منهج الإصلاح والتجديد فى فكر الإمام محمد عبده

الكاتب : ابــو الـخيــر   المشاهدات : 6,596   الردود : 1    ‏2005-12-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-26
  1. ابــو الـخيــر

    ابــو الـخيــر قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-10-21
    المشاركات:
    3,549
    الإعجاب :
    0
    بمشاركة أكثر من أربعين عالما ومفكرا وباحثا مصريا وعربيا وأجنبيا شهدت مكتبة الإسكندرية هذا الأسبوع احتفالية علمية كبرى بمناسبة مرور مائة عام على رحيل الإمام محمد عبده الذى توفى بمدينة الإسكندرية فى عام 1905.

    ألقى المؤتمر الذى استمر يومين الضوء على الجوانب المتعلقة بمنهج الأستاذ الإمام فى الإصلاح ودعوته للتجديد فى الفكر الإسلامى ومواقفه ورؤيته بالنسبة لإصلاح الأزهر والأوقاف والتعليم وقضايا المرأة والجمعيات الأهلية والمشروع الإصلاحى للإمام محمد عبده وتحديات الواقع المعاصر.. وفيما يلى أهم ما دار فى هذا المؤتمر.

    فى البداية تحدث د. إسماعيل سراج الدين مدير مكتبة الإسكندرية وقال: كان الأستاذ الإمام محمد عبده رائدا فذا من رواد الإصلاح والتنوير وعلما من أعلام الدعوة إلى التجديد على أكثر من صعيد، ليس فى مصر وحدها وإنما فى العالمين العربى والإسلامى.

    وبعد مرور قرن كامل على وفاته ما تزال أغلبية أفكاره واجتهاداته فى الإصلاح والتجديد تنبض بالحياة كأنها نبت الأمس القريب، وما تزال النخب الفكرية والثقافية والسياسية مشغولة بالقضايا ذاتها التى انشغل بها الإمام، وإذا كان الزمن قد ذهب ببعض آرائه واجتهاداته وطوتها التغيرات الاجتماعية والسياسية التى توالت على مدى القرن المنصرم.

    فلا يزال بعض آرائه واجتهاداته باقية، محتفظة بصلاحيتها للتطبيق فى الواقع الراهن، ويبقى الأمر المهم متمثلا فى مدى قدرتنا على الاستفادة من إسهاماته والمضى قدما من أجل تحقيق أهدافه التى لم يدركها فى حياته وكيف ننقلها من حيز الأمانى إلى حيز التطبيق العملى.

    وأكد د. سراج الدين أن المكتبة قامت بالترتيب لإعادة طباعة الأعمال الكاملة للإمام ومشروعه الإصلاحى لتقديمه إلى أكبر عدد من القراء، لتعريف الأجيال الجديدة بالمآثر الفكرية والثقافية والإصلاحية لواحد من أهم رواد الإصلاح والدعوة إلى التجديد فى عالمنا العربى والإسلامى خلال القرن الماضى.

    دعوته للإصلاح

    وحول المنهج الإصلاحى للإمام محمد عبده أكد المفكر الإسلامى الكبير د. محمد عمارة أن الدعوة الإصلاحية للإمام تألقت حول بدايات القرن الرابع عشر الهجرى، فى واقع حضارى تميز بسيادة الجمود والتقليد فى دوائر طلاب العلم الدينى، وهو غلو يحجب الدين والإصلاح الإسلامى عن الواقع والحياة فيخلق الفراغ الدينى الحقفى هذا الواقع، ويبعد المنهاج الإصلاحى الإسلامى عن أن يكون هو سبيل الأمة للنهضة والتقدم.

    كما تميز هذا الواقع فى ميدان التصوف بسيادة البدع والخرافات والشعوذات التى حجبت حقيقة التصوف كعلم للمجاهدات الروحية التى تهذب القلوب والنفوس والأرواح.. وكذلك تميز هذا الواقع الحضارى والفكرى بزحف النموذج الغربى فى التقدم والتحديث على الشرق الإسلامى.

    ذلك النموذج الذى وفد إلى بلادنا فى ركاب الغزوة الاستعمارية الغربية الحديثة لعالم الإسلام، وهو نموذج قد تميز بالغلو الشديد، وذلك عندما انحاز إلى عالم الشهادة رافضا عالم الغيب وإلى الدنيا فى مواجهة الدين، وإلى الفردية فى مقابلة الجماعة، وإلى الأرض فى رفضه لحكمة السماء وشريعتها، وإلى المادية والوضعية فى مقابلة الروح.

    وإلى القوة فى مواجهة العدل وإلى الصراع بدلا من التدافع، وإلى العقل فى مقابلة النقل والوجدان فملأ هذا النموذج الغربى الفضاء الفلسفى والثقافى والسياسى بحشد غفير من (الثنائيات المتناقضة) التى عبرت عن غلو التفريط المقابل لغلو الإفراط، الذى مثله الجمود والتقليد السائدان بين طلاب علوم الدين فى شرقنا الإسلامى بذلك التاريخ.

    ولمجافاة كلا الموقفين جمود طلاب علوم الدين وجمود طلاب العلوم الغربية لمنهاج الوسطية الإسلامية فى الإصلاح والنهوض كان حرص الإمام محمد عبده على تمييز منهاجه فى الإصلاح بسمة الوسطية الإسلامية الجامعة، فكتب عن تميز موقفه ومنهجه ودعوته بهذه الوسطية عن أهل الجمود والتقليد للموروث، وأهل الجمود للوافد الغربى.

    كما تحدث الإمام محمد عبده عن الوسطية التى انحاز إليها، وتميز بها منهاجه الإصلاحى وهى ليست خيارا ذاتيا وإنما هى منهاج الإسلام، الذى تميز به عن الغلو الذى أصاب أهل الشرائع الأخرى.

    وقال الإمام: (فلقد ظهر الإسلام لا روحيا مجردا ولا جسديا جامدا ، بل إنسانيا وسطا بين ذلك، آخذا من كلا القبيلتين بنصيب، فتوافر له من ملائمة الفطرة البشرية ما لم يتوافر لغيره، ولذلك سمى نفسه، دين الفطرة، وعرف له ذلك خصومه اليوم، وعدوه المدرسة الأولى التى يرقى فيها البرابرة على سلم المدنية).

    فالوسطية هى السمة المميزة للإسلام، وهى السبب الذى جعل الإسلام دين الفطرة البشرية السوية، فكان لذلك سلم الارتقاء على درب المدنية، بشهادة الخصوم قبل الأصدقاء، ولقد أفاض الأستاذ الإمام فى الحدي عن هذه الوسطية الإسلامية الجامعة فى الإصلاح بين الدين والدنيا، وذلك فى تفسيره قول الله سبحانه وتعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}.

    مشيرا إلى دلالات مجئ الحديث عن الوسطية الإسلامية فى سياق حديث عن الهداية الإلهية للإنسان {القرآن والله يهدى من يشاء}. وجاءت هذه الوسطية ثورة على شيوع الغلو غلو الإفراط والتفريط الذى ساد الشرائع والأنساق الفكرية التى سبقت الإسلام.

    عقلانية الإمام

    وأضاف د. عمارة أن الإمام محمد عبده بلور مذهبه فى العقلانية الإسلامية. كقسمة فى مشروعه الحضارى للإصلاح بالإسلام، فى مواجهة القيادات الفكرية التى انحازت إلى الغلو، ولذلك كان فقده لتيارات الغلو إزاء العقل والعقلانية إفراطا كان هذا الغلو أو تفريطا قسمة أساسية فى إبداعه العقلانى وهو الغلو النصوصى (السلفى) والغلو الباطنى (الخرافى) والغلو المادى الوضعى، والواقع المادى وحده.

    كذلك نظرية الهدايات الأربع فى مواجهة الاستقطابات الحادة فى نظرية المعرفة عند تيارات الغلو الدينى واللادينى، حيث وقف أهل المادية والوضعية فى سبل المعرفة عند العقل والحواس فقط، ووقف أهل الجمود والتقليد للموروث عند النصوص وحدها، ووقف غلاة الصوفية الباطنية عند خطرات القلوب دون سواها.

    وفى مواجهة هذا الغلو الذى سقط فيه كل هؤلاء، تفردت الوسطية الإسلامية الجامعة بالتأليف بين ما سماه الإمام محمد عبده (الهدايات الأربع)، هدايات العقل والنقل والتجربة والوجدان، التى تزامنت وتكاملت فى تحصيل المعرفة الإسلامية الشرعية والمدنية فأثمرت الثقافة والمعرفة الإسلامية المتوازنة، فبالجمع والتأليف بين هذه الهدايات تكون الثقافة والمعرفة الوسطية التى يوقف فيها العقل والقلب ويرطب فيها القلب حسابات العقول المجردة.

    وتكتشف فيها التجارب والحواس آيات الله المبثوثة فى الأنفس والآفاق كتاب الله المنظور ويضيف فيها النقل بنبأ السماء العظيم ما لا تستطيع العقول والحواس وهى نسبية الإدراك الاستقلال بمعرفته من نبأ الغيب وعوالم الإلهيات.

    ولقد أفاض الإمام عبده فى الحديث عن هذه النظرية نظرية الهدايات الأربع الممثلة للوسطية الإسلامية الجامعة فى نظرية المعرفة، وذلك عندما وقف فى تفسيره لسورة الفاتحة أمام قول الحق {أهدنا الصراط المستقيم}. فقال الهداية فى اللغة : الدلالة بلطف على ما يوصل للمطلوب

    ولقد منح الله الإنسان أربع هدايات يتوصل بها إلى السعادة وهى هداية الوجدان الطبيعى والإلهام الفطرى وتكون للأطفال منذ ولادتهم.

    والثانية: هداية الحواس والمشاعر، وهى متممة للهداية الأولى فى الحياة الحيوانية.

    والثالثة: هداية الغفل وخلق الإنسان ليعيش مجتمعا. والرابعة: الدين، يغلط العقل فى إدراكه كما تغلط الحواس.

    أهم مؤلفاته

    وأضاف د. طه أبو كريشة فى ورقته البحثية بعنوان (الإمام الشيخ محمد عبده الأديب البليغ) إن الشيخ محمد عبده له دور بارز فى النهوض بالأدب شعره ونثره، مؤكدا أنه كان له الأثر الواضح فى نهضة الأدب وقال:

    عندما نعود إلى التراث التأليفى للشيخ محمد عبده، فإننا نجد فى مقدمة ذلك دروسه التى أملاها على الطلاب عندما كان مبعدا عن مصر فى بيروت بعد الثورة العرابية، وهى الدروس التى طبعت فيما بعد فى رسالته التى تحمل عنوان (رسالة التوحيد) وهى رسالة تتناول كثيرا من القضايا العقدية التى بحثها القدماء.

    وأفاضوا فى شرحها على اختلاف مذاهبهم ومع ذلك فإن الشيخ محمد عبده عرض هذه القضايا عرضا جديدا استطاع من خلاله أن يصل إلى القلوب، وأن يؤثر فى العقول، إذ كان هذا العرض الجديد قائما على سلامة الأسلوب والصياغة، وعلى وضوح المعانى والأفكار.

    بحيث جاء هذا العرض على خلاف ما كان معهودا فى مؤلفات هذا العلم من قبل من جفاف الأسلوب، وغموض المعانى وتعقيد العبارات التى كانت تحتاج إلى الشرح والبيان وإلى تأليف شروح لهذه الشروح فيما كان معروفا تحت مصطلح الحواشى.

    ومن الشواهد الواردة فى هذه الرسالة ما جاء عن قضية (أفعال العباد) وهى القضية الشائكة التى احتدم حولها الجدل والنقاش من قديم يقول الإمام: كما يشهد سليم العقل والحواس من نفسه أنه موجود ولا يحتاج فى ذلك إلى دليل يهديه ولا معلم يرشده، كذلك يشهد أنه مدرك لأعماله الاختيارية، يزن نتائجها بعقله، ويقدرها بإرادته، ثم يصدرها بقدرة ما فيه، ويعد إنكار شئ من ذلك مساويا لإنكار وجوده فى مجافاته فى لبداهة العقل. وكما يشهد ذلك فى نفسه يشهده أيضا فى بنى نوعه كافة متى كانوا مثله فى سلامة العقل والحواس.

    ومع ذلك فقد يريد إرضاء خليل فيغضبه، وقد يطلب كسب رزق فيفوته، وربما سعى إلى منجاة فيسقط فى مهلكة، فيعود باللائمة على نفسه إن كان لم يحكم النظر فى تقدير فعله. ويتخذ من خيبته أول مرة مرشدا له فى الأخرى، فيعاود العمل من طريق أقوم، وبوسائل أحكم، ويتقد غيظه على من حال بينه وبين ما يشتهى إن كان سبب الإخفاق فى المسعى منازعة منافس له فى مطلبه، لوجدانه من نفسه ما يشتهى أنه الفاعل فى حرمانه، فينبرى لمناضلته.

    وتارة يتجه إلى أمر أسمى من ذلك إن لم يكن لتقصيره، أو لمنافسة غيره دخل فيما لقى من مصير عمله، كأن هب ريح فأغرق بضاعته أو نزلت صاعقة فأحرقت ماشيته، أو علق أمله بمعين فمات، أو بذى منصب فعزل، فيتجه من ذلك إلى أن فى الكون قوة أسمى من أن تحيط بها قدرته، وأن وراء تدبيره سلطان لا تصل إليه سلطته.

    واختتم د. طه أبو كريشة حديثه برأى شيخ مؤرخى الأدب الأستاذ الدكتور شوقى ضيف، الذى تحدث فيه عن الأثر الأدبى للشيخ محمد عبده فى النثر الحديث فقال وعلى نحو ما كان مصلحا فى الدين كان مصلحا فى الأدب واللغة، فهو الذى أخرج كتاباتنا الصحفية من الدائرة البالية العتيقة دائرة السجع وما يرتبط به من أنواع البديع إلى دائرة الأسلوب الحر السليم.

    وكان على رأس من طوعوا هذا الأسلوب ومرنوه على تحمل المعانى السياسية والاجتماعية الجديدة، فقد بسطه حتى يفهمه الجمهور، وافتن فى طرق أدائهم بتعدا عن الصيغ المتكلفة، التى لم تكن تقبل سعة.

    ومعنى ذلك أنه تطور بنثرنا من حيث الشكل والموضوع، فلم يعد يستخدم البديع الضيق الملىء بانحرافات الجناس وما يشبهه. وفى الوقت نفسه عبر بأسلوبه المرسل الجديد عن معان عصرية، فيها أثر الفكر الغربى، وفيها أثر الفصل الزمنى أو الفترة الزمنية التى عاشها فى بيئته المصرية.

    ربطه العلم بالدين

    وفى ورقته البحثية بعنوان (حول رؤية الإمام محمد عبده لعلاقة الدين بالعلم)، انتهى د. أحمد فؤاد باشا نائب رئيس جامعة القاهرة السابق إلى أن مرور مائة عام على رحيل الإمام محمد عبده لم يغير كثيرا من الأفكار التى كانت سائدة فى عصره والتى دعته إلى قضاء جل عمره داعية للإصلاح والتنوير.

    فقضايا عصره لا تزال فى الأغلب قضايا عصرنا الحاضر أيضا، ذلك أن الأمة الإسلامية تعانى اليوم من أزمة مستحكمة، ليس بسبب نقص فى قدرتها وإمكاناتها أو عجز فى مواردها وثرواتها التى حباها الله سواء فى البر أو البحر أو الجو.

    وإنما بسبب افتقادها لمنظومة منهجية متوازنة، تنطلق من مرجعية فكرية رشيدة توجه إلى حسن التعامل مع هذه الموارد والثروات من جهة ومع الآخر من جهة أخرى، وتعين على إبصار الأولويات، وتساعد على ضبط النسب المختلة.

    ففى ضوء القراءة الدقيقة المتأنية لمتغيرات العصر المتلاحقة، مع بداية الألفية الثالثة الموسومة (بألفية المعرفة) لتحدد صورة المجتمع الذى نريده فى المستقبل القريب والبعيد.

    ويقول مما يزيد من تفاقم هذه الأزمة التى تعيشها أمتنا العربية والإسلامية اليوم أن معظم المشاركين فى الحوار والتنظير لا يستطيعون الفكاك والتحرر من أسر أيديولوجياتهم الخاصة، ويتشبثون بنظريات وفلسفات وأنساق فكرية قديمة أو وافدة، سقط بعضها سقوطا ذريعا من حركة التاريخ، لأنها خالفت طبيعة الوجود الإنسانى ذاته.

    وانحرفت عن قواعد الناموس الكونى العام، وهذا من شأنه أن يؤثر سلبا على وضوح الرؤية ومعايير التقييم والمراجعة فتضيع معه جهود التصويب والإصلاح التى غالبا ما تكون ردود أفعال سريعة للأحداث.

    فتنصرف إلى معالجات مؤقتة، أو تشغل بإعادة ترميم الأشياء، أكثر مما تنصرف إلى إصلاح جذرى للإعطاب التى تلحق بالنسق الفكرى، وتنعكس على الحياة والواقع.. ويؤدى تراكمها بمرور الوقت إلى إتساع الخرق على الراتق.

    ويضيف أن أزمة الفكر الحالى ذات أبعاد متعددة، يشارك فيها مؤسسات التعليم والإعلام والتربية بصورة مباشرة وتتحكم فيها كل الموارد الفكرية والثقافية مجتمعة، ومن ثم فإن طريق الإصلاح بطبيعته سيكون طويلا وشاقا ولابد معه من الصبر والحكمة، بعد أن أصبح جدار التخلف سمكيا يحتاج إلى جهد جاهد لحث الهمم واستثارة العزائم، وخاصة أن قضايا الإصلاحات الفكرية تستغرق الكثير من الوقت فبالبحث والحوار قبل أن تتبلور الأفكار الناضجة.

    وشدد الدكتور فؤاد باشا على أن منهج الإصلاح والتنوير الذى خلفه الإمام محمد عبده يؤكد لنا اليوم أن مبدأ الاستخلاف الذى يطرحه الإسلام بحاجة ماسة إلى ترسيخ مفهومه الصحيح فى بؤرة اهتمام المسلمين باعتباره واحدا من المبادئ الإسلامية الحاكمة التى يرفضها العلم والعمل معا ليمكنا لها فى الأرض، ونظرة الإسلام الشاملة بوسطيته.

    الجامعة المحيطة لماهية الإنسان، والنافذة إلى أغوار طبيعته الإيمانية، تفسح له المجال للتعرف على حقيقة موقعه من الوجود، وتدفعه إلى الارتقاء المتوازن على طريق التقدم الحضارى بمعدلات أسرع من غيره أضعافا مضاعفة، فيحرز بذلك ما يوفر له السعادة القصوى فى الدارين.

    ويتضح فى المقابل أن تخلف الأمة علميا وتقنيا يعنى أنها تعطل أداء فريضة طلب العلم الواجبة، وأن غياب التحضر والعمران يعنى أن المجتمع لا يقوم بواجبات الاستخلاف ولا يحقق غايات الإسلام الذى ينتسب إليه.

    وجماع القول فى مذهب محمد عبده، فيما يقول الأستاذ عباس محمود العقاد رحمة الله أنه كان مذهب (المصلح الإسلامى المفكر) الذى أعطى التفكير النظرى كل حقه ولكنه أخذ منه حق العمل على الإصلاح الرشيد المستنير.

    واستخلص منه العقيدة الإسلامية خالصة من عقبات الجمود والخرافة التى تصدها عن التقدم وتقعد بها عن مسايرة الزمن والتأهب للحياة بأهبة العقل البصير والضمير الحر والكفاية الخلقية والمادية لمناهضة القوة المستطيلة عليها بسلاح العلم والمال تلك القوة التى أنزلت المسلمين فى العصر الحديث منزلة المغلوبين المستعبدين، ومن حقهم لو عرفوا دينهم حق معرفته أن يرتفعوا بأنفسهم عن مهانة الخنوع والاستعباد.

    ويقول د. باشا: إن الباحث المدقق فى المنهج الإصلاحى للإمام محمد عبده لا يجد صعوبة اليوم فى الاستفادة منه بتحديد القضايا الكبرى للأمة متمثلة فى عقيدة إيمانية يجب أن تبقى راسخة فى قلوب وعقول أبنائها، ولغة عربية يجب صونها من العجمة، ورصيد حضارى لحضارة متميزة يجب الحفاظ عليه بعد تنقيته، والإفادة منه.

    وتفوق علمى وتقنى ينبغى تحقيقه بمهارة لتوفير الأمن القومى الشامل، فهذه هى روح ما نسميه (ثقافة الإصلاح والتنمية بالعلم والإيمان). وهى الثقافة التى نحتاج إلى نشرها بكل قوة ووعى فى كل جوانب الحياة لبعث الأمة من مرقدها ولعلها دعوة لأبناء هذه الأمة أن يرفعوا رءوسهم فوق سطح الماء فى هذا المحيط العالمى الهادر، وأن يبصروا طريقهم بنور ويتبعوا صراطه المستقيم.

    الإمام مفتيا الله

    وتحت عنوان (الإمام محمد عبده مفتيا) تحدث د. عبدالله النجار عضو مجمع البحوث الإسلامية وأستاذ الشريعة بكلية الشريعة بالقاهرة.. وقال: كان الإمام الشيخ محمد عبده علما من أعلام الإسلام الذين تركوا فى مجال الإصلاح الاجتماعى آثارا بارزة تعكس مدى ما تنطوى عليه شخصية الشيخ الإمام من قوة وعلم وقدرة على العطاء وتفوق فى مجال الدعوة الإسلامية، وعلوم الشريعة.

    وخاصة ما يخدم تلك العلوم من مواد الدراسة العقلية والعلوم الحديثة التى لا يستغنى عنها المسلمون. .وقد تولى الشيخ محمد عبده منصب الإفتاء فى 3 يوليو 1899م فكساه ثوب الرفعة والجلال وجعل للمنصب شأنا ونفوذا لم يعرفا له من قبل ومتقلدا هذا المنصب إلى أن وافته المنية، وبلغت جملة الفتاوى التى أصدرها الإمام منذ تولى منصب الإفتاء فى مصر 1044 فتوى شملت شتى جوانب الحياة العملية وطوفت بجميع أبواب الفقه الإسلامى وأبرزت قدرة الإمام وتمكنه فى مجال الإفتاء والتشريع.

    وعن الخصائص المميزة لفتاوى الإمام قال د. النجار إن أول ما يستلفت التطرف فى فتاواه أنها قد بلغت حدا من التنوع والتباين ودقة الموضوع يكشف عن مكانة فقهية بارزة تقوم على الفهم الواضح لمبادئ التشريع الإسلامى الأغر، ومصادره الواضحة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والإجماع والقياس وربما تنفرد فتاوى الإمام رحمه الله تعالى باعتمادها فى التخريج على المصادر العقلية كالاستحسان والعرف والمصالح المرسلة.

    وأضاف أنه من الأمور الواضحة فى فقه الإمام، أنه تغلب عليه نزعة الاتجاه العقلى وكان ذلك أمرا اختص به الإمام، ولم يسبق فيه فالأئمة السابقون عليه لم يتح لهم حظ الاستفادة من العلوم العقلية كالمنطق والرياضة وغيرها مثل ما أتيح له وكان من الطبيعى أن يكون لتلك التنشئة أثر فى إنتاجه العلمى ومنه الفتاوى، ونستطيع أن نستشف تلك النزعة العقلية فى عدد من فتاوى الإمام محمد عبده مثل فتواه فى إباحة النحت والتصوير وتعدد الزوجات وتحريم التعامل الربوى.

    أفكاره الاقتصادية

    وفى ورقته البحثية تحت عنوان (الإمام الشيخ محمد عبده والمفكر الاقتصادى) أكد د. محمد شوقى الفنجرى عضو مجمع البحوث الإسلامية أن من يستقرئ مؤلفات الشيخ محمد عبده أو مقالاته أو تفسيره لبعض الآيات القرآنية يجد فيها الكثير من الآراء الاقتصادية.

    فضلا عن الرؤيا المتعمقة لمختلف مشكلات المجتمع وحلولها العملية، فحول مشكلة تخلف العالم الإسلامى يقول الشيخ محمد عبده: إننا إذا استقربنا أحوال المسلمين للبحث عن أسباب الخذلان لا نجد إلا سببا واحدا هو القصور فى التعليم الدينى، ذلك لأن البعد الدينى لدى الإنسان يمثل مركز الدائرة فى تكوين الشخصية، ومن هنا يمتد تأثيره إلى كل الخطوط التى تصل هذا المركز بمحيط الدائرة.

    ويضيف الشيخ الإمام محمد عبده: أن الدين بالنسبة للإنسان بمثابة (الحاسة) أو البوصلة التى لا غنى عنها، ولقد كان الإسلام مهمازا للمسلمين يحثهم على جلائل الأعمال، ومصباحا لبصائرهم يسترشدون به فى استعراف الأحوال وتقويم الأفكار، وعاطفا يعطف قلوبهم على الأمم بالعفو والرحمة وحسن المعاملة حتى رضيتهم الأرض سادة لهم وقادة لسكانها ويضيف الشيخ الإمام محمد عبده إن أعمال الإنسان تصدر عن إرادته، وإرادته تنبعث عن أرائه، وأرائه هى نتاج عقيدته وعلمه.

    فالدين والعلم مصدر الأعمال كلها دنيوية وأخروية، وسعادة الناس فى دنياهم وأخراهم لا تتحقق إلا بالإيمان والعمل، وأن حياة الإنسان تضيق أو تتسع بقدر ما يعلم ويعمل بعلمه، وأن أقوى شرط فى النجاح قوة العزيمة فيه بأن يصر الإنسان على الفوز بغرضه، فإذا ضعفت فيه ضاع نجاحه، وهذا شأن المسلمين اليوم، وإن من اكبر التقوى علو الهمة، ومن أكبرها السعى فى مصلحة الأمة ونفع الناس.

    ويؤكد الشيخ الإمام أن المشكلة ليست فى الدين، ودائما فى الفهم الخاطئ للدين وعدم ربط مبادئه وقيمه بهذا العصر، فلقد انصرفت الأذهان عن القرآن والسنة، وانحصرت الأنظار فى كتب الفقهاء على ما فيها من الاختلاف فى الآراء.

    وما تراكم عليها من الخزعبلات والفكر المتخلف الذى استمر فى الوجود واكتسب نوعا من القداسة بسبب التقليد، بحيث طمست حقيقة الإسلام المشعة البناءة وتعطلت وطنيته الأصلية كمهماز للرقى والتقدم المادى والروحى، وأنه مما يعرقل شخصية المسلم ما يشيع بين الناس (جبرية) مرفوضة و(توكل) مذموم و(سلبية) بغيضة.

    وأنه من المؤسف أن تشغل الأمة الإسلامية بقضايا هامشية كإطالة اللحى وتقصير الثياب والدفاع عن النقاب والسواك وتعدد الزوجات، بل لا يخجل الفقهاء بتعريف الزواج بأنه (عقد يملك به الرجل بضع المرأة) فينحط به غافلا التعريف القرآنى بقوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} وهو ميثاق غليظ ورباط مقدس.

    وينتهى الشيخ الإمام محمد عبده فى قضية تخلف العالم الإسلامى إلى أن سوء الفهم بين الغرب والمسلمين يكمن فى جهل الغرب بماهية الإسلام، وعجز المسلمين عن تعريف الغرب بماهية الإسلام.. والمسلمون أنفسهم ليسوا على دراية بالإسلام، سواء على المستوى النظرى، أو العلمى، أو الأخلاقى .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-12-26
  3. مراد

    مراد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-11-28
    المشاركات:
    13,702
    الإعجاب :
    2
    يا أبا الخير
    وفقك الله إلى كل خير ووقاك كل ضير
    مشاركات جيدة وحماس رائع ، غير أنك قد تلحظ عدم اهتمام الآخرين بما تنشره ، ومن أهم أسباب ذلك هو الإكثار من نشر المواضيع في قسم واحد ويوم واحد إضافة إلى الاعتماد دائماً على النقل دون الانتباه إلى طول الموضوع أو مدى الحاجة إليه ( وقته المناسب ) وغيرها من المعايير والملاحظات والتي قد تجدها وغيرها خلف الرابط التالي :
    http://www.ye1.org/vb/showthread.php?t=99052

    وهذا لا يناقض ما بدأتُ به من الإشادة بحضورك بيننا وتفاعلك ، ولك جزيل الشكر ووافر التقدير
     

مشاركة هذه الصفحة