هل أفسحت كفايةً يا أمي "قصة قصيرة"

الكاتب : أحمد شوقي أحمد   المشاهدات : 485   الردود : 0    ‏2006-01-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-01-08
  1. أحمد شوقي أحمد

    أحمد شوقي أحمد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-03-29
    المشاركات:
    2,107
    الإعجاب :
    0
    ها هي الآن.. تخلد إلى أقدارها.. على وجن الجدار تضع ظهرها.. وعلى تلك الأرض الترابية تأتمن ردفيها.. وفخذيها..

    ها هي.. تلملم حسراتها.. "كدقيق فوق شوك نثروه".. ومع كل وخزةٍ تمطر.. رطلاً من العبرات.. ما الفائدة؟! فات كل شيء..

    تستعيد الذكريات.. وشريطها يمر في تسلسل مرتب.. ويلون كل يوم بلونه المناسب..

    تتذكر.. كانت فتاة يانعة جميلة.. يومها لم تعدو خمسة عشر ربيعاً باسماً.. كانت جميلة خلابة.. وتقاسيمها توحي باشتهاء عارم..

    تزوجت بسرعة من رجل يكبرها بسنوات متواترة.. لكنه – والحق يقال – كان حنوناً طيباً.. وازع الأفعال.. حسن الأقوال والمرامي..

    ولأن الطيبون لا يُستدام لهم مُقام.. فقد رحل عنها شابة مخضرّة.. وردية الوجنات.. خضراء الأوداج..

    إلى هذا ترك لها طفلاً مسكيناً ومالاً موفوراً.. وموارد شتىً.. كان طفلها لم يعد السابعة.. وكانت حينها قد قضت تسع سنوات في ذمة بعلها الأول..

    وبدأت تحسُّ بالوحدةِ والاحتياجِ سريعاً.. فمضت تبحث لها عن "ملتحمٍ" آخر.. ذو شهية أعظم تدفقاً.. كانت تبحث عن رجل يحتلب ريقها بشراهة.. رجلٌ كلما نظرته بعينيها ملأهما.. رجل تقضي طويلاً حين تريد قياس ما بين منكبيه.. رجل يجيد إمالة العنق.. وشد الانتباه.. رجلٌ تخلد إلى تقاسيمه باطمئنان وتسقى معه قنان من الشبق اللذيذ.. والألم الألذ..

    وعلى هذا.. كان تفكيرها بمن تريد مظهرياً.. واختارته كذلك.. وافقت عليه باكراً.. رغم أنه أمكنها التريث إلا أنها استعجلت.. وبدون استقصاء أو استعلام عن أغواره وافقت من منطلق "خير البر.. عاجله"..

    وهو – مظهراً – لم يخيب ظنها.. ومع أنه ليس وسيماً كثيراً إلا أنه يجيد التقطيب.. وتمثيل الأدوار.. وتسكنه قدرة على الخداع.. وقدرات على ضرب الوتر الحساس..

    ثم أنها تزوجته.. ومنحته مهراً.. وأنكحته من نفسها.. إلى هذا كله.. فقد أشبعته من الزاد والقوت.. والبسته خير الثياب من أفخم الخامات.. وشيدت له وباسمه الدور والقصور.. وجعلت مالها وجمالها وولدها خدماً له يأتمرون بأمره.. سواءً بمعروف أو بدونه.. وكلما زاد نشاطه بها.. زاد نشاطها له..

    وكانت تعمَدُ لتحجيم نفسها وذريتها "ولدها الوحيد" أمام بعلها.. وتستبعدهما في سبيل تحقيق رغباته.. فهو العمود الذي ترتكز عليه.. وهو زوجها ومبلغ أمانيها..

    وحدث غير مرة.. كان يدخل زوجها فتقول لابنها: (أيّ بني.. قم وأفسح لعمك..) وتكررها مراراً ولا ترضى حتى يفسح ولدها ويذهب حتى آخر الإيوان.. وتقعد هي بجواز زوجها.. ويقعد ولدها عند الباب.. ملوماً محسوراً..

    تمعض الصغير كثيراً.. وكانت "قم وأفسح لعمك.." علامة فارقة.. ومنعطفاً خطيراً في حياته.. اتخذ على إثرها قرار الهجرة.. وعزّت عليه نفسه أخيراً.. وترك "سعيد لسعيدة( )".. وذهب يبحث عن نفسه في الأميال البعيدة..

    لم تأس عليه كثيراً.. "هو لا يعلم.. دعه يذق الحياة.. ويعرف ما كان فيه من نعمة.. "وخلدت إلى حضن زوجها.. وتذوقت طعمه اللذيذ..

    مضت أيام.. وأردفتها أيام.. تبدد المال.. كثر اللغط.. وازداد الإشكال.. وبدأت الخلافات تشيع فيما بين اثنين.. قل الاحتضان.. وتجافت النهود الأربعة عن اللزق.. واختُتِمَ الأمر سريعاً.. فقد طلقها!!!

    طالبت بالحقوق.. فلم تنل سوى العقوق.. كل شيء باسمه.. ليس لها باح إنمَلةٍ مما أخلف زوجها.. فعادت إلى منزل أبيها المهجور.. وحيدة بلا سند أو ولد..

    وبعد هذه السنوات.. بعد عقد ونيف.. لا تصدق أنها ضيعت كل ذلك.. تعود إلى حالها الآن.. تجفف دمعها.. تتأمل في الجدران وفي الشقوق المعنكبة.. وتتذكر.. تتمنى.. لو أن ولدها كان بجوارها.. يمسح الدمع الميت على صفحات وجنتيها.. تتساءل: "..أيناك يا توأم روحي.. يا فلذة كبدي..؟!"

    تتساءل أخرى: ".. وماذا لو اجتثني الموت قبل أن أراك.. ويلااااه.. ها قد أصبحت وحيدة.. بل إن متُّ فلن أجد من يتشهد عليّ.. يا ألله ما كل هذا الحزن المقيت..؟!" ثم تمضي في رحلة استدماعٍ قصيرة..

    تسمع طرقاً.. تفتح.. "شوالة( )" من ابنها.. ماذا بداخلها؟! "غطاء للراس.. ثياب جديدة.. ومال.. وورقة صغيرة.. مكتوب عليها:

    (ها قد رحلت إلى ما وراء البحر يا أمي.. فهل أفسحت لعمي كفاية؟!)

    ظهر السبت 23/ 7/ 2005م​
     

مشاركة هذه الصفحة