بــــــــــــــــــــوح

الكاتب : أحمد شوقي أحمد   المشاهدات : 522   الردود : 2    ‏2006-01-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-01-08
  1. أحمد شوقي أحمد

    أحمد شوقي أحمد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-03-29
    المشاركات:
    2,107
    الإعجاب :
    0
    مذ سنين مضت.. سنتين.. ثلاث.. لستُ أثق من أني أتذكر.. المهم.. بدأت تنشأ في شعري بضع شعيرات بيضاء.. تشي بشيب ليس مجهول الأسباب..

    مذ اطلعت إلى نفسي.. مذ عرفت كنه الحياة وما تومئ لي به.. مذ وعيت على الدنيا.. ما عرفت غير الأسى.. غير الحزن.. نديماً مخلصاً دائم الالتصاق بي.. وبمحدثات حياتي اليومية..

    عندما كنت صغيراً.. كنت أظن بأني سأصبح معجزةً في هذا العصر.. سأصبح عملاقاً ليس لسموه قياس.. وليس لأبعاده مدى يُحد..

    لكنني أفاجأ بالحقيقة.. أفاجأ برتل من المشاكل، لستُ سبباً فيها، أو في بعضها.. لمَ يحدث كل هذا؟!.. لماذا أنا مجبر لتحمل كل هذه المآسي والمشاكل.. وحرقان الأعصاب المريع..

    لستُ أدري.. متى سأشعر بالأمان.. وأستعيد رونقي.. أستعيد ما ضاع من سجل أيامي المهدورة.. وبضع أرطال من وزني أفتدقها كلما تقدم بي العمر..

    ليس حجم المأساة ما يجعلها مرّة.. وربما هناك من تأسى أكثر من غيره.. هناك من لاقى أكثر منّي.. لكن لكل فردٍ منا خصوصيته في الشعور بهذه المآسي.. هناكَ مآسٍ تبدو صغيرة جداً.. ولكن حساسية الفرد فينا.. أو شعوره الزائد بحجم مأساته يجعل منها مأساة كبيرة.. يصعب عليه وصفها..

    نـحن نبكي كثيراً لمشاهدة المسلسلات التلفزيونية.. فتلك الجميلة تركها خطيبها.. وتلك الحلوة لا يفضى لها حبيبها.. وتلك تتهزأ من معلمتها.. وتلك المرأة المسكينة ولدها "شقيان وتعبان".. فهي لم تذق اللحم منذ أسبوعين.. ويأكلان فقط السمك أو الطبيخ (من كل أنواع الطبيخ)..

    نـحن نتألم لكل المرتزقة هؤلاء.. وهم يكسبون بهذه الأكاذيب نقوداً كثيرة.. يقولون ما لا يفعلون.. ونظل نحن نتألم لأجلهم.. وننسى – في لجّة النسيان – أن أحداً منا مثلاً يمضي يومه بدون أن يأكل شيئاً.. وبعضنا يعمل ليلاً نهاراً.. ولا يتذوق اللحم خلال الشهرين والثلاثة والأربعة والعشرة.. مع كل هذا تجدنا بكل سذاجة الأطفال.. نتألم لهم..

    نتألم لقهرهم وحزنهم.. وأصغرنا لديه كم لا بأس به من الشعيرات البيضاء.. نـحن لا نتألم لأنفسنا ولا مآسينا نعرف مدى التعب والحزن الذي نكابده يومياً.. من حين تشرق الشمس وحتى أفولها وبعده بساعات أيضاً..

    هذا الشيب قد غزا شعري.. قد هدّني وأهلكني.. وصيرني أياماً عجاف.. صيرني دهراً حزيناً.. صيرناً كهلاً لم يعدُ السابعة عشرة.. صيرني كتلة من الأسى الأجوف..

    يا إلهي..

    ماذا لو كتبت رثاءً في نفسي.. ماذا لو استعدت هذه الحقبة الطويلة من الحزن.. سبعة عشر عاماً.. السعادة فيها أياماً معدودات.. ومع هذا أنا في نظر الآخرين لا زلت صغيراً.. أعطي الأمور أكبر من حجمها.. لا زلت لم أذق من تعب الحياة شيء.. ولا زال أمامي "مدفن" ملح لم آكله بعد حتى أستطيع أن أقول بحزني..

    هذا يقول الناس.. وهم لا يعرفون ما الذي عشته.. ولا كيف أمضيت عمري معه.. لا يعلمون ما الذي حدث لي خلال أيامي تلك.. وهم لا يعلمون كيف أمضيت هذا العمر..

    لكنهم لا يتأنفون من أن يحكوا قصص الممثلين هؤلاء.. ويحزنون لهم.. الفتيات مثلاً لا يأنفن من الحزن على عماد أو سعاد أو مدحت أو طلعت أو "نزلت".. فحسب المقاييس المتبعة – هم خفيفي دم وطيبون ووسماء ...الخ.. ولكن الحقيقة أن هؤلاء جميعاً ثقلاء بما فيه الكفاية.. ومع ذلك ظلوا أبطالاً من ورق.. لمآثر من سراب..

    آخر ما في هذا البوح هو أنني أثق من أنه إذا كان هناك فردٌ ذو طيبة ترقى إلى مستوى قراءة ما كتبت والصبر عليّ حتى النهاية.. فإنه بطبيعة الإنسان "التناقضية" سيقوم بأخذ هذه الصفحة وجعلها تحت مائدة طعامه كيما يستفيد منها على الأقل..

    مع هذا.. أشكر له طيبته لاصطباره معي حتى نهاية هذا الحديث المثقل والثقيل على ما يبدو.

    15/ 11/ 2005م​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-01-27
  3. نغم

    نغم عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-11-24
    المشاركات:
    952
    الإعجاب :
    0
    بـــوح جميـــل ...وقد تكون من تحكي هي تلك الشعيرات التي ابيضت ليس لنصاع سعادتها و إنما لقوة القدر عليهــا..


    رئاء واي رئاء

    ..

    رائع جدا


    سلمـــت
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-04-20
  5. داود دائل

    داود دائل عضو

    التسجيل :
    ‏2006-03-25
    المشاركات:
    46
    الإعجاب :
    0
    بوح رايع ربما سنين العمر الطويلة علقت على شعرك
    ربما انك تجاهلت الموت
     

مشاركة هذه الصفحة