مبادرة المشترك اخطات ام أصابت في تشخيص أزمة الوطن:الانظمة الرئاسية معوقة للديمقراطية

الكاتب : isam2   المشاهدات : 482   الردود : 0    ‏2005-12-20
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-20
  1. isam2

    isam2 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-05-17
    المشاركات:
    1,148
    الإعجاب :
    0
    الأنظمة الرئاسية معوق للديمقراطية

    نيوزيمن- نقلا عن القدس العربي 16/12/2005م
    http://www.newsyemen.net/show_details.asp?sub_no=15_2005_12_18_7155

    * المقال للكاتب د. خالد شوكات مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي ـ لاهاي.


    تتبني غالبية الدول العربية، الجمهورية والملكية علي السواء، النظام الرئاسي الذي يضع رئيس الدولة فوق كل السلطات والمؤسسات، وذلك باستثناء لبنان الذي جعل الكعكة السلطوية ثلاثة أقسام، والعراق الجديد الذي لم تستقر ملامحه السياسية والمؤسساتية بعد، والذي كان قبل زوال حكم صدام، رئاسيا مدلهما أكثر من أي دولة عربية أخري.
    وعندما يقال نظام رئاسي، فإن المقصود به هو نظام الحكم أو النظام السياسي القائم، الذي قسمه الفقهاء الدستوريون إلي نوعين أساسيين، رئاسي وبرلماني، أما الحديث عن الملكيات والجمهوريات فمتعلق بشكل الدولة لا نظام الحكم، ولهذا فإن الأنظمة الجمهورية قد انقسمت غالبا إلي رئاسية وبرلمانية، فيما تنقسم الملكيات إلي رئاسية وبرلمانية أيضا، حيث هناك ملك يسود ويحكم ـ وذلك حال الملوك العرب، وملك يسود ولا يحكم كحال ملوك أوروبا المعاصرين.
    ومن مفارقات العرب السياسية الكثيرة، أنه لم يكن ثمة أي فرق لديهم يذكر، بين ملوكهم ورؤسائهم، بل إن مفارقة مفارقاتهم هذه أن يكون الرؤساء العرب أكثر ملكية من ملوكهم ، حيث يستبدون بسائر مؤسسات الحكم والسلطة، ويمتلكون الأرض والرقاب، ولا يتورعون في نقل الرئاسة من الأب إلي الإبن، فيما يثبت أن الثقافة السلطانية لا تزال في دنيا العرب هي السائدة، وأن ما عرفته دولهم المعاصرة من تغيير لا يعدو أن يكون مجرد تسميات مفرغة من كل معني وحقيقة.
    وإذا ما نظر في تاريخ الملوك ورؤساء الجمهوريات العرب، فإنه لم يكن ثمة فرق كبير في التعامل مع مواطنيهم، بين ملك عربي غربي الهوي ستاليني الممارسة، ورئيس عربي سوفييتي الهوي بيونيشيه الممارسة، فكلاهما، أي الملك والرئيس، وعلي الرغم من اختلاف المرجعيات والمسميات والصفات، كان يسير دفة الحكم بالطريقة ذاتها، متعسفا متجبرا قمعيا ومتجاوزا لكافة القوانين والأعراف والمؤسسات القائمة.
    ومن خبرة التجارب التي شهدتها بعض الدول العربية، التي حاولت الافتكاك من ربقة الاستبداد والديكتاتورية، فإن مجرد وجود راع رئيسي واحد لمحاولة الانتقال إلي الديمقراطية، أكان هذا الراعي رئيس جمهورية أم ملكا، عادة ما يقود إلي إفراغ العملية من محتواها، وتحويلها إلي مجرد إنجاز من إنجازات الرئاسة، قبل جعلها مفرغة من أي مضمون عملي وحقيقي لها، والاكتفاء باختزالها في ديكورات ديمقراطية تصلح لتخدير عقول البسطاء من العامة، لكنها لا ترقي بالدول إلي المستوي المرجو لها.
    وبعبارة أكثر مباشرة، فإن الخلاصة الأساسية التي يمكن الدفع بها في هذا السياق، أن إشراف أنظمة رئاسية، جمهورية أو ملكية لا يهم، علي عمليات التحول الديمقراطي، لن ينقل الدول العربية إلي حالات ديمقراطية حقيقية، و أن الأنظمة الرئاسية لا تتلاءم بطبيعتها، وخصوصا في البيئات العربية، مع مشاريع تنمية الديمقراطية وتطويرها.
    والرأي عندي أن أهم مؤشر ـ ومطلب لا مندوحة عن التمسك به ـ لقياس درجة الجدية بالنسبة لأي مشروع انتقال ديمقراطي يمكن أن يجري في أي دولة عربية، هو إجراء تعديل دستوري، يحول الأنظمة الجمهورية، إلي أنظمة جمهورية برلمانية، والأنظمة الملكية إلي أنظمة برلمانية ملكية دستورية، وبدون إجراء هذا التعديل، فإن ظل الرئيس سيظل طاغيا، إماما شاملا للدين والدنيا، بالمعني الذي شرحه تماما الماوردي في أحكامه السلطانية، وميكيافيلي في نصائحه الأميرية.
    لقد عايش التونسيون أواخر الثمانينيات تجربة تحول ديمقراطي، وعايش اليمنيون تجربة مماثلة أوائل التسعينيات، وكذا الحال بالنسبة للمغاربة والجزائريين أواخر التسعينيات، والمصريون حاليا، لكن تجارب هذه الشعوب العربية جميعها، قد انتهت ـ وستنتهي ـ إلي أحوال متشابهة، فرئيس الدولة هو المتحكم بزمام الأمور في النهاية، وإليه تجير كافة الإنجازات، وبإسمه ترفع كافة اللافتات، وإليه مصائر جميع الأحزاب والمعارضات.
    إن هشاشة الثقافة التعددية وسيطرة النزعة الأحادية والزعامتية في الفكر والسياسة في العالم العربي، إلي جانب الدور السلبي الذي يلعبه التراث الديني في مستوي نظرة العامة إلي الرؤساء والحكام، كلها عوامل تجعل من شبه المستحيل نمو أنظمة ديمقراطية ضمن أطر الحكم الرئاسية القائمة، ولهذا فإنه لا مفر من العمل علي تغيير بني الدولة العربية المعاصرة من أساسها، وتحويلها إلي بني تحتية ملائمة لتنمية تقاليد سياسية جديدة، قائمة علي إعلاء المؤسسات في مقابل الإعلاء الحالي للزعامات، وتوفير أجواء مساعدة علي التداول السلمي علي السلطة وعلي إشاعة قيم الوفاق السياسي والتحالفات الحزبية في تشكيل أجهزة الحكم والمعارضة، بدل إشاعة قيم التزلف والكذب والمهاترات.
    لقد انتهت تجارب الجمهوريات العربية تقريبا إلي مآلات متشابهة، تحولت بموجبها إلي ما يشبه الملكيات المطلقة المزورة، وهو ما أثبت أن العقلية السياسية العربية المحافظة قد انتصرت في واقع الأمر، وأن العقلية السائدة علي مستويي القمة والقاعدة، هي عقلية سلطانية شمولية، وأن عمليات الانقلاب علي الملكيات التي سادت حتي منتصف القرن العشرين، بحجة أنها نخبوية وفاسدة، لم تكن في حقيقتها سوي انقلابات ملكية، أنهت حكم عائلات مالكة عريقة بحكم عائلات قيصرية جديدة محدثة النعمة وجائعة.
    ولعله لو كتب لكثير من الملكيات العربية التي استمرت لفترات متفاوتة في النصف الأول من القرن المنقضي، البقاء لمدة أطول، لكانت تطورت في ظلها تقاليد سياسية ايجابية ، تراكمت مع الوقت في اتجاه إقامة ملكيات برلمانية ودستورية حقيقية، غير أن قدوم حكام ببزات عسكرية، جدد الدماء في عروق الملكية المطلقة، وأنهض الفكر التراثي السلطاني من سباته مجددا، ودعم نظرية الإمامة الشاملة، حتي وإن ارتدت ملابس حمراء وزرقاء ومتنوعة.
    إن سلسلة الدكتاتورية في العالم العربي، يجب أن تقطع من حلقة الرئاسة المطلقة، بصرف النظر عن شكل هذه الحلقة، جمهوريا كان أم ملكيا، فالمواطنون في الدول العربية يجب أن يتعودوا علي رؤية تقاليد سياسية جديدة، تبني فيها الأنظمة السياسية علي كتل ومراكز قوي متعددة يراقب بعضها بعضا، ويفرز بعضها بعضا، ويقف بعضها في مواجهة بعض.
    ودون حدوث تغييرات دستورية جذرية، تجعل من أنظمة الحكم العربية، أنظمة برلمانية، تنبثق فيها الحكومات عن البرلمانات المنتخبة، ويكون فيها الرئيس رمزا شرفيا للسلطة، يتمتع بصلاحيات برتوكولية ويتدخل فقط بالحسني عند حدوث الأزمات، فإن صور الرئيس وتماثيله ستظل فوق كل الرؤوس، تماما كما سيظل حزبه الحاكم أبدا، ومنافسوه في الانتخابات مجرد دمي و كراكيز تحركها الأجهزة الاستخباراتية.
    لقد شاهد العرب طيلة النصف قرن الماضي، كيف ابتلع الرؤساء بلدانهم وشعوبهم وثرواتهم، فعادت الحياة متوقفة علي إرادتهم، وعادت الأسماء الرئاسية أكثر شهرة من الراية الوطنية، وعادت بقية المؤسسات دواوين ومكاتب في حضرتهم، فهم من يعين النواب والقضاة وسائر موظفي الدولة، وهم من يمنح الحصص الإعلانية حتي تصدر الصحف والتلفزيونات، بل إن بعضهم خول لنفسه حق منح الجنسية وجوازات السفر والهويات أيضا.
    ولقد شاهد العرب كيف أن عمليات التحول والانتقال والتغيير...إلخ، من الصفات التي ألصقت بحالات الاستيلاء أو تسلم مقاليد السلطة، قد أضحت دينا في عنق الشعوب، عليها أن تدفع فوائد التمتع به من حرياتها ومعاشها ومصالحها، تماما كما أضحت مقصلة تقطع بها الرؤوس ويراق بها دم ناكري النعم وجاحدي المعروف والمتجاوزين علي الذات الرئاسية، وسمفونية سمجة لا يمل المنافقون والأفاقون وفقهاء السلطان من ترديدها.
    ولقد آن الأوان للعرب أن يقطعوا في ثقافتهم وسياستهم وأنظمة حكمهم، مع أنظمة الآلهة البشرية، وأن يدركوا بأن حكم الشعب بالشعب لأجل الشعب، لا مجال لتحقيقه إلا من خلال إعلان الحرب علي النزعة الأحادية، والايمان بأن الله قد استخلف البشر جميعا في الأرض سويا، لا شخصا واحدا يحكم بإسمه وبقدرته زيفا وعدوانا وبهتانا.
     

مشاركة هذه الصفحة