العناية الصحية والأخطاء الطبية

الكاتب : ابــو الـخيــر   المشاهدات : 624   الردود : 0    ‏2005-12-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-25
  1. ابــو الـخيــر

    ابــو الـخيــر قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-10-21
    المشاركات:
    3,549
    الإعجاب :
    0
    العناية الصحية والأخطاء الطبية

    الكثير من الأطباء والمحامين في كافة أنحاء العالم يعملون من أجل التغلب على مشكلة الأخطاء الطبية وآثارها القانونية

    بقلم: سالي فرحات
    أغسطس 2005


    الكل يعلم أن الأغلبية الساحقة من الأطباء في العالم يتقنون عملهم ويعملون جاهدين على العناية بالمرضى على نحو جيد، بيد أن الأخطاء الطبية أمر وارد في بعض الأحيان بحكم طبيعة البشر والمضاعفات غير المتوقّعة لبعض الأدوية: تأثير غير متوقّع للدواء على المريض أو عدم القيام بإجراء الفحوص اللازمة كافة. ويقوم النظام القانوني في أميركا في مثل هذه الحالات بتعويض الضحايا وأسر الضحايا عن خسائرهم المالية وعما عانوه من فقدان لأعضاء جسدية أو فقدان لاستخدامها أو فقدان قريب أو عائل والآلام التي تصاحب كل ذلك.

    ويمكن لهذه التعويضات أن تكون أحيانا عالية القيمة، فقد تم في الآونة الأخيرة منح أسرة في ولاية واشنطن الواقعة على الساحل الشمالي الغربي للولايات المتحدة تعويضا بلغت قيمته 17.1 مليون دولار عن عطب أصاب المخ، الأمر الذي أثار جدلا واسعا في الولايات المتحدة.

    وتتسبب هذه التعويضات الكبيرة في ارتفاع تكاليف التأمين التي يسدّدها جميع الأطباء بمعدلات هائلة. ونتيجة لذلك، ترتفع تكاليف الرعاية الطبية ويتم تحميلها للمجتمع.

    ومع ذلك، يقول المدافعون عن حقوق المستهلكين والمحامون إن الأفراد والعائلات يستحقّون التعويض عما ارتكب بحقهم من أخطاء.
    ويتفق كل الأطراف على نقطة جوهرية واحدة هي أن النظام الحالي بحاجة للإصلاح.

    المشكلة على الصعيد العالمي
    يعمل المحامون والأطباء في كافة أرجاء العالم من أجل حل القضايا المتعلقة بسوء الممارسة الطبية. ففي بريطانيا وإيطاليا وأيرلندا، تتلقى امرأة شابة تفقد القدرة على الإبصار نتيجة خطأ طبي تعويضا تتراوح قيمته بين 250 ألف دولار و375 ألف دولار عما عانته من ألم وأضرار. ومن المرجح أن تتلقى امرأة شابة مثلها في الدانمارك واليونان والبرتغال والسويد مبلغا يتراوح بين 20 ألف دولار و75 ألف دولار، حسب ما يقوله ستيفن شوغارمان أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.

    ونادرا ما تتم الاستعانة بهيئات محلفين في البلدان الأخرى، الأمر الذي يسهّل إمكانية التكهّن بقيمة التعويضات. فالقضاة في معظم البلدان الأوروبية يحدّدون قيمة التعويضات بناء على ما تمّ منحه عن إصابات مماثلة في السابق.

    وفي الصين حيث باتت المحاكم أكثر تقبّلا للنظر في قضايا سوء الممارسة الطبية ومنح تعويضات للمدعي، تختلف التعويضات من مدينة لأخرى. ففي بكين، هناك سقف للتعويضات الممنوحة: 960 دولار في حالات الشلل و725 دولار في حالات الوفاة و360 في حالة الإصابة بـ"إعاقة وظيفية جسدية". لكن كانت هناك بعض الاستثناءات، فقد حكمت المحكمة العليا الإقليمية في مدينة ووهان قبل سنوات قليلة بمنح تعويض قيمته 350 ألف دولار لزوجين عن أضرار لحقتْ بدماغي وليديهما التوأمين جراء قطع التيار الكهربائي عن الحاضنتين الكهربائيتين في المستشفى. لكن عموما، تتسم التعويضات في هذه البلدان بثباتها عند مستوى ما.

    ما الذي يقوله الأطباء
    في المقابل، ما زال الجدل يدور في الولايات المتحدة وبشكل حثيث حول قيمة التعويضات. وأحد الأسباب في تفاقم المشكلة هو أن هيئات المحلفين لا تتلقى أية معلومات بشأن ما حكمتْ به هيئات أخرى في حالات مشابهة. وفي غضون ذلك، يركز الأطباء جلّ جهودهم على تفادي الأخطاء قدر الإمكان.

    يقول الدكتور فادي شمعون البالغ من العمر 34 عاما والذي درس الطب في الجامعة الأميركية في بيروت ويعمل الآن في وحدة العناية المركزة في مستشفى فيرفيو في ولاية منيسوتا: "تدرك كطبيب أنه يتعيّن عليك ممارسة الطب من منظور دفاعي".

    ويعيد شمعون صدى الحجج التي يوردها الأطباء الذين ينتهي بهم الأمر لإجراء المزيد من الفحوص مثل التصوير الكمبيوتري لمريض يعاني من صداع لضمان أن الطبيب لم يفته شيء. إلا أن هذا يؤدي إلى رفع تكاليف الرعاية الطبية. ويقوم مستشفى فيرفيو بسداد رسوم تأمين سوء الممارسة الطبية عن الدكتور شمعون. غير أن الكثير من الأطباء الآخرين مثل أخصائي الأشعة الدكتور ليونارد برلين من مركز "رَش نورث شور" الطبي في ولاية إلينوي شهدوا زيادات ضخمة في هذه الرسوم.

    يقول الدكتور برلين إنه يدفع رسوما سنوية تبلغ حوالي 40 ألف دولار سنويا، مقارنة بمبلغ 500 دولار كان يسدده حينما بدأ عمله في الستينات.
    ورغم أن تكاليف التأمين بالنسبة للأطباء في ازدياد، إلا أنها ترتفع بمعدلات أقل. ففي السنة الماضية، ارتفعت التكاليف بمعدل يتراوح بين 7% و25% مقارنة بزيادة تراوحت بين 10% و49% عام 2003، وفقا لنشرة رصد المسؤوليات الطبية التي تصدر في شيكاغو.

    وأكثر الأماكن غلاء في الولايات المتحدة من حيث رسوم تأمين الأطباء هو جنوب ولاية فلوريدا حيث يعيش ملايين المتقاعدين المسنين وحيث سدّد بعض الجرّاحين وأخصائي التوليد السنة الماضية رسوما وصلت إلى حوالي 280 ألف دولار، وفقا للنشرة.

    يقول الدكتور جون توماس رئيس الائتلاف من أجل رعاية صحية معقولة الكلفة وجديرة بالثقة: "لدينا نظام قضائي يفتقر إلى المعايير عند حساب التعويضات الملائمة لمن لحقت بهم إصابات في نظامنا الطبي. فحينما يُصاب شخص ما ويحصل على تعويض قيمته 30 مليون دولار من هيئة محلفين، فإن من يقوم بدفع المبلغ هم المستشفيات والمستهلكون وليس شركة مجهولة الهوية. إن المستشفيات والمستهلكين هم الذين يتحملون عبء هذه التكاليف في نهاية المطاف".

    حقوق المستهلكين
    ومع هذا، فليست الدعاوى في مجال سوء الممارسة الطبية شائعة بالصورة التي قد يتخيلها البعض. فالمرضى لا يترافعون في كل مرة لا يسير فيها العلاج على ما يُرام.

    يقول رَسل باليسوك المحامي المتخصص في قضايا سوء الممارسة الطبية في لوس أنجلوس: "معظم المرضى الذين يتعرضون لإصابات أو أضرار يفضلون عدم رفع دعاوى ضد الأطباء أو المستشفيات. فمعظم الناس لا يحبون الدخول في معارك قانونية. كما أن معظم الناس، خاصة أولئك من الفئات الاجتماعية الفقيرة يميلون إلى قبول ما يُقال لهم بوصفه حقيقة من حقائق الحياة".

    ولكسب قضية ما، يتعين على المحامي أن يبرهن على أن الطبيب لم يتبع المعايير العامة المقرّرة. وبعبارة أخرى، يتعيّن على المدّعي أن يبرهن أن الطبيب كان على خطأ، وأنه لو لم يقم الطبيب بما قام به لما حدثت الإصابة.

    يقول المحامي ماركوس شار من مكتب شار وروزين ووارشو للمحاماة في مدينة بالتيمور في ولاية ميريلاند: "لقد ولّدت وسائل الإعلام انطباعا لدى الناس بأنه بوسعهم رفع دعوى وكسب الملايين إذا ما كانت نتائج العلاج سلبية. غير أن إثبات ذلك مسألة غير هينة. أنا آخذ عملي على محمل الجد معتبرا نفسي متحدثا رسميا باسم هذه العائلات التي تعاني من سوء الممارسة الطبية".

    ويتلقى المصابون تعويضات عن المبالغ التي سددوها للأطباء وعن الأجور الضائعة نتيجة المرض. كما يتلقون تعويضات عن "الألم والمعاناة"، أو ما يُعرف بالتعويض المالي عن المشاق الجسدية والعاطفية. والشق الأخير هو ما يريد الكثير من المشرعين الحد منه. وكانت ولاية كاليفورنيا قد حدّدت السقف الأعلى للتعويض عن "الألم والمعاناة" بـ250 ألف دولار قبل 30 سنة.

    ويقول البعض بأن السقف الذي حدّدته كاليفورنيا أسهم كثيرا في خفض تكاليف التأمين. غير أن المدافعين عن حقوق المستهلكين يقولون إن التكاليف بالنسبة للأطباء قد انخفضت نتيجة قانون صدر عام 1988 يمنع شركات التأمين من رفع معدلات التأمين بأكثر من 15% دون جلسات استماع عامة.

    ويقول المدافعون عن حقوق المستهلكين إن الأطفال والمسنين وربات البيوت هم الذين سيتعرضون للضرر أكثر من غيرهم، ذلك أن هؤلاء لا يحقّقون دخلا ومن ثم فإن المحامين لن يترافعوا عنهم لأن المردود سيكون ضئيلا للغاية.

    يقول شار: "الادعاء بأننا نقوم برفع دعاوى رعناء أمر غير صحيح. فكل قضية تُكلّفنا في المتوسط أتعابا تتراوح قيمتها بين 50 ألف دولار و100 ألف دولار نسددها من مالنا الخاص. كما أن بعض الخبراء، على سبيل المثال، يكلفوننا 1,000 دولار في الساعة حين الإدلاء بشهادتهم".

    ما الذي يحمله المستقبل؟
    وبما أنه ليس هناك من جهة تقوم بتجميع البيانات من محاكم البلاد التي تزيد عن 15,500 محكمة. ولذا، فإن النتيجة هي حرب تقارير وإحصاءات متناقضة للتأثير على وجهات نظر الآخرين.

    على سبيل المثال، تقول جمعية المؤمّنين على الأطباء إن حجم التعويض في قضايا سوء الممارسة الطبية يبلغ في المتوسط حوالي 350 ألف دولار، في حين يقول اتحاد المستهلكين في أميركا إن المتوسط هو 108 ألف دولار وإن 70% من الحالات يتم التنازل عنها أو رفضها من قبل المحاكم دون تعويض.

    ويقول المتخصصون في هذا المجال إن الدعاوى ضد الأطباء هي مجرد عامل من عدة عوامل أدت إلى رفع تكاليف التأمين الطبي في حالات سوء الممارسة الطبية. وفي الآونة الأخيرة، طرأت متغيرات أخرى هامة أسهمت في زيادة الرسوم بما فيها تضاؤل المردود على استثمارات شركات التأمين والطبيعة المتغيّرة للمنافسة بين الشركات في هذا المجال.

    كما أن الأوضاع غير ثابتة في هذا الشأن. فقد أقرت 27 ولاية حداً أعلى للتعويضات يتراوح بين 250 ألف دولار ومليون دولار. وهناك المزيد من الولايات التي تنظر في مثل هذا الإجراء كل يوم. وفي بعض الولايات، وافقت شركات التأمين على خفض الرسوم التي يسددها الأطباء مقابل وضع حد أعلى للتعويضات.

    وتقول شركات التأمين إن وجود سقف أعلى للتعويضات لا يحمل وعدا بخفض التكاليف، بل يسهّل التوقّع في هذه الحالات.

    يقول لاري سمارّ رئيس جمعية المؤمّنين على الأطباء: "لقد أدّت الدعاوى في مجال سوء الممارسة الطبية إلى رفع رسوم تأمين المسؤولية الطبية إلى مستويات لا يقدر عليها بعض الأطباء. وهذا يحد من إمكانية وصول المرضى إلى خدمات الرعاية الصحية، ما يدفعهم إلى البحث عن أطباء ومتخصصين على مبعدة ساعات من حيث يقيمون. وقد يفقد بعض المرضى ساعات ثمينة أثناء نقلهم جوا إلى مستشفى مختلف لعدم وجود أطباء متخصصين في علاج الصدمات في أماكن إقامتهم".

    ويرد ديفيد ويليامز المؤسس المشارك لشركة ميدفارما بارتنرز، وهي شركة استشارية في مجال الرعاية الصحية مقرها بوسطن، قائلا: "إن الغالبية العظمى من ضحايا سوء الممارسة الطبية لا يقيمون دعاوى". ومع ذلك، فقد بدأ بعض الأطباء في التحوّل من شركات تأمين تجارية إلى شركات تأمين مملوكة للأطباء وبرامج تأمين ذاتية. ويؤمن ويليامز بأن التركيز ينبغي أن ينصّب على منع الأخطاء الطبية بدلا من التركيز على وضع حد أعلى للتعويضات.

    ويتساءل المحامي شار: "إذا كانوا قلقين حقا إزاء القضايا الرعناء، فما الذي سيحقّقه وضع حد أعلى للتعويضات سوى مساعدة شركات التأمين؟ أنا مؤمن حقّا بنظام العدالة في بلادنا حيث الناس مسؤولون عن تبعات أعمالهم".

    ويستمر الجدل حول ما هي أنجع السبل لحماية وخدمة من يتعاملون مع النظام الطبي في الولايات المتحدة. لكن، ومهما تكن آراء الأطراف المختلفة، فإنها تعمل جميعا بشكل جاد للوصول إلى حل لهذه المشكلة.
     

مشاركة هذه الصفحة