كي تعم الفائدة نقلت لكم هذه المحاضره

الكاتب : المسافراليمني   المشاهدات : 796   الردود : 0    ‏2002-04-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-04-13
  1. المسافراليمني

    المسافراليمني قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-12-17
    المشاركات:
    2,699
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    القدس بين الوعد الحق..والوعد المفترى
    الموقف الإسلامي من مشروع السلام العربي اليهودي

    الشيخ: سَفَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحَوَالِيِّ

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ (56) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)
    سورة المائدة 51 - 57 .

    * ألقيت هذه المحاضرة بمدينة جدة في الثالث من شهر جمادى الأولى سنة اثنتي عشرةَ وأربعمائة وألف للهجرة


    --------------------------------------------------------------------------------

    ا لمقدمة:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد للّه الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ، واصطفى هذه الأمة بميراث النبوة والكتاب { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا } فاطر: 32 وميز طريقها عن طريق المغضوب عليهم والضالين ، وجعلها قائمة بالقسط منصورة بالرعب حاكمة بالعدل شاهدة على العالمين بالحق .

    وصلى الله وسلم على خيرته من خلقه وصفيه من عباده الذي دعا ببعثته إبراهيم وبشر برسالته عيسى عليهما السلام ، وأخذ الله العهد والميثاق على كل نبي بعثه أنه إن أدركه عهده ليؤمنن به ولينصرنه وظل أنبياء الله وأولياؤه وعباده الصالحون ينتظرون بعثته ويتلمسون مخرجه ويحسبون لموعده حتى بزغ نور الفجر المبين وظهر دين خاتم المرسلين فأيقنوا أنه الحق فخروا للأذقان يبكون ويقولون {سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) } الإسراء : 108 .

    واقتضت حكمة الحكيم العليم أن يكون أهل الكتاب - ولا سيما اليهود - من ساكني المهجر ومجاوري الدعوة وأن يكونوا أول كافر به مع أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن يؤلبوا عليه الأميين مع أنهم كانوا يستفتحون عليهم بخروجه وأن يكونوا أعظم الساعين لإطفاء نوره مع أنه مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل ، وأشد المعاندين لوعده مع أنه مجدد لملة إبراهيم ، وأنزل الله الكتاب المبين والذكر الحكيم مفصلا لما جبل عليه اليهود من عتوٍّ وجحود وكفر وعناد وخسة ولؤم ودناءة ونكوص وما استوجبوا من مقت وغضب وذلة ومسكنة وفرقة وصغار، فلا تجد في كتاب الله أمة طال الحديث عنها وتنوع قصصها مرة بعد مرة كهذه الأمة ؛ فضح الله خبايا نفوسها وخبيث طباعها وعداوتها للعالمين أجمعين ، وحقدها على أهل الخير والحق في كل زمان ومكان حتى الملائكة المطهرين !

    فباؤوا بغضب على غضب ولعنوا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم كما لعنوا على لسان داود وعيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام (1) .

    ولكن اليهود هم أشبه شئ من البشر بالشيطان الرجيم فكما أنه مستحق للعنة وموعود بشر عاقبة فإنه مسلط على طائفة من الخلق وممهَّد له الاستحواذ عليهم وممكن له التزيين لهم .

    وبين يدينا في هذه الصفحات عرض واقعي وبحث استقرائي ودليل إحصائي عن هذه الطائفة المنتسبة للمسيح الذين هم صهاينة أكثر من الصهاينة ويهود أشد من اليهود ومع ذلك فهم قادة النظام الدولي الجديد - ولو كان ظاهرا - وسادة العالم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة كما يسمونها .

    فهم يلبسون جلود النصارى على قلوب اليهود ويجهدون لإطفاء نور الله وإخلاف وعد الله ورفع ما خفض الله وخفض ما رفع الله وإعزاز من أذل الله وإذلال من أعز الله ، وينصرون التلمود على القرآن ويعاونون قتلة الأنبياء على ورثة الرسالات ، وباختصار يسعون لإقامة مملكة المسيح الدجال ووأد مملكة المسيح ابن مريم عليه السلام .

    (1) واقتضت حكمته تعالى أن ينال كل من والاهم نصيبه مما كتب عليهم وضرب ، سواء انتسب إلى هذه الأمة كمنافقي الأمس وملاحدة العصر أو كان من غيرها كبريطانية

    التي كانت لا تغيب الشمس عن ملكها فصارت عصابات إيرلندا تقض مضجعها وترغم أنفها والمستقبل قادم بمثل ذلك لوريثتها أمريكا بإذن الله .
    وسار في ركابهم من المنتسبين إلى الإسلام زعامات عميلة وقيادات ذليلة انسلخت من دينها وكفرت بوعد ربها وكذبت خبر رسولها صلى الله عليه وسلم واستحوذ عليها حب الدنيا وحطامها فتجدهم أحرص الناس على كرسي ولو تحت أقدام اليهود .

    هذه الزعامات ربطت مصيرها بعجلة الكفر وخانت أمتها في أعز ما تملك وحضرت مؤتمر مدريد وما أدراك ما مدريد ؟

    لقد اختار أهل الكتاب أن يسجلوا تاريخ نصر اليهود واستعادتهم لمملكة التلمود حيث استعاد النصارى فردوسهم المفقود وفي البقعة التي انطلقوا منها لاكتشاف العالم الجديد، الذي تزعم المؤتمر المنكود .

    ولئن كان هذا المؤتمر المتآمر هو سبب المحاضرة المباشر فإنني لم أخض في تفصيلات الأحداث وتحليلات الوقائع فيه أو فيما تلاه بل لم أجهد نفسي للبحث في ذلك لسبب واحد هو أن الإسلام قد غاب - بل غيب - عن المؤتمر وإنما حضره اليهود والنصارى وأولياؤهم الذين لو فتحوا القدس بل لو فتحوا روما لما كانوا إلا مرتدين ملحدين فكيف وهم يتكففون السلام ويقبلون الأقدام ويدفعون الجزيات الجسام . وما مدريد إلا زيادة في الكفر وإيغال في الردة .

    وإنما القصد الأول لمن وفقه الله لحمل ميراث النبوة وتجديد الدين أن يعيد الناس إلى حقائق الإيمان وأصول الدين مستمدة من منبعها الصافي ومعينها الزلال ، ثم يأتي الحديث عن مكر الأعداء ومؤامرة الدخلاء تبعًا لا قصدا ووسيلة لا غاية.

    وقد وفق الله تعالى هذه الصحوة الممتدة المباركة لبدء الطريق من أوله والبناء من أساسه والإقبال على تصحيح العقيدة وتقويم المسار وربط كل قضية مهما صغرت بأصل الدين والإيمان وحقيقة العبودية فبان لها سبيل الولاء والبراء وظهر لها كيد المنافقين وأهل الكتاب في الأصل والجملة وأصبح لزامًا على من تصدر لتذكيرها بأيام اللّه وتبصيرها بدين الله أن

    يبينوا لها من المعالم ما هو كثر تفصيلا وأبين قيلاً وذلك بالتوعية العامة للقاعدة العريضة من الأمة مع مخاطبة الفئة المثقفة بما يلائمها من عميق الفكر ودقيق البحث .

    فالتوعية العامة التي تتخذ شكل العرض الواضح والحقائق المبسطة والربط الجلي بين مقتضيات العقيدة وأحداث الواقع من أجل الواجبات على من بصره اللّه بذلك من قادة الصحوة فهي فوق كونها مقتضى الإيفاء بميثاق الكتاب من أعظم الحقوق لهذه الصحوة عليهم ، لتتجلى معالم اليقين ولتستبين سبيل المجرمين ، وهذه الإبانة هي أساس لعقيدة الولاء والبراء . وهذه العقيدة أساس لمخاطبة الغرب الكافر باللغة التي يفهمها ولا يفهم سواها - اللغة التي يرهبها الغرب مع أننا لا زلنا في أبجديتها.

    إن الحديث عن الحقوق المشروعة والقرارات الدولية الذي استنزف ويستنزف من الإعلام العربي ما يملأ البحار لم يجد أذنًا - ولا عُشرَ أذن - كتلك التي أحدثها انفجار مشاة البحرية في بيروت والهجوم على ثكناتهم في مقديشو، بهذه اللغة وحدها يسحب الكفر أذيال الهزيمة وتنحني هامات "الخواجات " العتية أمام مجموعات طائفية وعصابات قبلية وليست جيوشًا دولية ، وإن استرداد بضعة قرى ومدن في البوسنة قلب المؤشر الصليبي وأرغمه على إعادة حساباته . وإن أي خطاب للكفر لا يستخدم هذه اللغة هو لغو من القول وزور من العمل ، الغرب الذي يجرد الجمهوريات الإسلامية من سلاحها النووي ويكدسه بيد روسيا الأرثوذكسية بل يرغي ويزبد إذا اشترت دولة عربية سلاحَا من الصين أو الأرجنتين ، إنه لا يرضى بأقل من أن نصبح خدمًا بين يديه (كتلك الصورة التي نشرتها الصحف الأمريكية للمسلمين وهم يمسحون حذاء رئيس حكومة اليهود) .

    وإن ما يُسمى مشروع السلام لم يأت تبعًا لتغير الظروف الدولية وانحسار مرحلة الحرب الباردة ووفقًا لمقتضيات الوفاق الدولي كما يصور ذلك الإعلام الغربي و ذيله الإعلام العربي ، فهذه التغيرات نفسها أعراض للمتغير الأساسي وهو الخطة الصهيونية للسيطرة على العالم كافة والمنطقة الإسلامية خاصة .

    إن هذه الخطة ببساطة - قد عدلت عن فكرة إقامة دولة إسرائيل الكبرى، وبعبارة أصح قد عذلت هذه الفكرة لأسباب ذاتية ضرورية أهمها أن دولة اليهود وجدت نفسها بعد 40 سنة من قيامها عبارة عن مركب من المتناقضات وكائن غريب في محيط من العداوات .

    فعلى المستوى الأمني لم تنجح في السيطرة على ما ابتلعته من أرض فلسطين فكيف تسعى لمزيد من الأراضي ؟ وإن لبنان التي هي أضعف الجيران وأبعدهم عن العدوان ظلت مصدر قلق وإزعاج لا نهاية له حتى بعد اجتياحها المعروف .

    والمشكلة السكانية تشكل أعمق المشكلات وأبعدها تأثيرا فكثير من اليهود لم تخدعهم الوعود المعسولة والإغراءات البراقة للهجرة إلى أرض تعج بالمساوئ الاجتماعية من اختلال الأمن إلى الطبقية المقيتة إلى التناحر الحزبي . . إلخ .

    إن هذه الأفاعي عندما تجتمع - على اختلاف ألوانها وأشكالها - لابد أن يذوق بعضها سم بعض إضافة إلى الحجارة التي تهشم رؤوسها باستمرار من أيدي أشبال الإسلام ، فكيف إذا وصل الأمر إلى الرصاص ؟ ولقد رعبت دولة اليهود من ارتفاع مؤشر الهجرة المضادة وقلة استجابة السكان لدواعي تكثير النسل وأظهرت الإحصائيات الرسمية أنه مقابل كل شهيد من أبناء فلسطين المسلمة يولد عشرات وعشرات .

    ومن تجربة إسرائيل التي لا تقبل النقاش أنها أعجز ما تكون عن استئصال المقاومة بنفسها فعملاؤها هم الذين تولوا سحق الفلسطينيين في لبنان والأردن وسورية والكويت وغيرها . فلماذا لا تضع يدها في أيديهم ضمن خطة أخرى تتنازل فيها عن أوسع حدود الأرض التوراتية إلى أضيقها ولا غرابة في هذا على عقيدة اليهود التي تؤمن بالبداء وبأن الأحبار يصححون أخطاء الرب ، تعالى اللّه عما يصفون .

    ثم إن إسرائيل لكي تقنع الإنسان الغربي المفتون بدعوى الديمقراطية وحقوق الإنسان لا تستطيع أن تظل ثكنة عسكرية وسجنًا كبيرًا إلى الأبد .

    كما أن المقاطعة العربية مهما بدت شكلية توفر حاجزا نفسيا لشعوب المنطقة، فلابد من افتعال حركة "تكتيكية " يتراجع فيها اليهود ويسلمون بما يسمى "الحكم الذاتي المحدود" لكي يتم الهدف الأكبر استراتيجيًا التخلي عن التوسع الجغرافي مقابل التغلغل السياسي والاقتصادي والثقافي " وهو ما عبر عنه أكثر من مفكر ومسؤول بمصطلح ( الولايات المتحدة الشرق أوسطية" !!

    وهكذا سيؤدي فتح الحدود الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وإعلان فتح القنوات السياسية إلى أن يصبح يهود إسرائيل في الشرق الأوسط كيهود نيويورك في أمريكا ، وتصبح ثروات المسلمين ركازًا لهم وجامعاتهم ومؤسساتهم الثقافية أوكارًا لفكرهم ، وحواضرهم التجارية مراكز لبنوكهم وتجارتهم وأسواقا لبضائعهم ويصبح عامة الشعوب العربية عمالاً كادحين لخدمة البارون اليهودي الربوي !!

    هذا هو هدف السلام المزعوم مهما غلفوه أو قنعوه ، والتخطيط الصهيوني لم يتغير ارتجالاً ولا هو نتيجة دراسات فكرية وميدانية بحتة كما يظهر - بل إن أسبابه وجذوره تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك إلى خبيئة النفسية اليهودية وحقيقة الجبلة اليهودية وواقع التاريخ اليهودي القديم والحديث .

    فقيام كيان يهودي متميز مستقل كسائر الكيانات السياسية أو العقدية في العالم أمر يتنافى مع تلك النفسية والجبلة والتاريخ والخطأ الأكبر الذي وقع فيه مسطرو أحلام العودة منذ الأسر البابلي إلى الاضطهاد الأوربي وخطط له أمثال هرتسل وفيشمان ووايزمان هو أنهم غفلوا أو تغافلوا عن هذه الحقيقة، فلما قام الكيان المنشود خرجت الحقيقة كالشمس من تحت الركام !!

    وليس بخاف على اليهود ولا على المطلعين على الحركة الصهيونية الحديثة أن جماعات وزعامات يهودية (دينية وفكرية) ترفض قيام دولة يهودية متميزة بل تعكس النبوءات التوراتية على أهلها وتقول إن قيام هذه الدولة هو نذير الهلاك والفناء لليهود، ولها على ذلك أدلة وشواهد من الأسفار والمزامير ومن واقع التاريخ .

    لقد جسد قيام دولة إسرائيل المأزق الكبير الذي وقع فيه اليهود حين اصطدمت الأحلام التلمودية العنصرية التي لا حدود لها بواقع النفسية اليهودية العليلة التي لم تكن يومًا من الأيام رأسًا في قضية ولو كانت قضيتها الذاتية فكيف تكون رأسًا في قضية العالم كله ، ولذلك فإنها تعلل نفسها بخروج المسيح الموعود الذي يحمل عنها هذه التبعة . فاليهود لم يكونوا في حقبة من أحقاب تاريخهم رأسًا في قضية وإن كانت قضيتهم ، ولو كانوا كذلك مرة واحدة لكانت في هذا العصر وهو ما لم يكن !! فهم كالشجرة الطفيلية لا تنمو إلا على ساق غيرها أو الدودة المعوية التي لا تكل إلا قوت غيرها، فمن حادثة بنى قينقاع حيث كان المنافقون هم الناطقين الرسميين والمدافعين الظاهرين إلى مؤامرة الأحزاب حيث كان الجند جند قريش وحلفائها لا جند قريظة وأخواتها ؛ إلى الإدارة الأمريكية حيث لا يزال اليهود - وهم يسيطرون على الجزء الأكبر من الاقتصاد والإعلام والتأثير السياسي . . الخ - يستخدمون أمثال نيكسون وكارتر وريجان وبوش وهم جميعَا نصارى! !

    وقد عاشوا في أحشاء أوربا وتسلقوا شجرة الحقد الصليبي فكان لهم حبل من الناس .

    وعندما أصبح لهم لأول مرة منذ قرابة ألفي سنة دولة وحكومة ظهرت السنة الربانية {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (14)} (الحشر: 4 ا) فهذه الدولة تعج بالمتناقضات والصراعات ، وتتكفف العالم كله وتعصر اليهود وغيرهم في كل مكان عصرًا لإدرار التبرعات ، ولا تستغني في أي محفل دولي عن المندوب الأمريكي ونظرائه ،وإن كانت في الظاهر تمثل مع أمريكا دور الثعلب مع النمر !! (2) .

    إنهم دائمَا يحركون الدمى من وراء الستار ولو ظهروا على المسرح لانكشفت سوءاتهم وبطل سحرهم . إنهم يحرصون على تبنى أي رئيس أمريكي والإحاطة به ولكنهم لا يستطيعون أو لا يفكرون في أن يجعلوه رئيسًا يهوديًا وحكومته حكومة يهودية صريحة !!

    وأمر آخر يقض مضاجع يهود دولة إسرائيل هو أنه ليس في وسع الشراهة اليهودية العمياء أن تظل حبيسة الأرض التي قالت عنها التوراة أنها تفيض لبنًا وعسلاً مع أن المنطقة الكبرى حولها تفيض نفطا وذهبًا ثم تظل رهينة الفكرة الداعية لقيام دولة ما بين الفرات والنيل وفق النموذج النازي العسكري الذي عجزوا عجزًا واضحًا عن السيطرة على ما تم لهم منه .

    بل إن ما تحقق من هذا الحلم كاف للعدول إلى الفكرة الأخرى التي أقام عليها (روتشيلد) و ذريته مملكة لا نظير لها في التاريخ << مملكة الربا والإعلام والجاسوسية >> وهي مملكة تتفق تمامًا مع الجبلة الطفيلية وليكن ما احتلوا من الأرض في حروبهم المتعددة أو جزء منه منطلقًا لهذه المملكة وتربة لهذه الشجرة الطفيلية التي سوف تترعرع وتخترق بثقافتها وفكرها ومناهجها سائر المنطقة التي يسيل لُعاب العالم كله لثرواتها !

    فإلى متى يظل وصولهم إلى هذه الثروات الهائلة والكنوز السائلة ملتويًا يمر بقناة الأمريكان والأوربيين ! ! وهم الجيران الأدنون ؟!

    إن اليهود أكثر دهاء وأكثر شراهة من أن يظلوا موغلين في خطأ جسيم كهذا - خطأ التوسع الجغرافي غير المضمون حتى لو كان هذا هو ما تخيله أحبار التلمود منذ سحيق العهود، وسواء خرج المسيح أو لم يخرج ! !

    (2) يقال في الأساطير أن الثعلب رغم أن الوحوش تهابه كما تهاب النمر فكذبه النمر في هذا، فقال الثعلب : البرهان أن تسير معي في الغابة وترى كيف تفر مني كلها، فسار النمر معه وكلما مر على حيوان هرب منه لا من الثعلب ، والثعلب يقول : هل صدقت الآن ؟ وهكذا اليهود مع الأمريكان !

    صحيح أن التلمود الذي هو مستند الحركة الصهيونية يقول :

    (يجب على كل يهودي أن يسعى لأن تظل السلطة على الأرض لليهود دون سواهم ، وقبل أن يحكم اليهود نهائيًا باقي الأمم يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق ، ويهلك ثلثا العالم ، وسيأتي المسيح الحقيقي ، ويحقق النصر القريب ، وحينئذ تصبح الأمة اليهودية غاية في الثراء، لأنها تكون قد ملكت أموال العالم جميعًا، ويتحقق أمل الأمة اليهودية بمجيء إسرائيل وتكون هي الأمة المتسلطة على باقي الأمم عند مجيء المسيح (3) .

    ولكن هذا الكلام الذي يقطر حقدًا نتيجة ظروف الأسر البابلي لا يمكن أن ينفذ الجانب الحربي منه في أرض الواقع ، أما الجانب الآخر وهو الممكن فلا وسيلة لتنفيذه إلا افتعال السلام ! !

    وهو ما كان . .

    بقي أن يقال : إن هذه المحاضرة ألقيت قبل حكم الديمقراطيين (كلينتون ) ومن المعلوم أن اليمين المتطرف (الأصوليين الإنجيليين ) حليف حميم للجمهوريين فهل من متغير جديد نتيجة هذا ؟

    والجواب : إن الأفعى اليهودية لا تبالي أركبت الحمار أو الفيل فلكل منهما ميزات في الركوب والحمل ولكن فوز الحزب الديمقراطي حزب الأقليات التي أهمها اليهود وحزب الانحطاط الأخلاقي الذي يعد كلينتون أحد وجوهه هو نجاح مباشر للمخطط الصهيوني، وإذا نجح كلينتون في مشروعات قوانينه الانحلالية كنجاحه في خدمة السياسة الإسرائيلية فإن هذا نذير بأن القوم يهيئون فعلاً استقبال المسيح الدجال ! !

    (3) الخلفية التوراتية للموقف الأمريكي، إسماعيل الكيلاني ص 89 الطبعة الأولى 1407 د.

    وقد جاء كلينتون للرئاسة لكي يؤكد أنه مهما تقلصت اهتمامات أمريكا الخارجية كما يشاع فإن ما يتعلق باليهود يظل رأس كل اهتمام داخليًا كان أو خارجيًا .

    وجاء كلينتون ليؤكد أن كاهنه يزعم أنه تنبأ له بحكم أمريكا وأوصاه بدولة اليهود فببركتها يفوز وببركتها ينجح في حكمه .

    جاء كلينتون ليتبنى بصراحة ووضوح علاج أهم تحديات الاستراتيجية اليهودية التي أشرنا إليها حيث قال في خطابه أمام القيادات اليهودية في نوفمبر 1992 :

    ( إنني أعتقد أنه يتوجب علينا الوقوف إلى جانب إسرائيل في محاولاتها التاريخية لجمع مئات الألوف من المهاجرين لمجتمعها ودولتها" . وفي الجانب الآخر قال - وهو يضع العربةأمام الحصان ! :

    "ما من شك أن مفاوضات السلام ستأخذ وقتًا ولكن هناك خطوة كان على العرب اتخاذها منذ زمن بعجل : إنهاء مقاطعتهم اللاشرعية لإسرائيل ، فالمقاطعة هي حرب اقتصادية والحرب يجب أن تنتهي الآن " (4) .

    وعندما زاره رابين لأول مرة لاحظ المراقبون والمحللون بدهشة المرونة البالغة بل الاستجابة المطلقة لمطالب رابين حتى أن زمن الزيارة اختصر إلى النصف وتم كل شيء على أساس الثقة الشخصية كما عبر رابين !

    وعندما أخذ الناس يدوكون من سيكون مهندس السلام بعد بيكر ؟ ومن سيكون وزير خارجية لإدارة كلينتون كان على رأس المرشحين (وارن كريستوفر) الذي وصف بأنه من الأصوليين ، وكان هو الوزير والمهندس وقام بدوره على أتم الوجوه عند اليهود!

    وأخيرًا أثمرت تلك الحبائل اتفاقية السلام مع الزعامة الفلسطينية المزعومة وتم إعلان ما يسمى إعلان المبادئ واتفاق الحكم الذاتي المحدود في غزة وأريحا (5) وهو الحدث الذي لا نزال نعيش وقائعه الدرامية ولا نطيل على القارئ

    الكريم بالحديث عنها ولكن ننبه إلى أن يقارن بين نتائجها وبين ما سطرناه هنا (6) فلنتابع معًا . ولا ننسى في النهاية أن نقول : إن كل ما حدث ويحدث هو بقدر الله الذي لا يُرد، وله فيه الحكمة البالغة، مهما ادلهمت الخطوب وأحلكت الأحوال فلن يتغير يقيننا لحظة واحدة أن النصر للإسلام ، وأن كيد يهود ومن وراء يهود هابط خاسر بإذن اللّه ، وأن قدر اللّه لا شر فيه محضًا، وأن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله ، وأنه ما من محنة أصابت دعوة الإسلام إلا وهي متضمنة لمنحة إلهية كبرى .

    ولو لم يكن فيما حدث من نصرة للحق واستبانة لسبيل المجرمين إلا سقوط أقنعة الزيف والنفاق التي ظلت عقودًا تضلل الأمة وتمتص قواها كالثور في الحلبة باسم قضية فلسطين : لكفى!

    لقد تكشفت الحقائق وأصبح بعض القادة يتنافسون في الادعاء بأنهم الأسبق إلى تبنى مشروعات السلام والتبشير بها ! ولو كان وايزمان حيًا لحكم بينهم ! ولكن الأيام ستكشف كل شيء والله مخرج ما كانوا يكتمون .

    (4) مجلة المراقب العدد الأول ص 9 ، 10 ، وأنا أوصي القارئ الكريم بقراءتها والاشتراك فيها . وهي مجلة يصدرها مركز العالم للدراسات والمعلومات لمتابعة ورصد الإنتاج الفكري الغربي المتعلق بالإسلام وترجمته . وفي هذا العدد ملف جيد للأحداث التي تلت مؤتمر مدريد .
    (5) أما غزة فلو استطاعت إسرائيل أن تلقيها في المحيط الهادي منذ أن دخلتها لفعلت ! وأما أريحا فهي مدينة مغضوب عليها في التوراة منبوذة بين مدن فلسطين !
    وكأني باليهود يثأرون لأجدادهم حيث نفاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه من خيبر إلى أريحا / انظر المسند 2/ 149 . وهذا من إلهاماته وتحديثه رضي الله عنه .
    (6 ) أحيل القارئ إلى الأعداد التي تلت الحدث من مجلتي البيان والمجتمع .
    وفي هذا إشارة لولادة أمة الحق المؤمنة بالوعد الحق والمجاهدة في سبيل الحق حتى تقاتل اليهود ومن ورائهم الدجال كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم : " يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن وأنتم شرقيّ النهر وهم غربيه " (7).
    (7) رواه ابن سعد في الطبقات القسم الثاني 7/ 139 طبعة الشعب عن نهيك بن صريم السكوني بسند متصل كله ثقات ما عدا شيخه يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو حافظ مسند تكلم فيه الإمام أحمد لكن وثقه ابن معين وغيره. انظر التفصيل في التهذيب وأصله تهذيب الكمال . فالحديث حسن إن شاء الله .

    ملاحظة : لقد أبقينا على أسلوب المحاضرة الإلقائي ولم نغير إلا ما تقتضي الكتابة تغييره لتظل قريبة إلى فهم القارئ العادي ومعبرة عن الظرف الذي ألقيت فيه .


    --------------------------------------------------------------------------------

    المقدمة :

    الحمد للّه الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ؛ ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد إمام المجاهدين وقائد الغر المحجلين ، وبعد :

    فإن القضية التي سنتناولها بالحديث في هذه الليلة ليست بعيدة عن واقعنا اليومي فنحن في كل يوم وساعة وفي كل وسيلة إعلام أو مجلس نسمع أو نتحدث عن هذا الحدث الكبير الذي يسمونه (( مشروع السلام بين العرب واليهود )) ، ولا شك أن ما يحدث في مدريد هذه الأيام لهو حدث كبير جدًّا بكل المعايير الدينية والنفسية والتاريخية، ولا أدل على ذلك من اهتمام وسائل الإعلام الغربية به تفسيرا وتحليلاً ، حتى أن الغرب تناسى مشاكله الداخلية وقضاياه الكبرى ، واشتغل قادته ومفكروه وصحافيوه وأفراد شعبه كله بهذه القضية، وملاحقة هذا الحدث لحظة بلحظة !! ..

    فما السر في هذا أيها الإخوة ؟

    أهو مجرد أن نزاعًا إقليميًا يراد الصلح بين طرفيه ؟

    لا إن ما تم في مدريد يفوق ذلك بمراحل كثيرة .. إنه معلم تاريخي كبير يراد به إحداث انعطاف هائل في صراع مزمن بين عقيدتين وحضارتين وتاريخين متناقضين !

    وها هي ذي الجذور :

    بين وعدين :

    إن مدريد في الحقيقة هي محطة لقطار طويل انطلق منذ خمسة آلاف سنة ، وسيستمر إلى أن تقوم الساعة، ومدريد ومن لمجدها واشنطن وموسكو . . إلخ محطات عابرة على هذا الطريق الطويل . . وهو طريق الوعد الذي وعد الله سبحانه وتعالى به نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام ، ووعد به صالح ذريته من بعده . . وتلتقي عند هذا الوعد كل الأديان الثلاثة المعروفة في العالم . . المسلمون عندهم في هذا الوعد دعوى ثابتة من كتاب الله وسنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم كما سنبين . . واليهود والنصارى عندهم فهمهم لهذا الوعد الذي افتروه على الله سبحانه وتعالى .

    ومن ثم فإن الصراع في أصوله ليس بين قوتين ، أو بين عنصرين ، وإنما هو صراع بين وعدين ، بين الوعد الحق والوعد المفترى . . وبالتالي فهو صراع بين عقيدتين ، عقيدة التوحيد التي جاء بها نبي اللّه إبراهيم وجددها سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وسيجددها آخر الزمان سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام ، وبين دعوة الشرك والخرافة والدجل التي أسسها الرهبان والأحبار فيما كتبوه من عند أنفسهم وقالوا هذا من عند الله ، وما هو من عند الله ، ابتداءًا بحاخامات اليهود ومرورًا ببولس (شاؤول ) ، ثم البابوات الضالين المضلين وانتهاء بهرتزل ومن كان معه ، ثم ينتهي الأمر إلى النهاية المؤكدة في آخر الزمان بظهور مسيحهم الدجال . . وعندما يلتقي المسيحان المسيح ابن مريم عليه السلام والمسيح الدجال ويذوب الدجال كما يذوب الملح في الماء لولا أن المسيح يقتله (8) .

    (8) ثبت ذلك في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو والنواس بن سمعان وفي مسند الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ومجمع بن جاريةوانظر تفصيل نزول عيسى عليه السلام والحكمة في ذلك والرد على منكريه في كتاب (( أشراط الساعة )) للأخ الشيخ يوسف بن عبد الله الوابل .

    عندها تنتهي هذه المعركة الطويلة بين هذين الوعدين . . أي بين الأمتين اللتين تؤمنان بهما، أمة الإسلام من جهة واليهود والنصارى من جهة أخرى (9).

    هذه هي القضية، ولذلك فإن ما يجري في مدريد ليس للصلح والسلام ، وإنما هو تأييد وإيمان بالوعد المفترى ، وتكذيب وكفر بالوعد الحق ، وهذا هو جوهر القضية وأساسها، ولا يشغلنا بعد ذلك الحديث في تفصيلات الوقائع والأحداث .

    خمسة آلاف سنة تعلمون أن الله سبحانه وتعالى قد اختار بلاد الشام { وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) } .

    وأسكن فيها إبراهيم الخليل عليه السلام ، وهنالك بدأ هذا الوعد الذي يرجع إلى خمسة آلاف سنة تقريبًا ، ومن هناك بدأت القضية والمعركة ؛ أي منذ إبراهيم عليه السلام الذي اختاره الله وجعله إمامًا للناس ، ومن ثم أمره أن يأتي إلى هذه الأرض المباركة الطيبة، وأن يجدد بناء البيت العتيق ، عند هذه النقطة بدأ الخلاف والمعركة بين أتباع هذه الأديان الثلاثة التي أشرنا إليها .

    (9) وهكذا فإن ما يسميه الغرب جبل الثلج بين العرب واليهود لن يذوب الآن في مدريد بل في آخر الزمان على أرض المعركة ! !



    مستند الوعد المفترى :

    وسأقرأ عليكم نص التوراة التي يستند إليها اليهود في هذا الوعد المفترى، وأما الوعد الحق الذي وعد الله سبحانه وتعالى به أولياءه فمعروف لدى الجميع وسنعرض له في الأخير. . ولكنا نريد البدء بالمستند الأساسي لليهود، في دعواهم ، الذي يبنى الغرب موقفه من القضية عليه .

    في سفر التكوين وهو أول أسفار التوراة تبدأ القصة العجيبة في عهد نوح عليه السلام ، وهي المفتاح لفهم ما سيجري من وعد لإبراهيم عليه السلام ، تقول التوراة المحرفة : (( وابتدأ نوح يكون فلاحًا ، وغرس كرمًا ، وشرب من الخمر، وسكر، وتعرى داخل خبائه ، فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه ، وأخبر أخويه خارجا ، فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء فلم يبصرا عورة أبيهما. . فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير فقال : ***** كنعان ، عبد العبيد يكون لأخويه . وقال : مبارك الرب إله سام ، وقال : ليكن كنعان عبدًا لهم يفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام ، وليكن كنعان عبدًا لهم )) اهـ.

    انظروا هذا النص الذي تقشعر منه أجساد المؤمنين بما فيه من سوء الأدب والافتراء على أنبياء الله ، إن من أول ما يقرأ الإنسان في التوراة يقرأ هذا النص . . ومن هو كنعان الذي وردت عليه اللعنة وأكدت عبوديته ثلاثا ؟! هو جد العرب وسلالتهم قبل إسماعيل عليه السلام .

    هذا النص هو مفتاح الدراسة في عدد هائل من المدارس الإنجيلية في الولايات المتحدة الأمريكية، وعدد هذه المدارس لا يقل عن عشرين ألف مدرسة، يتلقى الدراسة بها الملايين من التلاميذ كما سنبين إن شاء اللّه ، يفتتحون دراساتهم بهذا الكلام وتتفتح مداركهم عليه (10) .

    (10) ويا عجبا لهذا المفتري على الله هذا النص و واضعه في التوراة ! ألم يسأل نفسه : هب أن حام بن نوح أطغى من فرعون وأكفر فما ذنب كنعان ؟ وهب أن سام بن نوح خير خلق الله ألم يجد ما يكافئه به إلا بأن يختص اليهود من بين ذريته بهذه الغنيمة المهداة "عبودية كنعان " ؟!



    أرض كنعان :

    ثم بعد ذلك تأتي أوصاف في عدة إصحاحات من هذا السفر تصف أرض كنعان، فتقول التوراة المحرفة في الإصحاح العاشر :

    " كانت تخوم الكنعاني من صيدون (صيدا اليوم ) حينما تجيء نحو الجرار إلى غزة وحينما تجيء نحو السدوم وعمورة إلى لاشع ) هذه حدودها من الشرق إلى الغرب ولذلك فإنهم يستسيغون التنازل عن غزة دون هضبة الجولان .

    ثم يقول : " قال الرب لإبرام ( 11 ) اذهب من أرضك ، ومن عشيرتك ، ومن بيت أبيك ، إلى الأرض التي أريك ، فأجعلك أمة عظيمة وأباركك ، وأعظم اسمك ، وتكون بركة ، وأبارك مباركيك ، ولاعنك ألعنه ، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض ، واجتاز إبراهيم في الأرض إلى مكان شكيمى إلى بلوطة مورة ، وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض وظهر الرب لإبرام وقال : لنسلك أعطي هذه الأرض الإصحاح )) الإصحاح 12 .

    (11) في التوراة أن اسمه عليه السلام كان إبرام ، ثم غيره الرب فجعله إبراهيم .



    ملك الختان :

    وقال في الإصحاح السابع عشر: (أقيم عهدي بيني وبينك وبين نفسك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًا؛ لأكون إلهًا لك و لنسلك من بعدك و أعطيِ لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك ، كل أرض كنعان ملكًا أبديًا).

    ومن الغريب أنه في السفر نفسه يحدد أن الختان هو علامة من يرثون الأرض ، وهذا يذكرنا بالحديث في صحيح البخاري حديث هرقل الذي قال فيه : " إنني رأيت في المنام أن ملك الختان قد ظهر" . والنصارى لا يختتنون ، قيل له لا يختتن إلا اليهود فإن شئت تأمر فتقضي على كل من في مملكتك من اليهود، ولما جاءوا له بأبي سفيان أيقن بالتأويل الصحيح للرؤيا بعدما سأله الأسئلة العجيبة في دلائل النبوة وشهد قيصر (هرقل ) بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الموعود بذلك، ولكنهم يحرفون كل هذه النبوءات والمبشرات(12)

    (12) تفاصيل ذلك في كتاب شيخ الإسلام (الجواب الصحيح ) ج 3 / 299 حتى ص 19 من ج (4)


    لك ولنسلك :

    وفي الإصحاح الخامس عشر تحدد التوراة المحرفة الأرض التي هي ملك وحق أبدي فتقول : (لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات ).

    ثم بعد ذلك يقول في الإصحاح 27 : " يستعبد لك شعوب ، وتسجد لك قبائل ، كن سيدًا لإخوتك ، وليسجد لك بنو أمك ، ليكن لاعنوك ملعونين ، ومباركوك مباركين ))

    هذا ليعقوب ، وبعد ذلك يذكرون أن يعقوب نام بين بئر سبع وحران في أرض فلسطين فرأى الله فقال له : ( أنا الرب إله إبراهيم أبيك وإله إسحق ، الأرض التي أنت مضطجع عليها أعطيها لك ولنسلك ، ويكون نسلك كتراب الأرض وتمتد غربا وشرقا وشمالا وجنوبًا ، ويتبارك فيك وفي نسلك جميع لقبائل الأرض ) الإصحاح 28 .

    وأقل الأمم في الدنيا الآن اليهود، ومع هذا أكثر اليهود في العالم الآن ليسوا من بني يعقوب ، وإنما من يهود العرب والأوروبيين وغيرهم ، فإذن كم يبقى من اليهود الذين من ذرية يعقوب عليه السلام ؟!

    فالواقع يشهد أن هذه الوعود ليست لبني إسرائيل وأنهم يكذبون ويفترون على الله حين يجعلونها فيهم وإنما هي في بني إسماعيل (13) .

    (13) هناك خلاف مشهور هل العرب اليمنية من ذرية إسماعيل أم ليسوا كذلك ؟ ومع أن كثيرًا من المحققين يرجحون أنهم من ذريته نقول : على القول الآخر فإن ما بينهم وبين عرب مضر من الرحم والصلة أقرب قطعا مما بين يهود الفلاشا الزنوج ويهود شرق أروبا القوقازيين الذين يزعم الصهاينة اليهود والإنجيليون أنهم وسائر اليهود من ذرية إسحق . وهو باطل مركب ، ثم إن العرب كلهم تبع لقريش الذين اصطفى الله منهم رسوله صلى الله عليه وسلم . وانظر ص 70 .


    لماذا النصارى ؟

    وهنا لابد من سؤال ، إذا كان هذا هو الموضوع وهو إيمان اليهود بهذه الوعود التي قالوا أنها وردت في كتابهم المحرف ، فلليهود أن يؤمنوا بذلك باعتبارهم يهودًا ، ولكن ما علاقة النصارى بذلك . . ؟
    ولماذا نجد النصارى اليوم يقفون مع اليهود صفًا واحدًا ؟ ويسعون جاهدين لتحقيق الوعد المفترى ؟

    أستطيع أن أجيبكم بيسر فأقول :

    لقد استغل اليهود الكتاب ، الذي يؤمن به اليهود والنصارى معًا وهو القسم الأول من (الكتاب المقدس ) الذي يتكون من قسمين يسمون كلا منهما عهدًا ، فالأول هو العهد القديم وهو التوراة، والآخر هو العهد الجديد وهو الأناجيل والرسائل .

    والتوراة تشتمل على هذه النصوص فأي نصراني يبدأ بقراءة كتابه المقدس فهو يقرأها أول ما يقرأ فلا غرابة أَن يعتقد مضمونها كاليهود . ولكن في إمكانكم أن تقولوا - وأنتم على صواب - : أليس النصارى في تاريخهم كله يقرأون التوراة ويعلمون بهذا الوعد ومع ذلك يضطهدون اليهود أشد الاضطهاد إلى مطلع العصر الحديث ؟
    فما الذي جعلهم ينقلبون هذا الانقلاب الهائل ويصبحون أكبر الساعين لتحقيق الوعد اليهودي ؟

    وأقول لكم إن الأمر ليس كما تقولون فقط ، بل إن المذهل والمحير أن يكون الحامل لراية التبشير لهذا الوعد الرافع عقيرة إعلامه المتطور بضرورة ذلك هم النصارى لا سيما الأصوليون منهم ولا سيما في أمريكا، ولهذا فاسمحوا لي أن آتي على هذه القضية الغريبة والخطيرة من جذورها .


    الملل والمسيح المنتظر :

    تتفق الأديان الثلاثة على أن المعركة الكبرى والأخيرة التي ينتصر فيها دينها و يتحقق لها وعدها و يدمر فيها عدوها لن تكون قيادتها من النوع المألوف لدى الناس ، بل سيكون حامل لوائها منتظرا موعودًا به مؤيدَا من عند اللّه يسمى (المسيح ).
    يقول ابن القيم رحمه اللّه : " والأمم الثلاث تنتظر منتظرًا يخرج في آخر الزمان ؛ فإنهم وعدوا به في كل ملة " (14) .

    (14) إغاثة اللهفان 2/ 338 وأول كلامه . " ومن تلاعبه - يعني الشيطان - بهم - يعني اليهود - أنهم ينتظرون قائما من ولد داود النبي إذا حَرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم ، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به . وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال ، فهم أكثر أتباعه وإلا فمسيح الهدى عيسى ابن مريم عليه السلام يقتلهم ولا يبقى منهم أحدًا . والأمم الثلاث. . إلخ العبارة أعلاه ، ثم قال : ( والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى ابن مريم من السماء ؛ لكسر الصليب وقتل الخنزير وقتل أعداءه من اليهود ، وعباده من النصارى ، وقد ذكر مثله شيخ الإسلام في مواضع من الجواب الصريح.

    ويقول بن جوريون أول رئيس حكومة يهودية : " تستمد الصهيونية وجودها وحيويتها من مصدرين : مصدر عميق عاطفي دائم ، وهو مستقل عن الزمان والمكان ، وهو قديم قدم الشعب اليهودي ذاته ، وهذا المصدر هو الوعد الإلهي والأمل بالعودة، يرجع الوعد إلى قصة اليهودي الأول { ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفًا مسلما } الذي أبلغته السماء أن : (سأعطيك ولذريتك من بعدك جميع أراضى بني كنعان ملكًا خالدًا لك ) هذا الوعد بوراثة الأراضي رأى فيه الشعب اليهودي جزءًا من ميثاق دائم تعاهدوا مع إلههم على تنفيذه وتحقيقه ، والإيمان بظهور المسيح لإعادة المملكة أصبح مصدرًا أساسيًا في الدين اليهودي يردده الفرد في صلواته اليومية ؛ إذ يقول بخشوع وابتهال : أؤمن إيمانًا مطلقًا بقدوم المسيح ، وسأبقى - حتى لو تأخر - أنتظره كل يوم .

    أما المصدر الثاني فقد كان مصدر تجديد وعمل ، وهو ثمرة الفكر السياسي العملي الناشئ عن ظروف الزمان والمكان ، والمنبعث من التطورات والثورات التي شهدتها شعوب أوروبة في القرن التاسع عشر وما خلفته هذه الأحداث الكبيرة من آثار عميقة في الحياة اليهودية (15).

    (15) الخلفية التوراتية ص 42.

    مسيحان :

    وعلى هذا الأساس فإن معركة المستقبل ستكون بين مسيحين أحدهما المسيح الدجال الذي يؤمن به اليهود ويسمونه ((ملك السلام ))(16) والذي يهيئون لخروجه ولكنهم لا يسمونه الدجال . والآخر هو المسيح ابن مريم عليه السلام الذي يؤمن بنزوله وعودته المسلمون والنصارى . ويتفق اليهود والنصارى على أن المسيح المنتظر سيكون من بني إسرائيل ، وسينزل بين بنى إسرائيل وسيكونون جنده وأعوانه ، وستكون قاعدة ملكه هي القدس (أورشليم ) كما تتفق الطائفتان على أن تاريخ نزوله سيوافق رقمًا ألفيًا (نسبة إلى الألف ) ومستندهم في ذلك بعض التأويلات لما جاء في رؤيا يوحنا اللاهوتي ومنامات الرهبان وتكهنات الكهان أمثال (أنوسترا دامس ) الذي حولت السينما الأمريكية توقعاته المستقبلية إلى فيلم لاقى رواجَا كبيرًا في العقد الماضي. ثم برز الحديث عنها أيام حرب الخليج بين الغرب والعراق .

    والآن مع اقتراب نهاية الألف سنة الثانية من ميلاد المسيح عليه السلام واعتقاد قرب نزوله كما يؤمن الأصوليون الإنجيليون يلتقي الحلمان القديمان اللذان يتكون منهما الوعد المفترى : حلم النصارى بعودة المسيح ونزوله إلى الأرض ليقتل اليهود والمسلمين وكل من لا يدين بدينهم في معركة هرمجدون (الآتي تفصيل الحديث عنها)، وحلم اليهود بخروج الملك من نسل داود الذي يقتل النصارى والمسلمين ويخضع الناس أجمعين لدولة إسرائيل وهو المسيح الدجال ، ومن ها هنا اتفق اليهود والنصارى على فكرة أن قيام دولة إسرائيل وتجمع بنى إسرائيل في فلسطين هو تمهيد لنزول المسيح ، كما يفسره كل منهما !!

    (16) يدأب الإعلام الصليبي واليهودي على تسمية المرحلة المقبلة من تاريخ المنطقة : "مرحلة السلام "! وهذا هو ملكها عند الصهاينة !! والإنجيليون يوافقون على الاسم دون المسمى !!

    وبنظرة منطقية عابرة يظهر جليَا أن هذا الإلتقاء الظاهري يحمل تناقضَا كبيرا - يجعل من المفترض عقليًا أن يكون قيام دولة إسرائيل واقتراب نهاية الألف الثانية - مسوغًا لحرب لا هوادة فيها بين الطائفتين (اليهود والنصارى) تبعًا للتناقض الكبير والحرب المتوقعة بين المسيحين !! (الدجال وابن مريم ) وأن يكون النصارى في هذه المرحلة أكثر تقربًا إلى المسلمين وتعاونًا معهم تبعًا لاتفاق الطائفتين في الإيمان بمسيح الهدى عليه السلام وعداوتهما لمسيح اليهود ولكن ها هنا مربط الفرس وبيت القصيد .

    ها هنا يظهر المكر اليهودي الخبيث ، ويتجلى معه الحقد النصراني الدفين على المسلمين . أما المكر اليهودي فيتجلى في تلك الحيلة الغريبة التي ابتدعها حاخامات صهيون وأقرهم عليها بلا تردد قادة الإنجيليين الألفيين (ولا غرابة فبعضهم يهودي مندس ) وهي تأجيل الخوض في التفصيل والاهتمام بالمبدأ الذي هو نزول المسيح ، وذلك بالتعاون سويًا والتخطيط اشتراكًا لتهيئة نزوله ، فإذا نزل فسنرى هل يؤمن به اليهود أو يكون هو الذي يؤمن به - الآن - اليهود ؟

    فلتظل هذه المسالة معلقة تمامًا لأن الخوض فيها ليس من مصلحة الطائفتين معًا !! وليعملا سواء للقضاء على العدو المشترك " المسلمين ا !!

    واتفق زعماء الملتين على نسج قناع يستر وجه المؤامرة عن أعين المغفلين من النصارى والمستغفلين من المسلمين !

    وأما الحقد الصليبي فيتجلى في انسياق العالم الغربي النصراني وراء اليهود حتى في هذه القضية الكبرى التي يقتضي الدين والعقل والمصلحة أن يتفهموا موقف المسلمين منها على الأقل !!

    ونخص بالذكر الكاثوليك أتباع البابا الذين لا يؤمنون بحرفية التوراة - ولكنه الحسد والبغي الذي يكنه أهل الكتاب للمسلمين كما أخبر الله في كتابه المبين (17).

    وإن يكن شيء أعجب من انسياق النصارى وراء اليهود فهو انسياق المسلمين وراء الطائفتين ، كما هو حال المشاركين في مدريد والموافقين على مشروع السلام المزعوم ، بل المنساقين وراءهم منذ وعود الحلفاء في الحرب العالمية الأولى !

    (17) أما البروتستانت فسيأتي تفصيل الحديث عنهم ، وأما الكاثوليك فقد عقدوا المجمع المسكوني الشهير سنة 1963 لتبرئة اليهود من دم المسيح وتغيير صلاتهم التي صلوها عشرين قرنًا لتخلو من عبارات سب اليهود ولعنهم ، وهذا مما يدل على أن وراء الأكمة ما وراءها


    نحن والغرب وثلاثة أحداث :

    وإذا كانت فكرة عودة المسيح الألفية قد راودت الأذهان عند نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين حيث بدئ عمليًا في تحقيق الوعد المفترى وإنشاء دولة إسرائيل فإنه لابد لنا أن نستعرض الأحداث الكبرى في تاريخ المنطقة منذ ذلك الحين إلى اليوم لنرى بوضوح كيف تمت مؤامرة أهل الكتاب وكيف صدقهم وشايعهم من كفروا بالوعد الحق أو تناسوه ، وأنهم لا يعتبرون من تكرار النتيجة الخاسرة والغدر الواضح في كل مرة.

    وسنرى أن كل حدث يقرب من النتيجة يكون له قناعه الذي يبعد أنظار المغفلين والمستغفلين عنها !

    والمدهش حقًا أن العرب يكونون أكثر تعلقًا بالمتآمرين وتحالفًا معهم في الوقت الذي يكون أولئك فيه كثر إصرارا على الغدر بهم وسلبهم.

    1 - الحدث الأول : هو الحرب العالمية الأولى التي كان من آثارها بل من أغراضها تقسيم الدولة العثمانية والقضاء على الخلافة، وإعلان حق اليهود في تأسيس دولتهم - رغم أنف عبد الحميد الذي رفض عروضهم المغرية - وتأسيس دولة عظمى على العقيدة اليهودية (( الشيوعية )) !

    حينها دخل الجنرال (( اللنبي )) القدس وركز الراية على جبل الزيتون قائلاً " الآن انتهت الحروب الصليبية " ، وأصدر الإنجيلي المتعصب (كما سنبين ) "بلفور" وعده المشؤوم ، فماذا كان قناع المؤامرة وماذا كان موقف ا لعرب ؟

    لقد افتعلوا قناع (( الانتداب )) ، ليحكموا باسمه التركة العثمانية الممزعة، وكان مهندس ذلك هو " ابن راعي الكنيسة " كما سمى نفسه وهو المتعصب الإنجيلي (( ولسن )) رئيس أمريكا حينئذ (وسيأتي له حديث ) .

    أما موقف العرب فقد تحالفوا مع أعدائهم على أنفسهم ودخلوا تحت راية المحتلين لبلادهم فكانوا جزءًا من جيش اللنبي وقطيعًا وراء لورانس !!

    2- والحدث الثاني : هو الحرب العالمية الثانية التي كان من أغراضها ونتائجها القضاء على النازية منافسة الصهيونية، وإعلاء شأن الحكومة اليهودية الخفية (( الشيوعية )) وإعلان ميلاد دولة إسرائيل .

    وكان موقف العرب هو الانضمام إلى الحلفاء الذين كانوا يحتلون بلادهم ، وفتح بلادهم لقواعدهم وحشد الحلفاء كثيرًا من أبناء مستعمراتهم المسلمين ، وتمهيدًا لخوض معركة العلمين ضد الألمان جلب الحلفاء بعض الشيوخ من الهند وغيرها يفتون المسلمين بأن قتال الألمان جهاد في سبيل الله !

    وكان القناع هذه المرة : ميثاق الأمم المتحدة وإعلان حقوق الإنسان وحق الشعوب جميعَا في تقرير مصيرها والاستقلال عن مستعمراتها !!

    وهلل العرب لهذه الشعارات البراقة وفرحوا بما سمى الاستقلال ، وآمنوا طائعين بشرعية الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن ، فماذا كانت النتيجة ؟

    لقد قامت دولة إسرائيل وقام ما هو أسوأ منها : الحكومات العلمانية العميلة التي جعلت الشعوب تترحم على أيام الإنجليز والفرنسيين ، وأوصلت الأمة إلى أدنى مستوى من الانحطاط في تاريخها كله .

    3- والحدث الثالث : هو الوفاق اليهودي النصراني المسمى (( الوفاق الدولي )) حيث تقرر انتهاء دور العقيدة الشيوعية ليعود فرعا الشجرة عصا غليظة وأداة لتهشيم رأس العدو المشترك : المسلمين ، ويفتح الباب لهجرة أكبر تجمع يهودي في العالم بعد أمريكا (اليهود الروس والشرقيون ) وتسيطر بيوت المال اليهودية في نيويورك وأخواتها على ثروات العرب ،

    ويصبح يهود إسرائيل طبقة أرستقراطية في محيط عربي كله عمال لمشروعاتها، ويصبح جيش الدفاع الإسرائيلي هو بوليس المنطقة كلها، وتيسيرًا لذلك لابد من إجهاض أية محاولة عربية للحصول على السلاح النووي أو بديله المحدود الكيمائي ، وتمزيق الأمة تمزيقًا لا رجعة فيه .

    وتحقيقًا لذلك صنع سيناريو سرب الخليج ، وعاد العرب من جديد جيوشًا للحلفاء وطعمًا للألغام بين يديهم ، واقتتلوا في معركة كلا طرفيها منهم خاسر على أي حال وبكل اعتبار، ودمروا بأموالهم وبأيديهم وأيدي أعدائهم ما أنفقوا عليه وبنوه في سنين طويلة !! وفشلت كل الأنظمة الأمنية المقترحة إلا نظام الحماية الغربية، وكان الغلاف والغطاء هذه المرة هو (( النظام الدولي الجديد والشرعية الدولية )) .

    والعجب أو الأعجب هو أن هذا الغلاف أظهر من سابقيه في الصلة بالمؤامرة الكتابية والعلاقة بتحقيق الوعد المفترى ، ولعل السر في ذلك أن الأمة الإسلامية أصبحت من الذل والخذلان - كما أصبحوا هم من الثقة والإصرار - بحيث لا يخافون أن تطلع على مؤامراتهم أو تفضح مكيدتهم !



    العلاقة بين النظام الدولي الجديد وحكومة المسيح الدجال :

    ها هنا سؤال : ماذا سيكون مصير الإنسانية إذا نزل المسيح المنتظر؟

    يتفق الجميع على أنه بنزوله وبعد القضاء على أعدائه - ستكون للإنسانية حكومة واحدة فقط وهذه هي القضية الجوهرية الأولى ، أما الثانية فهي أن السلام سيشمل العالم كله ؛ إذ في ظل هيمنة هذه الحكومة الوحيدة لن يكون هناك قتال بين دولة وأخرى أو شعب وآخر، بل لن يحتاج العالم إلى الجيوش والأسلحة !!
    هذا ما تبشر به نبوءات الأديان فلم لا يكون هذا مدخلاً للانتهازيين (18) من دهاقنة السياسة النصارى وعباقرة المرابين من أحفاد روتشيلد ؟

    (18) وأقول (( الانتهازيين )) لعلمي أن زعماء العرب عامة وأمريكا خاصة مهما آمنوا بنبوءات التوراة والإنجيل يظلون - بالنظرة الإسلامية - أقرب إلى الانتهازية العلمانية من كل صفة أخرى، لا سيما في سلوكهم الدبلوماسي، وأنا بهذا أغلق الباب موصدا على من يزعمون أن وهم النظرة التآمرية أو الأخطبوطية اليهودية كما صورها (( وليم كار )) ونظراؤه هو الذي يسير العقلية الإسلامية المناوئة للغرب ، أقول : كلا فلندع وليم كار، ولنأت إلى كتابات من نوع كتاب (( غريس هالسيل )) - النبوءة والسياسة - وكتاب ((البعد الديني في السياسة الأمريكية)) إن الكتابات الأخيرة - ( وهي التي اعتمدنا عليها هنا) ليست تحليلات أو استنتاجات قد يلفها الوهم أو المبالغة،= =وإنما هي مشاهدات ومقابلات وإحصائيات منشورة في الصحافة والمصادر الرسمية لا أثر فيها لعنصر الخيال قط ، ومع ذلك فهي تثبت إيمان رؤساء أمريكا بمعركة هرمجدون ، ((وسنثبت هذا بعد قليل )) ولكن هذا لا يعني بالنسبة لنا أنهم أصبحوا توراتيين محضًا كزعماء الحزب التوراتي في تل أبيب أو إنجيليين صرفا كطلاب كلية زويمر !!

    إن السياسة المعاصرة يرفدها أكثر من عنصر ويحكمها أكثر من منطق ، ومن هنا فإن الانتهازية الدينية هي أحد هذه العناصر، وإذا كانت السياسة ( غير الشرعية) كلها نفاق فهل من سبيل لتمييز المؤمن فيها من المنافق ؟ ومن الذي في وسعه أن يفرق بين كارتر المبشر الجوال ، وريجان المحافظ الأصولي، وبوش رجل المخابرات والاغتيالات ، ألم يكن الجميع سائرين في طريق واحد لتحقيق خطة واحدة من معسكر داود حتى مدريد ؟ وهل اللوبي الصهيوني الذي يحركهم جميعا ينطلق من تدينه الخالص أم من أطماعه وأحلامه الدنيوية الراسخة في أعماق نفوس اليهود منذ عبادة العجل الذهبي !!

    وهل تضر هذه الأحلام بعقيدتهم في نزول المسيح أم أنه إن صحت أو كذبت فلا فرق .
    إن الذي يهم بوش هو عودته للرئاسة ثانية لا عودة المسيح ثانية !!

    وإن تدين رؤساء أمريكا لا يقاس بقديسيهم القدامى ولكن بقساوستهم المعاصرين أمثال جيمي سواجارت وغيره من أصحاب الفضائح الأخلاقية وحملة فيروس (( الإيدز )) !

    وأخيرا أقول إن من يجزم بأن اليهود لن ينجحوا في إقامة مملكة الشيطان على أرض الإسلام كما أسلفنا هو أبعد الناس عن النظرة التآمرية المزعومة . .

    أليست هذه هي (( الفرصة السانحة )) كما عبر (( نيكسون )) لإسقاط فكرة الحكومة الواحدة المهيمنة على أمريكا وفكرة السلام الشامل وفرض الشرعية الدولية لتدمير القوى العربية التي يخشى أن يرثها الأصوليون ولو بعد حين ؟ ومن ثم يعقدون مؤتمر السلام المنشود ! !

    ومن هنا دخلت الانتهازية الأمريكية مع أوسع الأبواب ، وذلك أن بوش حين يزج بأموال أمريكا ورجالها لتحقيق المصلحة المشتركة بينه وبين

    اليهود لابد أن يرفع شعار تفرد أمريكا بحكم العالم وسيادتها له ، وهذا الصرح القومي الذي يتربع على قمته هو متسلق الطفيليين (اليهود) ومن مصلحتهم أن يطول ويشمخ . وهكذا التقى الطموح الشخصي أو الحزبي بالحلم اليهودي القديم ، وربما كان كل منهما يسخر من الآخر، بل يسخّر الآخر لغرضه على قاعدة { رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } وكما حققه شيخ الإسلام في رسالة العبودية . وكل منهما من جهة يسخر التيار الأصولي المحافظ نظرا لقوته الجماهيرية (19) .

    وانطلاقا من هذه الحقائق سنعرض جهود الساعين لتحقيق الوعد الحق عرضًا وصفيًا إحصائيًا ، ونستعرض من خلاله الأهداف ونقترح الحلول دون أن نعرج على الدوافع التآمرية التي قد ينازع فيها من ينازع .

    (19) وقد أفصح عضو الكونجرس السابق فندلى عن هذا التسخير وعن ذكاء اللوبي الصهيوني في استخدام الأصوليين من جهة والليبراليين من جهة أخرى .



    الألفيان وهرمجدون :

    كما أشرنا يعتقد النصارى أن المسيح سيرجع بعد ألف سنة ثم يحكم العالم ألف سنة، وعلى هذه العقيدة اجتمعت آمالهم واتجهت أنظارهم سنة 1000 ميلادية (20) ولكن المسيح لم يظهر فهدأت المسألة وتلاشت في الواقع لكنها بقيت في الأحلام ، ولما شارف هذا القرن على البزوغ أي قرب سنة 1900 بدأت الدعوات تظهر من جديد واعتقدوا أن المسيح إن لم يظهر في أول القرن العشرين فسيظهر في آخره أي عام 2000 وبما أن ظهوره سيكون في موطنه الأصلي فلا بد للإعداد والهيئة لمقدمه بتجميع بني إسرائيل في أرض فلسطين التي ستكون عليها المعركة الكبرى الفاصلة (معركة هرمجدون ) أو ( سهل مجيدون ) وهو سهل صغير في فلسطين يقولون إن المعركة ستنشب فيه بجيوش يصل تعدادها إلى 400 مليون جندي كما قال بعضهم .

    تقول غريس هالسيل في خاتمة كتابها : " اقتناعًا منهم بأن هرمجدون نووية لا مفر منها بموجب خطة إلهية فإن العديد من الإنجيليين المؤمنين بالتدبيرية ألزموا أنفسهم سلوك طريق مع إسرائيل يؤدى بصورة مباشرة - باعترافهم أنفسهم - إلى محرقة أشد وحشية وأوسع انتشارا من أي مجزرة يمكن أن يتصورها عقل أدولف هتلر الإجرامي " (21).

    (20) كما ذكر فيشر في تاريخ أوربا وانظر مجلة روز اليوسف بتاريخ 27/ 9/ 93 موضوع (( في فرنسا وأمريكا يقولون : القيامة بعد بضع سنوات )) مع الإشارة إلى ما تضمنه الرسم الكاريكاتوري فيها من كفر و استهزاء .))
    (21) ص 202 ومن المهم مقدمة كتابها الطويلة .

    هذه العقيدة الألفية يؤمن بها فئات مختلفة في أمريكا غير الأصوليين الإنجيليين ابتداء من رؤساء الجمهورية وانتهاء بكثير من العامة. وقد ظهرت كتب عن هذه النبوءات ، ولاقت رواجا هائلاً أهمها كتابان :

    الأول : كتاب (دراما نهاية الزمن ) ومؤلفه (أوترال لوبرتس ) .
    والثاني : كتاب (نهاية الكرة الأرضية العظيمة) ومؤلفه : لندسي .

    وكـلاهما يصور بشكل درامي مثير نـهاية العـالم القريبة وانهيـار حضاراته ودمار جيوشه بقيام معركة هرمجدون . حتى أن أحدهم يقول : لا داعي للتفكير في ديون أمريكا الخارجية أو ارتفاع الضرائب أو مستقبل الأجـيال القـادمة، فـالمسـألة بضع سنوات ويتغـير كل شيء في العـالم .

    وقد ارتفع مستوى الإيمان بهذه العقيدة وكثر الحـديث عنها أثناء أزمة الخليج ، واعتقد بعضهم أن حـرب الخليج هي هرمجدون وتأوَّلُوا كثيرًا من وقائعها على ما جاء في رؤيا يوحنا وأمثاله :



    " الألفيون ومعركة هرمجدون " صفحة من رؤيا يوحنا اللاهوتي كما في العهد الجديد :

    (( الطائرة في وَسَطِ السماء هلمّ اجتمعي إلى عشاء الإله العظيم لكي تأكلي لحوم ملوك ولحوم قوّاد ولحوم أقوياء ولحوم خيل والجالسين عليها ولحوم الكل حرا وعبدا وصغيرا وكبيرا))

    ((ورأيت الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين ليصنعوا جَرْبًا مع الجالس على الفرس ومع جنده . فقبض على الوحش والنبي الكذاب معه الصانع قدامه الآيات التي بها أضل الذين قبلوا سمة الوحش والذين سجدوا لصورته وطرح الإثنان حيين إلى بحيرة النار المتقدة وبالكبريت . والباقون قتلوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه وجميع الطيور شبعت من لحومهم .))
    الأَصْحَاحُ العِشْرُونَ

    ((ورأيت ملاكا نازلا من السماء معه مفتاح الهاوية وسلسلة عظيمة على يده . فقبض على التِّنِّينِ الحية القديمة الذي هو إبليس والشيطان وقيَّدَهُ ألف سَنَةٍ وطرحه في الهاوية وأغلق عليه وختم عليه لكي لا يضل الأمم في ما بعد حتى تتم الأَلْفُ السَّنَةِ وبعد ذلك لا بد أن يحل زَمَانًا يَسِيرًا .))

    ((ورأيت عروشا فجلسوا عليها وأعطوها حكما ورأيت نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله والذين لم يسجدوا للوحش ولا لصورته ولم يقبلوا السمة على جباههم وعلى أيديهم فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة . وأما بقية الأموات فلم تعش حتى تتم الألف السَّنَةِ . هذه هي القيامة الأولى . مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى . هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم بل سيكونون كهنة لِلَّهِ والمسيحِ وسيملكون معه ألف سنة .

    ثم متى تمت الألف السنة يحل الشيطان من سجنه ويخرج ليضل الأمم الذين في أربع زوايا الأرض جُوجَ وَ مَاجُوجَ ليجمعهم للحرب الذين عددهم مثلُ رمل البحر .))



    مصدر الإنجيليين في عقيدة الرفع في سحاب رسالة بولس الرسول ا لأولى إلى أهل تسالونيكي :

    لهذهِ كُلِّهَا قُلْنَا لكم قبلاً وَشَهِدْنَا. لِأنَّ اللهَ لم يَدعنَا للنجاسة بل إذا من يُرذِلُ من لا يُرذِلُ إنسانا بل اللهَ الذي أعطانا أيضا روحه القدوس .

    وأما المحبة الأخوية فلا حاجة لكم أن اكتب إليكم عنها لأنكم أنفسكم متعلمون من الله أن يحب بعضكم بعضا . فإنكم تفعلون ذلك أيضا لجميع الإخوة الذين في مَكِدُونِيَّةَ كُلِّها وإنما أطلب إليكم أيها الإخوة أن تزدادوا أكثر وأن تحرصوا على أن تكونوا هادئين وتمارسوا أموركم الخاصة وتشتغلوا بأيديكم أنتم كما أوصيناكم لكي تسلكوا بلياقة عند الذين هم من خارج ولا تكون لكم حاجة إلى أحد .

    ثم لا أريد أن تجهلوا أيها الإخوة من جهة الراقدين لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم . لأنه إن كلما نؤمن أن يسوع مات وقام فكذلك الراقدون بيسوع سيحضرهم الله أيضا معه . فإننا نقول لكم هذا بكلمة الرب إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لا نسبق الراقدين . لأن الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكةٍ وبُوقِ الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولا . ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعا معهم في السُّحُبِ لملاقاة الرب في الهواء . وهكذا نكون كل حين مع الرب . لذلك عزوا بعضكم بعضا بهذا الكلام .

    الأَصْحَاحُ الخَامِسُ

    وأم الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أيها الإخوة أن أكتب إليكم عنها . لأنكم أنتم تعلمون بالتحقيق أن يوم الرب كلص في الليل هكذا يجيء . لأنه حينما يقولون سلام وأمان حينئذ يفاجئهم هلاك بغتة كَالمُخَاضِ لِلْحُبْلَى فلا يَنْجُونَ . وأما أنتم أيها الإخوة فلستم في ظلمة حتى يدرككم ذلك اليوم كَلِصٍّ .
    جميعكم أبناء نور وأبناء نهار . لسنا من ليل ولا ظلمة . فلا تنم إذا كالباقين بل لنسهر ونصح .
    لأن الذين ينامون فباليل ينامون والذين يسكرون فبالليل يسكرون . وأم نحن .. ))

    ويعتقد هؤلاء أن نـهاية المعـركة ستكون انتصارًا حـاسمًا للنصارى وتدميرًا كاملاً للوثنيين أي المسلمين وذلك بأن يرتفع النصارى فوق السـحاب مع المسيح ، وأما المسلمون فيغرقون في بحيرة النار المتـقدة بالكبريت على حد قول الرؤيا، أي أن هؤلاء المنتسبين للمسيح زورًا الذين اتخذوه إلهًا من دون الله سـينجون جـميعًا حـتى عرايا شيكاغو وباريس ومقامري لاس فيـجاس وشواذ سان فرانسيسكو ومدمني ميامي ، وأما المؤمنون الموحدون القانتون فسيهلكون ولو كانوا عند الكعبة لأنهم كنعانيون ، وقد فسروا النار الكبريتية بأنها قنابل نووية يلقونها على المسلمين ! !



    سبعة رؤساء :

    بهذا يؤمن الأصوليون الإنجيليون ، بل يؤمن سبعة من رؤساء أمريكا قبل بوش ويؤمن بها بوش ولو مجاملة . وينقل كتاب (البعد الديني ) عن الرئيس كارتر أنه قال : ( لقد آمن سبعة رؤساء أمريكيين ، وجسدوا هذا الإيمان بأن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل هي أكثر من علاقة خاصة، بل هي علاقة فريدة ؛ لأنها متجذرة في ضمير وأخلاق ودين ومعتقدات الشعب الأمريكي نفسه . لقد شكل إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية مهاجرون طليعيون ونحن نتقاسم تراث التوراة ) (22).

    (22) البعد الديني في السياسة الأمريكية د . يوسف الحسن : ص 76 .

    وهؤلاء السبعة يعتقدون أن الصراع بين العرب واليهود هو صراع بين داود وجالوت الذي يسمونه جوليان ، وجالوت العـصر هم العرب وداود هو دولة إسرائيل .
    وقد صرح الرئيس ريجـان أكثر من إحدى عشرة مرة أن نهاية العالم باتت وشيكة، وأنه يؤمن بمعركـة هرمجـدون وقال في حـديث مع المدير التنفيذي للوبي الإسرائيلى (إيباك ) :

    "حينما أتطلع إلى نـبوءاتكم القديمة في العهد القـديم وإلى العلامات المنبئة بهرمـجدون أجد نفسي متسائلاً عمـا إذا كنا نحن الجيل الذي سيرى ذلك واقعًا ولا أدرِي إذا كنت قـد لاحظت مؤخرَا أيًا من هذه النبوءات ، لكن صدقني أنها قطعًا تنطبق على زماننا الذي نعيش فيه " .

    وقال ريجان : ( إنني دائمًا أتطلع إلى الصهيونية كطموح جوهري لليهود . . وبإقامة دولة إسرائيل تمكن اليهود مـن إعادة حكم أنفسـهم بأنفسـهم في وطنهم التاريخي ليحققوا بذلك حلمًا عمره ألفا عام ! (23).

    ويقول مايك إيفانز أحد زعماء الأصولية الإنجيلية وسيأتي الحديث عنه :

    " في يناير1985 دعا الرئيس ريجـان : جيمي بيكر وجيمي سواغـارت وجيري فولويل ( وهم من زعماء الأصوليين وسيأتي الحديث عن الأخيرين ) ودعاني أيضًا مع مجموعة صـغيرة أخرى للقائهم بصورة شخصية لن أنسى ما قاله لنا ، أعرب الرئيس عن إيمانه بأن أمريكا على عتبة يقظة روحية وقال ( إنني مؤمن بذلك من كل قلبي ، إن اللّه يرعى أناسًا مـثلي ومثلكم في صلاة وحب ابتهالين لإعداد العالم لـصورة ملك الملوك وسيد الأسياد )) (24)، يعنى المسيح .

    (23) البعد الديني ص 172 - 179.
    (24) النبوءة والسياسة : 194 .

    فإذا كان هذا هو رأى ريجـان فكيف بجورج بوش الذي كان نائبـه وساعده الأيمن والذي قدم لـليهود ما لم يقدمه قبـله لا ريجان ولا غيره ،والذي أظهر أثناء أزمة الخليج من التعاطف مع الأصوليين ما لم يسبقه إليه أحد ؟!

    كما أن بوش له علاقات صداقة حميمة مع زعماء الأصوليين الإنجيليين وخاصـة جيري فـولويل الذي يقول عنه بوش : " أعتقد بكـل أمانة أننا برجال من أمثال جيري فولويل فإن شيئًا فظيعًا كالإبـادة الجماعية لليهود لن يحدث ثانية (25)- و سيأتي الحديث عن هذا الأصـول لاحقًا -.

    وتذكر غريس هالسيل أن فولويل أقام حفل غداء في 25 يناير 1986 على شرف بـوش وقال في الحـفل : " بوش سيكون أفـضل رئيس في عام 1988 " (26) .

    ومهـما قيل عن مـاضي بوش الإجـرامي فـإنه يصـف نفسه في كتابه التـطلع إلِى الأمـام بأنه مـتدين وأن جـده كان قسيسًا، وأنه هـو وأسرته يقرأون الكـتاب المقـدس كل يوم ، ويتحدث كيف واجهته مشكلة تعمـيد ابنته حـينما كان سـفيرًا في الصـين ، وصورته وهو يرتدى القبعة السوداء ويلثم حائط المبكى على طريقة اليهود ويعرفها الجميع (27) .

    وإذا كان هذا موقف رؤساء أمريكا من الأصولية النصرانية فإن لهم من الإسلام وأهله موقفًا آخر .

    (25) البعد الديني : 172.
    (26) النبوءة والسياسة : ص 32، وهذا ما حدث فعلا كما هو معلوم ، وفي ذلك دليل على ارتباط بوش بالأصولية وضرورة اعترافه لهم بالجميل .
    (27) مع التنبيه إلى ما أشرنا إليه في هامش ص32 عن نوع تدين رؤساء أمريكا.



    الأصولية ا لإسلامية :

    ولنأخذ هذا الموقف من كلام الرئيس نيكسون أكثر رؤساء أمريكا فكرًا وتنظيرًا وذلك في كتابه (1999 نصـر بلا حرب ) وهو العنوان الذي يشعر بالفكرة الألفية وسيطرة الحكومة الواحدة على العالم . يقول نيكسون :

    )) إن صراع العرب ضد اليهود يتطور إلى نزاع بين الأصوليين الإسلاميين من جانب وإسرائيل والدول العربية المعتدلة من جانب آخر ))، ص 284 .

    ويقول : (( في العالم الإسلامي من المغرب إلى أندونيسيا ورثت الأصولية الإسلامية مكان الشيوعية باعتبارها الأداة الأساسية للتغيير العنيف )) ، ص 307 .

    ويختم كتابه بعبارات لا يتفوه بها إلا أعتى الأصوليين الإنجيليين فيقول : (( عندما كـانت أمريكا ضـعيفـة وفقيـرة منذ مائتي سنة مضت كانت عقيدتنا هي المبقية علينا، وعلينا ونحن ندخل قرننا الثالث ونستقبل الألف سنة المقبلة أن نعيد اكتشاف عقيدتنا ونبث فيها الحيوية
    وقد نشرت له مجلة الشؤون الخارجية تعليقًا على اللقاء الأول الشهير بين ريجان وغورباتشوف قال فيه : (( يجب على روسيا وأمريكا أن تعقدا تعاونا حاسمًا لضرب الأصولية الإسلامية )) (28) .

    (28) ذكر مؤلف كتاب (أمريكا والشرعية) حادثة تدل على أن الأصولية المتعصبة تجاوزت رجال الكنـيسة والسياسة إلى المثقفين الكبار . فقد تحدث جمال الغيطاني الأديب المصري عن رحلته إلى موسكو مع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم ليمثلا اليسارين العرب ويتحدثا عن الأمجاد الثورية شعرًا ونثرًا ، ولكن المفاجأة كما رواها الغيطاني أن أكـبر شاعر في الوفد الأمريكي قام لإلقاء قصيدة وقدم بمقدمة قال فيها "يجب علينا نحن الأمريكان والسوفيت تناسي خلافاتنا والتحالف معًا لضرب الإسلام " فإذا بالغيطاني وزملائه يتبادلون النظرات ، ويتساءلون : هل هذه هي التقدمية التي كلنا لها المديح . . ؟ !



    الساعون لتحقيق الوعد المفترى :

    قبل هرتزل :

    كيف نشـأت الحركـة الصهيونية التي تطالب بأرض فلسطين وتعدها أرضًا يهودية . . ومن أين جـاء الشعور للعالم بأن الوعد الذي وعد اللّه تبارك وتعالى لإبراهيم صلى اللّه عليه وسلم هو لليهود وليس للمسلمين ؟

    الذي نسـمع عنه وما قرأناه في منهج التـاريخ الدراسي أن الذي بدأ هذه الدعوة هو هرتزل ، واليهود .

    والحقيقة غير ذلك ؟ إذ أن أول من بدأ الدعوة لتجميع اليهود ولتطبيق نبوءات التوراة هم النصارى قبل اليهود ، وقبل الحـركة الصهيونية بكثير من أربعة قرون . . وإن لم نع هذه الحقيقة جيـدًا فإننا لن نستطيع معرفة مواقف الغرب عامة وأمريكا بخاصة من الصـراع الذي نعيشه الآن . فلنلمّ بعجالة تاريخية لنرى ذلك .

    ا لطاعون الأسود :
    كيف كان اليهود في أوربا ؟

    اليهود ملعونون في الإنجيل ، وقد لعنهم الله تعالى من قبل : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) } المائدة

    ولكن كونهم ملعونين وإخوان القردة والخنازير وعباد العجل ومصاصي الدماء ليست هذه وحدها هي سبب عداوة النصارى لهم بل المسألة عند النصارى أكبر من ذلك بزعمهم . فجريمتهم ليست الكفر بالله وقتل الأنبياء ، ولكنها قتل الرب " المسيح " ! ! ! تعالى الله رب العالمين وصدق حيث يقول : { ... وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ... } النساء 157

    وهكذا ظـلت العداوة التي لا تنطفئ بين الطائفتين واستمرت الكنيسة البابوية التي مقرها روما في *** وعداوة اليهود بشكل عجيب وهائل . .

    ومن طرائف هذا العداء أن وباءً خطيرا انتشر في الغرب يسـميـه الغربيون " الطاعون الأسود " قـضى على الملايين من الأوروبيين حـتى أقفرت كثير من المدن والقرى. . فأعلن البابا في منشور رسمي عمم في كافة أنحاء أوروبا أن هذا الطاعون سببه اليهود !

    فكان أي خبث في الدنيا أو شر ينسب إلى اليهود، وقامت حملات عارمة تزعمها البابا لتنظيف المجتمعات الأوروبية من اليهود، وفي القرن الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر استمرت حملات التنظيف ، فنظفت بريطانيا وألمانيا وفرنسا وكثير من دول أوروبا من اليهود لأنهم يرونهم أخطر خلق الله وأكثرهم شرًّا - وهم كذلك - ويا لها من نظافة لو استمرت ! (29)

    (29) من العجيب أن أمريكا التي أفادت كثرًا من تجارب أوربا لم تستفد هذه النظافة بل خالفت عمدا وصية رئيسها الأولى جورج واشنطن التي حذر فيها من إدخال اليهود إلى أمريكا، بل سرقوها (اليهود) من المتحف وقد نشرها الأستاذ محمد أحمد باشميل في كتابه (غزوة بن قريظة) ولتفصيل كيفية سيطرتهم على رؤساء أمريكا انظر الصيحة التحذيرية التي أطلقها الكاتب الأمريكي (بنيامين فريدمان ) وترجمها زهدي الفاتح ضمن كاتب (من يحكم واشنطن وموسكو) ص 9 - 73 وهي جديرة بأن يعاد نشرها وتكمل .

    ومن جحيم أوربا لجأ اليهود إلى كنف الأندلس وآواهم المسلمون وبعدما احتل النصارى مدريد الإسلامية وشنوا حربهم الإبادية الشاملة على المسلمين في الأندلس شمل ذلك اليهود معهم فلجأوا إلى الولايات التركية وخاصة اليونان .

    وفي تلك الحقبة التاريخية الحاسمة قدر الله أن يقع حدثان كبيران أحدهما جغرافي والآخر ديني ، ومن امتزاج آثارهما تولدت أكبر قوة معادية للإسلام ولوعد الله الحق وساعية لتحقيق الوعد المفترى والتمهيد للمسيح الدجال وهي (الولايات المتحدة الأمريكية ) :

    أما الحدثان فهما :

    1 - اكتشاف أمريكا .

    2- ظهور الحركة البروتستانتية .

    البروتستانت :

    البروتـستانت هـي الطائفة التي تحـتج على البابا (زعـيم الكاثوليك ) وتخرج عليه وتؤمن بأن البشر لا يتوسطون بين الناس وبين الله ، وقالوا :

    إن على كل إنسان أن يقرأ الكتاب المقدس مباشرة ويطبقه مباشرة ، وترفض احتكار رجال الكهنوت لتعليم الدين وتفسير الإنجيل ، وقد تأثروا في ذلك بالمسلمين إبان الحروب الصليبية ، إذ رأوا أن المسلمين يتعاملون مع كتاب اللّه مباشرة، ولا يتوسط أحد بينهـم وبين اللّه سبحانه وتعالى . . والذي حدث في أوروبا أنه بعـد ظهور هذه العـقيدة بـدأ الناس يرجعـون إلى الأصول التوراتية ، وقام مارتن لوثر صاحب حركة البروتستانت وترجم التوراة إلى اللغة الألمانية وكذلك الإنجليزية ، وقد انتشرت الحركـة البروتستانتية أكثر ما انتشرت في ألمانيا وبريطانيا وآمن هؤلاء بحرفية الكتاب المقدس وعصمة التوراة ، وأن كل حرف في التوراة هو حق من عند اللّه وبدأوا يقرأون مثل الوعـد الذي ذكرنا لإبراهيـم وليعـقوب ، فـآمنوا به وبضرورة تحقيقه ، وأعرضوا عن تفسيرات البابا ورجاله للعلاقة مع اليهود .

    وابتهج اليهود بهذه الحركة ووجدوا فيها متنفسًا لهم وفرصة للانتقام من البابا وأتباعه ، وضرب النصارى بعضهم ببعض ، فسخروا مكرهم ودهاءهم وأموالهم لنشرها . وهكذا بدأت العـلاقة بين اليـهود والنصارى تتحسن بالتـدريج وبدأ هؤلاء النصارى يؤمنون بأن أرض فلسطين هي الأرض الموعودة لليهود وأن الواجب الديني يقتضي تحقيق هذا الوعد .

    وأخذ اليهود في نشر هذه المبادئ بين سائر طوائف النصارى .

    وشهد القرنان الماضيان من الحروب الطائفية في أوربا ما لا نظير له في التاريخ و اكتشفت أمريكا في وقت كانت الحرب على البروتستانت من قبل الكاثوليك كبيرة وعنيفة مما اضطر البروتستانت إلى الهجـرة إلى العالم الجديـد . فأخـذوا يتدفـقون نحوها وإلى الآن لا يزالون هم أكثـر سكان أمريكـا وقد خرجـوا من أوربا بروح التدين التـوراتي فلما دخلوا أمريكا تفـاءلوا بأن هذا خروج كـخـروج بني إسـرائيل ودخـولهم إلى الأرض المقدسـة ، وأخذوا يسمون المدن والمناطق في أمريكا بأسماء من التوراة ، واعتقدوا أن هذه الأرض البكر بشـرى بشرهم اللّه بها في الدنيا ، وتأسس المجتمع الأمريكي على أساس بروتستانتي توراتي كما سبق في كلام كارتر .

    ولعلكم الآن عرفـتم بداية الجواب على سؤالـكم السابق لماذا في هذا العـصر دونما قـبله من العـصور يسـعى النصارى لتحـقيق وعـد اليهـود ويتحولون من اضطهادهم إلى خدمتهم ؟ ! وعرفـتم لماذا كانت أمريكا هي الدولة المهيأة لاحتضان حكومة المسيح الدجال الموعود بها عام 2000 !

    صهيونيتان :

    كانت نتيـجة الحركة البـروتستانتيـة والتغلغل التوراتي فيـها هي ظهور فكرة الصهيونية النصرانية قبل فكرة الصـهيونية اليهودية وتبنيها لفكرة عودة اليهود إلى فلسطين تمهيدًا لعودة المسـيح التي كان بعضهم يظن أنها ستكون بداية هذا القرن الميلادي كما أشرنا وأبرز رجال هذه الحركة في أمريكا هو (بلاكستون ) الذي تحتفل الدولة اليهودية بذكراه ، وهو ليس يـهوديًا بل بروتستـانتي ولد عام 1841 ودعا إلى الحركـة الصهيونية قبل هرتزل بزمن وذلك في كـتابه المسمى (( عيسى قادم )) وقد ترجم إلى أكثر من 48 لغة منها العبرية وطبع عدة طبعات وطبع منه أكثر من مليون نسخة وكان أوسع الكتب انتشارا في القرن التاسع عشر في الغرب .

    ويتلخص فكر بلاكستـون فيما أسماه ( الاستعادة الأبدية لأرض كنعان من قبل الشعب اليهودي ) واستطاع بلاكستون بعد ذلك أن يصوغ مع طائفة من أعـوانه عريضة ويوقعها مع أكثر من 413 شخصية أمريكية من النواب والقضاة والمحامين والنخب ويرفعوها إلى الرئيس بنيامين هريسون يطالبونه فيها باستخدام نفـوذه ومساعيه لتحقيق مطلب الإسرائيليين بالعودة إلى أرض فلسطين ، وقد قدمت هذه العريضة عام 1891 م .

    وفي بريطانيا أسس البروتستانت صندوقا سمي (صندوق اكتشاف فلسطين ) أيام حـكم فكتـوريا وكـان رئيس الصندوق هو رئيس أسـاقـفـة كنتربري وهو أكبر الأساقفة في بريطانيـا . وذلك بغرض اكتشاف أرض الميعاد وحدودها ومعالمها كما وردت في التوراة .

    ثم ظهر بعد ذلك (بلفور) صـاحب الوعد المشهـور. وتقول مـؤلفة حياته وهي ابنة أخته :
    " إنه كان يؤمن إيمانًا عميقا بالتوراة ويقرأها ويصدق بهـا حرفيًا . وأنه ، نتيجة لإيمانه بالتوراة أصـدر هذا الوعد "

    وكان رئيـس وزراء بريطانيا في أيامه هو (لويد جورج ) الذي يقول عن نفسه :
    " إنه صهيـوني وإنه يؤمن بما جاء في التوراة من ضرورة عـودة اليهود وأن عودة اليهود مقدمة لعودة المسيح "
    وهناك شواهد كثيرة على سبق الحركة الصهيونية النصرانية ورسوخها يضيق المجال عن ذكرها ، ونكتفي بقول حاييم وايزمان :

    (( إن من الأسبـاب الرئيسية لفوز اليهود في الحصول على تصريح بلفور من بريطانيـا بإنشاء الوطن القوى اليـهودي هو شـعور الشـعب البريطاني المتأثر بالتوراة " ؛ عن ( الصهيونية في الستينات ) محمد نعناعة ص 7 ومثله في النبوءة والسياسة ص 10 وموضوع بلاكستون عن البعد الديني ، المصدر السابق )) .

    ابن راعي الكنيسة :

    بعد ذلك ظهر الرئيس ولسون الذي كان يحكم أمريكا أثناء الحرب العالمية الأولى حينما كان العرب يحاربون إلى جانب الحلفاء ويقول ولسون هذا عن نفسه :
    " إنه يجب على ابن راعي الكنيـسة أن يكون قادرًا على المساعـدة لإعادة الأرض المقـدسة لشعـبها اليـهودي "

    وتقول عنه إحدى المؤلفات اليهوديات : " إن التزام الرئيس ولسون بالصهيونية كان عميقًا جدًا وكان مـعنيًا بالفكر الصهيـوني النصراني للدرجـة التي لم ير فيها النتائج الأخلاقية والسياسية والدينية للبرنامج الصهيوني "
    ومن الغرائب المضحكات كما يقـول أحد الكتاب " أن ولسون رئيس أكـبر دولة مدعي الثقـافة كان يظن أن عدد اليهود في العالم مائة مليون في الوقت الذي لم يكن يتعدى عددهم أحد عشر مليونًا " ! !
    فانظروا كيف استطاعوا تربيته لترسخ في ذهنه هذه المعتقدات !

    وفي أيام ولسون ومن بعده ظهـر رجل لابد من الإشارة إليه وهو أحد الزعماء المهـمين في الولايات المتحدة و هو رئيس لجنة العلاقات الخـارجية في الكونجرس الأمريكي بعد الحرب العالمية الأولى . . يقول في خطاب ألقاه في بوسطن عام 1922 : " إنه جدير بالثناء أن يرغب الشعب اليهودي في كل أنحاء العالم أن يكون هناك وطن قومي لأفراد جنسه الراغبين في العودة إلى البلاد التي كانت مهدا لهم والتي عاشوا وعـملوا فيها عدة آلاف من السنوات ، وإنني لا أحـتمل فكرة وقوع القـدس وفلسطين تحت سيطرة المحـمديين "

    هذا هو حـديث رئيس لجنة العلاقـات الخارجـية في الكونجرس عام 1922 أي قبل 26 عامًا علـى قيام دولة " إسرائيل " يؤكد أنه لا يطيق أن تبقى القدس وفلسطين تحت سيطرة المسلمين !!
    ذلك كله حتى نعلم أنه قبل اشتداد عود اليهود كان النصارى يؤمنون بضرورة ( إسرائيل ) ، في فلسطين .

    وكانت إحدى نتائـج ( البروتستانتية ) المعاصـرة أن ظهرت في أمريكا صحـوة دينيـة هائلة ، نعم هي صحـوة ويسمـونها صحوة ، ويصـفونـها بالأصولية ، وهي كذلك أصولية إنجـيلية ، ويجب الانتباه للحديث عن هذه الصحوة لندرك مـدى الغفلة التي تَلُفُّنَا نحن المسلمين ، ولا سيـما من قبل وسائل إعلامنا التي لا تقـدم لنا هذا الوجه الآخر الذي يزداد كل يوم في أمريكا - بلاد الإباحية والعلمانية والإلحاد .

    وهذه الصحوة أو الأصولية التي تتبنـى الوعد المفترى وتؤثر في توجيه السيـاسة الأمريكية والرأي العام الأمريكي وتؤيد الدولة اليهـودية تأييدًا مطلقًا لابد من تفصيل الحديث عنها ومعرفة رجالها وأعمالها .

    صحوة إنجيلية :

    يؤكد الكتاب التعـريفي الذي توزعه المراكز الثقافية الأمريكية - ومنها مركز جدة - بعنوان ( أمريكا اليوم ) أن الأمريكان ليسوا شعبًا غير متدين كما نظن ، وهذا صحيح ، ولكن الدين عندهم فضفاض ومرن ، يكفي أن تؤمن بما تقوله الكنيسة، وما توجه به من تعـاليم وتكون عضوًا فيها بشكل ما، ولا يعني تدينهم السلوك الجاد، وهناك إحصاءات أجريت تقول : إن أكثر الشعوب النصرانية تدينًا من حيث النسبة العددية هي أيرلـندا في المقام الأول ثم أمريكا.

    ويذكر معهد جالوب المتخصص في الإحصاءات أن اكثر من 94% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية يؤمنون باللّه (بالطبع على عقيدتهم ) وأن 71% من سكانها يؤمنون بالبعث بعد الموت على العقيدة الإنجيلية ، وتقول أيضًا بعض الإحـصـاءات أن عدد أعضـاء الجسـم الكنسي في الولايات المتحدة سنة 1970 م كان 131 مليونًا من الأمريكان ، وجميعـهم ينتمون إلى الكنائس ، وارتفع عام 1980 إلى حوالي 135 مليونًا، ولكنه قـفز خلال السنتين التاليتين إلى 139 مليونًا وستمائة ألف.

    أما بكم يتبرع هؤلاء الأمريكان للكنائس ؟ يقول الإحصـاء : في عام 1982 (وهو يعـتبر قديمًا) : أنهم يتبـرعون بحـوالي ستين ألف مليون دولار، في حين أن النشرات الحكومية مثل (أمريكا اليوم ) تقدره بنصف هذا الرقم ، وهو كثير، وقد نشرت المجلة الدولية لأبحاث التنصير سنة 1989 أن مجموع التبرعات الكنسية لأغراض التنصير هو (151) ألف مليون دولار (أي في أمريكا وغيرها) . وقد ارتفع الرقم سنة 1990 إلى كثر من (180) مليار.
    وقد رصدوا لتنصير الصومال وحدها (196 ) مليارًا .

    جامعات ومدارس :

    ثم نأتي للمدارس الدينية والجامعات والشبكات التلفازية في أمريكا . . كم تتوقعونها ؟
    أتظنون أن الصحوة النصرانية في أمريكا مثل الصحوة الإسلامية عندنا هنا ليس لها مجلة أو صحيفة أو إذاعة فضلاً عن أية قناة تلفازية عبر الأقمار الصناعية ؟ !

    لا بل تمتلك الكنائس وتدير عدة مئات من المدارس والجامعات والمعاهد في الولايات المتحدة الأمريكية ، ففي عام 81 -1982 م بلغ عدد معاهد التعليم العالي 1948 معهدًا ، فكم تكون الآن ؟ !
    أما المدارس فقد كان عددها عام 1954 م لا يزيد عن 123 مدرسة ثم قفز عددها عام 1980 إلى ما يزيد على 18 ألف مدرسة (30).

    وليس جديدًا أن يقال إن الجامعات الشهيرة في أمريكا إنما أسست على أساس ديني بروتستانتي ومنها ( هارفارد وييل وجـورج تاون وديتون وبيلور ودنفر وبوسطن . . إلخ ) .

    وإجمالا تستطيع أن تقول : إن للأصولية النصرانية في أمريكا أكثر من 20 ألف مدرسة ومعهد وكلية والملايين من الطلاب والـدارسين للتوراة وكلهم يؤمنون بهذه العقائد التوراتية التي تحدثنا عنها .

    (30) هنا يقفز سؤال لماذا كان يرجع المبتعثون من البلدان الإسلامية إلى أمريكا قبل ثلاثين أو عشرين سنة أكثر انحلالا وميلا إلى الإلحاد بينما يعود المتأخرون من المبتعثين أكثر تدينًا ؟ !

    إن الصحوة النصرانية من أسباب ذلك .

    واسألوا الذين ابتعثوا قبل عشرين أو ثلاثين سنة . . كان النصارى لا يكلمونهم في الدين أبدًا بل كانوا يقولون لهم : نحن كافرون بديننا فلماذا لا تكفرون بدينكم ؟ أما في السنوات الأخيرة فإن الطالب المبتعث يدخل الجامعة ويحيط به زملاؤه ومدرسوه ومدرساته يناقشونه في الدين . . والمسلم مهما كان فاسقًا حين يكون النقاش بـين النصرانية والإسلام وبين القرآن والإنجيل المحرف فإنه يعلم أن الحق مع الإسلام والقرآن . وهذا يحفزه للاتصال بإخوانه المسلمين والتعاون معهم !

    رؤساء وقساوسة :

    ومن الأدلة التي يستدل بهـا الباحثون على تدين أمريكا وعودتها إلى المحافظة أنها اخـتارت آخر رئيسين قبل بوش من المتـدينين المحافظين وهما كارتر وريجان ، فكارتر كـان ملتزمًا التزامًا صارمًا بالكنيـسة الإنجيلية ، ولا يزال كارتر إلى هذا اليـوم مبشرًا، ويتنقل من أفغانسـتان إلى الحبشة والسودان وغير تلك البلدان مدافعَا عن التنصير، ومبشرًا بالنصرانية ، وهذا معروف عند كل من تتبع أخـباره ، فهـو رجل منصر وقـسيس ، والرئيس الذي جاء بعده ريجان ، قلنا : إن أحد الإعلانات الانتخابية ذكـر أنه أكد أكـثر من إحـدى عشرة مرة أنه يؤمن بنبوءات التوراة ومنها معركـة ( هرمجدون ) .

    ودليل آخر عن انتشار الصحوة الدينية في أمريكا يقول : إن إحصاءات صناعة الكتب الأمـريكية سجلت أكبر ظاهرة في شـراء الكتب الدينية . . فـفي عام 1984 بيع أكثر من ثلث السوق كتبًا دينية وتقـدر أثمان هذه الكتب بحوالي مليار دولار دفع ثمنها حوالي 37 مليون مشترٍ .

    الإعلام الديني :

    بل تأتي الـدلائل أغـرب من هذا كـله وهي أثر الدين فـي الإعلام الأمريكي ، فمـحطات الإذاعة والتلفاز مشغـولة بالحديث عن التـوراة ورجالها ، ويقـولون : إن صور نجوم البرامج الدينية المسمـوعة والمرئية من أمثال جيري غراهام وجـيري فـولويل احتلت صـفحـات أبرز المجلات الأسبـوعيـة ، وأصبحـت تسيطر على عقول الأمريكان ، حـتى إن هؤلاء النجـوم - نجوم الأصولية ؛ ومنهم سويجـارت صاحب برنامج الحـملة الصليبية الـذي انهزم في مناظرة مع الشيخ أحمد ديدات أصبحوا ينافسون نجوم (( السينما )) والفن والرياضـة في اجتـذاب اهتمام الجـماهيـر وتتبع أخـبارهم وأحـاديثـهم باستـمرار . . وقدرت بعض الإحـصـاءات نسبـة الأمريكيين المسـتمـعين والمتابعين لبرامج الأصولية الدينيـة في عام 1980 بحوالي 47 % من الـسكان ، ويقولون : إنهم يفـتتحـون محطة إذاعية كل أسبوع ومحطة تلفاز كل شهر . . ذلـك إحصاء منذ أكثر من عشر سنوات فكم وصل العدد الآن . . ؟ !

    وهناك رابطة مشـهورة على مستوى أمريكا اسمها (( الرابطة الوطنية للمـذيعين الدينيين )) ، أي المذيعين العـاملين في الإذاعات الدينيـة في جميع أنحاء أمريكا، ومد أنشئت هذه الرابطة عام 1944 يوم كان عدد المحطات الإذاعيـة 49 مـحطة ، أما في عـام 1980 فقـد أصبـحت 800 مـحطة وارتفعت عام 1982 لتبلغ 1000 محطة تنتج وتدير برامج دينية .

    ومما يجدر ذكره أن هـذه الرابطة أخذت منذ 1980 بعـد هذا التوسع الهائل في تنظيم مؤتمر سنوي لأعضائها، وفي هذا المؤتمر تقام صلاة إفطار لمصلحة (( إسرائيل )) وتسيطر الحركة الأصولية النصرانية الغـربية على جميع شبكات الكنيسة المرئية والمسموعة، ويتلقى نجـمان من نجومها وهما جيري فولويل وبات روبيرتسون يتلقيان أموالاً أكـثر مما يتلقاه الحزبان الرئيسان في أمريكا الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري .

    كل هذه حقائق من الصحافة الأمريكية، وقد اعتبرت الحركة الأصولية الأمريكية من الظواهر السـياسية فـي القرن العشرين ، وانكب علمـاء الاجتماع والنفس على دراسة هذه الظاهرة . وهناك قضية لابد من النظر إليها : إذ يجب أن نربط بين ظهور الإيدز والهيربز وانتشار الصحـوة الدينية في أمريكا ، فـالناس قد شعروا بأهمـية الدين للحياة، وقد كانت هناك كنائس أقليات نصرانية ترفض الزنا وتحاربه وتحافظ على أبنائهـا وبناتها منه ، ولما انتشـرت هذه الأمراض الخبيثة ازداد عدد هذه الكنائس وانتشرت وازداد عدد تابعـيها ، وكذلك إدمان المخدرات والضياع والفراغ ، كل هذه العوامل أدت إلى تنامي الأصوليـة النصرانية ، وقد تنامت هذه الأصولية ليصبـح عددها الآن ما يقارب ثمانين مليونًا ، ولذلك تعتبـر من أهم الحركـات في القرن العشرين ويتوقع لها أحد المحللين أن تستمر خمسمائة عام على الأقل ، هكذا يقدرون انظر تفصيلات ذلك في كتاب البعد الديني ! !

    الكنيسة المرئية :

    التلفاز الديني في أمريكا أمره عجب ؛ إذ تنتشر البرامج التلفازية في أمريكا بشكل يصـعب معـه حـصرها على وجه الدقـة . . ولكن رابطة الإذاعيين الدينيين تقول : إن لديهـا ألف محطة تلفازية وإذاعية مشتركة في نشاطها، كما تقدر أن عدد المستمـعين إلى المحطات الإذاعية المشتركة فيها يصل إلى 115 مليـون نسمة أسـبوعـيًا ، وحوالي 14 مليـون شخص من أعضائها يشاهدون الكنائس المرئيهّ ، وتقول بعض الدراسات : إن أهم عشر كنائس مرئية في الولايات المتحدة يشاهدها 40% من مشاهدي التلفاز الأميركي .

    وبالطبع هنا تجد الفرق بين يسر الإسلام وعـسر غيره ، فنحن جعلت لنا الأرض مسـجدًا وطهـورًا كما قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، ولكـن النصارى لا يستطيعون الصلاة إلا في الكنيسة، فتفتقت أذهان موجهيهم عن فكرة هي أنهم قالوا : نحن نأتيكم بالكنيسة المرئية يوم الأحد . . ففي أي لحظة افتح التلفاز وستجـد الكنيسة أمامك ، فأصبحت الأسـر الأمريكية تجلس وتفتح التلفاز فيجدون الكنيسة أمامهم ، ويسمونها (( الكنيسة المرئية )) .

    ويقدر معهد جـالوب المتخصص في الإحصاء أنه في عام 1982 كان 52مليون أمـريكي يشاهدون برنامجًا أو أكثـر من برنامج الكنيسـة المرئية شهريًا وعام 1983 حين ظهر الإيدز ارتفع العدد إلى 60 مليون شخص .

    وفي الدراسة الاستطلاعية التي أعدتها منظمة إذاعات الدول الإسلامية بجدة عن إذاعات التنصير أن في أمريكا وحدها 38 محطة تلفزيونية و 66 شبكة كابل و 1400 محطة راديو ومن بينها أربع خدمات تلفزيونية تتجاوز ميزانية البرامج لكل منها 50مليون دولار سنويًا ولك أن تقارن هذا بواقع الإعلام الإسلامي ! !

    برامج . . وبرامج :

    وقد استفاد هذا الجـهد الإعلامي من الأقـمار الصناعية ، ويقدر أن نصف هذه المحطات تستخدم الأقمار الصناعية ، هذا كان في عام 1985 ، أما الآن فـإنه من المحـتمل أن تكون كل المحطات تستـخدم الأقـمار الصناعية ، وهذا يعني أنها تبث عبر العالم .

    والجدول المرفق يوضح أهم هذه البرامج ومقدميها ومستمعيها .

    وفي مجال السينما تذكر الدراسة نفسها أنه تم (( تخصيص ما يزيد على 100 مليون دولار لإنتاج سينمائي تعده في هوليود للتلفزيون مؤسسة إنتاجية اختارت له اسم GENESIS ويشمل إنتاج 15 فيلمًا أعدت مادتها في سفر التكوين و 18 فيلمًا من إنجيل لوقا )ول رقم (1-4)

    قائمة بأسماء أهم البرامج في الكنائس المرئية تبعًا لأكثرها شعبية واجتذابًا للمشاهدين في الولايات المتحدة الأمريكية

    (( السبعمائة ناد )) (( The 700 Club)) يومي

    روبرتسون Robertson ( الحملة الصليبية الأسبوعية)

    جيمي سواغيرت (( Jimmy Swaggert ))

    (( ساعة من القوة )) (( Hour of Power)) أسبوعي

    روبرت شُلر (Robert Shuller)

    جيري فولويل (Jerry Fal well) **

    David W. Clark, (( Religious Television Audience , paper presented at : The Siciety for the Scientific Study of Religion, Savannah, Georgia, 25 October 1985, p.27.

    كتاب البعد الديني ... ص97.

    ** ويهاجـم هذا الرجـل العرب ، ويقول : لا مكان للعرب بيننا ، ولا علاقات حسنة معهم ، لأنهم ينكرون قيم الولايات المتحـدة الأمريكية وطريقة معيشتها ، ويرفضون الاعتراف ب (( إسرائيل )) . وهذا اتباع لما جاء في التوراة من أن هناك سبعة شعوب ملعونة أهمها الشعب العربي .

    بقي أن نقول إن (( جيري فولويل )) هذا صديق حميم للرئيس الأمريكي بوش وقد أعلن بوش أكثر من مرة صداقته له كما سبق.

    صاحب الخط 800 :

    والرجل الثاني (( بات روبرتسُن )) وهذا معروف في أنحاء أمريكا كلها بأنه نجم تلفازي ديني ، وقد أنشأ هذا الرجل محطة تلفازية تغطي أكثر من ستين دولة أجنبية وتستخدم الأقمار الصناعية في البث ويقول الرجل أنه يتلقى أكثر من أربعة ملايين مكالمة عن طريق الخط المجاني رقم 800 .

    وهذه المكالمات تحـتوي الفتـاوى والأسئلة والاستـرشادات الكنسـية ، ويجيب عليها هو وزمرته ، وقد أعلن عام 1988م أنه رشح نفسه لرئاسة الولايات المتـحـدة الأمريكيـة ، وأنه ينوي أن ينافس الرئـيس بوش في الانتخابات ، ولكنه انسحب بعد ذلك .

    أرأيتم ما يتمتع به هذا الرجل من نفوذ يمكن أن يصل به إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية وهو من القادة الأصوليين المتطرفين في أمريكا ؟
    إن السياسة محرمة على الأصوليين الإسلاميين فقط ! !

    (**) للتفصيل انظر المصدرين المشار إليهما (( البعد الديني )) و (( النبوءة والسياسة )) وقد أفاضت المؤلفة عنه وخاصة من ص 71 ثم في فصل خاص عن فولويل ص ه8-ه9 ذكرت نموذجًا لتفكير أتبـاع هذا الأصولي في مقابلة مع أحدهم وهي نقاش فريد لولا خشية الإطالة لنقلنا شيئًا منها، فلتراجع.



    وهناك محطة مشهورة هي ( C.B.N) . هذه المحطة يملكها (( بات روبرتسن )) وجماعته الإنجيلية الأصولية ، وهي تذيع باستمرار على مدار 24 ساعة وتركيزها الأساسي على برامج الوعظ.

    وكـذلك (( نادي السبعمائة )) - كما في الجدول -، ويملـك أيضًا جامعة تسمى جامعة ( C.B.N) .وتقول عنه نيويـورك تايمز لا يوجد في عقل بات روبرتسن سوى الأيام الأخـيرة مـن الزمن ، والمجيء الثانـي للمسيح ونشوب مـعركـة هرمجدون . أي أنه يتوقع نزول المسيح - عليه السلام - بنهاية هذا الألف الثاني للميلاد ، ويعلل ذلك بان إعادة مولد ((إسرائيل )) هي الإشارة الوحيدة إلى أن العد التنازلي لنهاية الكون قد بدأ ، كما أنه مع مولد (( إسرائيل )) فإن النبوءات أخـذت تتحقق بسرعة، أي أن كل ما أخبر به الكتاب المقدس سيأتي اعتبارًا من وجود دولة (( إسرائيل )).

    وفي برامجـه يؤكد دائمًا على عداوته للعرب ويسميـهم أعداء الله ، ويعتقد أنه لا مجال للعدل مع الفلسطينيين طالما أن رغبة اللّه هي تأسيس (( إسرائيل )) وفي تعيين حدودها.

    غزو ديني :

    فالقضية في نظره ليست رأي بشر، بل هي إرادة اللّه ، ومنطوق التوراة.

    ومن غرائب سلوك هذا الرجل أنه حينمـا احتلت (( إسرائيل )) جنوب لبنان أسس محطة تلفازية أسماها (( نجـمة الأمل )) وهذه تبث برامجها من المنطقة التي سيطر عليها المنشق اللبناني والعميل (31) الإسرائيلي الرائد حداد ، وبافتتاح هذه المحطة التي تغطي سورية والعراق وتركيا ومصر وشـمال الجزيرة العربية :

    (31 ) مما يثير السخرية بالمرة أن الإعلام العربي يسمى هذه الحفنة من نصارى لبنان الميليشيات العميلة وكأنه لا عميل لليهود في المنطقة إلا هي !!



    يقـول بات روبرتسن (( لا يسد القـرآن والتعـاليم الإسلامية أعـمق حاجات الروح الإنسانية، وها هي أيام عصيبة حـيث يستند الإسلام إلى عقيدة منقسمة على نفسها )) أي فهو متوقع سقوطه وانهياره.

    ويضيف : (( ومع وجود مشاعر سلبية عميقة لدى المسلمين ، فهناك انفتاح جديد عندهم لتقبل رسالة الإنجيل إذا ما قدمت إليهم بواسطة التلفاز )) .

    ويقول في إحدى نشراته أن احتلال (( إسرائيل )) لـلقدس في حرب حزيران 67 هو أهم حـدث تنبؤي في حياتنا، وأن زمـان غير اليهـود قد قارب على النهاية، وأن شبكته الإذاعية ستكون جزءًا حيويًا من حركة الإله نحو دعم (( إسرائيل )) .

    وقد كـان هذا الرجل - بات روبرتسن - ضـمن الوفد الرسـمي الذي رافق بوش في زيارته للسـودان عـام 1985 التـي وقع على أثرها اتفاق أمريكي - سوداني بترحيل يهود الفلاشا إلى (( إسرائيل )) وهذا يدل على قوة العلاقة التي تربط هذا الرجل بالرئيس بوش كما بعث بطائرات حملت يهـود الفلاشا إلى (( إسرائيل )) من أمريكا ومن جنوب لبنان ، ومع كل هذا فلا تنس أن الرجل زعيم أصولي إنجيلي وليس يهوديًا . وقد نشرت جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 12/ 11/ 1412 هـ خبرا عنوانه (( داعية ديني يشتري أكبر وكالة أنباء أمريكية )) وذكرت قصة شراء شركة روبرتسـن المسماة شركة الإعلام الأمريكية لوكـالة ((يونايتد انترناشيونال )) الشهيرة وقالت (( وتنتمي شركة الإعلام الأمريكية إلى شبكة الإذاعة المسيحية الـتي يمتلكها روبرتسن وهي سلسلة من محطات التلفزيون والراديو تنتشر في مخـتلف أنحاء الولايات المتحـدة وتصل هذه القناة العائلية الخاصة المقصورة على المشتركين إلى 54مليون أسرة أمريكية )) .

    جورج أوتس :

    أما الرجل الثالث المشهور في - إطار الأصولية الإنجيلية فيدعى جورج أوتس وله منظمـة كبيرة تسمى (( رعوية المغامرة الكبـرى )) وهذه المنظمة تؤمن بحرفية التـوراة وأنها كتاب من عند الله ، وبالتالي فـهي تؤمن بأن (( إسرائيل )) مقدمة لعودة المسيح - عليه السلام - ثانية ، وتلتزم التزامًا كاملًا بدعم اليهود، وتقول في إحدى إعلاناتها :

    (( نحن ملتزمون بأمن (( إسرائيل )) كـما نؤمن بأن كل الأرض المقدسة هي ميراث للشعب اليهودي ، غير قابل للنقل أو التصرف ، وهو الوعد الذي أعطي لإبراهيم وإسحق ويعقوب ، ولم يلغ قط )) وتضيف :

    (( كما أن إنشاء (( إسرائيل )) الحديثة هو إيفاء لا ينازع للنبوءة التوراتية، ونذير بمقدم المسيح ، ونـعتقد أن اليهود فـي أي مكان ما زالوا هم شعب الله المختار وأنه يبارك من يباركهم ويلعن من يلعنهم )) .

    مايك إيفانز :

    وهناك شخصية أخرى من شخصيات الأصولية النصرانية، هو (( مايك إيفانز )) وهو أيضًا رجل له علاقة حـميمة بالرئيس بوش (32)، وهو من أكثر الأصوليين النصارى تطرفًا، ورأيه يتلخص في أن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تسعى سعيًا حثيثًا من أجل إقامة إسرائيل ، ويرى أن مثل هذا العمل لوجه الله ، وتأييدًا لكلمة الله ، ويملك برنامجًا إسمه (( إسرائيل مفتاح أمريكا للبقاء )) وهذا البرنامج يبث لمدة سـاعة يوميًا في أكـثر من خمسين محطة تغطي أكثر من 25 ولاية أمريكية .

    (32) تقول غريس هالسيل نقلًا عن أحد الرهبان الإنجيليين : (( إن القس مايك إيفانز هو صديق لجورج بوش و أنه يحتل مكانًا مرموقًا في الحزب الجمهوري ، وأنه يتحرك في صفوف الناخبين ويحثهم على انتخاب أمثالنا : أمثال ريجان وبوش ، إنه يؤمن بأمريكا مؤيدة لإسرائيل . . . )) ص 191



    وقال الراهب : " إن مايك إيفانز يهودي تنصر من أجل مساعدة شعبه ولكن هذا لا يعني أنه يذهب إلى إسرائيل ويحاول تنصير اليهود ؛ ولا شيء من ذلك على الإطلاق ، يريد أن يظهر لإسرائيل ولليهود أننا نحبهم وأننا نقف إلى جانبهم . . . والله يقول إنه يبارك أولئك الذين يباركون اليهود ))!

    هذا هو زميل بوش في الحزب وصديقه الحميم وأحد دعاة حملته الانتخابية منذ أيام ريجان ! !
    فلعلنا نعرف ما هي الشرعية الدولية والنظام الدولي الجديد الذي دعا بوش إليه ! .

    ويقول (( إيفانز )) :

    إن تخلى (( إسرائيل )) عن الضفة الغربيـة سوف يجر الدمار على إسرائيل وعلى الولايات المتحدة الأمريكية من بعدها . ولو تخلت إسرائيل عن الضفة الغربية وأعادتها للفلسطينيين فإن هذا يعني تكذيبًا بوعد الله في التوراة ، وهذا سيؤدي إلى هلاك (( إسـرائيل )) وهلاك أمريكا من بعدها إذا رأتها تخالف كـتاب الله وتقرها على ذلك ، ويناشـد (( إيفانز )) الشعب الأمريكي التقدم لتأييـد أفضل صديق لـلولايات المتحدة الأمريكية وذلك بتوقيع إعلان البركة الإسـرائيلي ، لأن الرب أمره بوضوح بإنتاج هذا البرنامج الخاص (( بإسرائيل )) .

    أي أن برنامجه الذي تذيعه خمسون محطة وحي من الله إليه بإنتاجه ، وتبشـير الناس بعودة شعبه إلى أرضـه ، وهذا البرنامج يشاهده عـشرات الملايين من الأمريكيين والأوروبيين ومن شعوب أمريكا اللاتينية أيضًا ، ومما جاء في هذا الـبرنامج عبارات تقول : (( إن النصـارى في هذه الأيام لن يخلدوا إلى النوم مثل ما نام العالم عندما قررت النازية الألمانـية تحطيم شعب اللّه المختار قبل خمسة وأربعين عامًا )) .

    إيفانز - كـسائر المتـخصـصين في ميـدان الإعلام الديني - يجيد فن الدعاية ويـدرسها ويتقن فنون الإثارة ، ومن إثاراته الغريبة والذكية التي تهدف لجذب الشعـور الأمريكي نحو إسرائيل فكرة (( أورشليم دي سي )) فالمعروف أن الأمريكيين يسمون عاصـمتهم واشنطن دي سي تمييزًا لها عن واشنطن الولاية ، فقام هذا الرجل بتسمية عاصمة (( إسرائيل )) في نظره (( أورشليم دي سي )) أي (( القـدس دي سي ) وتعني عنده أورشليم عاصمة داود . وقد استطاع تعبئة الشعور الأمريكي بهذه الأفكار .

    ويقول في بيان (( القـدس دي سي )) موجـهًا الكلام إلى الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي :

    (( نحن نؤمن بأن الـقدس تـخص اللّه القـدير )) وهذا يعني توجيهًا وضغطا على الرئيس الأمريكي ورئيس وزراء (( إسرائيل )) على عدم التنازل عن القدس باعتبارها للّه وليس لأحد حق التنازل عنها . ويضيف :

    (( إن كلمة اللّه غير قابـلة للتفاوض . ونحن نؤمن علاوة على ذلك بأن الكتب المقـدسة تعترف بالقدس عـاصمة روحـية لإسرائـيل ، وأن المسيح اليهودي سيعود إليها كذلك ))

    فمن هو المسيح اليهودي ؟ إنه المسيح الدجال !

    ويضيف : (( ومن أجل هذا تعاهدنا علـى الصلاة من أجل شعب (( إسرائيل )) والوقوف معه في كفاحه من أجل الحرية والسلام ))

    ويضيف : (( نحن نؤمن بكلمة الله حـينما تقول : سـوف أبارك من يبـاركهم وألـعن من يلعنهم ، نحن نؤمن أن من واجب أمريكا الوقوف بجانب (( إسرائيل )) وكلمة اللّه تعترف بالقدس وعلينا واجب الاعتراف بكلمة الله )) .

    وقد وزع إيفانز بيان (( القـدس دي سي )) على عدد من الأمـريكان ، ووصل عدد الذين وقعوا عليه إلى مليون أمريكي ، وأرسلوا هذه التوقيعات إلى رئيس أمريكا وإلى رئيس وزراء (( إسرائيل )) .

    السفارة النصرانية الدولية :

    وهناك جماعة أخرى أصولية إنجيلية تؤمن بحرفية التوراة والإنجيل وتعطي اليهود الوعد الذي يفترونه على الله ، هذه الجماعة تسمى (( السفارة المسيحية الدولية )) وتعتقد هذا الجمـاعة أن اللّه وحده هو الذي أنشأ هذه (( السفارة )) ومقرها في القدس وتنتشر فروعها في جميع أنحـاء العالم ، ويقول مؤسس هذه الطائفة :

    (( إننا صهاينة أكثر من الإسرائيليين أنفسهـم ؛ لأن القدس هي المدينة الوحيدة التي تحظى باهتمام اللّه ، وإن اللّه قد أعطى هذه الأرض لإسرائيل إلى الأبد ))

    وتؤمن هذه المنظمة بأنـه إذا لم تبق (( إسرائيل )) فإنه لا مكان للمسيح عند مجيئه الثاني.

    ولا تكتفي هذه المنظمة بدعم إسرائيل ، بل تدعم سياستها التوسعية وتعتبر أن الضفة الغربية والقطاع حقوق أعطاها الرب للشعب اليهودي .

    وهذه المنظمة التي تعتبـر من أخطر المنظمات في أمريكـا والعالم كله كانت لها سبعة أهداف : الهدف الأخير منها هو تنصـير اليهود في أرض فلسطين ، أي أن يؤمنوا بعودة المسيـح ويتنصروا تقدمة لمجيئه ولكن اليهود استطاعوا إلغاء هذه النقطة فبقيت النقاط الست الأولى في هذا البرنامج ؛ ولنقرأ هذه النقاط :

    أولاً : إبداء الاهتمام البالغ بالشعب اليهودي وبدولة (( إسرائيل )) .
    ثانيًا : تذكير وتشجيع (( المسيحيين )) للصلاة من أجل القدس وأرض (( إسرائيل )) .

    ثالثًا : تعليم (( المسيحيين )) في أنحاء العالم وتثقيفهم في كل ما يجري (( بإسرائيل )) .
    رابعًا : حث القيادات (( المسيحية )) والكنائس والمنظمات الدينية على ممارسة النفوذ المؤثر في بلادها لمصلحة (( إسرائيل )) والشعب اليهودي .
    خامسًا : إنشاء أو مساعدة مشروعات في ((إسرائيل )) لتحقيق رفاهية اليهود .
    سادسًا : ممارسة نفوذ وفاقي بين العرب واليهود . وحذفوا السابعة ! !

    بـال الثانيـة :

    والآن نضرب مثلاً واحدًا من أعمـال هذه المنظمة الأخطبوطية المنتشرة في جميع أنحاء العالم : تعرفون أنه في مدينة بال بسويسـرا انعقد المؤتمر الصهيوني الأول الذي حضره هرتزل عام 1897 م ، وأرادت هذه المنظمة عن عمـد وإصرار أن تقيم مؤتمرًا لها في المدينة نفسها ولكنه للصهيونية الإنجيلية الأصولية وليست اليهودية ، وقد أقـاموه بـالفعل في هذه المدينة عام 1985م ، وقـالوا في إعلان هذا المؤتمر: (( نحن الوفود المجـتمعين هنا من دول مختلفة وممثلي كنائس مـتنوعة بهذه القاعة الصغيرة نفسها التي اجتمع بها منذ ثمانية و ثمانين عامًا مضت الدكتور تيودور هرتزل ومعه وفود المؤتمر الصهيوني الأول الذي وضع اللبنة الأولى لإعادة ميلاد دولة (( إسرائيل )) جئنا معًا للصلاة ولإرضاء الرب ولكي نعبر عن ديننا الكبير وشرفنا العظيم (( بإسرائيل )) الشعب والأرض والعقيدة ، ولكي نعبر عن التضامن معـها، وإننا ندرك اليوم بعد المعاناة المريرة التي تعرض لها اليهود أنهم ما زالوا بواجهون قوى حاقدة ومدمرة مثل تلك التي تعرضوا لها في الماضي ، وإننا كمسيحيين ندرك أن الكنيسة أيضًا لم تنصف اليهود طوال تاريخ معاناتهم واضطهادهم ، إننا نتوحد اليوم في أوروبا بعد مرور أربعين عامًا على اضطهاد اليهود لكي نعبر عن تأييدنا (( إسرائيل )) و نتحدث عن الدولة التي تم إعداد ميلادها هنا في بال ، إننا نقول ذلك أبدًا ، ولا رجـعـة للقوى التي يمكن أن تتقدم لاستـرجـاع أو تكرار اضطهادات جديدة ضد الشعب اليهودي )) .

    وقالوا أيضًا : (( إننا نهنئ دولة (( إسرائيل )) ومواطنيها على الإنجازات العديدة التي تحققت في فترة وجيزة تقل عن أربعة عقود، إننا نحضكم على أن تكونوا أقوياء في الله وعلى أن تستلهموا فطرته في مواجهة ما يعترضكم من عقبات ، لأننا نناشدكم بحب أن تحاولوا تحقيق العديد مما تصبون إليه ، وعليكم أن تدركـوا أن يد الله وحدها هي التي ساعدتكم على استعادة الأرض وجمعتكم من منفاكم طبقًا للنبوءات التي وردت في النصوص المقدسة، وأخيرًا فإننا ندعو كافة اليهود في جميع أنحاء المعمورة بالهجرة إلى (( إسرائيل )) كما ندعو كل مسيحي أن يشجع ويدعم أصدقاءه اليهود في كل خطواتهم الحرة التي يستلهمونها من الله )) .

    نرجو أن تتذكر أن هذا المؤتمر كله نصارى، فلا توهمنا هذه النصوص فنظن أن المؤتمر للأصولية الصهيونية .

    ولننظر مـاذا قرر هذا المؤتمر، هل كـانت قراراته متعلقة بالنصارى وشؤونهم الدينية ؟ لنقرأ أهم القرارات :

    أولا : عدم تقديم تنازلات من الغرب إلى الاتحاد السوفيتي طالما أنه لا يسمح بهجرة اليهود منه إلى دولة (( إسرائيل )) وهذا كما تعلمون طبق تماما .

    ثانيًا : تشجـيع (( إسرائيل )) ومواطنيـها على المشاركة الكاملة في كل الهيئات والمؤسسات الدولية ، والمطالبة بانسحاب جـميع الدول الأوروبية والأمريكية من أي اجتماع يعقد ولا تمثل فيه (( إسرائيل )) ( وهذا القرار وضع لأن العرب يهددون أحيانًا بالانسحاب فتضطر الدول لمجاراة العرب لأنهم أكثرية) .

    ثالثًا : على كل الأمم الاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة معها . ونخص بالذكر حكومة (( الفاتيكان )) .

    قد تقولون لماذا يخصونها ؟ فأقول :

    لأن الفاتيكان هي عاصـمة الكاثوليك ، و الكاثوليك لا يؤمنون هذا الإيمان العميق للبروتستانت (( بإسرائيل )) و هذا يعني أن المسلمين لو تحركوا يستطيعون استخدام عنصرين مهمين استخـدامًا جيدا ، العنصر الأول الكاثوليك ، والعنصـر الثاني اليهود المنشقون غير المؤيدين ل (( إسرائيل )) ولا سيما في أمريكا حيث يوجـد ثلاثة ملايين يهودي غير مؤمنين بدولة (( إسرائيل )) ومنهم كتاب وأدباء ومفكرون يهاجمون دولة (( إسرائيل )) ولكن لا أحد يجيد استخدامهم أو الإفادة منهم .

    رابعًا : يعلن المؤتمر أن يهودا والسامرة بحق التوراة والقانون الدولي وبحكم الواقع جزء من (( إسرائيل )) .

    خامـسًا : نطالب كل الأمم بالاعتراف بالقـدس عاصمة أبدية موحدة (( إسرائيل )) وتنقل سفاراتها من تل أبيب إليها .

    سادسًا : مطالبة الدول الصديقة (( إسرائيل )) بالتوقف عن تزويد أية

    دولة في حالة حرب مع إسرائيل بالأسلحـة بما في ذلك مصر التي وقعت معها اتفاقية كامب ديفيد .

    سابعًا : مطالبة كل الحكومات بنبذ منظمة التحرير الفلسطينية واعتبارها منظمة إرهابية، وتأتي هذه المطالبة تنفيذًا لما ورد في التوراة حول أن الله يبارك من يبارك اليهود، ويلعن من يلعنهم .

    ثامنًا : إدانة كل أشكال معاداة السامية ، وهي عداء (( إسرائيل ))واليهود .

    تاسعًا : الدعوة لتذكر كل الفظائع التي ارتكبتها ما تسمى بالحضارة المسيحية ومن يسمون المسيحيين ولا سيما المذابح التي قامت في الحرب العالمية الثانية .

    أي أنهم يرون أن كل من وقف في وجه اليهود من النصارى ليـسوا نصارى حقيقيين .

    عاشرًا : العمل نحو توطين اللاجئين العرب الذين تركوا (( إسرائيل )) عام 1948 في البلدان التي رحلوا إليها .

    حادي عشر : مساعدة (( إسرائيل )) اقتصاديًا وذلك بإنشاء صندوق دولي برأسمال قدره مائة مليون دولار للاستعمار في تطويرها .

    وبالفعل ما انتهى المؤتمر إلا وجـمع مائة مليون دولار إضافة إلى المساعدات التي تجمع باستمرار لمساعدة (( إسرائيل )) وضمن ذلك يقومون بتشجيع الاستعمار الخاص في (( إسرائيل )) .

    ثاني عشر : مطالبة كل المسيحيين وكل الأمم بعدم الخضوع لأنظمة المقاطعة العربية (( إسرائيل )) .

    وبالطبع -ستتوقف المقاطعة وتنتهي بعد مدريد مع أنها أصلاً ما كانت إلا شكلية في أغلب الأحيان .

    ثالث عشر: دعوة مجلس الكنائس العالمي في جنيف إلى الاعتراف بالصلة التوراتية التي تربط بين الشعب اليهودي وبين أرضه الموعودة ،

    وكذلك بالبعد التوراتي والنبوئي لدولة (( إسرائيل )) .

    ويعني هذا أن العقيدة التي قامت عليها دولة (( إسرائيل )) عقيدة إيمانية يجب على مجلس الكنائس أن يعترف بها .

    رابع عشر: يصلي أعضاء المؤتمر وينظرون بشوق إلى اليوم الذي تصبح فيه القدس مركزًا لاهتمام الإنسانية حينما تصير مملكة الرب حقيقة وواقعًا (33).

    (33) عن السفارة النصرانية وهذا المؤتمر: انظر البعد الديني ص 14 والنبوءة والسياسة ص 113 وقد حضرت المؤلفة المؤتمر وشرحت ما دار فيه عن مشاهدة.

    ومملكة الرب يفهمها النصارى على أنها مملكة المسيح ابن مريم بناء على ما عندهم .

    أما اليهود فيفهمونها على أنها مملكة المسيح الدجال كما تقدم .

    وهنا لا بد أن أؤكـد أن الـذين يؤمنون بهذا الوعـد التوراتي هم المؤمنون بالمسيح الدجـال ، وبالتالي فكل من يعتقد أو يوافق على مشروع إسـرائيل آمنة مطمئنة فإنه شاء أم أبى، علم أو لم يعلم ، يعمل لإنشاء مملكة المسيح الدجال هذه ، ويسعى لتحقيق النبوءة التوراتية التي يدعيها هؤلاء ، ويخـدم راضيًا أم غير راض ، يعلم أو لا يعلم ، هذه الأهداف الصهيونية التي يؤمن بها هؤلاء الأصوليون مع أولئك اليهود .

    وها هنا مفرق الطريق بين الإسلاميين وبين اللاهثين وراء سراب مدريد وغير مدريد .

    فلا حرج ولا تردد في الإجابة القاطعة الواضحة عن سؤال : ما هو موقف الإسلاميين من مؤتمر السلام ؟ فهو الرفض الحاسم والانهيار الجازم ليس عنادًا ولا تصلبًا ولكنه موقف عقدي محتوم .

    وإذا كان التوراتيون من اليهود والأصوليون من النصارى لم يترددوا في إعلان رفضهم لفكـرة السلام رفضًا مطـلقًا منذ ما كان يسمى (مشروع جنيف ) وسنذكر كلامهم في ذلك فان الذين يملكون وعد الله الحق وكلمته الخالدة وخبره الصادق أولى بهذا وأحق .

    رفض مشترك :

    قد وردت تساؤلات غربية وعربية عن سر التقاء (( الأصوليين )) هنا وهناك على رفض مشروع السلام ؟

    والجواب مع الاعتراض على هذه التسمية الماكرة (بالنسبة للمسلمين ) أن نقطة الالتقاء هي أن كُلاًّ مِنَّا يؤمن بوعد من الله وفق عقيدته . . .

    فنحن نؤمن بوعد الله الحق . . .

    وهم يؤمنون بوعد مفترى مكذوب على الله تعالى. . .

    والوعدان لا يجتمعان أبدًا .

    والفرق أننا بحـمد الله نستند في وعدنا إلى كلام الله وكـلام رسوله صلى الله عليه وسلم وحقائق الواقع .

    ولعلي هنا أشير إلى بعض بشائر هذا الوعد الحق ثم أنتقل إلى إتمام الكلام عن هؤلاء (34) .

    (34) عن حقيقة الوعد الإلهي لبني إسرائيل أوصى بقراءة كتاب الخلفية التوراتية للمؤلف الأمريكي من ص 59 ، فقد فند هذا الزعم والافتراء وبين من كلام أهل الكتـاب وغيرهم أن ما جاء في الكتب السابقة يصدق على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته .



    نحن في كل ركعة من صلاتنا نقرأ الفاتحة ونقرأ فيها كلام الله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } الفاتحة

    فالمغضوب عليهم هم اليهود ، والضالون هم النصارى، إذن فنحن في كل ركعة نقرأ ما لازمه ومفهومه أن الوعد الذي يزعمه هؤلاء منسوخ وباطل ومفترى ، وإنه إذا كان إبراهيم صلى الله عليه وسلم أعطى وعدًا فإن هذا الوعد هو وعد الله تعالى لهذه الأمة الموحدة الأمـة التي يباركـها الله تعالى كثـيرًا ويكثر عددها وتدخل في جميع الشعوب والقبائل كما ذكـرت التوراة : ليست إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، إنهم العرب من ذرية إسماعيل صلى الله عليه وسلم وقد دخلوا في جميع الشعوب ، تجد العرب الآن بين الهنود ، والأفغان ، والأوروبيين ، بين البربر، في الحبشة . . . في كل مكان .. . وهذا هو الشعب الذي دخل في جميع الشعوب ، وهذا هو الشعب الذي كثره الله وباركه وله هو أعطيت هذه الأرض كما في التوراة نفسها وقد روى الإمام أحمد والترمذي وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله عز وجل اصطفى من ولد إبراهيم إسـماعيل واصطفى من بني إسماعيل كنانة واصطفى قريشًا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم " (35)

    ويدخل في ذلك كل الآيات والأحاديث المبشرة (36) بظهور الإسلام وتمكينه أما اليهود فوعد الله تعالى فيهم واضح جلى تال تعالى : { وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)} (37) الأعراف

    (35) الحديث ما عدا الجملة الأولى منه في صحيح مسلم أول كتاب الفضائل ، و هذه الجملة صحيحة المعنى إن لم يصح سندها وذلك بنص القرآن على أن إسماعيل هو شريك أبيه في بناء البيت وبدلالته - التي حققها العلماء - على أنه هو الذبيح (وانظر كتاب الفضائل من المستدرك ) وكون كنانة من ذريته بنص لفظ مسلم الصحيح فاصطفاؤها دليل على اصطفائه .
    (36) وسنذكر بعضها وقد جمع طائفة منها فضيلة الشيخ الألباني في أول السلسلة الصحيحة .
    (37) - قال ابن كثير رحمه الله : تأذن : تفعل ، من الأذان ، أي أعلم ، قاله مجاهد ، وقال غيره : أمر، وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة ولهذا أتبعت باللام في قوله { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ } أي على اليهود {إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ}...



    ثم فسر ذلك تاريخيا فقال : (( ويقال إن موسى عليه السلام ضرب عليهم الخراج . . . ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكشدانيين والكلدانيين ، ثم صاروا إلى قهر النصارى وإذلالهم إياهم وأخذهم منهم الجزية والخراج ، ثم جاء الإسلام ومحمد صلى الله عليه وسلم فكانوا تحت قهره وذمته يؤدون الخراج والجزية 00 )) إلى أن قال : (( قلت : ثم آخر أمرهم أن يخرجوا أنصارًا للدجال فيقتلهم المسلمون مع عيسى ابن مريم عليه السلام وذلك آخر الزمان )). طبعة الحلي 259/2 .

    هذا وعد الله لن يخلفه أبدًا ... والذين يوافقون على ما جـاء في مدريد وغيره يقفون ضد ما جاء ني هذه الآية، فوعد الله تبارك وتعالى ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب ؛ هتلر جزء من هذا الوعد ! منظمات التحرير جزء منه ! الجهاد القائم الآن في الأرض المحتلة جزء منه ! وسوف تنتهي هذه كلها بتدمير اليهود ، كما قال الله تعالى : {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنْ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنْ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الْمَسْكَنَةُ } آل عمران : 112

    إن الذلة والمسكنة مضروبة عليهم إلا في حالات عارضة بحبل من الله وحبل من الناس ، حالات استثنائية يعطون فيها، فإذا أعطوا وتمكنوا ترجع سنة الله . {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا(7)عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا } الإسراء : 7 ، 8

    فإن عدتم عدنا : في أي مرحـلة يعودون سيعود عقاب اللّه تعالى ، ولهذا بشر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : " لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله " (38) هذا والله سيقع وسيكون لأن الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس هذا فقط بل نحن نؤمن بأن المسيح عليه السلام سينزل بإذن الله تعالى كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث متواترة ، وإذا نزل المسيح عليه السلام فإنه يقتل اليهود والنصارى ، وأول من يقتله المسيح عليه السلام هو ملك اليهود - المسيح الدجال - يقتله في باب اللد في أرض فلسطين كما في الحديث الصحيح (39)، ثم بعد ذلك لا يرضى ولا يقبل عيسى عليه السلام إلا الإسـلام ، أو القتل : (( يكسر الصليب ويقتل الخنزير ويرفع الجزية )) كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (40) ، فلن يبقى أمام النصارى إلا أن يسلموا أو يقتلوا بسيف ويد المسيح عيسى عليه السلام ، ومن معه من المسلمين . . . وكل الأحاديث الواردة في عيسى عليه السلام تكذب ما يقولونه في مدريد وفي غير مدريد ، وكذلك كل الأحـاديث الواردة في خروج المهـدي آخر الزمان تكذب ذلك لأن المسلـمين هم الذين يقاتلون أعداءهم تحت قيادة المهدي ثم ينزل عيسى عليه السلام فيكمل المعركـة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( وإمامكم منكم )) (41) فيصلى عيسى عليه السلام خلف المهدي إعلامًا وإيذانًا بأن عيسى عليه السلام ما جاء بشرع جديد وإنما هو تابع لشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، ولهذا يصلي خلف المهدي ويقاتل مع المسلمين .

    (38) الحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ورواه الإمام أحمد عن سمرة .
    (39) سبقت الإحالة إلى كتاب أشراط الساعة وفيه تفصيل هذا .
    (40) كما في صحيح مسلم أول باب نزول عيسى عليه السلام .
    (41) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة وبمعناه عن جابر عند مسلم - الموضع السابق ذكر.



    منطقة فتن وملاحم لا منطقة سلام :

    كذلك فإن كل الأحاديث الصحيحة الكثيرة الواردة في الفتن والملاحم تشير إلى أن هذه المنطقة - التي يقولون إن النظام الدولي الجديد سيجعلها منطقة أمن وسلام ستكون منطقة فتن وملاحم ودماء . . . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (( لا تقوم الساعة إلا ويقاتلكم الروم وينزلون في الأعماق )) وفي رواية أخرى : (( حتى تنزل الروم بدابق )) (1) ومنطقة الشام هذه ير منطقة المعركة ، الساحة الكبرى للمعارك الكبرى ، وفيها أيضا تكون معارك المسلمين التي هي مقدمة لفتح القسطنطينية، ومقدمة لفتح روما - المدينة التي جزء منها في البر وجزء في البحر- بإذن الله تعالى . . . وكل الأحاديث التي وردت في فضائل بلاد الشام وذكرها شيخ الإسلام وعلق عليها كثيرا وذكرت أن بلاد الشام تكون آخر الزمان هي معقل المسلمين (2) وموئل هذه الأمة وأن المسلمين يقاتلون الروم فيها - هذه الأحاديث كثيرة ويضيق المقام عن ذكرها - تكذب هذا الكلام الذي قرأناه وسمعناه ، سواء في التوراة المحرفة، أو فيما قاله زعماء أمريكا أو ما قاله الأصوليون الإنجيليون ، أو كل ما يقوله أعداء الله تبارك وتعالى .



    لقد قال بوش في مؤتمر مدريد: (( إن غرض المؤتمر ليس إنهاء الحرب بين الطرفين وإنما إنهاء العداوة )) ولكن الله تعالى يكذب هذا القول وهذه الدعوى ، فسيظل المسلمون يعادونهم {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } (محمد: 38 ) وقد سمعتم الآيات التي قرأها الإمام قبل قليل فبعد قول الله تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } (المائدة : 51) جاء في الآيات التي تليها قول الله تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} (المائدة : 54) .

    الحديث طويل رواه مسلم في كاب الفتن عن أبي هريرة ونحوه حديث ابن مسعود وكلاهما اشتمل على ما أجملنا أعلاه كما في حديث أبي الدرداء (( إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة في أرض بالغوطة في مدينة يقال لها دمشق . . )) صحيح الجامع (218/2) .

    الرد والارتداد :

    إذا تركنا الجهاد في هذه المرحلة وآمنا بأن العداوة قد انتهت فنحن ينطبق علينا الارتداد عما أمر الله تبارك وتعالى به وسوف يأتي الله بقوم آخرين هذه صفاتهم وهذه هي أحوالهم.
    ونقرأ قول الله تعالى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ } (النور: 55) ، هذا وعد من الله تعالى للمؤمنين بالاستخلاف وقد قال الله تبارك وتعالى أيضا { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ(105) } ( الأنبياء )، وغير ذلك من البشائر بأن هذا الدين يبلغ ما بلغ الليل و النهار، بشائر كثيرة كلها تؤكد الوعد الحق وتدحض وتدفع الوعد المفترى والباطل ، { بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} (الأنبياء : 18 ) .

    أقول مع ذلك : اسمعوا ماذا يقول دعاة الأصولية الإنجيلية .

    يقول بات روبرتسون : (( كنت أتمنى أن أستطيع القول أننا سنحصل على السلام ولكني أؤمن بأن معركة هرمجدون -مقبلة - إن هرمجدون قادمة وسيصب غمارها في وادي فريدون ، إنها قائمة ، إنهم يستطيعون أن يوقعوا على اتفاقيات السلام التي يريدون ، إن ذلك لن يحقق شيئًا ، هناك أيام سوداء قاتمة )) ويضيف : (( إنني لا أخطط لولوج جهنم قادمة إن الله سوف يهبط من عليائه يا إلهي إنني سعيد من أجل ذلك إنه قادم ثانية )) - النبوءة والسياسة : 37 ويحتمل أن يكون من كلام جيمي سواغارت ، ولا فرق.

    تلاق . . ولكن !

    أرأيتم كيف نتشابه معهم في الموقف الرافض لمدريد وما بعدها، نحن نقول مهما وقعوا فالمعركة قانمة وهم يقولون كذلك ، ولنر من هو صاحب الوعد الحق وصاحب الوعد المفترى .

    { قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى (35)} (طه) .

    ويقول صنوه (( جيري فولويل )) :
    (( إن النوايا السليمة هي أعمال غبية )) ويقول :
    (( إنه لا يحق " لإسرائيل " أن تتنازل عن شيء من أرض فلسطين لأنها أرض التوراة التي وعد الله بها شعبه )) .

    ويقول أصولي إنجيلي آخر هو دوغلاس كريكر من جملة تحذيره لدولة (( إسرائيل )) من اختيار المنهج السلمي :
    (( إن الأصوليين الإنجيليين مثل اليهود والأرثوذوكس مغرمون بالأرض التي وعد الله بها إبراهيم وذريته وإن (( إسرائيل )) تستطيع أن تستعمل الإنجيليين الأصوليين لتعكس من خلال شبكاتهم الإذاعية والتلفازية صور (( إسرائيل )) التي يريدها ويتقبلها الأمريكيون ، وذلك من خلال نشر فكرة أن الله يريد (( إسرائيل )) عسكرية ومسلحة ، وإنه كلما أصبحت (( إسرائيل )) عسكرية أكثر فإن اليمين الديني في الولايات المتحدة يؤيدها أكثر ويصبح متعلقا بها أكثر )) -( المصدر الأسبق ص 155 )- يعني أن اليمين الديني الأمريكي يحب إسرائيل بقدر رفضها للسلام لأنهم يرفضونه بطبيعة الحال .

    ويقول جيم روبيسون وهو إنجيلي أصولي ومتمكن جدا في الحكومة الأمريكية حتى أن ريجان دعاه ذات مرة ليفتتح احتفال الحزب الجمهوري بصلاة . . يقول :
    (( لن يكون هناك سلام حتى يعود المسيح ))

    والمسلمون يوافقون على هذه العبارة من منطلق ومعنى آخر، ويضيف : (( إن أي تبشير بالسلام قبل هذه العودة هرطقة )) -( المصدر السابق : ص ه 3 )- أي زندقة وكفر ويضيف : (( إن كل من يؤمن بالسلام فهو ضد كلمة الله ، ضد المسيح )) .

    ولهذا تقول مؤلفة كتاب (النبوءة والسياسة) : (( إن الأربعين مليون إنجيلي أصولي يؤمنون بقوة أن الله نفسه يريد أن تحصل (( إسرائيل )) على أي جزء من الأراضي العربية وعلى كل الأراضي العربية التي تتمكن من مصادرتها )) وكما يقولون :
    (( إننا نحن المسيحيين نؤخر وصول المسيح من خلال عدم مساعدة اليهود على مصادرة مزيد من الأراضي )) .

    ولهذا يفتتح اليهود مزيدا من المستوطنات الجديدة في الضفة والجولان حتى إبان انعقاد المؤتمر، ومن ورائهم الأصوليون الإنجيليون في أمريكا الذين يقولون : (( إن أي أحد يعترض على شيء من ذلك - أي على استحداث المستوطنات - إنما يؤخر عودة المسيح أو يساهم في هذا التأخير .

    القرارات الدولية . . . مبادىء براقة :

    وقد وجه أحد الزعماء الأصوليين نداء إلى اليهود يقول فيه : (( إنه لا يجوز أن يبقى اليهود أوفياء إلى هذه المبادئ البراقة (( القوانين الدولية )) إذ أنه على (( إسرائيل )) أن تكسر من وقت لآخر القوانين الدولية، وأن تقرر بنفسها ما هو قانوني وما هو أخلاقي ، وذلك على قاعدة واحدة هي ما هو جيد لليهود، وما هو في مصلحة اليهود )) . فما هو جيد لليهود أخلاقي وقانوني وشرعي -( انظر ص 176) - وإذا كانت الشرعية الدولية ضد بناء مستوطنات لليهود وضد مصلحة اليهود فلا شرعية ولا دولية، اضربوا بهذا عرض الحائط .

    ولذلك يقول أحد معارضي حكومة شامير وعضو جمعية حقوق الإنسان وهو إسرائيل شاهاك : (( إن اليمين المسيحي الجديد يبرر أي عمل عسكري أو إجرامي نقوم به (( إسرائيل )) وبالتالي فهو يؤيد هذه الأعمال )) .

    نتائج المؤتمر وأهدافه :

    بقيت قضية مهمة لا بد أن نأتي عليها، وهي تتكون من شقين..
    الشق الأول : ما هي النتائج المتوقعة لما يسمى مشروع السلام الحالي ؟ وبالتالي : ماذا يراد بهذه المنطقة عندما تدفع إلى الإيمان بالوعد المفترى وتكفر بالوعد الحق من الله تبارك وتعالى ؟
    والشق الثاني : الحلول والمقترحات..

    أقول : إن الأهداف كثيرة والنتائج خطيرة ، وأرجو ألا تستغرقنا جزئيات وتفاصيل هذه الأحداث فننسى هذه الأهداف البعيدة . . وما سأذكره لكم ليس كل الأهداف وإنما هو مؤشرات جمعت من خلال البيانات التي أصدروها في كتبهم قديمًا وحديثًا .

    أولاً : يريدون القضاء على الجهاد الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، وهو الذي يسمى الانتفاضة ، بعد السلام لا يعود المجاهدون الفلسطينيون مدافعين عن بلادهم المحتلة وإنما يكونون مواطنين يحاربون دولتهم وبالتالي

    فلا شرعية لأي عمل يعملونه ، ومن حق أية دولة أن تقمع رعاياها إذا خرجوا على قانونها كما هو مقرر في القانون الدولي ! وهذا هدف كبير لأن أخطر ما تخافه (( إسرائيل )) الآن هم هؤلاء المجاهدون - مجاهدي الانتفاضة - فالدول العربية ليست مهددا (( لإسرائيل )) وهي تعلم ذلك ، ولكن الخوف من هذا الوعي الإسلامي المتنامي داخل الأرض المحتلة وخارجها (1).

    ثانيًا : يريدون بهذا السلام العام بين العرب واليهود التضييق على الدعوة الإسلامية وضرب الحركة الإسلامية في كل مكان ، فربما يهدفون إلى ضربها ضربات قوية في كل مكان من المغرب حتى إندونيسيا (2) كما عبر نيكسون .

    ثالثًا : تدمير القوة العربية المحيطة (( بإسرائيل )) على الرغم من أنها حاليا لا تشكل خطرا عليهم ، وقد دمر العراق وسوف تكون الخطوة الثانية تدمير الجيش السوري ، وذلك لأن الجيش السوري يملك بعض القوة والتدرب والممارسة والخبرة ، وسيشكل خطرا على اليهود فيما لو خلف الإسلاميون السلطة الحالية ، وربما كان تدميره بتسريحه بأيدي الحكومة البعثية الباطنية كما فعل السادات في مصر .

    (1) بعد إعلان اتفاتهم مع القيادة الخائنة وتوقيع الملاحق السرية ظهر أن أمر أخبث مما يتصور المرء فالفلسطينيون التابعون للمنظمة سيصبحون أداة قمع للسلمين وجهاز أمن لليهود، انظر التفصيل في أعداد مجلتي (( المجتمع )) و (( البيان )) !!
    (2) كذلك بعد الاتفاق الأخير تعرضت الدعوة الإسلامية لما هو معلوم وشمل ذلك من موريتانيا حتى الفلبين مرورا بدول الخليج .

    رابعا : إخضاع المنطقة للرهبة اليهودية العسكرية وفرض الحماية الأمريكية على المنطقة ومنع تطوير أي جيش من جيوش المنطقة، وإنما يراد بقاء الجيوش للمحافظة على الأمن الداخلي فقط ، ومبرراتهم أنه في ظل النظام الدولي الجديد ما الحاجة إلى أن تطور جيشًا ؟! أتريد أن تستخدمه في العدوان كما فعل صدام ؟! إذا كنت تريد الأمن والحدود فإن النظام الدولي يكفل لك ذلك ! ولكن لا مانع من أن تكون هناك قوات للأمن الداخلي ولا تفكر في حالة اعتداء على الجيران .

    وهذا هو الهدف الذي من أجله خططوا لسيناريو احتلال الكويت وحرب الخليج وثبتوه وأصلوه حتى أصبح قاعدة راسخة عند شعوب المنطقة .

    خامسا: تغيير المناهج الإعلامية والتعليمية لمحو كل ما يثير العداء نحو اليهود وهذا خطير جدا وقد أعلنه شامير في /المؤتمر - (( مؤتمر مدريد )) - حيث قال : لا بد من تغيير ثقافتكم العدائية نحو اليهود، فعلى مراحل تنتهي كل شعارات العداء لليهود ؟ بل ينتهي حتى كل ما يثير العداء دينيًّا !

    وقد عمل بهذا في مصر وغيرت المناهج وحذفت معارك اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم وحذفت الإشارات إلى عداواتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في المناهج والتعليم ، حتى أن بعض مفسري التلفاز يتجنبون الحديث عن آيات اليهود، يتجاوزونها وينتقلون إلى ما بعدها . . .

    وهذا ما يريدونه في المنطقة عموما، وكذلك في مناهج التعليم تغيير كل حيثيات القضية، وإن كانت مع الأسف درست لنا من منظور قومي (العرب واليهود) ، لا شيء إسلاميا فيها بينما في أمريكا تدرسها عشرون ألف مدرسة على أنها قضية دينية توراتيه . . !!

    سادسا : فرض السيطرة المالية الاقتصادية اليهودية على المنطقة كلها و ماذا يساوي اقتصادنا مقابلة باقتصاد الغرب . . سيطر اليهود على الاقتصاد الغربي عن طريق الربا والبنوك الربوية، فكيف إذا انطلقت أيديهم في منطقتنا ! سوف يتحكمون في سنوات قلائل في كل الدورة الاقتصادية لدول المنطقة جميعها .

    سابعا : اجتياح المنطقة بالثقافة اليهودية والنصرانية، ويصحب ذلك حملات تنصيرية ، فقد رفع النصارى رؤوسهم وبدأوا يقولون إن أحداث الخليج هيأت لنا الفرصة لإدخال الدين المسيحي في مناطق لم نكن نحلم أن ندخله فيها من قبل ، والتبشير علني والكنائس علنية ومؤيدة علنا في بعض دول المنطقة... فهذه البلاد المقدسة محاطة بالتنصير من كل جانب . . كما نتوقع حملات تشويه للإسلام في كل المستويات لأنهم يملكون هذه الآلة الإعلامية الضخمة، وستعينهم الصحافة العربية على هذا الهدف بتشويه صورة الدعاة وتشويه التاريخ الإسلامي ، كل هذا وارد ومتوقع وإن كان سينفذ بنوع من البطء والتؤدة .

    ثامنا : نهب ثروات المنطقة النفطية والمائية وتسخيرها لليهود والأمريكان ، فقد قالوا لا بد من حربين ، حرب النفط وحرب المياه ، وإن كانوا قد فرغوا من حرب النفط فالحرب الأخرى المنتظرة هي حرب المياه ، يريدون أن ينتزعوا مياه الفرات ومياه العاصي ومياه الليطاني ومياه نهر الأردن ، وحتى النيل يسحبون مياهه عبر قنوات من تحت القناة إلى أرض فلسطين ، والمياه الجوفية في شمال الجزيرة العربية، كل ذلك لبناء المستوطنات ، ولذلك يشيرون إلى أن الحرب القادمة ستكون حرب مياه ، قد تفتعل معركة بين تركيا وسورية مثلا ، فتكون قضية يضطر معها الأمريكان للتدخل العسكري فتحل الحرب مشكلة الجيش السوري من جهة ومشكلة المياه من جهة أخرى، وتركيا بالطبع عضو في حلف الناتو والآن تتوالى الاجتماعات في الغرب لتقوية حلف الناتو وتطويره ، بانضمام دول شرقية أوروبية له ، والسؤال : ضد من هذا التطوير وهذه التقوية ؟

    إنهم يريدون ضم دول المعسكر الشرقي إلى الغربي لمقاومة العدو المشترك الذي لن يكون بالطبع إلا إيانا. . .

    تاسعا : إفساد المنطقة أخلاقيا وهكذا طبع اليهود إذا دخلوا في أية بلاد . . فعن طريق السياحة والآثار يفسدون المنطقة كلها، فدول المنطقة جميعا مهددة بالإفساد عن طريق المخدرات والدعارة والأفلام القذرة ، وقد نشرت الصحف هنا كيف أرسلت (( إسرائيل )) فتيات من حاملات وباء الإيدر إلى مصر، لأنها مركز الثقل والقوة في العالم الإسلامي وسيعمم هذا على جميع البلدان . وما القنوات الإباحية اليهودية إلا جزء من ذلك .

    عاشرا : فتح الباب لغزو الجاسوسية اليهودية لأماكن ما كانت تحلم بها من قبل ، وهذا هدف مهم جدا، لأن (( إسرائيل )) تخطط على مقدار ما تعلم عن المنطقة وتعرف حقائقها، فهي تود أن تعرف كل التفاصيل عن الصحوة الإسلامية، عن حالة الدفاع والجيوش العربية . . وربما لا يخفى عليهم شيء ذو بال ولكن من الضروري الإلمام التام بكل الدقائق .

    حادي عشر : هناك هدف يسعى وراءه اليهود هو اكتشاف الآثار اليهودية القديمة ، وهناك دعوى تقول أن الأرض التي خرج منها اليهود ليست مصر وإنما هي جنوب جزيرة العرب وجاء بعضهم بصور من أبها ومناطق حولها وقال : إن أسماء التوراة تطلق على هذه المناطق . ويدللون على آثارهم في هذه الأرض بأن الملك الذي حفر الأخدود كان يهوديا . . وبوجود خيبر ومهد ذهب سليمان ، وهذا كله تمهيد لقولهم أن هذه الأرض هي أرضنا .

    هذه بعض الأهداف التي يسعون لتحقيقها وبعض ما يمكن أن يقدم على المنطقة إذا تحققت مخططاتهم .. ونسأل الله أن يحمينا ويحمي ديننا وبلادنا من شرورهم.

    الحلول والمقترحات:

    (1) نشر الوعي العقدي في الأمة قاطبة ، والعقيدة الصحيحة في كافة المستويات ولا سيما عقيدة الولاء والبراء ، وأن نعلن إسلامية المعركة، وأن مؤتمر مدريد لم يمثل فيه الإسلام ، ولم نسمع فيه قال الله وقال رسوله ، أو أن القدس إسلامية ، فالقضية في أساسها إسلامية لا تخص الفلسطينيين وحدهم ، ولا العرب وحدهم ، ولا المسلمين المعاصرين اليوم فقط ، بل هي قضية إسلامية تهم كل المسلمين إلى قيام الساعة .

    (2) إحياء رسالة المسجد . . لمقاومة هذا التيار الإعلامي والثقافي الجارف ، ونحن لا نملك إلا المسجد، والحمد لله فإن تأثيره كبير ويجب أن نستزيد منه ، فإذا كنا لا نملك أقمارا صناعية لمواجهة الأقمار الصناعية الغازية فليس أقل من الاستفادة القصوى من الوسيلة التي بين أيدينا .

    (3) يجب توحيد صفوف أهل السنة والجماعة في جميع أنحاء العالم ، وأن يكون ذلك مقدمة لتوحيد صفوف الأمة كلها على نهج السلف الصالح بإذن الله .

    كما يجب الالتقاء على خطط دعوية وعملية لنشر هذه العقيدة مع تجنب إثارة الخلافات في الأمور الفرعية الاجتهادية بل تحل عن طريق المودة والأخوة والرحمة وذلك بإحياء أدب الخلاف كما كان بين السلف .

    (4) ضرورة إنشاء المصارف الإسلامية لمقاومة الاجتياح الربوي الذي يريد أن يجتاح المنطقة .

    (5) التنبه الشديد لخطر التغيير المتدرج للمناهج الدراسية بل يجب أن يزداد فهم الطلاب للآيات والأحاديث عن مكر اليهود بنا ، وتطبيقها على الواقع الذي نعيشه .

    (6) يجب أن نبعث الأمل في الأمة بالوعد الحق الذي وعده الله تبارك وتعالى ونقرن ذلك بالأدلة الشرعية والواقعية حتى لا تيأس الأمة، فالأمة الإسلامية هي الأمة التي لا تعرف اليأس أبدا في أي مرحلة من تاريخها ، نحن على ثقة بأن الله ناصرنا .

    (7) تنشيط الدعوة في الغرب عامة وفي أمريكا بوجه خاص ، ورصد خطط وحركات المتآمرين هناك ووصيتنا إلى إخواننا المقيمين في الغرب أن يرصدوا هذه الحركات ، وعليهم بعد التمسك بدينهم أن يدعوا الغربيين للإسلام ، فالفراغ الديني والحريات هناك تتيح فرصًا لنشر الدعوة الإسلامية ولا سيما في أمريكا .. وإذا استطاع المهتدون اختراق أجهزة الإعلام والسياسة فيمكن أن يفعلوا الكثير .

    (8) الوقوف الحقيقي بكل قوة مع الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة ، لإمداده بالدعوة والكتب والمال وكل ما يحتاج إليه في جهاده والحرص على بقائه في الأرض المحتلة وعلى زيادة عدده وهذا ما يفقد (( إسرائيل )) توازنها البشري والسياسي والمعنوي ، فالأمريكان والبريطانيون وغيرهم - اليهود منهم والنصارى - يتبرعون بمئات المليارات (( لإسرائيل )) وعدد المسلمين في هذه الدول يصل عشرات الملايين ولا حواجز ولا موانع من دخولهم الأرض المحتلة فلماذا لا يساعدون إخوانهم المسلمين في فلسطين مع التنسيق بيننا وبينهم .

    (9) المطالبة بسحب كل الأموال والأرصدة من بنوك هؤلاء الأعداء وصرفها على حاجات الأمة الضرورية في أنحاء العالم الإسلامي ، فأعداؤنا يعيشون على المليارات مما نضعه من أرصدة عندهم بينما يموت الملايين من المسلمين جوعا وفقرا وتشريدًا .

    وكذلك المحافظة على ثروة الأمة ورصيد الأجيال المقبلة من أن يستنزفه اليهود والنصارى في غمرة ما يسمى السلام فلا يمض حين إلا وبلادنا يباب بلقع .

    (10) يجب علينا محاربة الترف والإسراف والفراغ الذي تعيشه هذه الأمة وحشد كل طاقات الأمة لمواجهة هذا العدو الأخطبوطي الحقود .

    من مرتباتكم ونفقاتكم وأوقاتكم لأننا أمام عدو ضخم وشرس فالمعركة ليست معركة غالب ومغلوب وإنما هي معركة وجود أوغير وجود ،


    --------------------------------------------------------------------------------

    وبعد . . قصيدة وعبرة :

    بعد (( مدريد )) وبعد جولات سِرِّية وعلنية تمخض المكر والخيانة عن المسخ الذي سمَّوه "إعلان المبادئ " بين يهود وزعامة المنظمة .

    وفيما يحتاج كل بند سري أو علني إلى سلسلة طويلة من المفاوضات واللِّجان وفيما نجزم عن يقين أن مصير هذا كله الخَيبة والخَسار - نجد التسارع الشديد لإلغاء المقاطعة وإقامة المشروعات المشتركة وتعديل الإرث الثقافي وكسر الحاجز النفسي ! !

    وبعبارة جامعة : ( نسف عقيدة الولاء والبراء ) ! !

    إنه ليس صلحًا ولكنه تهويد قسْري لأمة الإسلام - التي لن تتهود بإذن اللّه ؛ بل ستنقض على نوعي اليهود بلا هوادة مهما طال الزمن !

    تعبيرًا عن هذه المشاعر جاءت هذه الأبيات ورأينا إلحاقها بالمحاضرة استجابة لرغبة بعض المحبين :

    وشفى الغدرُ غليـــله
    تابعاً كل مخيلة
    وإذا الجائل "غُولة" (2)
    في المتاهات الطويلة
    للمسارات المهيـــــلة
    ـبِ المعاناة الثقيـلة
    قِّ في ظل الخمــيــــلة
    لِّ في أنف القبيلة
    ـرُ" بأحلام الفحولــــة
    قدُ صحراء البطولــة
    رِ ويستاق نخيــله
    قبل إطفاء الفتيـلة؟!
    قبل إجهاضِ الفسيـلة؟!
    قبل إخمادِ القتيــلة؟!
    لهما مليون حيـلة؟!
    لِّ يبغي ألف جولـة
    ـباطِ واليأسِ القتولـة
    للتحدِّي والبطولـة
    حطَّموا فينا الرجولة
    يسحب الخزي ذيوله
    كلما أرخى سدوله
    ـتأسدُ البـُـوم الذليـلة؟!
    ـتكبرُ الأيدي الهزيلة؟!
    ـوى القرارات العليلة؟!
    تدفع الجزيةَ دولة
    يرفض "الراعي" قليله
    للزعاماتِ العميلة
    يشرب الكافرُ نيله
    للعصاباتِ الرذيلة
    عورة ثم الجليلة
    وتقاضيه "خليله"
    ـلِ الزعامات الختيلة
    ـهشُ من عرض جليلة
    ـهبُ من سرح القبيلة
    ـحزنِ الدنيا الكليلة
    أركض السائسُ "فيله" (3)
    ـرى وتَـختال الختيلة
    في القواريرِ الصقيلة
    فوق هامات الخليلة
    ـلُ الفدى أهل البطولـة
    عُونَ بالدعوى الأصيــلة
    آنَ إعلام الرذيلة
    في التفاسير الطويلة
    (بئسما) تلك الـمقولة!
    منه "حِطِّين" الدخيلة!
    ذكر "كعبٍ" وقبيله
    في قريشٍ أو بجيلة
    ـرَ" فأوفوا المرء كيله
    ـدَ" فأعطوا العهد قيله
    ـرِ معانيها ثقيلة
    تلق للإسراء حيلة
    ـفِ" ولا تخش المثيلة (4)
    إنك المقتول غيلة
    كل خوَّار الفصيلة
    أنت بركان البطولة
    عَزَّ من يقفو سبيله
    أرسل الله رسوله
    أنجبَ المكرُ سليله
    وجرى المغرور لـهثاً
    فإذا الجولات آلٌ(1)
    تلك "إجراءات بدءٍ"
    ذاك إعلانُ مبادٍ
    فمتى ندخل في صُلْـ
    ومتى تُنصب سوق الرِّ
    ومتى يزهو خطام الذُّ
    ومتى تعبث "أستيــ
    ومتى يفترش الغر
    ويغطي واديَ الثأ
    أَلُـهَاثٌ وسعــارٌ
    أجنونٌ وجنــوحٌ
    أصُراخٌ وعويـلٌ
    وحييٌ وكعيبٌ
    كل بندٍ من شروطِ الذُّ
    هذهِ دوَّامة الإحـ
    جعلوا الذلَّ وساماً
    جرَّعونا الكأسَ مُرَّاً
    ألبسونا ثوب عارٍ
    نحن في التاريخ نَسيٌ
    أعلينا وحدنا تسْـ
    أعلينا وحدنا تسْـ
    أعلينا وحدنا تقْـ
    يا خليج الذُّلِّ دوماً
    فادفع المهرَ كثيراً
    واضمن الصلحَ رخاءً
    واسقها العارَ فُراتاً
    واجعل الأقصى مباحاً
    واجعل الأعلاج تبني
    سلبت عكا ويافا
    يخجل التاريخ من فِعـ
    ما على جسَّاس ما ينـ
    ما على "البرّاض"ما ينـ
    الخواجاتُ رضوا فلتـ
    وإذا "الجحش" تخلَّى
    يختلون الأمة العقـ
    يشربون النفط حرَّاً
    والخنازير تغنـي
    والعدو الصِّرفُ هم أهـ
    و"الأصوليون" مَن يَدْ
    وبنو صهيون منذ الـ
    غيرُ مغضوبٍ عليهم
    فاحذفوا ما قيل قُدْمَاً
    واشطبوا ما قيل فيهم
    عَدِّلْ التاريخ واحذفْ
    واجعل الكفَّار حَصْراً
    كلُّ هذا شرطُ "شاميـ
    وبـهذا عقد "مدريـ
    سورة الأحزاب والحشـ
    فاطلب التأويل شيخاً
    أو تجاوزها إلى "الكهْـ
    آه يا شعب المآسي
    كبِّر الله وجاهِدْ
    أنت ينبوع التحدِّي
    أنت منصورٌ بديــنٍ
    وبهذا الوعــد حقَّـاً


    (1) الآل في اللغة: السراب.
    (2) تورية ظاهرها أنثى الغول وحقيقتها(غولة بنت كوهين) زعيمة المطالبين ببناء الهيكل.
    (3) الجحش والفيل الحزبان الحاكمان في أمريكا ، والسائس معروف!
    (4) سورة النجم

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الصفحة الرئيسية | المحتويات
     

مشاركة هذه الصفحة