اذا كنت طالب او معلم أو معك طلاب معروفين أدخل هنا (باولو فريري وتعليم المقهورين)

الكاتب : أبو يمن اصلي   المشاهدات : 3,730   الردود : 18    ‏2005-12-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-30
  1. أبو يمن اصلي

    أبو يمن اصلي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-09-20
    المشاركات:
    4,691
    الإعجاب :
    0
    الموضوع هذا عاااااام بس للنقاش العلمي والأكاديمي بتلاقونه في القسم العلمي والأكاديمي وهذا رابطه
    http://www.ye1.org/vb/showthread.php?p=1486096#post1486096


    [​IMG]
    باولو فريري
    ...

    كانت أول مرة أسمع عن باولو فريري من دكتور "مقطري" في إحدى الجامعات اليمنية. كان يتحدث عنه بشكل جعلني أتمنى أن أقرأ له أي شيء أو أطلع على نظرياته في التربية وتعليم الكبار.
    وفي يوم بعد ضبحة القات في تعز خرجت اتمشى باتجاه بوفية الإبي بشارع 26 لأشرب الشاي الحليب هناك, توقفت عند بسطة كتب على شارع التحرير الأعلى المزدحم بالمارة والمتسكعين والمغازلين. وكالعادة قلبت عيني أبحث عن كتاب ربما رمى به القدر من مكتبة مثقف يمني بعد أن ضربه الطفر فاضطر لبيعه بأبخس الأثمان. كنت أبحث عن رواية أو ربما شيء في التربية عندما وقعت عيني على كتاب يحمل عنوان "طرق تعليم المقهورين" واسم مؤلفه "باولو فريري" ولا أذكر من ترجمه إلى العربية. بعد أخذ ورد مع البائع استطعت شراءه بـ25 ريال يمني لا غير (عام 2000). لم أقرأ منه الكثير وحين أخبرت الدكتور "المقطري" عن الكتاب وسعره قال لي ايش رأيك باللي يربحك 1000% ويشتريه منك؟ قلتله وايش رأيك باللي يعيره لك لمدة شهر بلاش وترده؟ واتفقنا على الdeal الأخير (إعارة شهر) ومازال الشهر لم ينتهِ :)

    ثاني مرة قرأت لباولو فريري كانت في امريكا عندما قرر علينا الدكتور المغربي الأصل قراءة محاضرة مترجمة من الاسبانية الى الانجليزية لباولو فريري. كانت المقالة حول القراءة ولكن بشكل يجعلك تقف فاغراً فاك وتقول والله الراجل هذه عنده حق. تناول القراءة من زاوية قراءة الأشياء قبل أن تكون قراءة للحروف. قال ان قراءة العالم تأتي قبل قراءة الكلمات, فنحن نسمع حفيف أوراق الشجر حتى لو كنا لا نعرف كيف نكتب كلمة شجرة. تعلمنا لقراءة وكتابة "شجرة – الكلمة" يأتي بعد معرفتنا بالشجرة الحقيقة. إذاً مهارة الكتابة والقراءة ليست بأهم من معرفة ما نقرأ أو نكتب. بهذه النظرة أوصلنا باولو فريري إلى نقطة مهمة في تعليم القراءة والكتابة وهي بربط التعلم بالواقع وبحياة المتعلم وبتركيز العملية التعليمية على خبرة المتعلم الذي لا يأتي للعملية التعليمية صفر اليدين بل محملاً بخبرات قد تفوق (بل تفوق بالتأكيد) خبرة المعلم في أمور حياتية كثيرة -والحديث هنا عن تعليم الكبار.

    بعدها قرأت كتابه الأسطورة: وعنوانه "طرق تعليم المقهورين" Pedagogy of the Oppressed
    من خلال عنوان الكتاب ومن لون غلافه الأحمر وحتى من الكتابة عليه بخط أسود واضح وبارز وقوي وبشكل مائل يوحي لك بأنه كتاب ثوري: ثوري التوجه وثوري الفكرة وثوري الطرح.

    ولي معه وقفة لاحقة إن كتب الله لنا الحياة والصحة
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-12-30
  3. أبو يمن اصلي

    أبو يمن اصلي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-09-20
    المشاركات:
    4,691
    الإعجاب :
    0
    [​IMG]

    سأعود قريباً مع كتاب "طرق تعليم المقهورين"
    وهذه دعوة للجميع لإثراء الموضوع بانطباعاتهم ومشاركتهم

    وووو
    حياكم الله
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-12-30
  5. Kebrya2_aljor7

    Kebrya2_aljor7 عضو

    التسجيل :
    ‏2004-09-24
    المشاركات:
    157
    الإعجاب :
    0
    شكرا كثيرا أستاذنا الكبير أبو يمن أصلي

    كنت أبحث عن كتاب أقرأه فيما تبقى من عطلة رأس السنة وها أنت قد أتيت بالمفيد، جزيت خيرا وعطلة سعيدة إنشاء الله

    في أمان الله
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-12-30
  7. almsaodi

    almsaodi عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-12-19
    المشاركات:
    384
    الإعجاب :
    0
    أخ أبو يمن أصلي، مشكور على الموضوع، ولي سؤال: أيش تخصصك؟

    تحياتي
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-12-30
  9. أبو يمن اصلي

    أبو يمن اصلي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-09-20
    المشاركات:
    4,691
    الإعجاب :
    0
    حياك الله اخي كبرياء الجرح
    اتمنى لك قراءة ممتعة في هذا الكتاب. بعد أن تنهي قراءته ستشعر فعلاً أن لديك ثقافة جديدة ومفيدة في تفسير أشياء كثيرة تدور حولنا.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-12-30
  11. أبو يمن اصلي

    أبو يمن اصلي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-09-20
    المشاركات:
    4,691
    الإعجاب :
    0
    وأنا أشكرك على مرورك العبق
    وتخصصي تربية

    سأعود بنبذة عن المؤلف
    ثم انطباعات حول الكتاب
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-12-30
  13. Sleepless Doha

    Sleepless Doha قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-06-09
    المشاركات:
    2,988
    الإعجاب :
    0
    ابو يمن اصلي ..احييك اخي الكريم لما تطرحه من مواضييع جميله في شكلها مفيده في مضمونها . اخي الكريم اننا امام شخص مختلف ولقد ادركت
    هذا عنما بدأت في قرأة كتب هذا الكاتب وكيف انتشرت آراؤه في الولايات المتحدة وأوروبا في السبعينيات، ان باولو فريري يعتبر من فلاسفة التربية
    البارزين في العالم المعاصر، وخاصة أنّ بعض الفئات المضطهدة في العالم الأوّل بدأت تجد في هذه الأفكار استجابة لأوضاعها وحلا لمشاكلها، وهذا ما زاد
    الاهتمام به".ان كاتبا كاباولو فريري مع انه من دول العالم الثالث (البرازيل) جعل نفسه في دائرة الضوء لسنوات كمفكّر اذهل دولا كامريكا واوربا .
    واذهلتني انت اخي لطرحك مثل هذا الموضوع الشيق ..لك ولكل من شارك وسيشارك كل التقدير والاحترام

    فمن هو باولو فريري

    [​IMG][​IMG][​IMG][​IMG]

    ولد باولو فريري Paulo Freire في التاسع عشر من سبتمبر عام 1921 في مدينة ريسيف Recife بالبرازيل، وهي ميناء يقع في الشمال الشرقي من البرازيل. كان أبواه ينتميان للطبقة الوسطى، لكنهما كانا يعانيان من مشاكل مالية ضخمة خلال فترة الركود الاقتصادي، وهو الأمر الذي جعل فريري يعايش الفقر والجوع منذ نعومة أظفاره. وبعد تحسن أوضاع الأسرة استطاع فريري أن يلتحق بكلية الحقوق في جامعة ريسيف، وفي الجامعة قام بدراسة الفلسفة وعلم نفس اللغة، بجانب دراسته الأساسية للقانون، بينما كان يقوم بالعمل لبعض الوقت كمدرس للغة البرتغالية في إحدى المدارس الثانوية، وفي نفس تلك الفترة أيضا انهمك في قراءة أعمال ماركس Marx وعدد من المفكرين الكاثوليكيين أمثال ماريتين Maritain وبرنانوس Bernanos ومنير Mounier الذين أثروا تأثيرا قويا في فلسفته التعليمية. وبعد تخرجه في الكلية عمل لفترة قصيرة كمحامٍ، لكنه اختار الاستمرار في مسيرة التعليم التي بدأها أثناء دراسته (تحديدا منذ عام 1941)، فاستمر في تعليم البرتغالية بالمدارس الثانوية حتى عام 1947. وخلال تلك الفترة تزوج من "إلزا أوليفيرا" التي كانت تعمل بالتدريس أيضًا، والتي أنجبت له 3 بنات وولدين، وقد زادت أبوته من اهتمامه بتعميق قراءاته في مجالات نظريات التعليم والفلسفة وسوسيولوجيا التعليم. وفي الفترة من عام 1948 إلى عام 1960 عمل في مجال تعليم الكبار وتدريب العمال، وهو المجال الذي كرس له حياته التالية، والذي برز فيه؛ فصار السمة المميزة لفلسفته وكتاباته بقية حياته. ففي الفترة من عام 1961 حتى عام 1964 عمل كأول مدير لقسم الإرشاد الثقافي بجامعة ريسيف، وهو المنصب الذي أهَّله لوضع البرامج التعليمية للفلاحين في شمال شرق البرازيل، وهي البرامج التي حققت نجاحًا وشهرة؛ حيث إنه كان ينجح في تعليمهم القراءة والكتابة في 30 ساعة. أول حروف القلم وقد حظي نجاحه في تعليم الكبار باعتراف عالمي دفع الحكومة الثورية في البرازيل لاختياره عام 1963 رئيسًا للمجلس القومي للثقافة الشعبية. وخلال تلك الفترة احتك احتكاكًا مباشرًا بفقراء الحضر، وبدأ في بلورة طريقته الخاصة في التواصل معهم من خلال برامج تعليم الكبار القائمة على "الحوار"، كما استمر في علاقته بالجامعة من خلال عقد حلقات نقاشية عن تاريخ وفلسفة التعليم، ومن ثم تم منحه درجة الدكتوراة في تعليم الكبار عام 1959. وفي عام 1964 عقب الانقلاب العسكري الذي وقع هناك عُدّ فريري محرضًا سياسيًّا خطرًا على النظام، وأُلقي به في السجن 70 يوما، وخلال سجنه بدأ في كتابة أول أعماله التي كانت بعنوان "التعليم كممارسة للحرية" Education as the Practice of Freedom وبعد انقضاء سجنه نُفي لمدة 15 عامًا، بدأها بفترة قصيرة في بوليفيا، ثم ما لبث أن انتقل إلى شيلي حيث قضى 5 أعوام يعمل لعدد من المنظمات الدولية العاملة في إطار حركة الإصلاح الزراعي المسيحي الديمقراطي، وفي عام 1969 عمل بالتدريس والبحث بجامعة هارفارد في مجال التعليم والتنمية والتغيير الاجتماعي. وقد أتاحت له الفترة التي قضاها بأمريكا أن يوسع من مفهومه حول العالم الثالث من المعنى الجغرافي إلى المغزى السياسي، وذلك حين اطلع على ما تعانيه الأقليات في أمريكا من ألوان القهر؛ حيث إن أمريكا كانت تموج في تلك الفترة بحركة الأقليات المطالبة بحرياتها المدنية. وخلال تلك الفترة أصدر فريري أشهر كتبه قاطبة، ألا وهو "تعليم المقهورين" Pedagogy of the Oppressed وفي بداية السبعينيات انتقل إلى جنيف للعمل كمستشار لمجلس الكنائس العالمي لشئون التعليم ورئيس للجنة التنفيذية لمعهد الفعل الثقافي Institute for Cultural action، وقد أتاح له منصباه أن يجوب العالم معلما ومرشدا للعاملين في محو الأمية وتعليم الكبار وبخاصة في البلدان حديثة التحرر في آسيا وأفريقيا. وقد كانت أهم محطاته في تلك المرحلة غينيا بيساو التي عمل كمستشار لحكومتها الثورية في مجال تعليم الكبار من مايو 1975 حتى أكتوبر 1976؛ وهو ما أثمر عن كتاب من أهم كتبه، وهو "ممارسة التعليم-الرسائل إلى غينيا بيساو" Pedagogy in Process- The Letters to Guinea Bissau. وفي عام 1979 سمحت له الحكومة البرازيلية بالعودة من منفاه؛ حيث التحق بالعمل في جامعة ساو باولو. وفي عام 1988 عُين كوزير للتعليم في مدينة ساو باولو؛ مما أتاح له الإشراف على برامج إصلاح التعليم في ثلثي مدارس البرازيل. وبعد أن أمضى فريري 18 عامًا في البرازيل، وتحديدا في الثاني من مايو عام 1997 توفي باولو فريري بأزمة قلبية في ريو دي جانيرو، بعد أن ترك تراثًا عمليا وفكريا ثريا.
    الحوار- الوعي - الحرية
    التعليم عند فريري سبيل للثورة على القهر، وصولا إلى الحرية وإلى تمكين المقهورين من مقدراتهم، ومنهجه في تحقيق ذلك يرتكز على "الحوار" الذي يتبادل فيه المعلم والمتعلم أدوارهما؛ فيتعلم كل منهما من الآخر، ويصبح موضوع الحوار الذي يدور في الغالب حول أوضاع المتعلمين المقهورين الحياتية هو المدخل إلى تعليمهم القراءة والكتابة. وهذا المنهج مناقض للمنهج الذي أسماه فريري بـ"التعليم البنكي" (Banking Education) الذي يقوم فيه المعلم بإيداع المعلومات التي تحتويها المقررات "سابقة التجهيز" في أدمغة المتعلمين، الذين يقتصر دورهم على التلقي السلبي لتلك الإيداعات، ومن شأن ذلك التعليم البنكي أن يخرج قوالب مكررة من البشر تساهم في "تكريس" الوضع القائم، ولا تسعى إلى تغييره مهما احتوى من أوضاع جائرة.
    ويهدف ذلك المنهج الحواري لدى فريري إلى خلق حالة من "الوعي النقدي" (Critical Consciousness)؛ وهو ما يمثل قلب منهج "التعليم التحريري" (Libratory Education) لدى فريري. والوعي النقدي هو مستوى من الوعي يتميز بالعمق في تفسير المشكلات التي يعيشها الفرد المقهور، والتي ربما يكون الفرد ذاته جزءًا متآلفًا ومتعايشًا معها بل ومبررًا لها. وهو وعي ينبني من خلال كفاح مجموع المقهورين ومراجعاتهم الدائمة لأعمالهم وأفكارهم من خلال خلق حالة حوارية دائمة ومتصلة. وهذا الوعي يجعل المقهورين ينتفضون على واقع "ثقافة الصمت" (Culture of Silence) التي يفرضها عليهم القاهرون بتحكمهم في المدارس وسائر المؤسسات التي تسهم في تشكيل وعي المجتمع، والتي تخلق وعيًا سلبيًّا لديهم يجعلهم يستبطنون صورًا سلبية عن ذواتهم، وتجعلهم يشعرون بعدم قدرتهم على إدارة شئونهم بأنفسهم، وبأنهم دائما في حاجة إلى قاهريهم. ويهدف فريري من إكساب المقهورين ذلك الوعي النقدي إلى بث الثقة في نفوسهم وتعليمهم الأمل"Pedagogy of Hope" بقدرتهم على الفعل الإيجابي لتغيير واقع القهر الذي يعيشونه.
    ويهدف فريري من تلك السلسلة المترابطة من المراحل إلى: (تعليم تحريري) قائم على الحوار يؤدي إلى (وعي نقدي) محدثا (فعلا جماعيا) لتغيير واقع القهر بما يؤدي إلى (أنسنة Humanization المجتمع البشري) بقاهريه ومقهوريه، وإزالة ثقافة "نزع الأنسنة" (Dehumanization) التي تسود العالم، وتحوله إلى غابة تتصارع فيها الحيوانات الاجتماعية للفوز بأكبر نصيب من فرائس الدنيا، وهو الصراع الذي لا مكان فيه للضعفاء والمهمشين والمقهورين.
    تعددت الأسباب و"القهر" واحد
    يعد فريري أحد المفكرين الذين كرسوا حياتهم خلال القرن المنصرم من أجل تغيير أوضاع الفقراء والمهمشين والمستضعفين على مستوى العالم تغييرًا جوهريًّا وصولا إلى تمكينهم Empowerment، والطريف أن كلا منهم اقترب من هذا الأمر اقترابا مختلفا؛ فحسن فتحي مثلا اهتم بالفقراء من مدخل "المسكن الملائم"، ومحمد يونس اهتم بهم من مدخل توفير رأس المال الذي يكفل لهم أن يبدءوا مشاريعهم الخاصة بهم، أما إرنست شوماخر فقد اهتم بهم من مدخل تطوير التكنولوجيا الملائمة لظروف مجتمعاتهم الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ويأتي فريري ليجعل من التعليم وخلق الوعي النقدي مدخلا للتحرر من القهر. وأظن أن وضع فكر هؤلاء العلماء بجوار بعضه البعض يصنع صورة تقترب من الكمال لمنهج التعامل مع تلك الفئات وصولا إلى استئصال أبشع ألوان الظلم "المزمن" في حياة المجتمعات البشرية​
    [​IMG]
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-12-30
  15. الصلاحي

    الصلاحي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-20
    المشاركات:
    16,868
    الإعجاب :
    3
    تابع

    نظام التعليم العربي والديمقراطية

    ـ علاقة غائبة ـ

    د. شبل بدران



    (مداخلة وتعقيب على دراسة: نحو نظام تربوي تعلمي في عالم متغير للدكتور عدنان بدران)



    *

    لايوجد تعليم محايد ، إما أن يكون التعليم أداة للقهر أو أداة للحرية ...



    " إن الحقيقة الاجتماعية لم توجد بالصدفة ، بل وجدت كنتيجة لجهود الإنسان ، كذلك فإن عملية التغيير لاتتم بالصدفة ، بل تتم نتيجة لجهود الإنسان ، وإذا كان الرجال هم الذين يحدثون التغيير في الحقائق الاجتماعية ، فإن تلك الحقائق تصبح بالضرورة عملا تاريخيا من صنع الرجال ... "

    (باولو فريري ، 1982 ، ص 30)



    بدلا من المقدمة :

    كان التعليم ومازال أحد أهم مجالات الصراع الاجتماعي والسياسي في الوطن العربي خلال القرن العشرين ، حيث استطاعت القوى الوطنية المناهضة للاستعمار الداخلي والخارجي ولكافة صنوف القهر والتسلط أن يكون التعليم أحد آلياتها وأدواتها الحادة في مواجهة الهيمنة والاستبداد، ذلك انطلاقا من أن التعليم في جملته يشيع العلم والاستنارة العقلانية بين طلابه والراغبين فيه ، وذلك على الرغم من أن التعليم يعد أحد أجهزة الدولة الأيديولوجية التي تسير بالأيديولوجيا غالبا وأحيانا بالعنف ، إلا أن النظام التعليمي يتمتع بقدر من الاستقلالية تتيح له أن يساعد في تكوين وتشكيل وعي الأجيال الجديدة بصورة معاكسة لما ترسمه الدولة من خطط وسياسات وتضعه من برامج ومناهج دراسية



    لتدجين و نمذجـة المواطن ، وذلك من خلال "المنهج الخفي" ذلك المنهج الذي يعبر عن مجمل التفاعلات الاجتماعية في محيط المدرسة وبيئة التعلم ، وصلاحيات الإدارة المدرسية التي تتباين وتتنوع من مدير وقائد إلى آخر حسب الإطار الفكري والمرجعي الذي ينتسب إليه.



    من هنا فإن القول دائما بأن النظام التعليمي هو تعبير بصورة أو بأخرى عن طبيعة وبنية النظام السياسي وتوجهاته العامة ، قول صحيح إلى حد ما ، لكن علينا ألا نغفل دور المؤسسة التعليمية في محاولات الإفلات من تلك القبضة المهيمنة على مجمل حركة النظام التعليمي والمدرسي على وجه التحديد.



    فمشروع الحداثة العربية هو جد مخالف في الظرف والحال عن الحداثة الغربية ، وذلك لما للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السياسية والتقنية من دور في نضج تلك الحداثة ، كما أنها في الأساس ترتبط بدرجة التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المجتمع.



    فالحداثة لايمكن اختزالها في مفهوم سوسيولوجي أو سياسي أو حتى تاريخي على الرغم من إنها تكون باستمرار في تعارض مع ماهو قديم ، وتتبرم ، بالتالي من كل مايدعو إلى التقليد والاهتداء بمبادئ التراث ، وبالرغم من أنها تتضمن في عملياتها احتمالات الأزمة ، وأنها تعاند كل تعريف وكل إرادة لتجديدها وإعطائها تسمية معينة ، أنها تحيل إلى حضارة تعمل على إلغاء الآخر ونفي ثقافته وبسط نماذجها وأساليب تدخلها في الفضاء والزمن وأشكال تنظيمها للسياسة وللعلاقات الاجتماعية . لذلك فبقدر ماتريد أن تفعل في الواقع وتغيره بقدر ماتنسج حولها أساطير لدرجة يتداخل في مظاهرها ماهو واقعي وماهو أسطوري (1)

    وهنا تتجلى مفارقاتها ، ففي الوقت الذي تتجاوز فيه التصورات التقليدية للعالم ، سواء كانت دينية أو سحرية، فإنها مع ذلك وفي سياق تدخلاتهـا وإنجازاتها تنتج حالات لاشعورية وسلوكيات لاتمت إلى المقاييس التي تريد تثبيتها وتأسيسها،إنها تعزز أساطيرها الخاصة سواء على صعيد التطور أو التنظيم أو العلاقات.



    وعلى الرغم من هذا التداخل بين الواقعي والأسطوري ، فإن الحداثة تتميز في كل المجالات المتعلقة بـ "الدولة الحديثة والتقنية والفنون الحديثة ، والعادات والأفكار الحديثة" ، إنها نوع من المقولة العامة



    والضرورة الثقافية ، وبحكم أنها تبحث عن بعض الثورات العميقة في التنظيم الاقتصادي والاجتماعي ، فإنهـا تتجلى أيضا على صعيد العادات ونمط الحياة وماهو يومي . والحداثة على الرغم من تأثيرها على جّل فضاءات الحياة ، فأنها تتميز بكونها متموجة في أشكالها وفي مضامينها ، متغيرة في مواجهة ثوابت التقليد ، فإنها تصبح تعبيرا عن "تقليد للجديد" وبحكم أنها انبثقت من سياق أزمة عامة فإنها تشكل ، كذلك التشخيص العرضي للأزمات بل أنها "تجعل من الأزمة" قيمة وأخلاقا متناقضة.



    مما سبق يمكننا التأكيد على أن الحداثة لاتعبر فقط عن واقع التغيرات التقنية العلمية والسياسية والاجتماعية التي وقعت في التاريخ ، وإنما تدخل كذلـك ضمن بقية العلاقات والعادات والثقافات التي تكثف التحولات البنيوية على صعيد الطقوس والسلوكيات الاجتماعية.



    فمنذ مطلع القرن التاسع عشر ومشروع الحداثة العربية الذي تمثل في جهود رجالات الفكر والإصلاح السياسي والاجتماعي الديني في الوطن العربي ، أخذ في التبلور في مناقضة القديم ومحاولة تغيير نمط الحياة ، ولقد تبلور ذلك وتجذر في مشروع "محمد علي" في بناء دولة مصر الحديثة والتي كان التعليم الحديث ـ الغربي تحديداً ـ أحد أهم آليات تحقيق مشروع "محمد علي" في بناء دولة حديثة مناقضة للمجتمع التقليدي القديم الذي ساد خلال القرون السابقة ومعتمدة على التقنية والتعليم والاستنارة العقلانية ، ولقد قدم "محمد علي" دولة مركزية ذات سيادة وأطماع كان التعليم مكونها الرئيسي والفاعل ، ولقد لعب التعليم الحديث ـ المناقض للتعليم القديم الديني ـ دوراً هاماً في تطور الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والثقافية ،كما أنه أنتج عقول استطاعت في مرحلة لاحقة أن تقود التغيير والتقدم ومناهضة القديم (2).



    ومع نهاية القرن التاسع عشر تنامى المشروع بسبب الاستعمار والهيمنة الخارجية ، وتطور مفهوم "التحديث" ولعلنا هنا يجب أن نفرق بين "الحداثة والتحديث" حيث يشير مصطلح الحداثة إلى : وصف الخصائص المشتركة للبلدان الأكثر تقدماً صناعياً على صعيد التنمية التكنولوجية ، السياسية ، الاقتصادية والاجتماعية ، أما التحديث فإنه يشير إلى : وصف العمليات التي بواسطتها تكتسب هذه المستويات من التنمية ومن ثم يغدو التحديث هو : تلك المحاولات والتطلعات التي تستهدف تحقيق النماذج الغربية ، أو هو: تلك الإمكانية التي من خلالها نتصور البنيات المؤسسية القادرة على استيعاب التحولات المختلفة التـي تطرأ على الزمن والمجتمع.



    وخلال القرن العشرين وتحديداً بعد مرحلة الاستقلال الوطني التي شهدها عالمنا العربي في غالبية بلدانه تبلور مشروع الحداثة ـ التحديث ـ في محاولات الإصلاح والنهضة العلمية والتقنية والاجتماعية والسياسية ، وكان التعليم ومازال أحد أهم آليات مشروع الحداثة العربية ، وفي الوقت الذي ظهرت اتجاهات النقد والمراجعة لمشروع الحداثة الغربية في أوروبا في أواسط الستينيات كان وطننا العربي يتصور أنه ينجز مشروع الحداثة ـ التحديث ـ عبر التعليم والثقافة بالتوسع في نشرهما وطرحهما أمام الفئات الاجتماعية الأكثر حرمانا في الوطن العربي ـ ولكن ظل مفهوم العلم ودوره والمعرفة مفهوماً غربياً غير مستقر في الواقع العربي.



    من هنا فإن الحداثة العربية ومنذ نشأتها والتعاطي معها يتم بصورة أو بأخرى ، عبر آلية التعليم ، ولم يقترب للدرجة الفاعلة من الثقافة بوصفها ملاصقة للتراث والمعتقد ، إلا أن ذلك لم يمنع من شيوع حالة من الوعي في المجتمـع العربي، حيث تعيش العديد من بلدانه ، مجتمع ما قبل الحداثة ، ومجتمع الحداثة ، ومابعد الحداثة ، في لحظة تاريخية واحدة.



    ولقد مضى القرن العشرون ولم يستطع الوطن العربي إنجاز مشروع الحداثة ـ التحديث ـ أو مشروع النهضة وذلك لغياب الديمقراطية وتمركز سلطة الدولة المركزية في الفرد ـ الحاكم ـ وغياب الوعي الجماهيري ، وإدماج الجماهير في العمل السياسي والثقافي ، وسيادة الخطاب العربي التقليدي الماضوي ، والمعطل والمعوق لأي حركة تقدم في اتجاه المستقبل ، وسيادة الفكر الماضوي الذي استخدمته السلطة السياسية عبر عقود طويلة لتغذية الجماهير العربية بوعي زائف يعلق أحلامها وطموحاتها وحرياتها ووجودها ذاته بطريق غير الطريق العلمي العقلاني المستند إلى بناء تنمية حقيقية تحيل الواقع العربي من حالة التردي والتخلف إلى أفق وفضاءات أكثر رحابة واتساعاً.



    من هنا تأتي ورقة الدكتور عدنان بدران في محاولة إلقاء الضوء علـى النظام التربوي العربي ودوره في تحقيق حداثة عربية ناجزة وفاعلة ، ويمكن تقسيم المداخلة والتعقيب على الورقة بالصورة التالية :









    أولا : ملاحظات منهجية عامة :

    1- انطلقت الورقة من خلط بين التعليم المؤسسي ، الممنهج ، النظامي ، الرسمي ، الذي تقوم به الدولة من خلال مؤسسات التعليم عبر مراحل تعليمية وسلم تعليمي ومعارف محددة ، المراد منها تخريج مواطنين ذوي كفاءات ومهارات محددة (مهندس ، طبيب ، محامي ... إلخ) وبين التربية بوصفها ممارسة يومية وخبرات حياتية يعيشها الفرد منذ ولادته وحتى مماته ، ولاتتطلب مؤسسات تعليمية محددة ، بل إنها تتم عبر وسائط مثل : الأسرة ، وسائل الاتصال الجماهيرية ، الطبقة الاجتماعية ، الأحزاب السياسية ، وأحيانا المدرسة.



    كما أن الورقة تتحدث عن النظام التربوي بهذا المعنى أحيانا وأخرى عن النظام التعليمي المؤسسي ، وربطت بشكل ميكانيكي بين استبداد السلطة السياسية وممارستها اللاعقلانية والنظام التعليمي دون تصور للاستقلال النسبي الذي تتمتـع به المدرسة والجامعة ، ناهيك عن أننا اليوم نعيش في عصر الفوضى والانفلات خارج الهيمنة والسيطرة ، من خلال الفضاءات والتعليم الإلكتروني وشبكة المعلومات الدولية "الأنترنت" للدرجة التي تجعل العديد من التيارات الفكرية والتربوية في الغرب تتحدث عن "موت المدرسة" وفقدان دورها وهيمنتها ، وربما ذلك يعود بنا القهقري إلى الوراء حينما صاح القس "إيفان إيلتش" Ivan Illich ورفاقه في مطلع السبعينات من القرن الماضي حول موت المدرسة.



    2- انشغلت الورقة بشكل جوهري طوال صفحاتها الأربع والثلاثين عن مجمل النظام التربوي (التعليمي) من مرحلة رياض الأطفال إلى الجامعة . ومشكلة الأمية التي ترتبط ببنية وتوجه النظام السياسي والإرادة السياسية بشكل قاطع ، أكثر من ارتباطها بالنظام التعليمي نفسه ، إلا في حالات التسرب والرسوب والانقطاع عن الدراسة حيث يعد النظام التعليمي مسئولا عن جانب من تفاقم تلك الظاهرة ـ الأمية ـ ، إلا أن الورقة لم تنشغل أيضا بحالات مماثلة في مجتمعات متشابهة حققت تقدما راقيا في القضاء على عار الأمية بوصفه جريمة تربوية وأخلاقية واجتماعية وثقافية في حق النظام السياسي بالدرجة الأولى.



    كما واصلت الورقة انشغالها بالحديث حول "المعلم وإعداده وتكوينه" "والتعليم عن بعد" والتعليم



    المستمر ـ مدى الحياة ـ والتعليم الإلكتروني ، وتلك قضايا هامة لاشك في ذلك ، لكن تعدد شواغل الورقة بتلك القضايا جعلها تفقد العمق والتحليل النقدي الرصين لمجمل القضايا التي عالجتها. إن انشغال الورقـة بكل قضايا التعليم ماقبل الجامعي و الجامعي وخارج المؤسسة التعليمية الرسمية هي جهود تفوق طاقة الفرد ـ الباحث ـ وتحتاج إلى الفريق البحثي والعمل الجماعي المؤسسي لمناقشة تلك القضايا.



    3- عالجت الورقة كل تلك القضايا من خلال وصف للظاهرة وملامسة سطحها الخارجي دون الخوض في أعماقها ومحاولة تحليلها من خلال رؤية نقدية بديلة للممارسات الفعلية ، وتعاملت من الإحصائيات بوصفها أداة موضوعية في التعبير عن الظاهرة في التقدم والتخلف ، كما أنها استعانت برؤى وأفكار المؤسسات الدولية التي تعرف الكثير عن الواقع الاجتماعي والسياسي المعيش في دول الوطن العربي ، وتحاول أن تفرض أجندتها من خلال التمويل الخارجي ، ونادراً ماتشتبك مفردات الأجندة الدولية ـ البنك الدولي ـ اليونسكو ـ اليونيسيف ـ مع قضايا الفقر والبطالة وهما من أولويات الأجندة الوطنية العربية ، كنا نطمع من الورقة أن تقدم رؤى عربية أو نقدية بديلة للأفكار السائدة من خلال بنية النظام التعليمي والأيديولوجيا السائدة في المناهج الدراسية والعنف الرمزي الذي يمارس لصالح السلطة السياسية.





    ثانيا : ملاحظات تفصيلية : هوامش على المتن :

    يمكن من خلال القراءة النقدية للورقة طرح بعض الملاحظات المتعلقة بالقضايا التي تناولتها الورقة بالتفصيل ، ونود أن نشير أن تلك الملاحظـات لا تقلل بأي حال من الأحوال عن القيمة العلمية والتربوية للورقة وعن توجهاتها العامة ، ومن أبرز هذه الملاحظات :



    1- لم تؤصل الورقة في بدايتها ـ الصفحات السبع الأولى ـ للعلاقة الجدلية بين الحداثة العربية بوصفها تعبر عن الأبعاد الثلاثة للحداثة ، البعد التقني ـ العلمي للعلوم والتقنيات ـ والنمو العقلاني والمنهجي لوسائل الإنتاج ولأساليبه والبعد السياسي باعتبار أن الدولة تجسد بشكل من الأشكـال ، نوع من التعالي المجرد ، في صيغة دستور يجسد العلاقة بين الفرد والدولة وقوى الإنتاج ووسائله ، وطبيعة الملكية ، والبعد السيكولوجي للحداثة والتعليم كنظام اجتماعي فرعي يعبر عن مجمل الحركة



    الاجتماعية في الواقع المعيش ، وإنما تعاملت الورقة بشكل سريع للحداثة في الغرب وتعاطيها عربياً، ولم تبرز الورقة على نحو شامل وكامل للعلاقة بين الحداثة العربية أو حتى مشروع "التحديث" العربي والنظام التعليمي العربي الحديث منذ نشأته في مصر في مطلع القرن التاسع عشر وللآن.



    2- عند الحديث حول الحداثة وواقع النظام التربوي (ص8) انشغلت الورقة بالأرقام والإحصاءات الرسمية الإقليمية والعربية حول التعليم والإنفاق عليه والواقع الديموجرافي والاقتصادي ولم تتطرق من بعيد أو قريب إلى فحوى ومحتوى النظام التعليمي أو التربوي ومضمونه وما يتضمنه من أفكار ومعتقدات وأيديولوجية ترتبط بالحداثة أو لا ترتبط ولكن تم التعامل مع الحداثة ككيان مستقل في ذاته والنظام التربوي كمعطى مستقل في ذاته ، ولم تعرض الورقة لأوجه التداخل والتشابك بين كلا الكيانين سواء بالسلب أو الإيجاب.



    3- تناولت الورقة قضية "الأمية" بشكل حسابي رقمي ، كم عدد الأميين ، كم عدد الذين محيت أميتهم ، علما بأن القضية لاتقف عند هذا الحد ، فهناك مفاهيم للأمية ، الأبجدية والوظيفية ، ومفهوم "باولو فريري "Paulo Freire" للأمية باعتبارها هي : تحرير الإنسان من كافة صفوف القهر والتسلط الواقعة عليه ، إن انشغال الورقة بالإحصائيات أفقدها فرصة تناول مضامين برامج محو الأمية ، وبعدت عن حاجتنا إلى تجاوز محو الأمية الأبجدي إلى محو الأمية السياسي المرتبط بالوعي ، كما جعلها لاتناقش أهمية ذلك في ظل عالم يتجه إلى المعرفة بمصادرها المختلفة ، ـ المصادر الإلكترونية الحديثة ـ ، من هنا فإن مفهوم القراءة والكتابة للآن لم يعد كافياً لتشكيل المواطن الواعي القادر على فهم طبيعة العالم ومحاولة الوقوف على أسباب التناقضات المعاشة.



    كما أهملت الورقة الإشارة إلى التجارب الرائدة في العالم الثالث والتي وقفت خلفها نظم سياسية ارتبطت مصالحها بقضية محو الأمية بالمعنى الشامل ، فأغفلت تجارب المفكر والمربي البرازيلي "باولو فريري" الذي طرح مشروعا ومفهوما للأمية يتعامل معها بوصفها قضية نضال وكفاح سياسي من الدرجة الأولى ، وطرح مفهوم : تعلم .. تحرر ، من خلال أطروحته "تربية المقهورين" (3) ويعد "باولو فريري" نموذجاً وطنياً وسياسياً وتربوياً في عالمنا الثالث ويمكن استلهام تجاربه أن كانت هناك إرادة سياسية حقيقية لمحو الأمية لأكثر من ثلث سكان الوطن العربي (15 سنة فما فوق) لأننا



    لا نستطيع أن نتحدث عن الحداثة ، والعولمة والتنافسية بشعب ثلث سكانه يجهلون القراءة والكتابة في حدودها الدنيا ، أن تلك القضية على الرغم من تلامسها للشأن التربوي والتعليمي ، إلا أنها بالأساس قضية سياسية اجتماعية ترتبط وتدور في فلك النظام السياسي العربي.



    4- أكدت الورقة (ص12) في تناولها لمرحلة رياض الأطفال وتعليم الطفولة المبكرة على فكر السلف الصالح ودعوة علي بن أبي طالب : "إلى عدم تعليم أبنائنا مما تعلمنا لأنهم سيعيشون في عصر غير عصرنا". ولا أدري هل الإمام علي بن أبي طالب ـ إمام المتقين ـ يمتلك نظرية في المعرفة ونظرية في تربية الأطفال لمرحلة ماقبل التعليم المدرسي ؟ أم أنها من باب الأقوال المأثورة والحكم التي نتداولها عن السلف الصالح إلى يومنا هذا ؟ ، أعتقد أنه ليس هناك مبرر منهجي أو تربوي يلزمنا بتداول تلك الأقوال ، لأن مرحلة الطفولة المبكرة الاهتمام بها حديث ويعتمد علىنظريات للتعلم ولتربية الطفل منذ مولده ، ومن أبرز تلك النظريات ، نظرية ، فروبل ، ومنتسوري ، وبستالوتزي ، وجان جاك روسو ، وبياجيه ، وهي نظريات تنتسب في جوهرها ونشأتها إلى مجتمع الحداثة الغربي ، الذي أسس نظريات في المعرفة وتكوينها لدى الأطفال وتطورت بتطور العلم والمجتمع حتى وصلت إلى "جان بياجيه"





    إن الحديث عن تلك المرحلة العمرية من عمر أطفالنا نعتقد أنه كان يجب أن يتوجه بالأساس إلى تدني نسب الأطفال الملتحقين برياض الأطفال في الوطن العربي والتي لاتتجاوز على أفضل الأحوال 15% كنسبة عامة ، وكان يجب أن تنشغل بالفئات والطبقات الاجتماعية التي تسمح لها ظروفها الاجتماعية والماليـة من تعليم أطفال في تلك الرياض ، ولماذا يحرم أبناء الفقراء والكادحين في الوطن العربي من فرصة تلقى علوم ومعارف وتربية في هذه السن (4-6 سنة) إن إبراز



    الجانب الاجتماعي والطبقي في توزيع فرص التعليم ومجانيته وإلزاميته كانت أولى وأهم من الانشغال بالإحصائيات الرسمية فقط.



    وكان يلزم على الباحث الاهتمام بموضوع "الذكاءات المتعـددة" (4) وهو إتجاه جديد في علم النفس



    والدراسات التربوية والإمكانات اللامحدودة لأطفالنا في القدرة على التعلم والابتكار في توافر بيئة تعليمية آمنة ومنظمة وعادلة ، تحقق للأطفال قدراتهم الخلاقة على الإبداع والابتكار من خلال مناهج اللعب والنشاط ، تلك التي يفتقدها هذا النظام التربوي في العديد من الدول العربية . إن أهمية تلك المرحلة تعود بالدرجة الأولى إلى أنها نقطة البدء في التكوين والتشكيل الثقافي والمعرفي للأطفال في الوطن العربي.



    5- تناولت الورقة التعليم الأساسي (الإبتدائي والإعدادي) بوصفه قاعدة انطلاق للنظام التربوي ـ التعليمي ـ وانشغلت بتقارير اليونسكو ومؤتمراتها التي عقدت في "جومتين ، تايلاند " عام 1990 ودكار عام 2000 ، والقاهرة عام 2000 ، والتي طرحت رؤى تلك المنظمة وغيرها حول "التعليم للجميع" دون محاولة الاقتراب من الواقع العربي المعيش ، واكتفت الورقة بالإشارة إلى أن بعض الدول العربية ، وليست كل الدول تعاني من وجود مشكلات في إعداد وتكوين المعلم الكفء ، كما أشارت أيضا إلى أهمية الديمقراطية في بناء شخصية الفرد ودور المعلم والتعلم في ذلك ، ولم تشتبك الورقة في أسباب غياب الديمقراطية عن نظمنا التعليمية برمتها ، وفي كل الدول العربية ولم تقدم الورقة أية إشارة إلى وجود الديمقراطية في النظم التعليمية ولماذا غابت أصلا ؟ وهل غيابها يعود إلى بنية النظام التعليمي العربي أم إلى طبيعة وبنية النظام السياسي العربي ؟!.



    وبلغة محايدة ومراوغة أخذت الورقة على عاتقها إظهار الإحصائيـات والبيانات الرسمية حول التعليم الأساسي في الوطن العربي من عدد الطلاب المسجلين ،ونسبة الاستيعاب ، والرسوب ، دون مناقشة نقدية لتدني الأوضاع حتى على مستوى الإحصائيات ، ثم ناشدت الورقة ، من لانعرف ؟! ضرورة الأخذ بالمستجدات التربوية والتعليمية نحو بناء مدرسة المستقبل ، وإعداد معلم مجتمع المعرفة ، والمناهج المتطورة غير التقليدية ، والاهتمام بالأداء الدراسي والتركيز على المتعلم ومشاركة القطاع الخاص والمجتمع المدني (المشاركة المجتمعية) ، وتجاهلت الورقة أصلا أن جوهر المشكلة المجتمعية يتمحور حول المشاركة في السلطة وفي صناعة واتخاذ القرار ، وأي دعوة للمشاركة المجتمعية والقطاع الخاص دون مشاركة المواطن في اتخاذ القرار يعد حديثاً أجوف لاقيمة منه أصلا.



    إن الأمر كان يلزم ـ ضمن مايستلزم ـ تعميق حرية المواطن في الاختيار وتوسيع قاعدة الخيارات



    في الحياة أمام المواطن ، وتحقيق مواطنة حقة تحدد بشكل أصيل العلاقة بين الفرد والدولة في إطار ديمقراطي حر يتيح للبشر حرية الاختيار ، لعل ذلك أهم شرط من شروط المناداة بالمشاركة المجتمعية ومشاركة المجتمع المدني في تطوير نظام التعليم العربي.



    6- وفي تناول الورقة للتعليم الثانوي ـ الإعداد للحياة ـ انطلقت في فهمها لهذا النوع من التعليم على أنه يعد للحياة وليس للمراحل الدراسية الأعلى ـ التعليم الجامعي والعالي ـ في حين أن العالم يتجه في ظل ثورة المعلومات والمعرفة إلى زيادة عدد سنوات "التمدرس Schooling " ، وأن الحد الأدنى لمواجهة ثورات العلم والمعرفة هو إطالة زمن التعليم والتعلم لمواجهة شواغل العالم المعاصر.



    وطرحت الورقة رؤية حول إستجابة ذلك النوع من التعليم لحاجات الفرد ورغباته ، وتطور نظم الدراسة ، بالاعتماد على نظام الفصلين الدراسيين ، ونظام الساعات المعتمدة واستحداث البرمجيات والتعلم الالكتروني والتدريب ، وكل ذلك جميل ورائع ، ولكنه يجب أن نضع نصب أعيننا أن ثلث سكان العالم العربي لايقرأون ولايكتبون وأكثر من 60% من عدد سكانه يعيشون تحت خط الفقر . إذن مواجهة قضية الفقر والأمية لابد أن تكون في موقف جدلي مع عملية تطوير وتحسين لأي نظام تعليمي عربي ، أن تجاهل مشكلات الناس اليومية وتدني مستوى معيشتهم يقف حائلا أمام أي حركة تطوير أو إصلاح لأي نظام بما في ذلك نظام التعليم (5).



    7- وفي تناول الورقة للتعليم العالي في الوطن العربي ، حفلت تلك المعالجة بالمؤشرات الإحصائية الرسمية ـ العربية والدولية ـ حول التعليم العالي التي تشير إلى نسبة السكان المطلوبة لإنشاء الجامعات ، وأن أعداد جامعاتنا مطلوب زيادته إلى أكثر من الضعفين لكي يتناسب مع النسب الدولية والعالمية ، ولكن الورقة أيضا هنا وطوال الدراسة لم تتعرض إلى محتوى البرامج التعليمية المقدمة للطلاب ، ولا إلى أساليب وإستراتيجيات التدريس ، أو إلى رسالة الجامعة وأدوارها ، واكتفت بالأدوار الثلاثة التقليدية المعروفة للجامعة ، التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع المحلي.



    ثم تطرقت الورقة إلى دور الجامعة والتعليم الجامعي العربي في التعايش مع مجتمع المعرفة وارتباطه بآليات السوق وابتعاث هيئات التدريس إلى الدول الأوروبية وأمريكا للاستفادة العلمية والتكنولوجية ،



    ولم تنشغل الورقة مطلقا باستقلال الجامعة وكيف يكون ؟. وهناك تجربة رائدة في الجامعة المصرية في الأربعينيات من القرن الماضي حينما استقال رئيسها " أحمد لطفي السيد " بسبب نقل عميد كلية الآداب الدكتور طه حسين خارج الجامعة ، ودور الجامعة المصرية خلال الثلاثينات والأربعينات ، كما لم تقدم لنا أية رؤية حيال الحرية الأكاديمية وغياب المدارس الفكرية والعلمية عن جامعاتنا العربية ، مما أدى إلى تدني المعارف والعلوم وشخصيات هيئات التدريس وتكوينهم العلمي ووعيهم السياسي وشكلية العمل الجامعي غير الرصين حيث تحولت الجامعة في العالم العربي إلى مدرسة ثانوية كبيرة . واهتمت الورقة بإعادة هيكلة الجامعات العربية لكي تتوافق وتتواءم مع آليات السوق وسوق العمل على وجة التحديد دون أدنى اعتبار إلى كون التعليم حق إنساني مكفل للجميع.



    8- أما "التعليم عن بعد" ،فلقد أكد الباحث مرة أخرى على الأقوال المأثورة للسلف الصالح ، حيث انطلقت الورقة بالتنظير لتلك الأقوال في فلسفة "التعليم عن بعد" ، "اطلبوا العلم ولو في الصين .. " والحقيقة لا أعرف ماقيمة هذا الحديث أو الحكمة في فلسفة "التعليم عن بعد .. فإذا كان " التعليم عن بعد " قد نشأ في ظل مجتمع الحداثة الغربية والمجتمع الحداثي وفي عصر الجماهير ، وظهر ونشأ بوصفه مطلب ديمقراطي يسعى إلى إيصال التعليم إلى مستحقيه الحقيقيين إينما وجدوا وكيفما كانوا بعيدين عن مكان التعليم . أن الفلسفة من التعليم عن بعد هي تحقيق ديمقراطية التعليم بإزالة الحواجز الجغرافية والطبقية أمام الناس لكي يتعلموا ، حتى لو كانوا يعيشون في الأطراف والمناطق النائية عن المدن ، تلك الفلسفة والأهداف التي تكمن خلف مفهوم " التعليم عن بعد " أما الاستشهاد بقول السلف فلا أرى أية علاقة البتة ، بينه وبين تلك الصيغة التعليمية المرتبطة بمجتمع الحداثة والمجتمع الصناعي ومجتمع عصر الجماهير في الستينيات ، حيث كانت التطورات السياسية والاجتماعية تقود في اتجاه ديمقراطية التعليم بنشره وتعميمه على أوسع نطاق وأمام الغالبية من الناس الذين حرموا منه أصلا بحكم وضعهم الطبقي والاجتماعي في المجتمع.



    " وإلى جانب ذلك فإن الورقة تنشغل وبشكل واعٍ بأهمية دور "التعليم عن بعد " وهو تقديم المعارف والتدريب لتحقيق احتياجات السوق حيث تؤكد الورقة (ص 29) على أن : " وهذا النوع من التعليم سيعظم دور القطاع الخاص وسيقلص دور الحكومة وبذلك ستتغير اقتصاديات التعليم وتحويله تبعا لاقتصاد السوق الحر بإعطاء جرعات ودورات تعليمية عن بعد تبعا لاحتياجات السوق الآنية والمتغيرة باستمرار وسيكون لمؤسسات المجتمع المدني دور أكبر في ضبط عملية التعليم المرنة".



    وهنا يتجلى التوجه الفكري والأيديولوجي للباحث في أن التعليم أحد آليات الخصخصة والتحول الرأسمالي نحو آليات السوق وسياسات العرض والطلب التي فاقمت من زيادة الفقر والجوع والحرمان لأكثر من 70% من سكان الوطن العربي لأن رأسماليتنا العربية وليدة وتابعة وليس لها جذور تاريخية ومشكوك في وطنيتها أصلا.



    ومن خلال ماسبق يتضح أمامنا أن تطوير ذلك القطاع من التعليم غير الرسمي سيكون من نصيب القطاع الخاص وسيصبح أحد آليات القطاع الخاص للوفاء باحتياجاته من القوى العاملة المؤهلة والمدربة ، من هنا فاللبس قد اتضح من خلال أن الورقة لم تحدد النظام التعليمي الرسمي الحكومي أم النظام التربوي العام المفتوح لقوى وآليات السوق ، وبرز على السطح أيضا أن الورقة لم تمارس جديتها في تعميق الفهم والطرح حول أن السلف منذ أربعة عشر قرنا من الزمان قد طرحوا تلك الفكرة ، فهي لم تستمر في تتابع الفكرة وإلى أين زالت ، كما أنها لم تؤصل للعلاقة بين العقلانية والديمقراطية وتطوير أساليب التعليم والتعلم في المجتمع الحداثي في الغرب أو حتى مشروع الحداثة ـ التحديث ـ في الوطن العربي.



    ومما يدعم فهمنا على هذا النحو ، أن لغة الخطاب في الورقة لغة اقتصادية وتجارية وربحية بحتة ، حيث تؤكد (ص29) على : "وسيكون زبائن التعليم شرائح مجتمعية من مختلف الأعمار والكفاءات والشهادات ولم يعودوا طلبة تقليديين ، فالنظام مرن قابل للتشكيل حيث حاجات الزبائن. " لاحظ هنا أن مصطلح "الزبون" " وشرائح مجتمعية من مختلف الأعمار " وليست من مختلف الفئات أو الطبقات الاجتماعية ؟؟!.



    9- وينهي الدكتور عدنان بدران الورقة البحثية بموضوع "التعليم المستمر" (التعليم مدى الحياة) وهذا النوع من التعليم خارج النظام التعليمي الرسمي المؤسسى ، وهو عبارة عن مهارات حياتية وعملية يواصل بها المتعلم الحصول على المعرفة من خلال مصادر متنوعة للتعليم ولكن اللافت للنظر هنا أيضا هو تأكيد الورقة على أن فلسفة التعليم المستمر مستمدة من تاريخنا القديم ومن أسلافنا العظام ، حيث تؤكد (ص30) على : فكان أسلافنا يبحثون على التعليم مدى الحياة "اطلب العلم من المهد إلى اللحد" بالإضافة إلى أن "يظل المرء عالما في طلب العلم ، فإن ظن أنه علم ، فقد جهل.".



    وفي الحقيقة فإنه لا اعتراض لدينا في الاستفادة والإشادة بالسلف الصالح ، ولكن محاولة صبغ الجديد والحديث بروح وصبغة الماضي ، هي القضية المتناقضة والمرفوضة علمياً ومنهجياً وحتى تربوياً ، فحينما قال السلف الصالح ذلك ، لم يكن هناك علم وتعلم مستمر أو مدى الحياة ولم تكن هناك علوم تربوية ونفسية وبيداجوجية قد ظهرت ، ولكنها ظهرت وتجلت في مجتمع الحداثة ، المجتمع الصناعي ، وظهرت نتيجة نضال وكفاح شعوب في الحصول على العلم والمعرفة كحق إنساني أصيل وجزء من تطور المجتمع الصناعي.



    والغريب هنا كيف لنا أن نردها إلى الماضي بتلك البساطة والسهولة ، ومن هنا فإن التناقض بادٍ للعيان في سعي الورقة إلى إقامة نظام تربوي تعليمي في عالم متغير باستحضار واستنهاض الماضي وإحياء الموتى لكي يحلوا لنا مشكلاتنا اليومية المعاصرة ، مشكلات عصر الربوت والحاسوب وتضاعف المعرفة كل 18 شهرا . أن ذلك التناقض يتجلى في الورقة من بدايتها إلى نهايتها ، ومن هنا فقد تاهت الورقة بين بيانات إحصائية ومؤشرات كمية رسمية وعربية ودولية ، وطلبت من الواقع أن يتحلى بالجديد والحديث وكأنك تطالب من مجتمع يعيش حالـة ماقبل الحداثة ، أن يعيش حالة مابعد الحداثة بمجرد دعوتك الكريمة إليه فقط.



    10- وأخيرا نستطيع أن نؤكد أن الورقةفي جملتها حاولت الإيحاء بالسلف الصالح بأنهم كان يملكون قصب السبق في كل شئ ، وعلى الرغم من ذلك لم تؤطر الورقة لذلك منهجيا ولم تواصل البحث والسعي إلى الانقطاع المعرفي الذي تم ، وإلى تأصيل النظريات ـ إن وجدت طبعا لتلك الأقوال والحكم والأحاديث ، ولم تسع إلى الإجابة عن السؤال : لماذا لم تواصل تلك الأفكار استمراريتها وفعلها في الواقع المعيش ؟ وهل ما نحن فيه الآن من تقدم علمي وتقني ومعرفي تعود جذوره إلى السلف الصالح؟



    والمدهش إن الورقة دافعت عن تلك الصيغ الجديدة والحديثة والتي هي في جوهرها بنت المجتمع الصناعي الرأسمالي المتقدم ، والتي كانت نتيجة لجهود نظرية علمية وكفاحات شعبية نحو مطرقة النظام التعليمي وجعله نظاما عادلا متساويا يحقق تكافؤ الفرص التعليمية ويقوم على المساواة والجدارة والإستحقاق ، لكن المدهش أن الورقة التفت حول ذلك كله بأعمال تلك المستجدات لصالح القطاع الخاص الذي سينطلق منها في عمليات التدريب والتعلم وتلبية احتياجاته من المهن والوظائف ،



    ولا أرى رابطة بين أقوال السلف واقتصاد السوق وآلياته وسياسات العرض والطلب ، ورسملة المجتمعات العربية دون تهيئة اجتماعية وعلمية وإدارية وديمقراطية لذلك.



    ومن المفارقات الواضحة أن الورقة رغم إشارتها بدور المنظمات الدولية (البنك الدولي واليونسكو واليونسيف) ، وهي مؤسسات تصدر على أجندتها : التعليم للجميع ، والتعليم للتميز ، والتميز للجميع وتعظم الفرص أمام الطلاب للالتحاق بالتعليم ولا سيما الفتيات منه والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة وتمكين المرأة من المشاركة والمساهمة في الحياة من خلال التعليم (6).



    أن كل ذلك كان يتطلب من الورقة أن تنشغل بشكل رئيسي في نظام التعليم العربي ، بالموقف الاجتماعي والطبقي ، التعليم لمن ؟ وبمن ؟ وكيـف ؟ وهل التعليم العربي يحقق المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص التعليمية ؟ أم أنه تعليم منحاز لصالح الأغنياء ضد الفقراء ، ولصالح رأس المال في مواجهة الفئات الإجتماعية المحرومة من حق فرصة الحياة نفسها. أن عدم انشغال الورقة بالموقف الإجتماعي والطبقي للتعليم يعد من وجهة نظرنا ، انحيازا فوق انحياز التعليم نفسه ، لانشغالنا عنه بقضايا مفارقة للواقع الاجتماعي الظالم المعيش ، وربما ذلك يذكرنا بقول "جاك حلاق" : هل المجتمع الظالم القاسي وغير العادل وغير الديمقراطي يمكن أن يدخل في مشادة مع نفسه لتحقيق العدالة والمساواة ؟!.



    وإذا كان من سمات وخصائص مجتمع الحداثة ، العقلانية والديمقراطية ، فإن الورقة لم تهتم بتلك القضايا أصلا، ماهي ديمقراطية التعليم ومفهومها وغايتها ؟ وهل نستطيع القول بأن نظام التعليم العربي نظام ديمقراطي ؟ والسؤال السابق على ذلك ، هو : هل يمكن تصور نظام تعليمي ديمقراطي حر في مجتمع استبدادي قمعي ، لاشك أن تلك القضية المحورية كانت على الورقة أن تلقي الضوء عليها ، وربما نود هنا إلى الإشارة إلى أن ديمقراطية التعليم لا تتوقف فقط عند تحقيـق تكافؤ الفرص التعليمية أمام الطلاب ، بالسماح لهم بدخول المدارس ، بل هي أبعد من ذلك ، حيث يستلزم ذلك ـ ضمن مايستلزم ـ ضمان استمرار الطلاب في الدارسة وإزالة العوائق المادية التي تحول دون ذلك الاستمرار بمنع التسرب والرسوب.



    كما أن الأمر لايتوقف على هذا فقط ، بل يتجاوزه في المحتوى المعرفي المقدم للطلاب ، هل هي



    معرفة محايدة ؟! أم منحازة ؟ هل هي معرفة وثقافة الطبقة السائدة ؟ أم معرفة لجموع الناس والمجتمع ؟! ، فالمعرفة ذات بعد اجتماعي ثقافي يجب أن يتحقق في المدرسة ، حتى لاتمارس المدرسة على حد قول"بيير بورديو" (7) العنف الرمزي والثقافي داخل المدرسة والمنهج الدراسي بتقديم معرفة وثقافة طبقة اجتماعية معينة ، هي الطبقة المسيطرة.



    ونؤكد إلى جانب ذلك ، أن ديمقراطية التعليم إلى جانب تكافؤ الفرص واستمرار الطلاب في الدراسة دون تميز ، ومعارف اجتماعية حقيقية ، توافر معلم يتم تكوينه في إطار ديمقراطي ومن خلال مؤسسات إعداد المعلم وتكوينه تربويا وثقافيا أن المعلم المستبد أو الذي أعد في جو من الاستبداد ربما يمارس ذلك على الفئات الأدنى منه وهم الطلاب ، مطلوب إعداد معلم ديمقراطي في مؤسسات ديمقراطية ، من هنا فإن مؤسسات إعداد المعلم العربية ـ كليات التربية ـ يجب إعادة هيكلتها في ضوء إعداد هيكلة المجتمع لتحقق الديمقراطية الحقيقية.



    يضاف إلى كل ذلك المناخ المدرسي وبيئة التعليم والتعلم ، فحتى لـو وفرنا مناهج ديمقراطية ومعلم ديمقراطي ونظام يسعى من خلال تحقيق لتكافؤ الفرص التعليمية بتحقق المساواة ، نحن في أمس الحاجة إلى تحقيق بيئة تعلم وتعليم ومناخ مدرسي اجتماعي ديمقراطي ، إذن الديمقراطية هنا ، هي ممارسة يومية للفعل اليومي الحياتي في المدرسة والمجتمع ولا انفصال بينهم.



    ثالثا : التعليم والديمقراطية : وجهة نظر .

    لاشك أن المشاكل التربوية والتعليمية تكتسب بعداً سياسياً في المقام الأول من هنا فإننا نعتقد أنه توجد صلة بين النظام السياسي للمجتمع وأنماط التربية التي يستخدمها أثناء تعليمه . ولكن هذه العلاقة ليست ذات إتجاه واحد لأنه إذا كان التعليم يتحدد بواسطة المجتمع ككل ، فهو يحددها بدوره ، أنه يثبتها أو يغيرها.

    وانطلاقاً من هذا الفهم ، نطرح السؤال الجوهري التالي :



    كيف يجب أن يكون التعليم في مجتمع يريد أن يكون ديمقراطياً ، أو يظن نفسه كذلك ؟ إذا كان الجواب عسيراً فلأن لفظ الديمقراطية لايبقى محافظاً على نفس المعنى في مختلف أشكاله ،



    ونلاحظ ذلك عند فهم عبارة ديمقراطية التعليم ، البعض يترجمها : بإعطاء مزيد من الحرية والمسئولية للتلاميذ أنفسهم ، ومضمون الديمقراطية هنا يتخذ في المقام الأول طابعاً بيداجوجياً ـ تربوياً ـ وهناك البعض الآخر يترجمونها بطريقة مخالفة تماماً : وهي جعل كل التلاميذ متساوين أمام التعليم ، أما بإعطاء نفس الحظوظ للجميع أو بإعطاء حظوظ أوفر لمن هم أشد حرماناً ، وذلك بواسطة فصول أقل عدد أو تعليم تعويضي مجاني … إلخ هكذا نرى أن التعليم بالنسبة للفريق الأول يمكن أن يخضع خضوعاً تاماً لمبدأ اللا مساواة ، مادام ليس هناك شئ يمنع البيداجوجيا الديمقراطية من ترسيخ الفوارق التي تظهر بين النبغاء والأقل نبوغاً ، بين رؤساء المستقبل ومرؤسيهم . وبالنسبة للفريق الثاني فيمكن أن يبقى التعليم ذا طابع تسلطي ، المهم أن لايحرم منه أحد.



    أن أي مجتمع لا يعتبر ديمقراطياً بمعنى الكلمة إلا إذا كونت المدرسة ديمقراطيين حقيقيين . إن التربية التسلطية يمكن أن تكون أفراداً خاضعـين أو ناقمين ، والتربية التساهلية تكون أفراداً لا مسئولين .لهذا يجب أن يرتكز التعليم ـ قدر الإمكان ـ على سلطة المشروع الوطني الذي يحقق طموحاتها من خلال الإجماع الوطني . في النهاية تتطلب الديمقراطية أن يكتسب التلاميذ معنى التعاون وقبول الآخر وعدم نفيه ، والإيمان بأن المعرفة والقيم نسبية ، ولا قداسة في العلم ، وأن التعدد في الأفكار والآراء أمر لازم وضروري لاستمرار الحياة ، باختصار هناك أهمية لأن يكتسب التلاميذ قيماً تناقض الشمولية والأحادية.



    وديمقراطية التعليم تستلزم تحقيق جملة من السياسات التربوية تأتي في مقدمتها :



    1- زيادة عدد سنوات "التمدرس" بمعنى إطالة سنوات التعليم ولاسيما الأساسي منه بحيث يمتد لأطول فترة ممكنة . فليس من الديمقراطية في شئ أن نرغم الشباب والأطفال على الدخول مبكراً في عالم الشغل أو التكوين المهني ـ الانخراط في سوق العمل ـ ونترك لأقلية المجال والوقت لتثقيف أنفسهم ، لأن هذه الثقافة لن تكون إلا ثقافة النخبة الحاكمة .بإيجاز يجب أن يتلقى الجميع ثقافة أساسية وقومية قدر الإمكان ، لهذا يجب أن تزداد عدد سنوات التمدرس في مراحل التعليم.



    2- ومادام التعليم الديمقراطي موجهاً للجميع ، يجب أن يلتزم بالموضوعية ونتجنب في هذا المقام لفظ حيادي لأن أي نوع من التعليم لايمكن أن يكـون حيادياً ، فتدريس معارف دون غيرها يرتكز على



    إختيار ما . والحالة هذه فإن نطلب من التعليم بأن يكون ديمقراطيا ، بينما ليس بمستطاعه ذلك ، فهذا موقف ذو دلالة ، وتكمن الموضوعية في أنها تتجلى من جهة في المعارف الناجمة عن العقل البشري ، وكل المبادئ الأخلاقية التي بدونها لاتصبح الحياة ممكنة في المجتمع .. ومن جهة ثانية تظهر "الموضوعية" في الآراء التي حصل إجماع ثقافي حولها ، ونجد أن الديمقراطية من بين الأفكار الأساسية في ثقافتنا المعاصرة.



    3- أن التعليم في المجتمع الديمقراطي هو في أساسه تعليم عمومي ـ عام ـ تابع للدولة التي تلزمه بمقرراتها وبامتحاناتها ، تراقب معلميه وتمويله وسلطة الدولة هنا تتوقف في إطار النظام الديمقراطي عند حد القناعات ، ويصبح من الصائب أن تتدخل الدولة وأن تفرض مراقبتها من أجل حماية حرية الاعتقاد . وفي النظام الديمقراطي يجب على الدولة (ولم نقل الحكومة) أن تراقب التعليم كي نتجنب التمذهب.



    4- التعليم الديمقراطي ضد التمذهب. ولكن كيف لنا أن نتعرف على التمذهب؟ نعتقد أن تعليماً معيناً يقوم على التمذهب .أولاً : عندما يقمع الفكر وعندما يفرض كيفما كانت أهدافه ومحتوياته وطرقة ـ على الناس أن يؤمنـوا بشئ مع تركهم يعتقدون أنهم يفكرون بحرية . ثانياً : عندما يرسخ هذا التعليم الضغينة في النفس ، ونعنى بالضغينة أو (الكره) الرغبة في إيذاء كل أنواع الناس ، الشعب ، جماعة دينية أو سياسية ما ، رغبة أساسها الاحتقار والخوف ، لأننا بتعليم الضغينة نضفي على العنف شرعية وتبريراً ، وعندما نعلم أن العنف هو الوسيلة الوحيدة المجدية ندمر أساس الديمقراطية . إن المذهبية هي إفساد للتربية لأنها تنسب لنفسها كل الغايات والفضائل.



    ولايمكن أن يكون التعليم ديمقراطياً بكل ذلك فقط ، بل قبل ذلك لابد من تحرير المعرفة المقدمة للطلاب ، وتحرير القائمين عليها ـ المعلمين ـ من كل أشكال القهر والتسلط سواء كان قهراً معنوياً أو رمزياً أو مادياً ، لابد من تحرير المعرفة بوصفها منتجاً إجتماعياً يعبر عن تطور الواقع في لحظة ما ، وكذلك تحرير العلم من كل الأساطير المرتبطة به ، نعتقد أنه بذلك يستطيع أن يلعب التعليم دوراً تنويرياً في سيادة الروح الديمقراطية سلوكاً وممارسة وترسيخ قيم التقدم والتحرر ، وذلك لن يتأتى إلا من خلال مشروع وطني يحمل في ثناياه الإيمان بقدرة الإنسان على الإبداع والخلق ، وبقدرة المجتمع على أن يعتمد على ذاته في سبيل التقدم والتطور.



    إن الخطر الكامن في نظامنا التعليمي العربي يأتي من اعتماده على أحادية المعرفة ، وعلى سلطة المعلم والكتاب المدرسي ، ومهما بذلنا من جهد في تطوير المناهج وتعديل السلم التعليمي ، فإن ذلك لن يكون مجدياً ، إلا إذا تم في سياق مغايـر تماماً ، سياق سيادة الروح الديمقراطية ، بدءاً بترسيخ قيمة نسبية المعرفة ، ومروراً بتنوع سلطة المعلم واعتباره موجهاً ومرشداً للعملية التعليمية ، وانتهاءاً بسيادة روح الديمقراطية داخل وخارج جدران المدرسة ، باعتبار المدرسة مجتمعاً صغيراً تنعكس فيه بشكل أو بآخر العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تتم خارج جدران المدرسة ، إن الإيمان بسيادة تلك النظرة واعتبارها إطاراً مرجعياً لعملية التطوير كفيل بتطوير النظام التعليمي برمته.





    المراجع

    1- محمد نور الدين أفاية ، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة نموذج هابرماس ـ (المغرب ، أفريقيا الشرق ، 1998) ، ص ص 110-111

    2- شبل بدران ، التعليم وتحديث المجتمع ، (القاهرة ، دار قباء للنشر ، 2000) ، ص ص 45 – 50

    3- باولوفريري ، تعليم المقهورين ، ترجمة يوسف نور الدين عوض (بيروت ، دار القلم ، 1980) ص ص 25 - 49 .

    - محمد نبيل نوفل ، دراسات في الفكر التربوي المعاصر ، (القاهرة ، الأنجلو العربية 1985) ص ص 59 - 150 .

    4- جابر عبدالحميد جابر ، الذكاءات المتعددة والفهم ـ تنمية وتعميق ـ ، (القاهرة ، دار الفكر العربي ، 2003) ، ص ص 10-50 .

    5- شبل بدران ، التعليم والبطالة ، (الإسكندرية ، دار المعرفة الجامعية ، 2003) ، ص ص 40 – 70 .

    6- جاك ديلور ، تقرير اللجنة الدولية للتربية للقرن الحادي والعشرين ، التعليم ذلك الكنز الكامن ، اليونسكو ، 1997.

    - الإعلان العالمي حول : "التربية للجميع وهيكلية العمل لتأمين حاجات التعليم الأساسية ، المؤتمر العالمي حول "التربية للجميع" جومتين ، تايلاند ، مارس 1990) .

    7- شبل بدران وحسن البيلاوي ، علم اجتماع التربية الجديد ، (الإسكندرية ، دار المعرفة الجامعية ، 2003 )،ص ص 97 – 139 .

    - Henry A-Giroux , pedagogy and the politics of Hope , Theory , Culture , and Schooling , A critical Reader , (Westview press , U . S . A . 1997) , pp 71 – 95

    - R . A . Morrow and C . A . Torres , Social theory and Education , A Critique of theories of social and cultural Reproduction , (State university of New York press , 1995) .

    p p 339 - 407

    ومشكور ابو يمن اصلي
    في الآول حسبت هذا الرجل يمني لما وضعت صورته تحت معرفك
    تحياتي
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-12-30
  17. ناصر العريقي

    ناصر العريقي عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-09-28
    المشاركات:
    1,239
    الإعجاب :
    0
    اميرنا الصلاحي
    الصورة الموضوعه تحت معرفي هي للدكتور مهاتير محمد رائد النهضة الماليزية. و ليس ليمني . فكرت ان الاخرين سيقولوا نفس ما قلته عن معرف ابو يمن اصلي فحبيت ان اوضح

    ابو يمن اصلي
    لنا عودة الى مناقشة الموضوع حيث انا على اقتراب من موعد مناقشة الاطروحه (الفيفا ) و احمل لك خبر جميل فى داخلي ولكن لم يحن الوقت .
    تحياتي لكما
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-12-30
  19. almsaodi

    almsaodi عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-12-19
    المشاركات:
    384
    الإعجاب :
    0
    الله يسهل يا شباب، الأخ الذي طرح موضوع عشرين صفحة الله يسامحك، أنا بصراحة ما قريت الرد كامل، لأنه طويل مررررره ومش في مجال تخصصي، لكن إن شاء الله الأخوة والأخوات يجدوا فيه الفائدة.

    بصراحة يا شباب أنتم متعمقين في هذا المجال، وأنا جالس أقول أيش التخصصات الأدبية يدرسوا؟؟ وإنكم في فلاسفة وحركات عندكم، ما شاء الله؟ إن شاء الله تفيدونا وتفيدوا نظام بلادنا التربوي بأي خير يتلائم مع ديينا وعاداتنا. أنا خليني في الكمبيوترات وأسواق التجارة العالمية!

    تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة