السباق إلى العقول الحلقة (19)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 402   الردود : 1    ‏2002-04-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-04-15
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    تابع لغرس الأخلاق الفاضلة في النفوس

    نماذج من الأخلاق الفاضلة

    ولنذكر شيئا من الأخلاق الفاضلة التي يتصف بها أهل الحق وقد يتصف ببعضها أهل الباطل ولكن ليس كاتصاف أهل الحق بها لأن أهل الحق يمتازون عن سواهم في الاتصاف بالأخلاق الفاضلة بميزات لا توجد في غيرهم كما مضى ومن تلك الأخلاق:

    أولا: الإخلاص في الأعمال
    أي إنهم يريدون بأعمالهم وجه الله وحده فلا يتصفون بخلق ولا يعملون عملا يريدون من ورائه مدحا ولا ثناء من غير الله ولا جاها أو منصبا أو مالا أو غير ذلك من المخلوقين كما قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)[البينة: 5]

    والذي يعمل العمل مخلصا لله لا يترك عمله من أجل هوى أو شهوة أو تقربٍ لأحدٍ من الخلق[ وقد فصلت القول في أهمية الإخلاص وصعوبته والأسباب المعينة على الاتصاف به في كتاب: الإيمان هو الأساس في مبحث: الإيمان باليوم الآخر فليراجعه من شاء]

    ثانيا: التزام الصدق
    وخلق الصدق في الإنسان يجعله مستقيم السيرة مع ربه ومع الخلق: يصدق في إيمانه وفي عبادته وفي معاملاته مع أسرته ومع جيرانه ومع مجتمعه كله وباستقامة الناس على هذه السيرة المبنية على الصدق تستقيم الحياة

    والصدق شرط أساسي في أهل الحق الذين يسابقون أهل الباطل إلى العقول بحقهم فلا يقبل الحقَّ الإلهيَّ إلا الصادقون ولا يحمله إلا الصادقون ولا يدعو إليه ويثابر في الدعوة إليه إلا الصادقون ولا يصبر على البلاء في السباق إلى العقول بالحق إلا الصادقون

    فالصادقون هم أهل الحق الذين يَحْيَونَ صادقين مهما كلفهم الصدق من تبعات ويموتون على الصدق لأنهم يعلمون أنه لا ينفع عند الله إلا الصدق ولا يبقى الحق في الأرض إلا بالصدق ولا حق بدون صدق كما أنه لا صدق بدون حق

    ولما كان الله تعالى هو الحق وهو مصدر الحق أسند إلى نفسه الصدق ونفى أن يكون أحد أصدق منه كما قال تعالى: (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)[آل عمران: 95]

    وقال تعالى: (ومن أصدق من الله حديثا)[النساء: 87]

    وقال تعالى: (وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا)[النساء: 122]

    والصدق من صفات أولي العزم من الرسل الذين يسألهم الله يوم القيامة عن صدقهم إقامة للحجة على من كذب بالصدق ولا يكذب بالصدق إلا الكاذبون

    قال تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما)[الأحزاب: 8]

    وقال تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون)[الزمر: 33]

    وأهل الحق الصادقون ينفعهم صدقهم عند الله يوم يلقونه في الدار الآخرة كما قال تعالى: (هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم)[المائدة: 119]

    وإنما كان للصدق هذه المنزلة العظيمة لما يترتب عليه من الآثار السامية فإن صاحبه يَصْدُق ربَّه في إيمانه وفي عبادته فلا يكون منافقا يظهر خلاف ما يبطن ولا مرائيا يعمل العمل الذي ظاهره الصلاح من أجل أن يراه الناس فيحمدونه فإذا خلا بنفسه بارز الله بخلاف ذلك ويَصْدُق الناسَ الذين يتعامل معهم في أي موقع كان حاكما كان أو محكوما خادما كان أو مخدوما أبا كان أو ولدا يُصَدِّق فعلُه قولَه فتسري الثقة بين الناس بالصدق ولا يتوجس أحد من آخر خيفة بسبب الكذب إيمانه صادق وجهاده بأعز ما يملك: (ماله ونفسه) صادق كما قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)[الحجرات: 15]

    ويُظهر هذه المنزلةَ العظيمة للصدق: الكذبُ الذي هو من أبرز صفات أعداء الله من الكافرين والمنافقين وإمام الكاذبين هو إبليس الذي يعدهم ويمنيهم ويكذب عليهم ويغريهم بالكذب فيضلهم عن الحق حتى يكذبوا به ويصدقوا الباطل فإذا جاء اليوم الذي لا ينفع فيه إلا الصدق وعاينوا جزاء التكذيب بالصدق بث حقده وأظهر ازدراءه لهم وأنزل الحسرة في قلوبهم وتبرأ منهم فعرفوه على حقيقته كما قال تعالى: (وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمونِ من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم)[إبراهيم: 22 أصل الصراخ: الصوت الشديد والصارخ: المستغيث والمصرخ-على وزن المكرم-المغيث]

    تأمل قول الله تعالى: (إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم) أي إن الله الحق أمركم بالحق ووعدكم على الإيمان به وفعله وعدا حقا وهو رضاه عمن آمن بالحق وفَعَلَه وصدَق الله في وعده فأثاب أولياءه رضاه وجنته كما قال تعالى بعد الآية السابقة: (وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام)

    أما إبليس فقد صدهم عن الحق وأغراهم بالباطل ووعدهم في الدنيا بالسعادة إذا هم اتبعوه وذلك كله كذب وافتراء فلم يُعْمِلوا عقولهم ويفكروا بها ليعرفوا صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وكذب الشيطان فاتبعوا خطوات الشيطان فكانت تلك عاقبتهم في الآخرة: عذاب الله الذي لا يغني عنهم منه أحد من قادة الكفر والاستكبار الذين كان خطاب إبليس خيبة أمل لهم جميعا في ذلك الموقف الرهيب

    وهذا هو جزاء كل من اتبع أهل الباطل من زعماء الضلال المحاربين لله ولرسوله الذين دأبهم الكذب على أتباعهم في دينهم ودنياهم يكفرون بالله ويحاربون شريعته ويحلفون الإيمان المغلظة بأنهم هم المؤمنون: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كنوا يعملون)[المنافقون: 1-2]

    ويفسدون في الأرض بتأييد الكفر والكافرين وموالاتهم ونشر الفسق والفجور وتيسير سبل ارتكاب الفواحش والمنكرات والمحرمات ومناصرة الظلم والظالمين وحجب العدل عن الضعفاء والانغماس في الترف المهلك الذي يعينهم عليه السلطان والمال ومحاربة أهل الحق والصلاح الذين يدعون الناس إلى الحق والصلاح ويحذرونهم من المنكر والفساد ويضلل أولئك المفسدون جماهير الناس المغفلين بقلب الحقائق وبالكذب المتكرر منهم على تلك الجماهير مزينين لهم أعمالهم منفرين لهم من سماع ما يدعوهم إليه أهل الحق ويدَّعون أن فسادهم صلاح وصلاح أهل الحق فساد كما قال تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد)[ البقرة: 204 206]

    (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)[البقرة: 11-12]
    وإذا كان يترتب على الكذب واتباع أهله ذلك الجزاء الأخروي فإنه يترتب عليه في الدنيا أيضا الفوضى والاضطراب وسوء العاقبة والمحن التي تزلزل البشر زلزالا شديدا في كل شؤون حياتهم


    الأضرار الرئيسة المترتبة على الكذب

    ولو أردنا استعراض الأضرار المترتبة على الكذب لطال الكلام على ذلك ولذلك نكتفي بالأضرار الرئيسة الآتية:

    الضرر الأول: القول على الله بالباطل بعلم أو بغير علم
    وهذه صفة علماء السوء من أهل الكتاب ومن اقتدى بهم من هذه الأمة كما قال تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)[البقرة: 79]

    وصفة الجهلة من المشركين أيضا كما قال تعالى: (قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)[الأنعام: 144]

    الضرر الثاني: تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل
    وهو مترتب على القول على الله بعلم أو بلا علم مع نسبة ذلك إلى الله تعالى كذبا وبهتانا فيجمعون بذلك بين الكذب والافتراء على الله-عن علم أو عن غير علم-وتحريم الحلال وتحليل الحرام ويدخل في هذا كل حلال وحرام أو محاربة دينه وشريعته بإنكارهما وادعاء حق التشريع ادعاء صريحا ويصدرون الأنظمة والقوانين التي تحرم ما أحل الله للناس وتضيق عليهم ما وسع الله لهم أو تحلل ما حرم الله من المعاصي المتنوعة بحسب الأهواء في التحليل والتحريم معا

    الضرر الثالث: الكذب السياسي المدمر
    وهذا يحصل من الطغاة المحاربين للحق وأهله عندما تعوزهم الحجة ويصرعهم برهان الحق ومن الأمثلة الواضحة على هذا موقف فرعون من دعوة موسى وأخيه هارون عليهما السلام فقد حاول محاورة موسى فغلبه موسى وحاول الاستعانة عليه بالسحرة والحشود الجماهيرية فغلبه موسى فلجأ إلى الكذب والافتراء مدعيا أن موسى إنما جاءهم بما جاء به ليستولي على الحكم ويخرج أهل مصر من بلادهم ويتكبر عليهم-كما يقول المثل: "رمتني بدائها وانسلت"

    قال تعالى عن فرعون-بعد ذكره حوارا طويلا معه: (قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم فجمع السحرة لميقات يوم معلوم وقيل للناس هل أنتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون فألقي السحرة ساجدين قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين) إلى قوله تعالى: (فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين)[طه: 34-36] ؟؟

    تلك هي عاقبة أهل الباطل الكاذبين من الطغاة الذين يدمرون أممهم بكذبهم عليهم كما حصل لفرعون و قومه وهذه هي عاقبة أهل الحق الصادقين الذين ينصحون لقومهم ويبلغونهم الحقائق بدون زيف ولا افتراء كما حصل لموسى عليه السلام ومن معه

    وما أكثر صنف فرعون وقومه الذين يكذبون على أممهم في كل شئ ويستخفونهم فيطيعونهم ويحاول أهل الحق إنقاذهم من سياسات ألئك الطغاة فتوضع أمام محاولاتهم العقبات ثم لا يتبين القوم كذب ساستهم إلا عندما ينزل بهم الدمار فيندمون ولات ساعة مندم وهذه الأمم اليوم تساق إلى دمارها وهلاكها بكذب طغاتها عليها وقلبهم الحقائق لها وهذه الشعوب في الأرض تُدمر في دينها ونفسها وعقلها ونسلها وعرضها ومالها ولا تعتبر بما جرى ويجري من المصائب النازلة بها ولا زالت تسير وراء طغاتها كالشياه وراء الراعي الأحمق لم تستبن رشدها الذي دعاها إليه الصادقون من رجالها على حد قول دريد بن الصمة:

    أمرتهمُ أمري بمنعرج اللوى
    ==========فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2002-04-22
  3. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    شكراً لك أخي فضيلة الشيخ الدكتور الأهدل

    نسأل الله ان يجعلنا وإياك من الصادقين المخلصين!

    بارك الله في عمرك ووقتك فضيلة الشيخ!
     

مشاركة هذه الصفحة