قبل الذهاب "قصة قصيرة"

الكاتب : أحمد شوقي أحمد   المشاهدات : 352   الردود : 0    ‏2006-01-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2006-01-08
  1. أحمد شوقي أحمد

    أحمد شوقي أحمد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-03-29
    المشاركات:
    2,107
    الإعجاب :
    0
    كانت المدينة تجثم تحت وطأة الليل القاتل . الأضواء الصفراء الفاقعة تبعث على التشاؤم والفجيعة، رائحة دخان احتراق القمامة يتضوع في الربوع، والطريق مليئة بالحجارة .. الكثير من المطبات والحفر.. وقطط سوداء تموء بغنج فاجر، والكلاب تتجول لاهثة .. وتعوي بحقارة استلهمتها من حقارة المكان ..

    اقتربت من باب غرفتي النائية الصغيرة، (ياله من باب خشبي لعين) .. شبح امرأة عريضة وممتلئة يموج في رأسي .. وبعض التمايلات كفيلة بتدفق الدم إلى مكان ما .. وانتفاخه..
    لا يمكنني الحديث أكثر .. فالعرف لن يسمح لي بذلك .. دسست يدي في جيبي لأخرج المفتاح .. فتحت الباب ودخلت ..نظرت في غرفتي المشققة جدرانها، والمتسخة أركانها .. قصر الغرفة و طأطأة رأسي منعتني من المشاهدة أكثر .. اقتربت من فراشي .. استلقيت على ظهري .. وأخذت نفساً عميقاً..

    تذكرت فيفي عبدو ولوسي ودينا ونبيلة عبيد وراقص عروض أسبانية أصبح الآن وزيراً للثقافة في بلد عربي ما.. وعاهرة ما .. تمايل أردافها ذات اليمين وذات الشمال .. وتدعك نتوءات ما وتمسح على أماكن بارزة .. وتموء كتلك القطط السوداء الفاجرة .. التفت إلى يساري .. كتبت تعميماً إلى الجدران .. وقرأت بصوت مسموع: (تلك العاهرة تمنحني .. تمنحكم .. تمنحنا شيئاً باعثاً على اللعاب .. تلك العاهرة تعطيني .. تعطيكم .. تعطينا .. شيئاً في عمق السراب .. تلك العاهرة .. تسلبني .. تسلبكم .. تسلبنا شيئاً قد يسلبني .. يسلبكم .. يسلبنا القدرة على التعامل مع زوجاتنا ذات يوم ..

    فجأة .. وبدون مقدمات .. ظهر كاظم .. وفرت العاهرة.. هربت اللعينة .. بدا عليه الوجوم .. والغضب.. واكتست وجهته صفرة الموت .. توقف قليلاً، ثم بدأ بالغناء .. " أطفال بغداد الحزينة يسألون .. عن أي ذنب يقتلون .. يترنحون على زقاق الجوع .. يقتسمون خبز الموت .. ثم يودعون .."

    ثم يضيف بتحد قاسي المعطيات .. " .. الله أكبر من دمار الحرب يا بغداد والزمن البغيض الظالم .. الله أكبر من سماسرة الحروب على الشعوب وكل تجار الدم .. بغداد لا تتألمي .. بغداد أنت في دمي.. "

    احمر وجهي خجلاً .. وانكمشت الجدران .. بينما بدا لونها أكثر شحوباً.. كيف سمحت لنفسي بالتفكير بتلك العاهرة.. ولم أفكر في قضيتي ومبدأي وقوميتي .. كيف تلهيت عن كل هذا ..

    " والطفل يهمس في أسى .. أشتاق يا بغداد تمرك في فمي .. من قال أن النفط أغلى من دمي .. من قال أن النفط أغلى من دمي .."

    كيف سمحت لنفسي بتجاهل كل هذه النداءات .. لا .. لن أهادن .. كفاني لعباً واستهتاراً .. آت إليك يا بغداد .. سأطلقك يا بغداد .. سأجتث كل الخنازير من داخلك .. سأقتل كل وغد..وأحيلهم في الأرض سراب.. هاأنذا يا بغداد آت إليك يا منبر العز .. آت .. آت ..
    قمت مسرعاً .. متحمساً .. متعجلاً.. فارتطمت رأسي بالسقف.. وسقطت في غيبوبة وعندما صحوت.. أدركت بأنه كان يجب علي رفع سقف منزلي قليلاً.. قبل الذهاب لتحرير بغداد ..
    23/ 12/ 2004م​
     

مشاركة هذه الصفحة