منزل ابو ذر الغفاري عند الرسول ..وماذا فعل به عثمان

الكاتب : نيغروبونتي   المشاهدات : 508   الردود : 2    ‏2005-12-28
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-28
  1. نيغروبونتي

    نيغروبونتي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-27
    المشاركات:
    538
    الإعجاب :
    0
    منزلة ومقام أبي ذر عند النبي



    تعبده قبل البعثة. سبقه في الاسلام. ثباته على المبدأ :

    1 ـ أخرج ابن سعد في الطبقات 4، 161 من طريق عبد الله بن الصامت قال: قال أبو ذر. صليت قبل الاسلام قبل أن ألقى رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث سنين. فقلت: لمن ؟ قال. لله. فقلت: أين توجه ؟ قال: أتوجه حيث يوجهني الله.

    وأخرج من طريق أبي معشر نجيح قال: كان أبو ذر يتأله في الجاهلية ويقول: لا إله إلا الله، ولا يعبد الأصنام، فمر عليه رجل من أهل مكة بعد ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا أبا ذر ! إن رجلا بمكة يقول مثل ما تقول: لا إله إلا الله. ويزعم إنه نبي. وذكر حديث إسلامه ص 164.

    وفي صحيح مسلم في المناقب 7: 153، بلفظ ابن سعد الأول، وفي ص 155 بلفظ: صليت سنتين قبل مبعث النبي، قال: قلت: فأين كنت توجه ؟ قال: حيث و وجهني الله.

    وفي لفظ أبي نعيم في الحلية 1: 157: يا ابن أخي صليت قبل الاسلام بأربع سنين وذكره ابن الجوزي في صفوة الصفوة 1: 238.

    وفي حديث أخرجه ابن عساكر في تاريخه 7: 218: أخذ أبو بكر بيد أبي ذر وقال: يا أبا ذر ! هل كنت تتأله في جاهليتك ؟ قال: نعم لقد رأيتني أقوم عند الشمس فما أزال مصليا حتى يؤذيني حرها فأخر كأني خفاء، فقال: فأين كنت تتوجه ؟ قال: لا أدري إلا حيث وجهني الله.

    2 ـ أخرج ابن سعد في الطبقات 4: 161 من طريق أبي ذر قال: كنت في الاسلام خامسا. وفي لفظ أبي عمر وابن الأثير: أسلم بعد أربعة. وفي لفظ آخر. يقال: أسلم بعد ثلاثة. ويقال: بعد أربعة.

    وفي لفظ الحاكم: كنت ربع الاسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر وأنا الرابع. وفي لفظ أبي نعيم: كنت رابع الاسلام، أسلم قبلي ثلاثة وأنا الرابع. وفي لفظ المناوي: أنا رابع الاسلام. وفي لفظ ابن سعد من طريق ابن أبي وضاح البصري: كان إسلام أبي ذر رابعا أو خامسا.

    راجع حلية الأولياء 1: 157، مستدرك الحاكم 3: 342، الاستيعاب 1: 83، ج 2: 664، أسد الغابة 5: 186، شرح الجامع الصغير للمناوي 5: 423، الإصابة 4: 63.

    3 أخرج ابن سعد في الطبقات 4: 161 من طريق أبي ذر قال: كنت أول من حياه صلى الله عليه وآله وسلم بتحية الاسلام فقلت: السلام عليك يا رسول الله ! فقال: وعليك ورحمة الله.

    وفي لفظ أبي نعيم: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله حين قضى صلاته فقلت: السلام عليك فقال: وعليك السلام.

    وأخرجه مسلم في " المناقب " من الصحيح 7: 154، 155، وأبو نعيم في " الحلية " 1: 159، وأبو عمر في " الاستيعاب " 2: 664.

    4 ـ أخرج ابن سعد والشيخان في الصحيحين من طريق ابن عباس واللفظ للأول قال: لما بلغه أن رجلا خرج بمكة يزعم إنه نبي أرسل أخاه فقال: إذهب فائتني بخبر هذا الرجل وبما تسمع منه.

    فانطلق الرجل حتى أتى مكة فسمع من رسول الله صلى الله عليه وآله فرجع إلى أبي ذر فأخبره إنه: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويأمر بمكارم الأخلاق فقال أبو ذر: ما شفيتني.

    فخرج أبو ذر ومعه شنة فيها ماءه وزاده حتى أتى مكة ففرق أن يسأل أحدا عن شئ ولما يلق رسول الله صلى الله عليه وآله فأدركه الليل فبات في ناحية المسجد فلما اعتم مر به علي فقال: ممن الرجل ؟ قال: رجل من بني غفار.

    قال: قم إلى منزلك قال: فانطلق به إلى منزله ولم يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ وغدا أبو ذر يطلب فلم يلقه وكره أن يسأل أحدا عنه، فعاد فنام حتى أمسى فمر به علي فقال: أما آن للرجل أن يعرف منزله ؟ فانطلق به فبات حتى أصبح لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شئ فأصبح اليوم الثالث فأخذ على علي لئن أفشي إليه الذي يريد ليكتمن عليه وليسترنه، ففعل فأخبره إنه بلغه خروج هذا الرجل يزعم إنه نبي فأرسلت أخي ليأتيني بخبره وبما سمع منه فلم يأتيني بما يشفيني من حديثه فجئت بنفسي لألقاه، فقال له على إني غاد فاتبع أثري فإني إن رأيت ما أخاف عليك إعتللت بالقيام كأني اهريق الماء فأتيك، وإن لم أر أحدا فاتبع أثري حتى تدخل حيث أدخل.

    ففعل حتى دخل على أثر علي على النبي صلى الله عليه وآله فأخبره الخبر وسمع قول رسول الله صلى الله عليه وآله فأسلم من ساعته ثم قال: يا نبي الله ما تأمرني ؟ قال: ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري.

    قال: فقال له: والذي نفسي بيده لا أرجع حتى أصرخ بالاسلام في المسجد.

    قال: فدخل المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله.

    قال: فقال المشركون: صبأ الرجل، صبأ الرجل، فضربوه حتى صرع فأتاه العباس فأكب عليه وقال: قتلتم الرجل يا معشر قريش ! أنتم تجار وطريقكم على غفار فتريدون أن يقطع الطريق فأمسكوا عنه.

    ثم عاد اليوم الثاني فصنع مثل ذلك ثم ضربوه حتى صرع فأكب عليه العباس وقال لهم مثل ما قال في أول مرة فأمسكوا عنه.

    وذكر ابن سعد في حديث إسلامه: ضربه لإسلامه فتية من قريش فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله ! أما قريش فلا أدعهم حتى أثأر منهم، ضربوني، فخرج حتى أقام بعسفان وكلما أقبلت عير لقريش يحملون الطعام ينفر لهم على ثنية غزال فتلقى أحمالها فجمعوا الحنط فقال لقومه: لا يمس أحد حبة حتى تقولوا: لا إله إلا الله. فيقولون: لا إله إلا الله، ويأخذون الغرائر.

    راجع طبقات ابن سعد 4: 165، 166، صحيح البخاري كتاب المناقب باب إسلام أبي ذر 6: 24، صحيح مسلم كتاب المناقب 7: 156، دلائل النبوة لأبي نعيم 2: 86، حلية الأولياء له 1: 159، مستدرك الحاكم 3: 338، الاستيعاب 2: 664 وأخرج أبو نعيم في الحلية 1: 158 من طريق ابن عباس عن أبي ذر قال: أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وآله بمكة فعلمني الاسلام وقرأت من القرآن شيئا، فقلت: يا رسول الله ! إني أريد أن أظهر ديني.

    فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني أخاف عليك أن تقتل.

    قلت: لا بد منه وإن قتلت.

    قال: فسكت عني فجئت وقريش حلق يتحدثون في المسجد فقلت أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.

    فانتقضت الحلق فقاموا فضربوني حتى تركوني كأني نصب أحمر، وكانوا يرون إنهم قد قتلوني فأفقت فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأى ما بي من الحال فقال لي: ألم أنهك.

    فقلت: يا رسول الله ! كانت حاجة في نفسي فقضيتها، فأقمت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إلحق بقومك فإذا بلغك ظهور فأتني وأخرج من طريق عبد الله بن الصامت قال: قال لي أبو ذر رضي الله عنه: قدمت مكة فقلت: أين الصابئ ؟ فقالوا: الصابئ.

    فأقبلوا يرمونني بكل عظم وحجر حتى تركوني مثل النصب الأحمر.

    وأخرجه أحمد في " المسند " 5: 174 بصورة مفصلة، ومسلم في " المناقب "، و الطبراني كما في مجمع الزوائد 9: 329.




    حديث علمه:

    1 ـ أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 5: 170 طليدن من طريق زاذان سئل علي عن أبي ذر فقال: وعى علما عجز فيه، وكان شحيحا حريصا على دينه، حريصا على العلم، وكان يكثر السؤال فيعطى ويمنع، أما أن قد ملئ له في وعائه حتى امتلأ.

    وقال أبو عمر: روى عنه جماعة من الصحابة وكان من أوعية العلم المبرزين في الزهد والورع والقول بالحق، سئل علي عن أبي ذر فقال: ذلك رجل وعى علما عجز عنه الناس، ثم أوكأ فيه فلم يخرج شيئا منه " الاستيعاب 1: 83، ج 2: 664 ".

    وحديث علي عليه السلام ذكره ابن الأثير في أسد الغابة 5: 186، والمناوي في شرح الجامع الصغير 5: 423 ولفظه: وعاء ملئ علما ثم أوكأ عليه، وابن حجر في الإصابة 4: 64 وقال: أخرجه أبو داود بسند جيد.

    2 ـ أخرج المحاملي في أماليه والطبراني من طريق أبي ذر قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا مما صبه جبرئيل وميكائيل في صدره إلا وقد صبه في صدري. الحديث. مجمع الزوائد 9: 331، الإصابة 3: 484.

    قال أبو نعيم في الحلية 1: 156: العابد الزهيد، القانت الوحيد، رابع الاسلام ورافض الأزلام قبل نزل الشرع والأحكام، تعبد قبل الدعوة بالشهور والأعوام، وأول من حيا الرسول بتحية الاسلام، لم يكن تأخذه في الحق لائمة اللوام، ولا تفزعه سطوة الولاة والحكام، أول من تكلم في علم البقاء والفناء، وثبت على المشقة والعناء، وحفظ العهود والوصايا، وصبر على المحن والرزايا، واعتزل مخالطة البرايا، إلى أن حل بساحة المنايا. أبو ذر الغفاري رضي الله عنه. خدم الرسول، وتعلم الأصول، ونبذ الفضول.

    وفي ص 169: قال الشيخ رحمه الله تعالى: كان أبو ذر رضي الله تعالى عنه للرسول صلى الله عليه وآله ملازما وجليسا، وعلى مسائلته والاقتباس منه حريصا، وللقيام على ما استفاد منه أنيسا، سأله عن الأصول والفروع، وسأله عن الإيمان والاحسان، وسأله عن رؤية ربه تعالى، وسأله عن أحب الكلام إلى الله تعالى، وسأله عن ليلة القدر أترفع مع الأنبياء أم تبقى ؟ وسأله عن كل شئ حتى مس الحصى في الصلاة.

    ثم أخرج من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله عن كل شيئ حتى سألته عن مس الحصى. فقال: مسه مرة أودع.

    وأخرج أحمد في " مسند " 5: 163 عن أبي ذر قال: سألت النبي صلى الله عليه وآله عن كل شئ حتى سألته عن مسح الحصي فقال: واحدة أودع.

    وقال ابن حجر في الإصابة 4: 64: كان يوازي ابن مسعود في العلم.




    حديث صدقه وزهده :

    1 ـ أخرج ابن سعد والترمذي من طريق عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر، وأبي الدرداء مرفوعا: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ذر.

    وأخرج الترمذي بلفظ: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر، شبه عيسى بن مريم.

    فقال عمر بن الخطاب كالحاسد: يا رسول الله ! أفتعرف ذلك له ؟ قال: نعم فاعرفوه.

    وفي لفظ الحاكم. ما تقل الغبراء ولا تظل الخضراء من ذي لهجة أصدق ولا أو في من أبي ذر شبيه عيسى بن مريم.

    فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ! فنعرف ذلك له ؟ قال: نعم فاعرفوه له.

    وفي لفظ ابن ماجة من طريق عبد الله بن عمرو: ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء بعد النبيين أصدق من أبي ذر.

    وفي لفظ أبي نعيم من ريق أبي ذر: ما تظل الخضراء ولا تقل الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر شبيه ابن مريم.

    وفي لفظ ابن سعد من طريق أبي هريرة: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.

    وفي لفظ لأبي نعيم: أشبه الناس بعيسى نسكا وزهدا وبرا.

    وفي لفظ من طريق الهجنع بن قيس: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر ثم رجل بعدي، من سره أن ينظر إلى عيسى بن مريم زهدا وسمتا فلينظر إلى أبي ذر.

    وفي لفظ من طريق علي عليه السلام: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، يطلب شيئا من الزهد عجز عنه الناس.

    وفي لفظ من طريق أبي هريرة: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر، فإذا أردتم أن تنظروا إلى أشبه الناس بعيسى بن مريم هديا وبرا ونسكا فعليكم به.

    وفي لفظ من طريق أبي الدرداء: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر.

    وفي لفظ ابن سعد من طريق مالك بن دينار: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، من سره أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.

    أخرجه على اختلاف ألفاظه.

    ابن سعد، الترمذي، ابن ماجة، أحمد، ابن أبي شيبة، ابن جرير، أبو عمر، أبو نعيم، البغوي، الحاكم، ابن عساكر، الطبراني، ابن الجوزي.

    راجع طبقات ابن سعد 4: 167، 168 ط ليدن، صحيح الترمذي 2: 221، سنن ابن ماجة 1: 68، مسند أحمد 2: 163، 175، 223، ج 5: 197، ج 6: 442، مستدرك الحاكم 3: 342 صححه وأقره الذهبي، و ج 4: 480 صححه أيضا وأقره الذهبي، مصابيح السنة 2: 228، صفة الصفوة 1 240، الاستيعاب 1: 84، تمييز الطيب لابن الديبع ص 137، مجمع الزوائد 9: 329، الإصابة لابن حجر 3: 622، و ج 4: 64، الجامع الصغير للسيوطي من عدة طرق، شرح الجامع الصغير للمناوي 5: 423 فقال: قال الذهبي: سنده جيد وقال الهيثمي: رجال أحمد وثقوا وفي بعضهم خلاف، كنز العمال 6: 169، و ج 8: و ج 8: 1715.

    2 أخرج الترمذي في صحيحه 2: 221 مرفوعا: أبو ذر يمشي في الأرض بزهد عيسى بن مريم.

    وفي لفظ أبي عمر في " الاستيعاب " 2: 664: أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم وفي ص 84 من ج 1: أبو ذر في أمتي شبيه عيسى بن مريم في زهده.

    وبلفظ: من سره أن ينظر إلى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر.

    وذكره ابن الأثير في أسد الغابة 5: 186 بلفظ أبي عمر الأول.

    3 ـ أخرج الطبراني مرفوعا: من أحب أن ينظر إلى المسيح عيسى بن مريم إلى برده وصدقه وجده فلينظر إلى أبي ذر.

    كنز العمال 6: 169.

    مجمع الزوائد 9: 330.

    4 ـ أخرج الطبراني من طريق ابن مسعود مرفوعا: من سره أن ينظر إلى شبه عيسى خلقا وخلقا فلينظر إلى أبي ذر. مجمع الزوائد 9: 330، كنز العمال 6: 169.

    5 ـ أخرج الطبراني من طريق ابن مسعود مرفوعا: إن أبا ذر ليباري عيسى بن مريم في عبادته. كنز العمال 6: 169.




    حديث فضله :

    1 ـ عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وآله: إن الله عز وجل أمرني بحب أربعة وأخبرني إنه يحبهم: علي وأبو ذر والمقداد وسلمان.

    أخرجه الترمذي في صحيحه 2: 213، وابن ماجة في سننه 1: 66، والحاكم في المستدرك 3: 130 وصححه، وأبو نعيم في الحلية 1: 172، وأبو عمر في الاستيعاب 2: 557، وذكره السيوطي في الجامع الصغير وصححه وأقر تصحيحه المناوي في شرح الجامع 2: 215، وابن حجر في الإصابة 3: 455، وقال السندي في شرح سنن ابن ماجة: الظاهر إنه أمر إيجاب ويحتمل الندب، وعلى الوجهين فما أمر به النبي صلى الله عليه وآله فقد أمر به أمته، فينبغي للناس أن يحبوا هؤلاء الأربعة خصوصا.

    2 ـ أخرج ابن هشام في السيرة 4: 179 مرفوعا: رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده.

    وأخرج ابن هشام في السيرة، وابن سعد في الطبقات الكبرى 4: 170 في حديث دفنه قال: فاستهل عبد الله بن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله: تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك.

    وذكره أبو عمر في " الاستيعاب " 1: 83، وابن الأثير في " أسد الغابة " 5: 188، وابن حجر في " الإصابة " 4: 164.

    3 ـ أخرج البزار من طريق أنس بن مالك مرفوعا: الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وأبي ذر.

    ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 330 فقال: إسناده حسن.

    4 ـ أخرج أبو يعلى من طريق الحسين بن علي قال: أتى جبرئيل النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا محمد ! إن الله يحب من أصحابك ثلاثة فأحبهم: علي بن أبي طالب، وأبو ذر، والمقداد بن الأسود. مجمع الزوائد 9: 330.

    5 ـ أخرج الطبري من طريق أبي الدرداء إنه ذكر أبا ذر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدا، ويسر إليه حين لا يسر إلى أحد. كنز العمال 8: 15.

    وأخرج أحمد في المسند 5: 197 من طريق عبد الرحمن بن غنم قال: إنه زار أبا الدرداء بحمص فمكث عنده ليالي وأمر بحماره فأوكف فقال أبو الدرداء: ما أراني إلا متبعك فأمر بحماره فأسرج فسارا جميعا على حماريهما فلقيا رجلا شهد الجمعة بالأمس عند معاوية بالجابية فعرفهما الرجل ولم يعرفاه فأخبرهما خبر الناس، ثم إن الرجل قال: وخبر آخر كرهت أن أخبركما أراكما تكرهانه.

    فقال أبو الدرداء: فلعل أبا ذر نفي ؟ قال: نعم والله، فاسترجع أبو الدرداء وصاحبه قريبا من عشر مرات ثم قال: أبو الدرداء: إرتقبهم واصطبر.

    كما قيل لأصحاب الناقة، اللهم إن كذبوا أبا ذر فإني لا أكذبه، أللهم وإن اتهموه فإني لا أتهمه، اللهم وإن استغشوه فأني لا استغشه، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأتمنه حين لا يأتمن أحدا، ويسر إليه حين لا يسر إلى أحد، أما و الذي نفس أبي الدرداء بيده لو أن أبا ذر قطع يميني ما أبغضه بعد الذي سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما أظلت الخضراء. الحديث.

    وأخرجه الحاكم ملخصا في المستدرك 3 344 وصححه وقال الذهبي: سند جيد.

    6 ـ من طريق ابن الحارث عن أبي الدرداء أنه قال وذكرت له أبا ذر: والله إن كان رسول الله صلى الله عليه وآله ليدنيه دوننا إذا حضر، ويتفقده إذا غاب، ولقد علمت أنه قال: ما تحمل الغبراء ولا تظل الخضراء للبشر بقول أصدق لهجة من أبي ذر.

    كنز العمال 8: 15، مجمع الزوائد 9: 330، الإصابة 4: 63، نقلا عن الطبراني لفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يبتدئ أبا ذر إذا حضر ويتفقده إذا غاب.

    7 ـ أخرج أحمد في مسنده 5: 181 من طريق أبي الأسود الدؤلي أنه قال: رأيت أصحاب النبي صلى الله عليه وآله فما رأيت لأبي ذر شبيها.

    وذكره الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 331.

    8 ـ روى شهاب الدين الأبشيهي في المستطرف 1: 166 قال: مر أبو ذر على النبي صلى الله عليه وآله ومعه جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي فلم يسلم فقال جبريل: هذا أبو ذر لو سلم لرددنا عليه.

    فقال: أتعرفه يا جبريل ؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيا لهو في ملكوت السماوات السبع أشهر منه في الأرض قال: بم نال هذه المنزلة ؟ قال: بزهده في هذه الحطام الفانية.

    وذكره الزمخشري في ربيع الأبرار باب 23.




    عهد النبي الأعظم إلى أبي ذر

    1 ـ أخرج الحاكم في " المستدرك " 3: 343 من طريق صححه عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا أبا ذر ! كيف أنت إذا كنت في حثالة ؟ وشبك بين أصابعه، قلت: يا رسول الله ! فما تأمرني ؟ قال: اصبر اصبر اصبر، خالقوا الناس بأخلاقهم، وخالفوهم في أعمالهم.

    2 ـ أخرج أبو نعيم في الحلية 1.

    162 من طريق سلمة بن الأكوع عن أبي ذر رضي الله عنه قال: بينا أنا واقف مع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي: يا أبا ذر ! أنت رجل صالح وسيصيبك بلاء بعدي.

    قلت: في الله ؟ قال: في الله. قلت: مرحبا بأمر الله.

    3 ـ أخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 4 ص 166 ط ليدن من طريق أبي ذر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله: يا أبا ذر ! كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يستأثرون بالفئ ؟ قال: قلت: إذا والذي بعثك بالحق أضرب بسيفي حتى الحق به.

    فقال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ إصبر حتى تلقاني.

    وفي لفظ أحمد وأبي داود: كيف أنت وأئمة من بعدي تستأثرون بهذا الفئ ؟ قال: قلت: إذا والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي ثم أضرب به حتى ألقاك ؟ أو: الحق بك.

    قال: أولا أدلك على ما هو خير من ذلك ؟ تصبر حتى تلقاني وفي لفظ: كيف أنت عند ولاة يستأثرون بهذا الفئ ؟.

    مسند أحمد 5: 180، سنن أبي داود 2: 282، لأحمد طريقان كلاهما صحيحان رجالهما كلهم ثقات، وهم:

    1 ـ يحيى بن آدم، مجمع على ثقته من رجال الصحاح الست.

    2 ـ زهير بن معاوية الكوفي، متفق على ثقته من رجال الصحاح الست.

    3 ـ يحيى بن أبي بكير الكوفي مجمع على ثقته من رجال الصحاح الست.

    4 ـ مطرف بن طريف، متفق على ثقته من رجال الصحاح الست.

    5 ـ أبو الجهم سليمان بن الجهم الحارثي تابعي لا خلاف في ثقته.

    6 ـ خالد بن وهبان، تابعي ثقة.

    4 ـ أخرج أحمد في المسند 5: 178 من طريق أبي السليل في حديث عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا أبا ذر ! كيف تصنع إن أخرجت من المدينة ؟ قال: قلت: إلى السعة والدعة انطلق حتى أكون حمامة من حمام مكة.

    قال: كيف تصنع إن أخرجت من مكة ؟ قال: قلت: إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة.

    قال: وكيف تصنع إن أخرجت من الشام ؟ قال: إذا والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي قال: أو خير من ذلك ؟ قال: قلت: أو خير من ذلك ؟ قال: تسمع وتطيع وإن كان عبدا حبشيا.

    رجال الاسناد كلهم ثقات وهم:

    1 ـ يزيد بن هارون بن وادي. مجمع على ثقته من رجال الصحيحين.

    2 ـ كهمس بن الحسن البصري. ثقة من رجال الصحيحين.

    3 ـ أبو السليل ضريب بن نقير البصري. ثقة من رجال مسلم والصحاح الأربعة غير البخاري.

    وفي لفظ: كيف تصنع إذا خرجت منه ؟ أي المسجد النبوي.

    قال: آتي الشام.

    قال: كيف تصنع إذا خرجت منها ؟ قال: أعود إليه أي المسجد.

    قال: كيف تصنع إذا خرجت منه ؟ قال: أضرب بسيفي.

    قال: أدلك على ما هو خير لك من ذلك وأقرب رشدا ؟ قال: تسمع وتطيع وتنساق لهم حيث ساقوك.

    فتح الباري 3: 213، عمدة القاري 4: 291.

    5 ـ أخرج الواقدي من طريق أبي الأسود الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه فنزلت الربذة فقلت له: ألا تخبرني أخرجت من المدينة طائعا، أم خرجت مكرها ؟ فقال: كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغنى عنهم فأخرجت إلى مدينة الرسول عليه السلام فقلت: أصحابي ودار هجرتي فأخرجت منها إلى ما ترى ثم قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مر بي رسول الله فضربني برجله وقال: لا أراك نائما في المسجد فقلت: بأبي أنت وأمي غلبتني عيني فنمت فيه فقال: كيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ فقلت: إذن الحق بالشام فإنها أرض مقدسة وأرض بقية الاسلام وأرض الجهاد فقال: فكيف تصنع إذا أخرجت منها ؟ فقلت: أرجع إلى المسجد قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت: إذن آخذ سيفي فأضرب به فقال صلى الله عليه وآله: ألا أدلك على خير من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك وتسمع وتطيع.

    فسمعت واطع وأنا أسمع وأطيع والله ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي.

    شرح ابن أبي الحديد 1: 241.

    وبهذا الطريق واللفظ أخرجه أحمد في المسند 5: 156 والإسناد صحيح رجاله كلهم ثقات وهم:

    1 ـ علي بن عبد الله المديني، وثقه جماعة وقال النسائي: ثقة مأمون أحد الأئمة في الحديث.

    2 ـ معمر بن سليمان أبو محمد البصري، متفق على ثقته من رجال الصحاح الست .

    3 ـ داود بن أبي الهند أبو محمد البصري، مجمع على ثقته من رجال الصحاح غير البخاري وهو يروي عنه في التاريخ من دون غمز فيه.

    4 ـ أبو الحرب بن الأسود الدؤلي، ثقة من رجال مسلم.

    5 ـ أبو الأسود الدؤلي، تابعي متفق على ثقته من رجال الصحاح الست.

    6 ـ مر في ص 296 في حديث تسيير أبي ذر: قال " عثمان ": فإني مسيرك إلى الربذة. قال " أبو ذر " الله أكبر صدق رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخبرني بكل ما أنا لاق قال عثمان: وما قال لك ؟ قال: أخبرني بأني أمنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة. الحديث.




    هذا أبو ذر

    وفضايله وفواضله وعلمه وتقواه وإسلامه وإيمانه ومكارمه وكرائمه ونفسياته وملكاته الفاضلة وسابقته ولاحقته وبدء أمره ومنتهاه، فأيا منها كان ينقمه الخليفة عليها فطفق يعاقبه ويطارده من معتقل إلى منفي، ويستجلبه على قتب بغير وطاء، يطير مركبه خمسة من الصقالبة الأشداء حتى أتوا به المدينة وقد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، ولم يفتأ يسومه سوء العذاب حتى سالت نفسه في منفاه الأخير " الربذة " على غير ماء ولا كلاء يلفحه حر الهجير، وليس له من ولي حميم يمرضه، ولا أحد من قومه يواري جثمانه الطاهر، مات رحمه الله وحده، وسيحشر وحده كما أخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي خوله بتلكم الفضائل، والله سبحانه من فوقهما نعم الخصيم للمظلوم، فانظر لمن الفلج يومئذ.

    لقد كان الخليفة يباري الريح في العطاء لحامته ومن ازدلف إليه ممن يجري مجراهم، فملكوا من عطاياه وسماحه الملايين، وليس فيهم من يبلغ شأوابي ذر في السوابق والفضائل، ولا يشق له غبارا في أكرومة، فماذا الذي أخر أبا ذر عنهم حتى قطعوا عنه عطائه الجاري ؟ ومنعوه الحظوة بشئ من الدعة، وأجفلوه عن عقر داره وجوار النبي الأعظم، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، ولماذا نودي عليه في الشام أن لا يجالسه أحد (1) ؟ ولماذا يفر الناس منه في المدينة ؟ ولماذا حظر عثمان على الناس أن يقاعدوه ويكلموه ؟ ولماذا يمنع الخليفة عن تشييعه ويأمر مروان أن لا يدع أحدا يكلمه ؟ فلم يحل ذلك الصحابي العظيم إلا محلا وعرا، ولم يرتحل إلا إلى متبوأ الارهاب كأنما خلق أبو ذر للعقوبة فحسب، وهو من عرفته الأحاديث التي ذكرناها، وقصته لعمر الله وصمة على الاسلام وعلى خليفته لا تنسى مع الأبد.

    نعم إن أبا ذر ينقم ما كان مطردا عند ذاك من السرف في العطاء من دون أي كفائة في المعطى (بالفتح) ومخالفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك وفي كلما يخالف السنة الشريفة واضطهاد أهل السوابق من الأمة بيد أمراء البيت الأموي رجال العيث والعبث، وكانوا يحسبون عرش ذلك اليوم قد استقر على تلكم الأعمال، فرأوا أن في الاصاخة إلى قيل أبي ذر وشاكلته من صلحاء الصحابة تزحزحا لذلك العرش عن مستقره، أو أن مهملجة الجشع الذين حصلوا على تلكم الثروات الطائلة خافوه أن يسلب ما في أيديهم إن وعى واع إلى هتافه، فتألبوا عليه وأغروا خليفة الوقت به بتسويلات متنوعة حتى وقع ما وقع، والخليفة أسير هوى قومه، ومسير بشهواتهم، مدفوع بحب بني أبيه وإن كانوا من الشجرة المنعوتة في القرآن.

    وما كان أبو ذر يمنعهم عن جلب الثروة من حقها، ولا يبغي سلب السلطة عمن ملك شيئا ملكا مشروعا، لكنه كان ينقم أهل الأثرة على اغتصابهم حقوق المسلمين، وخضمهم مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، وما كان يتحرى إلا ما أراد الله سبحانه بقوله عز من قائل: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله في الجهات المالية.

    أخرج أحمد في مسنده 5: 164، 176 من طريق الأحنف بن قيس قال: كنت بالمدينة فإذا أنا برجل يفر الناس منه حين يرونه قال: قلت: من أنت ؟ قال: أنا أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله قال: قلت: ما يفر الناس منك ؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز بالذي كان ينهاهم عنه رسول الله.

    وفي لفظ مسلم في صحيحه 3: 77 قال الأحنف بن قيس: كنت في نفر من قريش فمر أبو ذر رضي الله عنه وهو يقول: بشر الكانزين بكي في ظهورهم يخرج من جنوبهم، وبكي من أقفيتهم بخرج من جباههم قال: ثم تنحى فقعد إلى سارية فقلت: من هذا ؟ قالوا: هذا أبو ذر فقمت إليه فقلت: ما شئ سمعتك تقول قبيل ؟ قال: ما قلت إ شيئا سمعته من نبيهم صلى الله عليه وآله قال: قلت: ما تقول في هذا العطاء ؟ قال: خذه فإن فيه اليوم معونة فإذا كان ثمنا لدينك فدعه. " سنن البيهقي 6: 359 ".

    وأخرج أبو نعيم في الحلية 1: 162 من طريق سفيان بن عيينة بإسناده عن أبي ذر قال: إن بني أمية تهددني بالفقر والقتل، ولبطن الأرض أحب إلي من ظهرها، وللفقر أحب إلي من الغنى، فقال له رجل: يا أبا ذر ! مالك إذا جلست إلى قوم قاموا وتركوك ؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز.

    وفي فتح الباري 3: 213 نقلا عن غيره: الصحيح إن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال لأنفسهم ولا ينفقونه في وجهه.

    وتعقبه النووي بالابطال لأن السلاطين حينئذ كانوا مثل أبي بكر وعمر وعثمان وهؤلاء لم يخونوا. ا هـ.

    وفي هذا التعقيب تدجيل ظاهر فإن يوم هتاف أبي ذر بمناويه لم يكن العهد لأبي بكر وعمر، وإنما كان ذلك يوم عثمان المخالف لهما في السيرة مخالفة واضحة، والمبائن للسيرة النبوية في كل ما ذكرناه، ولذلك كله كان سلام الله عليه ساكتا عن هتافه في العهدين وكان يقول لعثمان: ويحك يا عثمان ! أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل رأيت هذا هديهم ؟ إنك تبطش بي بطش الجبار.

    ويقول: إتبع سنة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام. راجع ص 298 و 306.

    ولم يكن لأبي ذر منتدح من نداءه والدعوة إلى المعروف الضايع، والنهي عن المنكر الشايع وهو يتلو آناء الليل وأطراف النهار قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (2) .

    قال ابن خراش: وجدت أبا ذر بالربذة في مظلة شعر فقال: ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يترك الحق لي صديقا (3).

    وكان ينكر مع ذلك على معاوية المتخذ شناشن الأكاسرة والقياصرة بالترفه والتوسع والاستيثار بالأموال وكان في العهد النبوي صعلوكا لا مال له ووصفه به رسول الله صلى الله عليه وآله (4) وفي لفظ: إن معاوية ترب خفيف الحال (5).

    فما واجب أبي ذر عندئذ ؟ وقد أمره النبي الأعظم في حديث (6) السبعة التي أوصاه بها، بأن يقول الحق وإن كان مرا، وأمره بأن لا يخاف في الله لومة لائم.

    وما الذي يجديه قول عثمان: مالك وذلك ؟ لا أم لك ؟ ولأبي ذر أن يقول له كما قال: والله ما وجدت لي عذرا إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    ولم تكن لما رفع به أبو ذر عقيرته جدة ليس لها سلف من العهد النبوي، فلم يهتف إلا بما تعلمه من الكتاب والسنة، وقد أخذه من الصادع الكريم من فلق فيه، ولم يكن صلى الله عليه وآله يسلب ثروة أحد من أصحابه وكان فيهم تجار وملاك ذوو يسار، ولم يأخذ منهم زيادة على ما عليهم من الحقوق الإلهية، وعلى حذوه حذا أبو ذر في الدعوة والتبليغ.

    كان صلى الله عليه وآله أخبره بما يجري عليه من البلاء والعناء وما يصنع به من طرده من الحواضر الإسلامية: مكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة.

    ووصفه عند ذلك بالصلاح وأمره بالصبر وأن ما يصيبه في الله، فقال أبو ذر: مرحبا بأمر الله.

    فصلاح أبي ذر يمنعه عن الأمر بخلاف السنة بما يخل نظام المجتمع، وكون بلاءه في الله يأبى أن يكون ما جر إليه ذلك البلاء غير مشروع.

    وإن كان ذلك خلاف الصالح العام ولم تكن فيه مرضاة الله ورسوله لوجب عليه صلى الله عليه وآله أن ينهاه عما سينوء به من الإنكار وهو يعلم أن تلك الدعوة تجر عليه الأذى والبلاء الفادح، وتشوه سمعة خليفة المسلمين، وتسود صحيفة تاريخه، وتبقى وصمة عليه مع الأبد.

    وما كانت الشريعة السمحاء تأتي بذلك الحكم الشاق الذي اتهم به أبو ذر، ولم يكن قط يقصده وهو شبيه عيسى في أمة محمد صلى الله عليه وآله زهدا ونسكا وبرا وهديا وصدقا وجدا وخلقا.

    هكذا وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله غير أن عثمان قال لما غضب عليه: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب إما أن اضربه أو أحبسه أو اقتله.

    وكذبه حين رواه عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديث بني العاص، عجبا هذا جزاء من نصح لله ورسوله وبلغ عنهما صادقا ؟ لاها الله هذا أدب يخص بالخليفة.

    وأعجب من هذا جواب عثمان لمولانا أمير المؤمنين لما دافع عن أبي ذر بقوله: أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون.

    أجابه بجواب غليظ أخفاه الواقدي وما أحب أن يذكره ونحن وإن وقفنا عليه من طريق آخر لكن ننزه الكتاب عن ذكره.

    وقد تجهم عثمان مرة أخرى إمام المؤمنين عليه السلام بكلام فظ لما شيع هو و ولداه السبطان أبا ذر في سبيله إلى المنفى ومروان يراقبه وقد مر تفصيله ص 294، 297 وفيه قوله لعلي عليه السلام: ما أنت بأفضل عندي من مروان.

    إن من هوان الدنيا على الله أن يقع التفاضل بين علي ومروان الوزغ ابن الوزغ اللعين ابن اللعين، أنا لا أدري هل كان الخليفة في معزل عن النصوص النبوية في مروان ؟ أو لم يكن مروان ونزعاته الفاسدة بمرأى منه ومسمع ؟ أو القرابة والرحم بعثته إلى الاغضاء عنها فرأى ابن الحكم عدلا لمن طهره الجليل ورآه نفس النبي الأعظم في الذكر الحكيم. كبرت كلمة تخرج من أفواهم..

    أفحكم الجاهلية يبغون ؟

    ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ؟

    (1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 4: 168.

    (2) سورة آل عمران 104.

    (3) الأنساب 5: 55، ومر مثله من طريق آخر ص 301.

    (4) صحيح مسلم كتاب النكاح والطلاق 4: 195، سنن النسائي 6: 75، سنن البيهقي 7: 135.

    (5) صحيح مسلم 4: 199.

    (6) أخرجه ابن سعد في الطبقات 164 من طريق عبادة بن الصامت عن أبي ذر قال: أوصاني خليلي بسبع: بحب المساكين والدنو منهم. وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي. وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا. وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت. وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا. وأمرني أن لا أخاف لومة لائم. وأمرني أن أكثر من لا حول ولا قوة إلا بالله. فإنهن من كنز تحت العرش.


    العلامة عبدالحسين الأميني
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-12-28
  3. نيغروبونتي

    نيغروبونتي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-27
    المشاركات:
    538
    الإعجاب :
    0
    وهذا موقف عثمان من ابي ذر رضوان الله تعالى عليه

    عثمان ينفي أباذر إلى الربذة!!



    روى البلاذري:

    لما أعطى عثمان مروان بن الحكم ما أعطاه، وأعطى الحارث ابن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى زيد بن ثابت الأنصاري مائة ألف درهم جعل أبو ذر يقول: بشر الكانزين بعذاب أليم ويتلو قول الله عز وجل: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم(1) فرفع ذلك مروان بن الحكم إلى عثمان فأرسل إلى أبي ذر ناتلا مولاه أن انته عما يبلغني عنك فقال: أينهاني عثمان عن قرائة كتاب الله، وعيب من ترك أمر الله ؟ فوالله لإن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضاه.

    فأغضب عثمان ذلك و أحفظه فتصابر وكف، وقال عثمان يوما: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى ؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك.

    فقال أبو ذر: يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا ؟ فقال عثمان: ما أكثر أذاك لي وأولعك بأصحابي ؟ إلحق بمكتبك وكان مكتبه بالشام إلا أنه كان يقدم حاجا ويسأل عثمان الإذن له في مجاورة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله فيأذن له في ذلك، وإنما صار مكتبه بالشام لأنه قال لعثمان حين رأى البناء قد بلغ سلعا: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا بلغ البناء سلعا فالهرب. فأذن لي آتي الشام فأغزو هناك.

    فأذن له، وكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها وبعث إليه معاوية بثلاث مائة دينار فقال: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا ؟ قبلتها، وإن كانت صلة ؟ فلا حاجة لي فيها.

    وبعث إليه حبيب بن مسلمة الفهري بمائتي دينار فقال: أما وجدت أهون عليك مني حين تبعث إلي بمال ؟ وردها.

    وبنى معاوية الخضراء بدمشق فقال: يا معاوية إن كانت هذه الدار من مال الله ؟ فهي الخيانة، وإن كانت من مالك ؟ فهذا الإسراف.

    فسكت معاوية، وكان أبو ذر يقول: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه، والله إني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيى، وصادقا يكذب، وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه.

    فقال حبيب بن مسلمة لمعاوية: إن أبا ذر مفسد عليك الشام فتدارك أهله إن كانت لكم به حاجة.

    فكتب معاوية إلى عثمان فيه فكتب عثمان إلى معاوية: أما بعد فاحمل جندبا إلي على أغلظ مركب وأوعره فوجه معاوية من سار به الليل والنهار، فلما قدم أبو ذر المدينة جعل يقول: تستعمل الصبيان، وتجمي الحمى، وتقرب أولاد الطلقاء. فبعث إليه عثمان: إلحق بأي أرض شئت. فقال: بمكة. فقال: لا. قال: فبيت المقدس.قال: لا. قال: فبأحد المصرين.قال: لا. ولكني مسيرك إلى الربذة. فسيره إليها فلم يزل بها حتى مات. ومن طريق محمد بن سمعان قال لعثمان: إن أبا ذر يقول: إنك أخرجته إلى الربذة. فقال: سبحان الله ما كان من هذا شئ قط، وإني لأعرف فضله، وقديم إسلامه وما كنا نعد في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله أكل شوكة منه.

    ومن طريق كميل بن زياد قال: كنت بالمدينة حين أمر عثمان أبا ذر باللحاق بالشام وكنت بها في العام المقبل حين سيره إلى الربذة.

    ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: تكلم أبو ذر بشئ كرهه (2) عثمان فكذبه (3) فقال: ما ظننت إن أحدا يكذبني بعد قول رسول الله صلى الله عليه وآله: ما أقلت الغبراء وما أطبقت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، ثم سيره إلى الربذة فكان أبو ذر يقول: ما ترك الحق لي صديقا.

    فلما سار إلى الربذة قال: ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا.

    قال: وشيع علي أبا ذر فأراد مروان منعه منه فضرب علي بسوطه بين أذني راحلته، وجرى بين علي وعثمان في ذلك كلام حتى قال عثمان: ما أنت بأفضل عندي منه.

    وتغالظا فأنكر الناس قول عثمان ودخلوا بينهما حتى اصطلحا.

    وقد روي أيضا: إنه لما بلغ عثمان موت أبي ذر بالربذة قال: رحمه الله.

    فقال عمار بن ياسر: نعم.

    فرحمه الله من كل أنفسنا.

    فقال عثمان: يا عاض أير أبيه أتراني ندمت على تسييره ؟ " يأتي تمام الحديث في ذكر مواقف عمار ".

    ومن طريق ابن حراش الكعبي قال: وجدت أبا ذر بالربذة في مظلة شعر فقال: ما زالا بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يترك الحق لي صديقا.

    ومن طريق الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قلت لأبي ذر: ما أنزلك الربذة ؟ قال: أنصح لعثمان ومعاوية.

    ومن طريق بشر بن حوشب الفزاري عن أبيه قال: كان أهلي بالشربة(4) فجلبت غنما لي إلى المدينة فمررت بالربذة وإذا بها شيخ أبيض الراس واللحية قلت.

    من هذا ؟ قالوا: أبو ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    وإذا هو في حفش(5) ومعه قطعة من غنم فقلت: والله ما هذا البلد بمحلة لبني غفار فقال أخرجت كارها.

    فقال بشر بن حوشب: فحدثت بهذا الحديث سعيد بن المسيب فأنكر أن يكون عثمان أخرجه وقال: إنما خرج أبو ذر إليها راغبا في سكناها (6).

    وأخرج البخاري في صحيحه من حديث زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فقلت لأبي ذر: ما أنزلك هذا ؟ قال: كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: الذين يكنزون الذهب والفضة. فقال: نزلت في أهل الكتاب. فقلت: فينا وفيهم. فكتب يشكوني إلى عثمان فكتب عثمان: إقدم المدينة. فقدمت فكثر الناس علي كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكر ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريبا. فذلك الذي أنزلني هذا المنزل. قال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث: وفي رواية الطبري إنهم كثروا عليه يسألونه عن سبب خروجه من الشام فخشي عثمان على أهل المدينة ما خشيه معاوية على أهل الشام. وقال بعد قوله: إن شئت تنحيت. في رواية الطبري: تنح قريبا. قال: والله لن أدع ما كنت أقوله. ولابن مردويه: لا أدع ما قلت.

    وذكر المسعودي أمر أبي ذر بلفظ هذا نصه: إنه حضر مجلس عثمان ذات يوم فقال عثمان: أرأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره ؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين فدفع أبو ذر في صدر كعب وقال له: كذبت يا ابن اليهودي ثم تلا: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا. الآية (7).

    فقال عثمان: أترون بأسا أن نأخذ مالا من بيت مال المسلمين فننفقه فيما ينوبنا من أمورنا ونعطيكموه ؟ فقال كعب: لا بأس بذلك.

    فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يا ابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا ؟ فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي غيب وجهك عني فقد آذيتني.

    فخرج أبو ذر إلى الشام فكتب معاوية إلى عثمان: إن أبا ذر تجتمع إليه الجموع ولا آمن أن يفسدهم عليك، فإن كان في القوم حاجة فاحمله إليك.

    فكتب إليه عثمان يحمله فحمله على بعير عليه قتب يابس معه خمسة من الصقالبة يطيرون به حتى أتوا به المدينة قد تسلخت بواطن أفخاذه وكاد أن يتلف، فقيل له: إنك تموت من ذلك.

    فقال: هيهات لن أموت حتى أنفى، وذكر جوامع ما نزل به بعد ومن يتولى دفنه، فأحسن إليه في داره أياما ثم دخل إليه فجلس على ركبتيه وتكلم بأشياء وذكر الخبر في ولد أبي العاص: إذا بلغوا ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا.

    ومر في الخبر بطوله وتكلم بكلام كثير وكان في ذلك اليوم قد أتي عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال فنضت البدر حتى حالت بين عثمان وبين الرجل القائم فقال عثمان: إني لأرجو لعبد الرحمن خيرا لأنه كان يتصدق ويقري الضيف وترك ما ترون.

    فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين ! فشال أبو ذر العصا فضرب بها رأس كعب ولم يشغله ما كان فيه من الألم وقال: يا ابن اليهودي ! تقول لرجل مات و ترك هذا المال إن الله أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة وتقطع على الله بذلك وأنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطا.

    فقال له عثمان: وارعني وجهك. فقال: أسير إلى مكة. قال: لا والله. قال: فتمنعني من بيت ربي أعبده فيه حتى أموت ؟ قال: أي والله. قال: فإلى الشام. قال: لا والله. قال: البصرة.قال: لا والله فاختر غير هذه البلدان. قال: لا والله ما أختار غير ما ذكرت لك ولو تركتني في دار هجرتي ما أردت شيئا من البلدان، فسيرني حيث شئت من البلاد. قال: فإني مسيرك إلى الربذة.

    قال: الله أكبر صدق رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخبرني بكل ما أنا لاق.

    قال عثمان: وما قال لك ؟ قال: أخبرني بأني امنع عن مكة والمدينة وأموت بالربذة ويتولى مواراتي نفر ممن يردون من العراق نحو الحجاز وبعث أبو ذر إلى جمل له فحمل عليه امرأته و قيل ابنته، وأمر عثمان أن لا يتجافاه الناس حتى يسير إلى الربذة، فلما طلع عن المدينة ومروان يسيره عنها إذ طلع عليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعه ابناه وعقيل أخوه وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر فاعترض مروان فقال: يا علي إن أمير المؤمنين قد نهى الناس أن يصحبوا أبا ذر في مسيره ويشيعوه فإن كنت لم تدر بذلك فقد أعلمتك.

    فحمل عليه علي بن أبي طالب بالسوط بين أذني راحلته وقال: تنح نحاك الله إلى النار: ومضي مع أبي ذر فشيعه ثم ودعه وانصرف، فلما أرادا الانصراف بكى أبو ذر وقال : رحمكم الله أهل البيت إذا رأيتك يا أبا الحسن ! وولدك ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله فشكا مروان إلى عثمان ما فعل به علي بن أبي طالب فقال عثمان: يا معشر المسلمين ! من يعذرني من علي، رد رسولي عمار وجهته له وفعل كذا والله لنعطينه حقه. فلما رجع علي استقبله الناس (8) فقالوا: إن أمير المؤمنين عليك غضبان لتشييعك أبا ذر. فقال علي: غضب الخيل على اللجم.

    ثم جاء فلما كان بالعشي جاء إلى عثمان فقال له: ما حملك على ما صنعت بمروان واجترأت علي ورددت رسولي وأمر ؟ قال: أما مروان فإنه استقبلني يردني فرددته عن ردي ؟ وأما أمرك فلم أرده، قال عثمان: أولم يبلغك إني قد نهيت الناس عن أبي ذر وعن تشييعه ؟ فقال علي: أو كل ما أمرتنا به من شئ يرى طاعة لله والحق في خلافه اتبعنا فيه أمرك ؟ بالله لا نفعل. قال عثمان: أقد مروان.

    قال: وما أقيده ؟ قال: ضربت بين أذني راحلته (9) قال علي: أما راحلتي فهي تلك فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل، وأما أنا فوالله لئن شتمني لأشتمنك أنت مثلها بما لا أكذب فيه ولا أقول إلا حقا.

    قال عثمان: ولم لا يشتمك إذا شتمته فوالله ما أنت عندي بأفضل منه.

    فغضب علي بن أبي طالب وقال: إلي تقول هذا القول ؟ وبمروان تعدلني ؟ فأنا والله أفضل منك، وأبي أفضل من أبيك، وأمي أفضل من أمك، وهذه نبلي قد نثلتها وهلم فأقبل بنبلك.

    فغضب عثمان واحمر وجهه فقام ودخل داره وانصرف علي فاجتمع إليه أهل بيته ورجال من المهاجرين والأنصار، فلما كان من الغد واجتمع الناس إلى عثمان شكا إليهم عليا وقال: إنه يعيبني ويظاهر من يعيبني يريد بذل أبا ذر وعمار بن ياسر وغيرهما فدخل الناس بينهما وقال له علي: والله ما أردت تشييع أبي ذر إلا لله.

    وفي رواية الواقدي من طريق صهبان مولى الأسلميين قال: رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان فقال له: أنت الذي فعلت ما فعلت ؟ فقال له أبو ذر: نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني.

    فقال عثمان: كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها قد أنغلت الشام علينا فقال له أبو ذر: إتبع سنة صاحبك لا يكن لأحد عليك كلام.

    قال عثمان: مالك وذلك ؟ لا أم لك قال أبو ذر: والله ما وجدت لي عذرا إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    فغضب عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب إما أن اضربه أو أحبسه أو أقتله فإنه قد فرق جماعة المسلمين أو أنفيه من أرض الاسلام.

    فتكلم علي عليه السلام وكان حاضرا وقال: أشير عليك بما قاله مؤمن آل فرعون: فإن يك كاذبا فعليه كذبه، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب.

    قال: فأجابه عثمان بجواب غليظ لا أحب ذكره وأجابه علي بمثله.

    قال: ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ويكلموه فمكث كذلك أياما ثم أمر أن يؤتى به فأتي به فلما وقف بين يديه قال: ويحك يا عثمان ! أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل رأيت هذا هديهم ؟ إنك لتبطش بي بطش الجبار فقال: أخرج عنا من بلادنا.

    فقال أبو ذر: ما أبغض إلي جوارك فإلى أين أخرج ؟ قال: حيث شئت.

    قال: فأخرج إلى الشام أرض الجهاد.

    قال: إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها، أفأردك إليها ؟ قال: فأخرج إلى العراق.

    قال: لا.

    قال: ولم ؟ قال: تقدم على قوم أهل شبه وطعن في الأمة ؟ قال: فأخرج إلى مصر.

    قال: لا.

    قال: فإلى أين أخرج ؟ قال: حيث شئت.

    قال أبو ذر.

    فهو إذن التعرب بعد الهجرة أخرج إلى نجد فقال عثمان: الشرف الأبعد أقصى فالأقصى إمض على وجهك هذا ولا تعدون الربذة فسر إليها فخرج إليها.

    وقال اليعقوبي: وبلغ عثمان أن أبا ذر يقعد في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله ويجتمع إليه الناس فيحدث بما فيه الطعن عليه وأنه وقف بباب المسجد فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر الغفاري، أنا جندب بن جنادة الربذي، إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.

    محمد الصفوة من نوح فالأول من إبراهيم والسلالة من إسماعيل و العترة الهادية من محمد، إنه شرف شريفهم واستحقوا الفضل في قوم هم فينا كالسماء المرفوعة، وكالكعبة المستورة، أو كالقبلة المنصوبة، أو كالشمس الضاحية، أو كالقمر الساري، أو كالنجوم الهادية، أو كالشجر الزيتونية أضاء زيتها وبورك زيدها(10) ومحمد وارث علم آدم وما فضلت به النبيون إلى أن قال: وبلغ عثمان أن أبا ذر يقع فيه ويذكر ما غير وبدل من سنن رسول الله صلى الله عليه وآله وسنن أبي بكر وعمر فسيره إلى الشام إلى معاوية، وكان يجلس في المجلس فيقول كما كان يقول ويجتمع إليه الناس حتى كثر من يجتمع إليه ويسمع منه، وكان يقف على باب دمشق إذا صلى صلاة الصبح فيقول: جاءت القطار تحمل النار، *** الله الآمرين بالمعروف والتاركين له، ولعن الله الناهين عن المنكر والآتين له.

    فقال: وكتب معاوية إلى عثمان إنك قد أفسدت الشام على نفسك بأبي ذر فكتب إليه أن احمله على قتب بغير وطاء فقدم به إلى المدينة وقد ذهب لحم فخذيه، فلما دخل إليه وعنده جماعة قال: بلغني أنك تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا كملت بنو أمية ثلاثين رجلا اتخذوا بلاد الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا ؟ فقال: نعم سمعت رسول الله يقول ذلك.

    فقال لهم: أسمعتم رسول الله يقول ذلك ؟ فبعث إلى علي بن أبي طالب فأتاه فقال: يا أبا الحسن ! أسمعت رسول الله يقول ما حكاه أبو ذر ؟ وقص عليه الخبر فقال علي: نعم.

    قال: فكيف تشهد ؟ قال لقول رسول الله: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء ذا لهجة أصدق من أبي ذر.

    فلم يقم بالمدينة إلا أياما حتى أرسل إليه عثمان: والله لتخرجن عنها، قال: أتخرجني من حرم رسول الله ؟ قال: نعم وأنفك راغم، قال: فإلى مكة ؟ قال: لا.

    قال: فإلى البصرة ؟ قال: لا.

    قال: فإلى الكوفة ؟ قال: لا.

    ولكن إلى الربذة التي خرجت منها حتى تموت فيها.

    يا مروان ! أخرجه ولا تدع أحدا يكلمه حتى يخرج.

    فأخرجه على جمل ومعه امرأته وابنته فخرج علي والحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر ينظرون فلما رأى أبو ذر عليا قام إليه فقبل يده ثم بكى وقال: إني إذا رأيتك ورأيت ولدك ذكرت قول رسول الله فلم أصبر حتى أبكي.

    فذهب علي يكلمه، فقال مروان: إن أمير المؤمنين قد نهى أن يكلمه أحد.

    فرفع علي السوط فضرب وجه ناقة مروان وقال: تنح نحاك الله إلى النار.

    ثم شيعه وكلمه بكلام يطول شرحه، وتكلم كل رجل من القوم وانصرفوا وانصرف مروان إلى عثمان، فجرى بينه وبين علي في هذا بعض الوحشة وتلاحيا كلاما.

    وأخرج ابن سعد من طريق الأحنف بن قيس قال: أتيت المدينة ثم أتيت الشام فجمعت فإذا أنا برجل لا ينتهي إلى سارية إلا خر أهلها يصلي ويخف صلاته.

    قال: فجلست إليه فقلت له: يا عبد الله من أنت ؟ قال: أنا أبو ذر.

    فقال لي: فأنت من أنت ؟ قال: قلت أنا الأحنف بن قيس.

    قال: قم عني لا أعدك بشر.

    فقلت له: كيف تعدني بشر ؟ قال: إن هذا يعني معاوية نادى مناديه ألا يجالسني أحد.

    وأخرج أبو يعلى من طريق ابن عباس قال: استأذن أبو ذر عثمان فقال: إنه يؤذينا فلما دخل قال له عثمان: أنت الذي تزعم إنك خير من أبي بكر وعمر ؟ قال: لا، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن أحبكم إلي وأقربكم مني من بقي على العهد الذي عاهدته عليه وأنا باق على عهده (11) قال: فأمره أن يلحق بالشام وكان يحدثهم ويقول: لا يبيتن عند أحدكم دينار ولا درهم إلا ما ينفقه في سبيل الله أو يعده لغريم.

    فكتب معاوية إلى عثمان: إن كان لك بالشام حاجة فابعث إلى أبي ذر.

    فكتب إليه عثمان: أن أقدم علي فقدم.

    راجع الأنساب 5: 5452، صحيح البخاري في كتابي الزكاة والتفسير، طبقات ابن سعد 4: 168، مروج الذهب 1: 438، تاريخ اليعقوبي 2: 148، شرح ابن أبي الحديد 1: 242240 فتح الباري 3: 213، عمدة القاري 4: 291.



    كلمة أمير المؤمنين

    لما أخرج أبو ذر إلى الربذة

    يا أبا ذر...

    إنك غضبت لله فارج من غضبت له، إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه، واهرب منهم بما خفتهم عليه، فما أحوجهم إلى ما منعتهم، وما أغناك عما منعوك، وستعلم من الرابح غدا، والأكثر حسدا، ولو إن السماوات والأرضين كانتا على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل الله له منهما مخرجا، لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوشنك إلا الباطل، فلو قبلت دنياهم لأحبوك، ولو قرضت منها لأمنوك (12).

    ذكر ابن أبي الحديد في الشرح 2: 387375 تفصيل قصة أبي ذر ورآه مشهورا متضافرا وإليك نصه قال: واقعة أبي ذر وإخراجه إلى الربذة أحد الأحداث التي نقمت على عثمان وقد روى هذا الكلام أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة عن عبد الرزاق عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما أخرج أبو ذر إلى الربذة أمر عثمان فنودي في الناس: أن لا يكلم أحد أبا ذر ولا يشيعه، وأمر مروان بن الحكم أن يخرج به فخرج به وتحاماه الناس إلا علي بن أبي طالب عليه السلام وعقيلا أخاه وحسنا وحسينا عليهما السلام وعمارا فإنهم خرجوا معه يشيعونه فجعل الحسن عليه السلام يكلم أبا ذر فقال له مروان: أيها يا حسن ! ألا تعلم أن أمير المؤمنين قد نهى عن كلام هذا الرجل ؟ فإن كنت لا تعلم فاعلم ذل.

    فحمل علي عليه السلام على مروان فضرب بالسوط بين أذني راحلته وقال: تنح نحاك الله إلى النار.

    فرجع مروان مغضبا إلى عثمان فأخبره الخبر فتلظى على علي عليه السلام ووقف أبو ذر فودعه القوم ومعه ذكوان مولى أم هاني بنت أبي طالب قال ذكوان: فحفظت كلام القوم وكان حافظا فقال علي عليه السلام: يا أبا ذر ! إنك غضبت لله أن القوم خافوك على دنياهم، وخفتهم على دينك، فامتحنوك بالقلى ونفوك إلى القلا، والله لو كانت السموات والأرض على عبد رتقا ثم اتقى الله لجعل له منها مخرجا، يا أبا ذر ! لا يؤنسنك إلا الحق، ولا يوحشن إلا الباطل.

    ثم قال لأصحابه: ودعوا عمكم.

    وقال لعقيل: ودع أخاك فتكلم عقيل فقال: ما عسى ما نقول يا أبا ذر ؟ ! وأنت تعلم أنا نحبك وأنت تحبنا، فاتق الله فإن التقوى نجاة، واصبر فإن الصبر كرم، واعلم أن استثقالك الصبر من الجزع، واستبطاءك العافية من اليأس، فدع الياس والجزع.

    ثم تكلم الحسن فقال: يا عماه لولا إنه لا ينبغي للمودع أن يسكت وللمشيع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف، وقد أتى من القوم إليك ما ترى، فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها، وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها، واصبر حتى تلقى نبيك صلى الله عليه وآله وهو عنك راض.

    ثم تكلم الحسين عليه السلام فقال: يا عماه إن الله تعالى قادر أن يغير ما قد ترى، الله كل يوم هو في شأن، وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك، فما أغناك عما منعوك، وأحوجهم إلى ما منعتهم ؟ فاسأل الله الصبر والنصر، واستعذبه من الجشع والجزع، فإن الصبر من الدين والكرم، وإن الجشع لا يقدم رزقا، والجزع لا يؤخر أجلا.

    ثم تكلم عمار مغضبا فقال: لا آنس الله من أوحشك، ولا آمن من أخافك، أما و الله لو أردت دنياهم لأمنوك، ولو رضيت أعمالهم لأحبوك، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلا الرضا بالدنيا والجزع من الموت، ومالوا إلى ما سلطان جماعتهم عليه، والملك لمن غلب، فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم، فخسروا الدنيا والآخرة، إلا ذل هو الخسران المبين.

    فبكى أبو ذر رحمه الله وكان شيخا كبيرا وقال: رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة ! إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله صلى الله عليه وآله، مالي بالمدينة سكن ولا شجن، غيركم، إني ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام، وكره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين (13) فافسد الناس عليهما فسيرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلا الله، والله ما أريد إلا الله صاحبا، وما أخشى مع الله وحشة.

    ورجع القوم إلى المدينة فجاء علي عليه السلام إلى عثمان فقال له: ما حملك على رد رسولي وتصغير أمري ؟ فقال علي عليه السلام: أما رسولك فأراد أن يرد وجهي فرددته، و أما أمرك فلم أصغره، قال: أما بلغت نهيي عن كلام أبي ذر ؟ قال: أو كلما أمرت بأمر معصية أطعناك فيه ؟ قال عثمان: أقد مروان من نفسك.

    قال: م ذا ؟ قال: من شتمه و جذب راحلته.

    قال: أما راحلته فراحلتي بها، وأما شتمه إياي فوالله لا يشتمني شتمة إلا شتمتك مثلها لا أكذب عليك.

    فغضب عثمان وقال: لم لا يشتمك ؟ كأنك خير منه ؟ قال علي: أي والله ومنك.

    ثم قام فخرج فأرسل عثمان إلى وجوه المهاجرين والأنصار وإلى بني أمية يشكو إليهم عليا عليه السلام فقال القوم: أنت الوالي عليه وإصلاحه أجمل.

    قال: وددت ذاك.

    فأتوا عليا عليه السلام فقالوا: لو اعتذرت إلى مروان وأتيته.

    فقال: كلا أما مروان فلا آتيه ولا اعتذر منه، ولكن إن أحب عثمان أتيته.

    فرجعوا إلى عثمان فأخبروه فأرسل عثمان إليه فأتاه ومعه بنو هاشم فتكلم علي عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه.

    ثم قال: أما ما وجدت علي فيه من كلام أبي ذر ووداعه فوالله ما أردت مساءتك ولا الخلاف عليك ولكن أردت به قضاء حقه، وأما مروان فإنه اعترض يريد ردي عن قضاء حق الله عز وجل فرددته، رد مثلي مثله، وأما ما كان مني إليك فإنك أغضبتني فأخرج الغضب مني ما لم أرده.

    فتكلم عثمان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما ما كان منك إلي فقد وهبته لك، وأما ما كان منك إلى مروان فقد عفى الله عنك، وأما ما حلفت عليه فأنت البر الصادق، فادن يدك.

    فأخذ يده فضمها إلى صدره، فلما نهض قالت قريش وبنو أمية لمروان: أأنت رجل جبهك علي وضرب راحلتك ؟ وقد تفانت وائل في ضرع ناقة، وذبيان و عبس في لطمة فرس، والأوس والخزرج في نسعة (14) أفتحمل لعلي عليه السلام ما أتاه اليك ؟ فقال مروان: والله لو أردت ذلك لما قدرت عليه.

    فقال ابن أبي الحديد: واعلم أن الذي عليه أكثر أرباب السيرة وعلماء الأخبار والنقل: إن عثمان نفى أبا ذر أولا إلى الشام ثم استقدمه إلى المدينة لما شكى منه معاوية، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة لما عمل بالمدينة نظير ما كان يعمل بالشام، أصل هذه الواقعة: إن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم وغيره بيوت الأموال واختص زيد بن ثابت بشئ منها جعل أبو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات والشوارع: بشر الكانزين (15) بعذاب أليم، ويرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم.

    فرفع ذلك إلى عثمان مرارا وهو ساكت ثم إنه أرسل إليه مولى من مواليه أن انته عما بلغني عنك فقال أبو ذر: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى، وعيب من ترك أمر الله تعالى ؟ فوالله لإن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير لي من أن أسخط الله برضا عثمان، فأغضب عثمان ذلك واحفظ فتصابر وتماسك إلى أن قال عثمان يوما والناس حوله: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال شيئا قرضا فإذا أيسر قضى ؟ فقال كعب الأحبار: لا بأس بذلك.

    فقال أبو ذر: يا ابن اليهوديين أتعلمنا ديننا ؟ فقال عثمان: قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي، إلحق بالشام.

    فأخرجه إليها فكان أبو ذر ينكر على معاوية أشياء يفعلها فبعث إليه معاوية يوما ثلثمائة دينار فقال أبو ذر لرسوله: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا ؟ اقبلها، وإن كاتنت صلة ؟ فلا حاجة لي فيها.

    وردها عليه، ثم بنى معاوية الخضراء بدمشق فقال أبو ذر: يا معاوية ! إن كانت هذه من مال الله ؟ فهي الخيانة، وإن كانت من مالك ؟ فهي الإسراف، وكان أبو ذر يقول بالشام، والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وآله، والله إني لأرى حقا يطفأ، وباطلا يحيا، وصادقا مكذبا، وأثرة بغير تقى، وصالحا مستأثرا عليه.

    فقال حبيب بن مسلمة الفهري لمعاوية: إن أبا ذر لمفسد عليكم الشام فتدارك أهله إن كان لك فيه حاجة.

    وروى شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب السفيانية عن جلام بن جندل الغفاري قال: كنت غلاما لمعاوية على قنسرين والعواصم في خلافة عثمان فجئت إليه يوما أسأله عن حال عملي إذ سمعت صارخا على باب داره يقول: أتتكم القطار بحمل النار، اللهم العن الآمرين بالمعروف والتاركين له، اللهم العن الناهين عن المنكر المرتكبين له.

    فازبأر (16) معاوية وتغير لونه وقال: يا جلام ! أتعرف الصارخ ؟ فقلت: الله لا.

    قال: من عذيري من جندب بن جنادة يأتينا كل يوم فيصرخ على باب قصرنا بما سمعت ثم قال: ادخلوه علي فجئ بأبي ذر قوم يقودونه حتى وقف بين يديه فقال له معاوية: يا عدو الله وعدو رسوله ! تأتينا في كل يوم فتصنع ما تصنع، أما إني لو كنت قاتل رجل من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين عثمان لقتلتك ولكنك استأذن فيك.

    قال جلام: وكنت أحب أن أرى أبا ذر لأنه رجل من قومي فالتفت إليه فإذا رجل أسمر ضرب (17) من الرجال خفيف العارضين في ظهره حناء فأقبل على معاوية وقال: ما أنا بعدو لله ولا لرسوله، بل أنت وأبوك عدوان لله ولرسوله، أظهرتما الاسلام وأبطنتما الكفر، ولقد **** رسول الله صلى الله عليه وآله ودعا عليك مرات أن لا تشبع، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا ولي الأمة الأعين (18) الواسع البلعوم الذي يأكل ولا يشبع فلتأخذ الأمة حذرها منه (19).

    فقال معاوية: ما أنا ذاك الرجل.

    قال أبو ذر: بل أنت ذلك الرجل أخبرني بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسمعته يقول وقد مررت به: اللهم العنه ولا تشبعه إلا بالتراب.

    وسمعته صلى الله عليه وآله يقول: إست معاوية في النار.

    فضحك معاوية وأمر بحبسه وكتب إلى عثمان فيه فكتب عثمان إلى معاوية: أن احمل جندبا إلي على أغلظ مركب وأوعره.

    فوجه به مع من سار به الليل والنهار وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب حتى قدم به المدينة وقد سقط لحم فخذيه من الجهد فلما قدم بعث إليه عثمان: الحق بأي أرض شئت قال: بمكة. قال: لا. قال: بيت المقدس. قال: لا. قال: بأحد المصرين. قال: لا، ولكني مسيرك إلى الربذة فسيره إليها فلم يزل بها حتى مات.

    وفي رواية الواقدي: أن أبا ذر لما دخل على عثمان قال له:

    لا أنعـم الله بقين عينا * نعم ولا لقاه يوما زينا

    تحية السخط إذا التقينا

    فقال أبو ذر: ما عرفت إسمي قينا قط.

    وفي رواية أخرى: لا أنعم الله بك عينا يا جنيدب.

    فقال أبو ذر: أنا جندب وسماني رسول الله صلى الله عليه وآله عبد الله فاخترت اسم رسول لله صلى الله عليه وآله الذي سماني به على اسمي، فقال له عثمان: أنت الذي تزعم إنا نقول: يد الله مغلولة وإن الله فقير ونحن أغنياء ؟ فقال أبو ذر: لو كنتم لا تقولون هذا ؟ لأنفقتم مال الله على عباده، ولكني أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا، وعباده خولا، ودينه دخلا.

    فقال عثمان لمن حضر: اسمعتوها من رسول الله ؟ قالوا: لا.

    قال عثمان: ويلك أبا ذر ! أتكذب على رسول الله ؟ فقال أبو ذر لمن حضر: أما تدرون أني صدقت ؟ قالوا: لا والله ما ندري.

    فقال عثمان: ادعوا لي عليا.

    فلما جاء قال عثمان لأبي ذر: اقصص عليه حديثك في بني أبي العاص.

    فأعاده فقال عثمان لعلي عليه السلام: أسمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال: لا وقد صدق أبو ذر فقال: كيف عرفت صدقه ؟ قال: لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر.

    فقال من حضر: أما هذا فسمعناه كلنا من رسول الله.

    فقال أبو ذر: أحدثكم إني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله فتتهموني ؟ ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله.

    وروى الواقدي في خبر آخر بإسناده عن صهبان مولى الأسلميين قال: رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان فقال له: أنت الذي فعلت وفعلت ؟ فقال أبو ذر: نصحتك فاستغششتني ونصحت صاحبك فاستغشني قال عثمان: كذبت ولكنك تريد الفتنة وتحبها قد انغلت الشام علينا قال له أبو ذر: إتبع سنة صاحبيك لا يكن لأحد عليك كلام فقال عثمان: مالك وذل ؟ لا أم لك.

    قال أبو ذر: والله ما وجدت لي عذرا إلا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

    فغضب عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب، إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله فإنه قد فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من أرض الاسلام.

    فتكلم علي عليه السلام وكان حاضر فقال: أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون فإن يك كاذبا ؟ فعليه كذبه، وإن يك صادقا، يصبكم بعض الذي يعدكم، إن الله يهدي من هو مسرف كذاب.

    فأجابه عثمان بجواب غليظ وأجابه علي عليه السلام بمثله ولم نذكر الجوابين تذمما منهما.

    قال الواقدي: ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ويكلموه فمكث كذلك أياما ثم أتي به فوقف بين يديه فقال أبو ذر: ويحك يا عثمان ! أما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ ورأيت أبا بكر وعمر ؟ هل هديك كهديهم ؟ أما إنك لتبطش بي بطش جبار.

    فقال عثمان: أخرج عنا من بلادنا.

    فقال أبو ذر: ما أبغض إلي جوارك فإلى أين أخرج ؟ قال: حيث شئت.

    قال: أخرج إلى الشام أرض الجهاد.

    قال: إنما جلبتك من الشام لما قد أفسدتها، أفأردك إليها ؟ قال: أفأخرج إلى العراق ؟ قال: لا إنك إن تخرج إليها تقدم على قوم أولي شقة وطعن على الأئمة والولاة.

    قال: أفأخرج إلى مصر ؟ قال: لا، قال: فإلى أين أخرج ؟ قال: إلى البادية.

    قال أبو ذر: أصير بعد الهجرة أعرابيا ؟ قال: نعم.

    قال أبو ذر: فأخرج إلى بادية نجد.

    قال عثمان: بل إلى الشرق الأبعد أقصى فأقصى امض على وجهك هذا فلا تعدون الربذة فخرج إليها.

    وروى الواقدي أيضا عن مالك بن أبي الرجال عن موسى بن ميسرة: إن أبا الأسود الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه إلى الربذة فجئته فقلت له: ألا تخبرني أخرجت منا المدينة طائعا ؟ أم أخرجت كرها ؟ فقال كنت في ثغر من ثغور المسلمين أغني عنهم فأخرجت إلى المدينة فقلت: دار هجرتي وأصحابي، فأخرجت من المدينة إلى ما ترى، ثم قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله إذ مر بي عليه السلام فضربني برجله وقال: لا أراك نائما في المسجد.

    فقلت: بابي أنت وأمي غلبتني عيني فنمت فيه.

    قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت: إذا الحق بالشام فإنها أرض مقدسة وأرض الجهاد.

    قال: فكيف تصنع إذا أخرجت منها ؟ قلت: أرجع إلى المسجد.

    قال: فكيف تصنع إذا أخرجوك منه ؟ قلت: آخذ سيفي فأضربهم به فقال: ألا أدلك على خير من ذلك ؟ انسق معهم حيث ساقوك وتسمع وتطيع.

    فسمعت وأطعت و أنا أسمع وأطيع، والله ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي.

    ثم ذكر ابن أبي الحديد الخلاف في أمر أبي ذر وحكى عن أبي علي حديث البخاري الذي أسلفناه ص 295 فقال: ونحن نقول: هذه الأخبار وإن كانت قد رويت لكنها ليست في الاشتهار والكثرة كتلك الأخبار، والوجه أن يقال في الاعتذار عن عثمان و حسن الظن بفعله: إنه خاف الفتنة واختلاف كلمة المسلمين فغلب على ظنه إن إخراج أبي ذر إلى الربذة أحسم للشغب وأقطع لأطماع من يشرئب إلى شق العصا، فأخرجه مراعاة للمصلحة ومثل ذلك يجوز للإمام، هكذا يقول أصحابنا المعتزلة وهو الأليق بمكارم الأخلاق فقد قال الشاعر:

    إذا ما أتت من صاحب لك زلة فكـــن أنت محتالا لزلته عذرا

    وإنما يتأول أصحابنا لمن يحتمل حاله التأويل كعثمان، فأما من لم يحتمل حاله التأويل وإن كانت له صحبة سالفة كمعاوية وأضرابه فإنهم لا يتأولون لهم، إذا كانت أفعالهم وأحوالهم لا وجه لتأويلها ولا تقبل العلاج والاصلاح. انتهى.

    من المستصعب جدا التفكيك بين الخليفتين وبين أعمالهما، فإنهما من شجرة واحدة،

    وهما في العمل صنوان، لا يشذ أحدهما عن الآخر، فتربص حتى حين،

    وسنوقفك على جلية الحال...



    (1) سورة التوبة. آية 34.

    (2) في رواية الواقدي والمسعودي كما يأتي: أنه قال: لسمعت رسول الله يقول: إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا الحديث.

    (3) في لفظ الواقدي: قال عثمان: ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول الله ؟.

    (4) الشربة بفتح أوله وثانيه وتشديد الموحدة: موضع بين السليلة والربذة في طريق مكة.

    (5) الحفش بكسر المهملة: البيت الصغير، أو هو من الشعر.

    (6) انظر إلى ابن المسيب يكذب أبا ذر لتبرير عثمان من تسييره ولا يكترث لاستلزامه تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله، وسيوافيك البحث عنه.

    (7) سورة البقرة: 177.

    (8) هذه الجملة تعرب عن غيبة الإمام عليه السلام عن المدينة المشرفة في تشييع أبي ذر أياما وتقرب ما قاله الأستاذ عبد الحميد جودت السحار المصري في كتابه (الاشتراكي الزاهد) ص 192 ومضى علي ورفقائه مع أبي ذر حتى بلغوا الربذة فنزلوا عن رواحلهم وجلسوا يتحدثون.

    (9) في العبارة سقط يظهر من الجواب وسيأتي صحيحها بعيد هذا إن شاء الله.

    (10) ولعل الصحيح زندها. كما في بعض المصادر.

    (11) حديث العهد أخرجه أحمد في مسنده.

    (12) نهج البلاغة 1: 247.

    (13) يعني مصر والبصرة، كان والي مصر عبد الله بن سعيد بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة وكان على البصرة عبد الله بن عامر ابن خاله كما مر ص 290.

    (14) النسعة بكسر النون: حبل عريض طويل تشد به الرحال.

    (15) في النسخة: الكافرين. والصحيح ما ذكرناه كما مر عن البلاذري(16) ازبأر الرجل ازبئرارا: تهيأ للشر.

    (16) ازبأر الرجل ازبئرارا : تهيأ للشر

    (17) الضرب: الرجل الماضي الندب.

    (18) في لفظ الحديث سقط كما لا يخفى.

    (19) وفي حديث علي عليه السلام: لا يذهب أمر هذه الأمة الأعلى رجل واسع السرم، ضخم البلعوم. ذكره ابن الأثير في النهاية 1: 112، لسان العرب 14: 322، تاج العروس 8: 206.



    العلامة عبدالحسين الأميني
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-12-28
  5. Immigrant

    Immigrant عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-09-26
    المشاركات:
    988
    الإعجاب :
    0
    that is alot of '
    COPY AND PASTE

    did you read that yourself??

    wow
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة