تحج لابد أن تستمتع. في منى مؤتمر جامع المسلمين لمدة ثلاثة أيام للتعارف. وفي وقت الظهيرة من كل يوم من أيام الإقامة بمنى تذهب لرمي الجمرات.

    ما معنى رمي الجمرات؟ وما دلالتها؟
    أنت تقف أمام الجمرة الصغرى وترمي سبع جمرات، الجمرة حصاة في حجم حبة البسلة (هناك من يقذفون الحجارة الكبيرة أو الشباشب، وهذا خطأ).

    النبي صلى الله عليه وسلم التقط جمرات في حجم حبة البازلاء وقال: "إياكم والغلو في الدين. إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك الذين من قبلكم الغلو في الدين".
    هي رموز.. بعد الجمرة الصغرى تتوجه إلى الجمرة الوسطى وترمي سبع جمرات أيضاً، ثم تتوجه للجمرة الكبرى وترمي سبع جمرات.
    أنت هنا ترمي حصاة على حجر.

    ..وحكاية الجمرات
    وما الجمرات الصغرى والوسطى والكبرى؟

    الصغرى هي المكان الذي جاء فيه الشيطان إلى سيدنا إسماعيل عليه السلام بعدما أخبره والده سيدنا إبراهيم عليه السلام أن الله أوحى له بذبحه. فقال الشيطان: يا إسماعيل سيقتلك أبوك فاهرب. لا تجعله يفعل بك ذلك. فأخذ إسماعيل سبع حصوات من الأرض وضرب بها الشيطان. فكانت هذه هي الجمرة الصغرى.
    وعندما لم يجد الشيطان أذناً صاغية لدى إسماعيل، ذهب إلى السيدة هاجر وقال لها: يا هاجر إياك أن يقتل إبراهيم ابنك. فجاءت السيدة هاجر فأخذت سبع حصوات وضربت بها الشيطان في الجمرة الوسطى. فذهب الشيطان إلى إبراهيم عليه السلام وقال له: يا إبراهيم إياك أن تقتل أبنك. إياك أن تفعل. إياك أن تفعل. فأخذ سيدنا إبراهيم سبع حصوات وضرب بها الشيطان. وهذا مكان الجمرة الكبرى.
    تذكر وأنت في الجمرات كل هذه المشاهد.

    لماذا نرمي هذه الجمرات؟
    الهدف هو الاستسلام لله عز وجل. وهنا يكمن معنى مهم. وأنت ترمي الجمرات لابد أن تحس هذا المعنى في قلبك. أن تعلن عداوتك للشيطان.

    في كل ما مضى كان بينك وبين الشيطان كراهية معنوية. أما الآن وأنت ترمي هذه الجمرات فأنت تعلن عداوتك للشيطان بشكل مادي، فتمسك الحصاة وتقول: باسم الله، الله أكبر، وترميها، فتتحول إلى نار تقصم ظهر الشيطان.
    كل جمرة ترميها تضرب وجه الشيطان حقيقة وتقصم ظهره.
    بعد رمي الجمرات إياك أن تتراجع عن موقفك وتعود لمصاحبة الشيطان مرة أخرى .. لهذا نظل نرمي الجمرات ثلاثة أيام، في كل يوم سبع جمرات في الثلاثة أماكن.
    السُنّة تقول لك: أول ما ترمي الجمرات ادع الله، فالدعاء مستجاب، لماذا؟ أنت حين عاديت الشيطان، صرت ولياً للرحمن. تبرأت من كل أعداء الله، فبقى لك الله تبارك وتعالى. لهذا يصبح دعاؤك مستجاباً

    الاستسلام لأوامر الله
    ما المعاني التي يمكن أن نستخلصها من الحج؟

    معنى الاستسلام. فكل حركتك بين أحجار. وترمي حجراً على حجر. وتمشي من حجر إلى حجر. وتلف حول حجر. وتبيت فوق حجر. وأنت بهذا تنصاع لأوامر الله تبارك وتعالى. ولولا أن هذه أوامر الله، ما كنت تطيق أن تعيش وسط هذه الحجارة. هذا هو معنى الاستسلام لله عز وجل. أنت تنفذ أوامر الله حتى ولو كنت لا تفهمها. أنت مسلم أي مستسلم لله.
    وفي الحج أنت تعلن استسلامك لله. حين تقدم على أفعال لا تفهم مغزاها، ولا يقبلها العقل إلا طاعة لرب العباد.
    بعد ذلك حين تعود إلى بلدك، ويقال لك: لابد أن تؤدي صلاة الفجر في المسجد. لن تقول: لا..لأن عملي يبدأ الساعة الثامنة، والله لا يرضى أن أذهب لعملي مرهقاً. وإذا قيل لك البسي الحجاب، لن تقولي: "أقنعني"..أنت رميت حجراً على حجر! أنت مشيت من حجر إلى حجر.

    الحج..ويوم القيامة

    من المعاني الجميلة أيضاً في الحج: الحج ويوم القيامة. الحج يذكرنا بيوم القيامة. نفس الزحام يوم الحشر. 3 ملايين إنسان يتحركون قطعة واحدة في 6 كم. عرق شديد. يوم عرفة وأنت متجه إلى مسجد نمرة يمكن أن تفقد مداسك فتمشي على الأرض الساخنة فتتذكر يوم القيامة. ماذا تلبس؟ أنت شبه عار.
    يوم القيامة يقال: فنفخ في الصور. وهنا يقال: فأذن في الناس بالحج..لهذا فإن أول آيات في سورة الحج: (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد).

    جهاد المرأة..الحج

    ومن ضمن أهداف الحج أنه يقوي الصلة بينك وبين الله تبارك وتعالى. صارت هناك عشرة. أنت عشت مع الله سبحانه وتعالى 15 يوماً تقريباً. كنت في ضيافته. المعصية هنا صارت أصعب من ذي قبل.
    ومن الأشياء الأساسية في الحج: الحج والجهاد. الحج يربي فيك عزيمة الجهاد. فالمجاهد ينتقل من مكان إلى مكان. وهو كثير الترحال. لا نومة تملكه. ولا مكاناً يملكه.
    (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة)..
    الحج يكسر فيك هذا التثاقل. الحج معسكر تدريبي لتدريب شباب الأمة على الجهاد. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "جهاد المرأة الحج.. تقول السيدة عائشة قلت: يا رسول الله ألا نجاهد معكم ونغزو معكم؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة لكن أحسن الجهاد الحج المبرور. تقول عائشة: فوالله لا أترك الحج بعدها أبداً".
     

مشاركة هذه الصفحة