الفكر القومي العربي والنزعة العنصرية

الكاتب : يماني غيور   المشاهدات : 598   الردود : 1    ‏2005-12-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-26
  1. يماني غيور

    يماني غيور عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-08-06
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    فتحي بالحاج

    باحث في العلوم السياسية - رئيس الملتقى الثقافي العربي الأوروبي بفرنسا

    12/24/2005

    الفكر القومي العربي والنزعة العنصرية

    تتعرض كتابات الفكر القومي العربي لحملة تشويه، ناتجة عن أحكام مسبقة تفتقد إلى الأساس العلمي والمعرفي وتعبر عن جهل تام بأهم الكتابات القومية والعروبية. فبالرغم من تمكن الفكرة العروبية من استقطاب جمع لا بأس به من أبناء الشعب العربي: جماهير عريضة وعدد لا بأس به من الكتاب والباحثين والعاملين في حقل السياسة والاجتماع. وتحولت هذه الفكرة إلى تيار سياسي فاعل وجارف قاد حركة التحرر الوطني في مواجهة قوى الهيمنة العالمية. فلم يتحرّر الوطن العربي يوم تحرّر إلا تحت راية القومية العربية، إلا أن بعض التيارات السياسية وأمام حالة النكوص العامة ما تزال تصر على ربط الحركة القومية العربية بأفكار لا علاقة لها بجوهر المشروع القومي العربي ومضمون رسالته التحررية. فهذه التيارات المعادية تصرّ على مقارنة التيار القومي العروبي وحركته القومية بالحركات القومية التي ظهرت في أوروبا في مرحلة اتسمت فيها العلاقات الدولية بالعدوانية فحوّلت العلاقة بين الأمم إلى علاقات أسسها النهب والهيمنة وتسخير الأمم الضعيفة لصالح الأقوياء. ويغفلون عمدا تلك الحركات القومية التي رفعت شعار التحرّر والاستقلال في مواجهة هذه الحركات العنصرية الغازية. والقومية العربية كانت في صف القوى والحركات التي رفعت شعار تحرّر الشعوب، ومقاومة قوى الهيمنة العالمية. لقد رفعت راية التحرر والاستقلال وتمكنت العروبة بجدارة من أن تعبر عن طموحات شعوب الأمة العربية، سكان هذه الأرض الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي (الوطن العربي). واستطاعت و في فترة قياسية أن تحمل همومها وترفع راية حريتها واستقلالها وتستوعب طموحاتها للتحرر والانعتاق. واكتسبت هنا الحركة القومية العربية النزعة التحررية الإنسانية بعيدا كل البعد وفي تناقض تناقض الحياة مع الموت مع النزعات العنصرية والشوفينية التي سادت في مجتمعات تتشدق بالتحضر والحرية وحقوق الإنسان وتمارس عمليا استعباد والسيطرة على شعوب وأمم أخرى تنهب ممتلكاتها وتسخّر امكانياتها لأهداف عنصرية لا إنسانية.
    بالرغم من هذا البعد الإنساني التحرري الذي تميزت به الحركة القومية العربية فإن البعض مازال يلصق بها التهم ويشوّه المفاهيم لتتناسب مع ما يريده هو. وقد تكاثرت هذه النوعية من الكتابات السياسية، الفاقدة للمنهج العلمي وأبجديات البحث الجاد، منذ سقوط بغداد. وكأنها وجدت في سقوط القوميين في ساحة المواجهة فرصة للتشفي وتصفية الحسابات. فيصر البعض من ناقدي العروبة على تخيل تصور للقومية ولمفهوم للعروبة كما يتصورها هو، ثم ينسبه للقوميين عموما لتسهل عليه عملية نقدها وضربها. إن هذا الأسلوب الذي درج عليه البعض من النقاد السياسيون لا يتماشى مع المنهج العلمي في تحليل الظواهر والنقد.
    لمتابعة صدقية ما يروجه البعض فإننا حاولنا، في هذا البحث المختصر، تتبع كتابات بعض رموز الفكر القومي الفكرية والسياسية لتناول تصورهم لمفهوم القومية وللعروبة. أي فهمهم لمضمون العلاقات القومية ومدى صحة ما ينسبه إليهم أعداءهم.. ؟ إن بعض الأحكام الاطلاقية تفتقد إلى الدليل العلمي. لذلك ارتأينا العودة إلى المصادر والمراجع التي تبنت أو رفعت راية العروبة، لتبين مضامينها.
    هل هناك ما يستدعي ربط القومية العربية بالشوفينية والعنصرية؟
    ما هي المفاهيم التي يقدمها القوميون لفكرة العروبة التي تتطلب التجديد والإيضاح؟
    إن الإجابات على هذه الأسئلة يساعدنا على تقديم مفهوم علمي وواضح للعروبة يكون مدخلا لتصحيح العلاقات الاجتماعية ويشكّل المقدّمة الضرورية لتبني رؤية تحديث وتطوير عربية جديدة تكون إطاراً عاما لاختلافاتنا وتميزاتنا الأيديولوجية والفكرية والسياسية، بهذه الرؤية الجامعة الموحّدة تستطيع الأمة العربية استكمال دورها الحضاري.
    لاشك أن التعاريف التي قدمت لمفهوم العروبة متعددة ومتنوعة. والعودة إلى مصادرها تساعدنا على تحديد مواطن القصور في تقديم مفهوم علمي وغير عنصري للقومية العربية ولمفهوم العروبة.
    الأدب السياسي القومي العربي بكل مكوّناته وتياراته قد لا يخلو من بعض التلميحات أو الإشارات إلى النسب والعرق ورابطة الدم لكنها تلميحات قليلة والأمة العربية ككل الأمم جميعا يمكن أن تظهر فيها حركات عنصرية وهذا لا ينتقص شيئا من المضمون التقدّمي والإنساني للقومية. وعادة ما يدافع على هذه النزعة كتّاب غير مؤثرين في بناء الفكر القومي وغير ذات تأثير في المجرى العام للفكر القومي العربي. ولئن وجدت بعض التلميحات وهي مرتبطة بمرحلة تاريخية معينة تم الربط فيها بين الانتماء القومي ورابطة الدم والعرق. ونعتقد أن هذه المرحلة قد تجاوزها الفكر الوحدوي العربي. وبعض هذه الدعوات كانت نسخا للحركات القومية في الغرب. فالدّراسة المتأنية لكتابات القوميين العرب على اختلاف توجهاتهم تنعدم فيها التأكيد على العامل العنصري أو عامل الدم أو الجنس.
    إن مفهوم العروبة في مجمله يبقى متعارضا مع المفاهيم العرقية ويعود ذلك إلى أسباب عدة منها أن العروبة لها مكوّن حضاري ألا وهو الإسلام وهو لا ينكر الانتماء والرابطة القومية ولكنه يجعل منها قيمة إنسانية سامية، تعوّد الإنسان على معنى الاختلاف والعيش المشترك بحكم الاشتراك في الإنسانية. لقد شكّل الإسلام ولا زال يشكل عامل حصانة ضد الانزلاق إلى التعريفات والتفسيرات العنصرية والشوفينية، وربط الانتماء العروبي بالدم فالفكر القومي منذ تأسس ارتكز على مبادئ إنسانية تعترف بالواقع القومي كتميز عن الآخرين وليس كامتياز على الآخرين. وقد استطاع العرب عبر تاريخهم الطويل التعايش مع حضارات وثقافات أخرى وتمكنوا من تأسيس دول وحضارات مشتركة مع شعوب وأمم أخرى. قد لا يخلو تاريخنا القومي أمام شراسة هجمة قوى الهيمنة من دعوات الانطواء والانكفاء والتأكيد على التميز والاختلاف إلا أن النزعة العنصرية الشوفينية لم تتحول إلى تيارات فكرية أو سياسية كما هو الحال في بعض الأمم والمجتمعات الأخرى. والفكر القومي العربي ابن هذه التربة الطيبة لم تحدده النزعات العنصرية والشوفينية بل تطور ونما على أسس إنسانية حضارية إلى أن اشتد عوده وتوضحت أسسه الفلسفية والمعرفية مع كتابات واجتهادات كتاب أمثال عبدالله الريماوي ونديم بيطار وعصمت سيف الدولة.... تختلف دعواتهم وفي مناهجهم وفي المضامين التي قدموها للعروبة والقومية، لكنها كلها ترتكز على قواعد إنسانية اجتماعية بعيدة كل البعد عن التفسير العنصري الشوفيني. بعض من الكتاب والمفكرين القوميين تأثروا بالتيارات الوافدة من ليبرالية وميتافيزيقية قدرية ومثالية ولكنه بقي مطهرا من كل نزعة شوفينية عنصرية. وأخذت القومية بعدا معرفيا جديدا يرتكز على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية. جل الكتابات تؤكد على المفهوم الاجتماعي والثقافي: اللغة الثقافة التاريخ الأرض والمصالح المشتركة. وحتى الممارسة السياسية الاستبدادية التي اتبعها البعض باسم القومية (وان كانت مارستها القطرية في أبشع مظاهرها) فإنها لم تستند على التعريف العرقي. لقد مارس البعض منهم الاستبداد والدكتاتورية وكانوا الضحايا من العرب ومن غير العرب. كما أن الأقلية الحاكمة المستأثرة بخيرات الشعب كانت أيضا من العرب وغير العرب. كانت تعبيرا عن أنظمة غارقة في الاستبداد ولم تكن تعبر عن حركة سياسية قومية عربية، تتبنى سياسة التطهير العرقي.
    إن الفكر القومي العربي بكل مدارسه وتجلياتها الفكرية والسياسية المعاصرة، وخاصة الإنتاج الذي صاحب التجربة الناصرية وتلاها، أي ما بعد 1952 لا يتبنى مفهوماً عرقياً للعروبة ولا بعداً عنصرياً للعلاقات التي بين هذه المجموعة البشرية (العرب). فإذا عدنا إلى أبو خلدون ساطع الحصري وهو أب كل المدارس القومية يؤكد على رفض المفهوم العنصري وعلى استبعاد مفهوم الدم في العلاقات الاجتماعية، وهو في هذا المجال يقطع ويرفض رفضا كليا المفهوم العرقي للعروبة. ويفصل بينها وبين العلاقات الأسرية والعائلية. في تناوله لرابطة العروبة وفي الرد على التساؤل حول عروبة مصر، أكد أن: "...لا مبرر للتساؤل فيما إذا كانوا "عرباً جنسا ودما". لأن من الحقائق الثابتة علميا انه لا يوجد على الأرض أمة: ينحدر جميع أفرادها من أصل واحد، ويتحدون بالدم. لا الفرنسيون فرنسيين دما، ولا الترك أتراكا عرقا، ولا الروس روسا بالنسب. فلا وجه للتساؤل فيما إذا كان المصريون "عربا جنسا ودما"(1).
    ويربط الحصري الأمة والعروبة باللسان باللغة. يقول في تعريفه للبلاد العربية "...إن جميع البلاد التي يتكلم سكانها باللغة العربية هي عربية...مهما تعددت الدول التي تحكمها. ومهما تنوعت الأعلام التي ترفرف على بناياتها الحكومية. ومهما تعرجت وتشابكت الحدود التي تفصل بين أقسامها السياسية.. إنها بلاد عربية.. و"بلاد العرب ليست الجزيرة العربية وحدها، كما يزعم البعض، ولكنها جميع البلاد التي يتكلم أهاليها باللغة العربية.. من جبال زاغرة في الشرق، إلى المحيط الأطلسي في الغرب، ومن شواطىء البحر الأبيض وهضبات الأناضول في الشمال، إلى المحيط الهندي ومنابع النيل والصحراء الكبرى في الجنوب.. كلها تدخل في نطاق بلاد العرب (...) ان كل من ينتسب إلى البلاد العربية ويتكلم اللغة العربية، هو عربي مهما كان اسم الدولة التي يحمل جنسيتها وتابعيتها بصورة رسمية. ومهما كانت الديانة التي يدين بها والمذهب الذي ينتمي إليه. ومهما كان أصله ونسب، وتاريخ حياة أسرته... فهو عربي.."(2) .
    أما التعريف الذي يقدمه الدكتور عصمت سيف الدولة فهو تقديما علميا بعيدا عن المفاهيم العامة والمثالية التي يتغنى بها البعض والتي تفتقد إلى الأساس العلمي. فمفهوم العروبة عند سيف الدولة يتنافى مع التعريفات العرقية والشوفينية فالعروبة هي تعبير عن تكوين اجتماعي محدد في الزمان والمكان وهي العرب في المرحة القومية. ومفهوم القومية عند سيف الدولة هو مفهوم تطوري أي نامي فالعروبة ليست إلا مرحلة من مراحل التكوين الاجتماعي تتجاوزها عندما يعجز هذا التكوين الاجتماعي عن الإيفاء بحاجاتهم المادية والمعنوية. ".. التكوين القومي للمجتمعات (كان) حصيلة نمو وإضافة تحققت خلال الحل الجدلي لمشكلات الطور الاجتماعي الذي سبق القوميات. فهو أكثر منه تقدما. أي فيه من الحريات للإنسان أكثر مما كان.. وهو أكثر منه شمولا فيتضمنه ولا يلغيه ولكن يضيف إليه ويحدده كما يحدد الكل الجزء. فكما أن المجتمع القبلي لم يلغ الأسرة بل ظلت أسراً وبطوناً وأفخاذاً، يقوم الدم فيها رابطة مميزة بين ذوي الدم الواحد، بقيت الأسر في الأمة الواحدة وأضيفت إليها الروابط المحلية والإقليمية فيما يتجاوز التمييز العائلي، تمييزا للخلف المستقر للجماعات القبلية، قرى ومدنا ومناطق وأقاليم ، ثم أضيفت إليها الرابطة القومية إضافة كانت حلا لمشكلات الأسر والأقاليم ذاتها. وتحققت بها للأفراد من الأسر ومن الأقاليم حريات لم تكن لتتحقق لهم بما تهيئه رابطة الدم وحدها أو الروابط المحلية وحده.." (3). فرابط الدم بالنسبة لسيف الدولة من خاصيات العلاقات الأسرية أما ظاهرة الأمة والتي ما يطلق عليها العروبة بالنسبة للجماعة العربية، فهي انتماء اجتماعي تم بعد تفاعل تاريخي بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والأرض. فعصمت سيف الدولة ".. يؤسس نظريته على أن أية تشكيلة اجتماعية أو أية وحدة بنائية يتحدد أداؤها الوظيفي على أساس من الإشباع الوظيفي للحاجات المختلفة التي يتطلبها البناء ففي الانتقال من الأسرة إلى العشيرة إلى القبيلة، إلى الأمة، سنرى أن أية وحدة بنائية من تلك الوحدات كانت دوافع نشأتها هي توفير حاجات لم يكن ليستطيع البناء السابق إشباعها على هذا القدر والعمق. فالعشيرة تشبع قدرا أكبر من الحاجات عن تلك التي تشبعها الأسرة والقبيلة تشبع هي الأخرى قدرا أكبر من تلك التي تشبعها العشائر وهكذا حتى نصل إلى الأمة كوحدة بنائية تشبع قدرا أكبر من الحاجات التي تشبعها القبائل، وهكذا تمضي صيرورة تطور الوحدات الاجتماعية مدفوعة بإشباع أكثر متزايد للحاجات إلا انه ـ وهذا مهم جدّا لا يتوقف بالتطور الاجتماعي عند حدود الأمة بل يسير مع هذا القانون ذاته ليقرر أن التطور الإنساني مفتوح في المستقبل البعيد لظهور تشكيلات اجتماعية أكثر رقيا وتطورا من الأمة تساهم في تحقيق إشباع حاجات أكثر تطورا وهو الظاهرة التي بدأت تتشكل ملامحها الآن متمثلة في ظاهرة التعاون الدولي.." (4). ان نظرية سيف الدولة في العروبة والقومية ترتكز على أسس إنسانية، اجتماعية في مواجهة الدعوات العنصرية والشوفينية. وتمكنت من ان تسقط وتتجاوز التعريفات الغربية التي تربط بين العنصر والدم والقومية ويعتبرها دعوات معادية للقومية وبعيدة عن التفسير العلمي، وإن مضمون الدعوات العنصرية كانت أبعد من أن توضح وتبين مفهوم القومية والعلاقات القومية.
    إن مجمل المفاهيم التي قدمت داخل الحركة القومية للعروبة وإن خلا بعضها من التفسير العلمي في البحث والجهد والتقديم إلا أنها تلتقي عند نقطة واحدة وهي رفض العروبة في مفهومها العنصري والشوفيني. وهذه نقطة تتنكر لها وتتجاهلها القوى اللاقومية، حتى تسهل لها تشويه الفكرة القومية العربية والتي تبقى في جوهرها فكرة نبيلة فكرة تحرّض على التمسّك بروح الجماعة ترفض الفردية والاستبداد في كل مظاهره.

    تتعرض كتابات الفكر القومي العربي لحملة تشويه، ناتجة عن أحكام مسبقة تفتقد إلى الأساس العلمي والمعرفي وتعبر عن جهل تام بأهم الكتابات القومية والعروبية. فبالرغم من تمكن الفكرة العروبية من استقطاب جمع لا بأس به من أبناء الشعب العربي: جماهير عريضة وعدد لا بأس به من الكتاب والباحثين والعاملين في حقل السياسة والاجتماع. وتحولت هذه الفكرة إلى تيار سياسي فاعل وجارف قاد حركة التحرر الوطني في مواجهة قوى الهيمنة العالمية. فلم يتحرّر الوطن العربي يوم تحرّر إلا تحت راية القومية العربية، إلا أن بعض التيارات السياسية وأمام حالة النكوص العامة ما تزال تصر على ربط الحركة القومية العربية بأفكار لا علاقة لها بجوهر المشروع القومي العربي ومضمون رسالته التحررية. فهذه التيارات المعادية تصرّ على مقارنة التيار القومي العروبي وحركته القومية بالحركات القومية التي ظهرت في أوروبا في مرحلة اتسمت فيها العلاقات الدولية بالعدوانية فحوّلت العلاقة بين الأمم إلى علاقات أسسها النهب والهيمنة وتسخير الأمم الضعيفة لصالح الأقوياء. ويغفلون عمدا تلك الحركات القومية التي رفعت شعار التحرّر والاستقلال في مواجهة هذه الحركات العنصرية الغازية. والقومية العربية كانت في صف القوى والحركات التي رفعت شعار تحرّر الشعوب، ومقاومة قوى الهيمنة العالمية. لقد رفعت راية التحرر والاستقلال وتمكنت العروبة بجدارة من أن تعبر عن طموحات شعوب الأمة العربية، سكان هذه الأرض الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي (الوطن العربي). واستطاعت و في فترة قياسية أن تحمل همومها وترفع راية حريتها واستقلالها وتستوعب طموحاتها للتحرر والانعتاق. واكتسبت هنا الحركة القومية العربية النزعة التحررية الإنسانية بعيدا كل البعد وفي تناقض تناقض الحياة مع الموت مع النزعات العنصرية والشوفينية التي سادت في مجتمعات تتشدق بالتحضر والحرية وحقوق الإنسان وتمارس عمليا استعباد والسيطرة على شعوب وأمم أخرى تنهب ممتلكاتها وتسخّر امكانياتها لأهداف عنصرية لا إنسانية.
    بالرغم من هذا البعد الإنساني التحرري الذي تميزت به الحركة القومية العربية فإن البعض مازال يلصق بها التهم ويشوّه المفاهيم لتتناسب مع ما يريده هو. وقد تكاثرت هذه النوعية من الكتابات السياسية، الفاقدة للمنهج العلمي وأبجديات البحث الجاد، منذ سقوط بغداد. وكأنها وجدت في سقوط القوميين في ساحة المواجهة فرصة للتشفي وتصفية الحسابات. فيصر البعض من ناقدي العروبة على تخيل تصور للقومية ولمفهوم للعروبة كما يتصورها هو، ثم ينسبه للقوميين عموما لتسهل عليه عملية نقدها وضربها. إن هذا الأسلوب الذي درج عليه البعض من النقاد السياسيون لا يتماشى مع المنهج العلمي في تحليل الظواهر والنقد.
    لمتابعة صدقية ما يروجه البعض فإننا حاولنا، في هذا البحث المختصر، تتبع كتابات بعض رموز الفكر القومي الفكرية والسياسية لتناول تصورهم لمفهوم القومية وللعروبة. أي فهمهم لمضمون العلاقات القومية ومدى صحة ما ينسبه إليهم أعداءهم.. ؟ إن بعض الأحكام الاطلاقية تفتقد إلى الدليل العلمي. لذلك ارتأينا العودة إلى المصادر والمراجع التي تبنت أو رفعت راية العروبة، لتبين مضامينها.
    هل هناك ما يستدعي ربط القومية العربية بالشوفينية والعنصرية؟
    ما هي المفاهيم التي يقدمها القوميون لفكرة العروبة التي تتطلب التجديد والإيضاح؟
    إن الإجابات على هذه الأسئلة يساعدنا على تقديم مفهوم علمي وواضح للعروبة يكون مدخلا لتصحيح العلاقات الاجتماعية ويشكّل المقدّمة الضرورية لتبني رؤية تحديث وتطوير عربية جديدة تكون إطاراً عاما لاختلافاتنا وتميزاتنا الأيديولوجية والفكرية والسياسية، بهذه الرؤية الجامعة الموحّدة تستطيع الأمة العربية استكمال دورها الحضاري.
    لاشك أن التعاريف التي قدمت لمفهوم العروبة متعددة ومتنوعة. والعودة إلى مصادرها تساعدنا على تحديد مواطن القصور في تقديم مفهوم علمي وغير عنصري للقومية العربية ولمفهوم العروبة.
    الأدب السياسي القومي العربي بكل مكوّناته وتياراته قد لا يخلو من بعض التلميحات أو الإشارات إلى النسب والعرق ورابطة الدم لكنها تلميحات قليلة والأمة العربية ككل الأمم جميعا يمكن أن تظهر فيها حركات عنصرية وهذا لا ينتقص شيئا من المضمون التقدّمي والإنساني للقومية. وعادة ما يدافع على هذه النزعة كتّاب غير مؤثرين في بناء الفكر القومي وغير ذات تأثير في المجرى العام للفكر القومي العربي. ولئن وجدت بعض التلميحات وهي مرتبطة بمرحلة تاريخية معينة تم الربط فيها بين الانتماء القومي ورابطة الدم والعرق. ونعتقد أن هذه المرحلة قد تجاوزها الفكر الوحدوي العربي. وبعض هذه الدعوات كانت نسخا للحركات القومية في الغرب. فالدّراسة المتأنية لكتابات القوميين العرب على اختلاف توجهاتهم تنعدم فيها التأكيد على العامل العنصري أو عامل الدم أو الجنس.
    إن مفهوم العروبة في مجمله يبقى متعارضا مع المفاهيم العرقية ويعود ذلك إلى أسباب عدة منها أن العروبة لها مكوّن حضاري ألا وهو الإسلام وهو لا ينكر الانتماء والرابطة القومية ولكنه يجعل منها قيمة إنسانية سامية، تعوّد الإنسان على معنى الاختلاف والعيش المشترك بحكم الاشتراك في الإنسانية. لقد شكّل الإسلام ولا زال يشكل عامل حصانة ضد الانزلاق إلى التعريفات والتفسيرات العنصرية والشوفينية، وربط الانتماء العروبي بالدم فالفكر القومي منذ تأسس ارتكز على مبادئ إنسانية تعترف بالواقع القومي كتميز عن الآخرين وليس كامتياز على الآخرين. وقد استطاع العرب عبر تاريخهم الطويل التعايش مع حضارات وثقافات أخرى وتمكنوا من تأسيس دول وحضارات مشتركة مع شعوب وأمم أخرى. قد لا يخلو تاريخنا القومي أمام شراسة هجمة قوى الهيمنة من دعوات الانطواء والانكفاء والتأكيد على التميز والاختلاف إلا أن النزعة العنصرية الشوفينية لم تتحول إلى تيارات فكرية أو سياسية كما هو الحال في بعض الأمم والمجتمعات الأخرى. والفكر القومي العربي ابن هذه التربة الطيبة لم تحدده النزعات العنصرية والشوفينية بل تطور ونما على أسس إنسانية حضارية إلى أن اشتد عوده وتوضحت أسسه الفلسفية والمعرفية مع كتابات واجتهادات كتاب أمثال عبدالله الريماوي ونديم بيطار وعصمت سيف الدولة.... تختلف دعواتهم وفي مناهجهم وفي المضامين التي قدموها للعروبة والقومية، لكنها كلها ترتكز على قواعد إنسانية اجتماعية بعيدة كل البعد عن التفسير العنصري الشوفيني. بعض من الكتاب والمفكرين القوميين تأثروا بالتيارات الوافدة من ليبرالية وميتافيزيقية قدرية ومثالية ولكنه بقي مطهرا من كل نزعة شوفينية عنصرية. وأخذت القومية بعدا معرفيا جديدا يرتكز على الأبعاد الاجتماعية والثقافية والسياسية. جل الكتابات تؤكد على المفهوم الاجتماعي والثقافي: اللغة الثقافة التاريخ الأرض والمصالح المشتركة. وحتى الممارسة السياسية الاستبدادية التي اتبعها البعض باسم القومية (وان كانت مارستها القطرية في أبشع مظاهرها) فإنها لم تستند على التعريف العرقي. لقد مارس البعض منهم الاستبداد والدكتاتورية وكانوا الضحايا من العرب ومن غير العرب. كما أن الأقلية الحاكمة المستأثرة بخيرات الشعب كانت أيضا من العرب وغير العرب. كانت تعبيرا عن أنظمة غارقة في الاستبداد ولم تكن تعبر عن حركة سياسية قومية عربية، تتبنى سياسة التطهير العرقي.
    إن الفكر القومي العربي بكل مدارسه وتجلياتها الفكرية والسياسية المعاصرة، وخاصة الإنتاج الذي صاحب التجربة الناصرية وتلاها، أي ما بعد 1952 لا يتبنى مفهوماً عرقياً للعروبة ولا بعداً عنصرياً للعلاقات التي بين هذه المجموعة البشرية (العرب). فإذا عدنا إلى أبو خلدون ساطع الحصري وهو أب كل المدارس القومية يؤكد على رفض المفهوم العنصري وعلى استبعاد مفهوم الدم في العلاقات الاجتماعية، وهو في هذا المجال يقطع ويرفض رفضا كليا المفهوم العرقي للعروبة. ويفصل بينها وبين العلاقات الأسرية والعائلية. في تناوله لرابطة العروبة وفي الرد على التساؤل حول عروبة مصر، أكد أن: "...لا مبرر للتساؤل فيما إذا كانوا "عرباً جنسا ودما". لأن من الحقائق الثابتة علميا انه لا يوجد على الأرض أمة: ينحدر جميع أفرادها من أصل واحد، ويتحدون بالدم. لا الفرنسيون فرنسيين دما، ولا الترك أتراكا عرقا، ولا الروس روسا بالنسب. فلا وجه للتساؤل فيما إذا كان المصريون "عربا جنسا ودما"(1).
    ويربط الحصري الأمة والعروبة باللسان باللغة. يقول في تعريفه للبلاد العربية "...إن جميع البلاد التي يتكلم سكانها باللغة العربية هي عربية...مهما تعددت الدول التي تحكمها. ومهما تنوعت الأعلام التي ترفرف على بناياتها الحكومية. ومهما تعرجت وتشابكت الحدود التي تفصل بين أقسامها السياسية.. إنها بلاد عربية.. و"بلاد العرب ليست الجزيرة العربية وحدها، كما يزعم البعض، ولكنها جميع البلاد التي يتكلم أهاليها باللغة العربية.. من جبال زاغرة في الشرق، إلى المحيط الأطلسي في الغرب، ومن شواطىء البحر الأبيض وهضبات الأناضول في الشمال، إلى المحيط الهندي ومنابع النيل والصحراء الكبرى في الجنوب.. كلها تدخل في نطاق بلاد العرب (...) ان كل من ينتسب إلى البلاد العربية ويتكلم اللغة العربية، هو عربي مهما كان اسم الدولة التي يحمل جنسيتها وتابعيتها بصورة رسمية. ومهما كانت الديانة التي يدين بها والمذهب الذي ينتمي إليه. ومهما كان أصله ونسب، وتاريخ حياة أسرته... فهو عربي.."(2) .
    أما التعريف الذي يقدمه الدكتور عصمت سيف الدولة فهو تقديما علميا بعيدا عن المفاهيم العامة والمثالية التي يتغنى بها البعض والتي تفتقد إلى الأساس العلمي. فمفهوم العروبة عند سيف الدولة يتنافى مع التعريفات العرقية والشوفينية فالعروبة هي تعبير عن تكوين اجتماعي محدد في الزمان والمكان وهي العرب في المرحة القومية. ومفهوم القومية عند سيف الدولة هو مفهوم تطوري أي نامي فالعروبة ليست إلا مرحلة من مراحل التكوين الاجتماعي تتجاوزها عندما يعجز هذا التكوين الاجتماعي عن الإيفاء بحاجاتهم المادية والمعنوية. ".. التكوين القومي للمجتمعات (كان) حصيلة نمو وإضافة تحققت خلال الحل الجدلي لمشكلات الطور الاجتماعي الذي سبق القوميات. فهو أكثر منه تقدما. أي فيه من الحريات للإنسان أكثر مما كان.. وهو أكثر منه شمولا فيتضمنه ولا يلغيه ولكن يضيف إليه ويحدده كما يحدد الكل الجزء. فكما أن المجتمع القبلي لم يلغ الأسرة بل ظلت أسراً وبطوناً وأفخاذاً، يقوم الدم فيها رابطة مميزة بين ذوي الدم الواحد، بقيت الأسر في الأمة الواحدة وأضيفت إليها الروابط المحلية والإقليمية فيما يتجاوز التمييز العائلي، تمييزا للخلف المستقر للجماعات القبلية، قرى ومدنا ومناطق وأقاليم ، ثم أضيفت إليها الرابطة القومية إضافة كانت حلا لمشكلات الأسر والأقاليم ذاتها. وتحققت بها للأفراد من الأسر ومن الأقاليم حريات لم تكن لتتحقق لهم بما تهيئه رابطة الدم وحدها أو الروابط المحلية وحده.." (3). فرابط الدم بالنسبة لسيف الدولة من خاصيات العلاقات الأسرية أما ظاهرة الأمة والتي ما يطلق عليها العروبة بالنسبة للجماعة العربية، فهي انتماء اجتماعي تم بعد تفاعل تاريخي بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان والأرض. فعصمت سيف الدولة ".. يؤسس نظريته على أن أية تشكيلة اجتماعية أو أية وحدة بنائية يتحدد أداؤها الوظيفي على أساس من الإشباع الوظيفي للحاجات المختلفة التي يتطلبها البناء ففي الانتقال من الأسرة إلى العشيرة إلى القبيلة، إلى الأمة، سنرى أن أية وحدة بنائية من تلك الوحدات كانت دوافع نشأتها هي توفير حاجات لم يكن ليستطيع البناء السابق إشباعها على هذا القدر والعمق. فالعشيرة تشبع قدرا أكبر من الحاجات عن تلك التي تشبعها الأسرة والقبيلة تشبع هي الأخرى قدرا أكبر من تلك التي تشبعها العشائر وهكذا حتى نصل إلى الأمة كوحدة بنائية تشبع قدرا أكبر من الحاجات التي تشبعها القبائل، وهكذا تمضي صيرورة تطور الوحدات الاجتماعية مدفوعة بإشباع أكثر متزايد للحاجات إلا انه ـ وهذا مهم جدّا لا يتوقف بالتطور الاجتماعي عند حدود الأمة بل يسير مع هذا القانون ذاته ليقرر أن التطور الإنساني مفتوح في المستقبل البعيد لظهور تشكيلات اجتماعية أكثر رقيا وتطورا من الأمة تساهم في تحقيق إشباع حاجات أكثر تطورا وهو الظاهرة التي بدأت تتشكل ملامحها الآن متمثلة في ظاهرة التعاون الدولي.." (4). ان نظرية سيف الدولة في العروبة والقومية ترتكز على أسس إنسانية، اجتماعية في مواجهة الدعوات العنصرية والشوفينية. وتمكنت من ان تسقط وتتجاوز التعريفات الغربية التي تربط بين العنصر والدم والقومية ويعتبرها دعوات معادية للقومية وبعيدة عن التفسير العلمي، وإن مضمون الدعوات العنصرية كانت أبعد من أن توضح وتبين مفهوم القومية والعلاقات القومية.
    إن مجمل المفاهيم التي قدمت داخل الحركة القومية للعروبة وإن خلا بعضها من التفسير العلمي في البحث والجهد والتقديم إلا أنها تلتقي عند نقطة واحدة وهي رفض العروبة في مفهومها العنصري والشوفيني. وهذه نقطة تتنكر لها وتتجاهلها القوى اللاقومية، حتى تسهل لها تشويه الفكرة القومية العربية والتي تبقى في جوهرها فكرة نبيلة فكرة تحرّض على التمسّك بروح الجماعة ترفض الفردية والاستبداد في كل مظاهره.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-12-29
  3. jawvi

    jawvi قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-06-05
    المشاركات:
    8,781
    الإعجاب :
    0
    مشكـــــــــــــــــــــور اخونا يمـــــــــــــــــــــــــاني
    غيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور
    علي النقل
    وفعلا مو ضوع جميل جدا
    بـس شويه طويل
    ومشكور علي قوميتك التي تعتز بها
    بس انا اختلف معك في
    تسميه الخليج العربي يالفارسي
    اين حسك القومي
    يا حمــــود
    [​IMG]
     

مشاركة هذه الصفحة