آه يا أبي "هرطقات في الهامش"

الكاتب : أحمد شوقي أحمد   المشاهدات : 677   الردود : 3    ‏2006-01-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-01-08
  1. أحمد شوقي أحمد

    أحمد شوقي أحمد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-03-29
    المشاركات:
    2,107
    الإعجاب :
    0
    لا يهمني فيما إذا كان ما سأكتبه هنا يعد شعراً أو نثراً.. قصة أو خاطرة.. أو حتى تقريراً إخبارياً مصوراً فلا أهتم لهذه القيود لكن ما يهمني هو أن يُضم محضر اعترافاتي هذا إلى هرطقاتي ولن آبه كثيراً لمن سيضحك أو يسخر ويَنشُد في التعليق نعيقاً.. هذا شأنهم وأنفسهم.. على أنني سأحترق كثيراً مع كل نبرة من حشرجات هذا الاختلاج..

    يشرق الصباح جميلاً إلا عليّ.. لم أعد أجد في الصباح ما يغريني.. قد ماتت الألوان كلها في مآقيّ وأصبح الحزن بضاعتي التي أنضح بها والقهر زادي كلما دارت عقرب الساعة وامتد بي العمر..

    ولديّ – في كثير مما لديّ – ثقة كبيرة من أن القهر بضاعة لا تكسد ولا تبور وبأنه الأكثر استهلاكاً في هذا العالم.. إن مسخرة العيش في هذه البيئة بعض من روافد إثراء هذه التجارة النادحة بالفظاعة..

    عليل التشاؤم يعبق هنا.. يمكنك أن تشم رائحته معي.. لم يعد يقف أمام الحدود الواهية التي نصنعها إنه يبوء من عبق الحبر الذي كُتبت/ طبعت به هذه الصفحة.. قربها من أنفك فلربما تشعر ببعض من سكراتي..

    تُرى.. هل نحن بحاجة لوصف كل هذا الشلل المقيت الذي أصاب أفراحنا وأخطأ أتراحنا.. أؤكد مع خالص الجزم المبطن بالزعم بأننا لم نعد نستسيغ الفرحة.. إنها بضاعة بائرة مع أنها ليست معروضة على أية حال.. نحن لم نعد نعرف غير الحزن.. لا نسمع إلا به ولا نذوق طعماً إلا له ومعه.. نحن لا نثق من أننا نستطيع أن نعيش مع غيره من أكوام الفرحة الغائبة.. بل في أكثر الأحوال تفاؤلاً فلن نستطيع العيش بدونه أبداً أبداً..

    ربما أبدو غريباً هذا الصباح.. هناك واقعية في هذا الوصف.. أنا غريبٌ هذا النهار.. ربما لأني.. لأني – والله أعلم – لا أستحق أن أكون في هذا النهار..

    أستغفر الله..!

    أتعلمون.. أشعر أني اليوم أكتب عن موضوع شعبي.. على الأقل في هذه الحالة لن أتهم بأني "عنصري" كما اتهمني أحد الأعمام الأعزاء.. ولن أضطر لتلقي تلك الكلمات الجميلة من صديقي بأن "في كلامي خبثاً مبطناً أسعى من خلاله لإثارة شهوات بنات المسلمين" أو "هناك من سمم أفكاري ويجب عليّ التراجع عنها"..

    حقاً سأكف عن بث كل هذه المفردات.. هناك ما يجلب الضرورة إلى ذلك.. على الأقل حتى لا أصل إلى درجة الهوس في هذا الحديث..

    * * *

    أنا "مراهق أعاني من تذبذب في الهوية" هكذا يقول سمير جبران وأنا "شاب تجاوز دائرة الفوبيا مع الامتنان" هكذا يقول صلاح الدكاك و.."مقهور" هكذا اقول أنا مع مزيدٍ من "الأنا"..

    ولما كنت مراهقاً متذبذباً وغير مستقر.. أعيش وحيداً، أعمل وحيداً، أفكر وحيداً وأبكي على نفسي وحيداً.. لما كنت كل هذا الشتات المجموع.. كان لديّ أب مريض نفسياً يعيش على بعد يراود 250 كيلومتراً من منزلي يقضي زهرة شبابه في الشوارع والطرقات.. ويصطبغ بالسمرة تواتراً يوماً عن يوم.. وكلما مرت حمر النعم.. مرت عليه مرور الكرام فلا تصيبه منها يد أو قدم.. أو قل لم تصبه من أقل ما فيها..

    عجب الأمر لا ينقضي.. فكما أسلفت "القهر بضاعة لا تبور" فكان لشتى صنوف العذاب حضوراً قاسياً بطعم سياطٍ كافرة.. ونكهة القهر العربيّ الأصيل..

    من يستطيع في كل هذا العالم أن يدفع عني الأسى أو جزءً منه؟! فنحن – أيها السادة – نؤاكله ونشاربه ونضاجعه دوناً عن حسانٍ أو أخدان.. نسكن إليه في الراحة والعمل.. في البياض والسواد، هو حليفنا.. فبئس الحليف..

    ولما كان أبي – المجنون – ظلماً وعدواناً ذكياً جداً في صحته.. فقد خانه ذكاؤه في علّته.. ولم تسعفه البديهة بأن النفاق والزلفى المقتية والغدر والطمع والخيانة هي صفات العاقل في هذا الزمان.. الذي لم نجد ولا مفردةً تصف بشاعته.. ولا م ف ر د ة..

    إذاً تكالبت الخطوب والمآسي.. وعافه الناسُ.. بارع الأمسِ غدا مجنوناً اليوم – ظلماً واللهِ – وغدت الحسان لا يطقن في ذكره كثيراً "لا حول الله.. دمّره الزمان بعد أن كان شهرياراً.. ياللحسرةِ"..

    مضى المسكين بعد أن انفصل عن امرأته وابنه الذي في بطنها.. وهو في الرابعة والعشرين من عمر لا فصل فيه غير شتاءٍ وخريف.. قسوة وذبلان.. هما محور العيش في هذا العمر المؤسف..

    وانقضت أيام سمع بعدها بجنين من نسله اسمه أحمد.. قد كان العطية اليتيمة التي حصل عليها عن رغبةٍ فيها.. دأب إليه دأب من يحمل العاطفة لرضيع في سنيّه الأولى، أحبه لأنه لم يجد شيء ليحبه.. أو – بعُرف هذه الوحوش التي تسكن هنا – لأنه لم يجد شيء يحق له أن يحبه..

    قد كان يرى في ابنه كل أشياءه وأشلائه.. وكان ينظر فيه مستقبلاً عجّ بالتفاؤل أكثر، كان بادرته الوحيدة للتبسم.. ثم انقطعت الصلة سريعاً وإلى أمد طويل..

    لن أستطيع الحديث عن باقي المجريات.. فأولو البسط والقبض ما تركوا لنا من الأمر شيئاً ولو أن تنالنا ألسنتهم بسوء لا نبلغ له احتمالاً وتجاهلاً والله يعلم بما سيأتي لاحقاً..

    لقد مسَّدتنا الحياة كلنا.. أنا هنا.. وهو هناك.. كلانا ذاق اللظى وإن كان لظاه أشد وأنكى.. فإن الفارق يتمثل بإدراك حجم الوجع فخفف هذا هناك وأوجع هنا.. وسنطوي سبعة عشر مجلداً من الأسى المشترك.. وليكون أحدها كمجلد من "تاج العروس" النظير بالنظير.. أترابٌ أتراب..

    وبقي لنا من عمر هذه القصة خمس وعشرون ليلة من تشرين الأول/ أكتوبر 2005م وتلم بالأب بوادر مرضية طفت على السطح لتجلي إهمالاً في وضع ما.. واشتدت سياط المرض وألهبيّته المخيفة حين قضي الأمر في الحادية عشرة مساء الأحد 15/ أكتوبر/ 2005م الموافق 13/ من شهر رمضان المعظم/ 1426هـ.

    * * *

    ثم قالت حائرة الأعين بما تخفي الدّور.. وهبّ الخبر بطيئاً بسيطاً لقد مات شوقي.. خبر ثقيل مثل هذا لا يمكن أن يثير شجناً أو حزناً على شاب عاش شبابه في الشارع وقضى قبل السادسة والأربعين.

    ومهما حاول أصحاب قلوب كالحجارة أو أشد قسوة.. أقول: مهما حاولوا أن يبكو أو "يتباكو" – عملاً بالحديث الشريف – فما ذلك بكائن.. على أنهم لم يجهدوا أنفسهم بذلك.. فمن مات لا "يستحق" كل هذا العناء.. رحمة الله عليه.. و"الموت عِز" و"ارتاح من التعب" وصدق بعضهم وإن أكثرهم لكاذبون!..

    حضرتُ بعد دفنه والصلاة عليه بثلاث ساعات.. قالت أخته "أرزاق" بأنه كان شديد السمرة جداً.. كان جلداً وعظم لا ترى فيه مزعةً من لحم الآدميّ.. وكان فطناً يرى منه الانتباه والإدراك وسرعة البديهة في أيامه الأخيرة.. بينما قال الشيخ عبد العليم بأنه ظل مريضاً لأكثر من عشرين عاماً ولذا فقد "تمحّصين" ذنوبه وقد صلى عليه في المسجد الذي يخطب فيه وجاء الناس و"العزوة" و"المجابرين" خيرات والحمد لله وابتسامة سعيدة من فيه.. فالحمد لله..

    قضيت يومي بشكل عادي.. جلست مع عمتي "أرزاق" وحادثتها وضحكت وكأن صنوي العزيز لم يمت..حتى أتى المساء أفطرنا وتعشينا وخلدنا إلى "المكارد" بعد ورشة تحضير للعزاء..

    في تلك الليلة حصلت من أحدهم على صراخ.. وثلاثة اتهامات ونصيحة امتدت حوالي ساعة وملامة من جدي وجدتي.. وأقول حقاً لا أحب أن يقرأ هذا جدي وجدتي فسوف أنال لوماً إضافياً.. وهذا بكامله إثر نقاش يزعم فيه كلينا أن الخلاف لا يفسد للودّ قضية..

    في اليوم التالي ذهبت مع الأصدقاء.. أكلت "معصوب" ومطبقية.. في الليلة الثالثة جلست صامتاً في العزاء وسط نقاش وجدال حول صدّام وأمريكا وأشياعهما.. وقضيت بقية الأسبوع بين "بسام" و "أرزاق" و"جدي أحمد" وصاحب البقالة وبائع الشمع والتلفزيون... ولكن

    أين أبي من بين هذا الركام..؟!

    لست أدري كم خنت هذا الصنو الذي أتيت لأجله.. وعليه: أقسم أني لا أحتمل المزيد..

    حياة سيئة للغاية نلخصها في أسطر.. رباه أعترف بأني أسأت كثيراً ربما أنا وأنت فقط ندرك – مع الفارق الكبير في حجم الإدراك – بأني أحبك.. لكن ما لا أدركه هل يجوز لي بأن أحبك وفيما إذا جاز ذلك هل يشفع هذا لي بمزيد من العافية.. لا بطراً لا جحوداً.. إلهي تعلم ما في نفسي وأعلم بأني لن يرف جفني إن لم ترد ذلك.. أرجوك يا رب

    ".. إني قد مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين".

    25/ 10/ 2005م
    22/ 9/ 1426هـ​
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2006-01-08
  3. مشاكس

    مشاكس قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-14
    المشاركات:
    16,906
    الإعجاب :
    0
    آ ه (بحجم مأساتك)

    صدق من قال ان المأساة تولد الابداع

    فأنت بحق.. مبدع
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2006-04-01
  5. داود دائل

    داود دائل عضو

    التسجيل :
    ‏2006-03-25
    المشاركات:
    46
    الإعجاب :
    0
    لا اضن اني قادرا علي الرد
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2006-04-16
  7. حسين المقطري

    حسين المقطري عضو

    التسجيل :
    ‏2006-03-31
    المشاركات:
    9
    الإعجاب :
    0



    انت مخزن من الابداع الحب الثوره العرفان الذاكره الالم التعلق الهرطقات


    فاحمل امتعتك وارحل بعيد عنا الي السماءلتكون لنا نجم نهتدي به عندما نفقد كل ذلك

    وغير ذلك:
     

مشاركة هذه الصفحة