ابـــــن المقبـــــرة.. الجزء السادس..

الكاتب : Rami83   المشاهدات : 1,424   الردود : 34    ‏2005-12-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-19
  1. Rami83

    Rami83 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-11-09
    المشاركات:
    2,470
    الإعجاب :
    0
    [​IMG]

    مقــدمــة لابد منها​


    هناك الكثير من الشر في هذا العالم..
    و أنا لهذا سعيد بحق..
    فلولاه لما تذوقنا لذة الخير على الإطلاق..
    منطق غريب لكنه صحيح..!
    قد يتساءل البعض من أنا حتى أتكلم عن الشر و الخير؟
    لا.. لست راهب علم و لا حتى أستاذ فلسفة, بل أنا صحفي بسيط.. نعم بسيط إلى حد لا يُطاق.. بسيط من النوع الذي قد يجد يد مبتورة تحت ملاءة فراشة لسبب من الأسباب, أو ممن قد يفتحون صنبور الحمام ليجدوا دم بدلاً من الماء, و غيرها من تلك الأحداث البسيطة و الرائعة و التي قد تحدث للجميع..!

    أسمي (أكرم عبد الوهاب) .. طبعاً لن أتوقع أن يثير أسمي ذهولك أو إعجابك, أو تلهب كفيك بالتصفيق لمجرد سماعك إياه, إنني مضطر أن أذكر أسمي هاهنا لا على سبيل التحذلق بل من منطلق إيماني بأنه ليس أسوأ من أن لا تعرف أحداث رواية ما بقدر عدم معرفتك ببطل تلك الرواية.

    لقد عشت – بحكم طبيعة عملي- العديد من المواقف و الأحداث التي يشيب لهولها الولدان, في الحقيقة أعتقد أن أغلب ما مريت به يتعلق بنحسي الأبدي الذي يلازمني على الدوام, و ليس للصحافة يداً فيه, فلو كل صحفي يمر بما مريت به فعالم الصحافة لفي مأزق حقيقي..
    لا أدري لماذا أرى البعض منكم قد بدأ يتململ رغم أنني ما زلنا في المقدمة, لذا سأضطر آسفاً أن أدوس على نرجسيتي الكامنة في رغبتي بالتحدث عن نفسي لأدعوكم معي لنغوص مع بعض في عالمي الذي أتمنى أن يكون ممتعاً, سأحكي لكم اليوم قصة ابن المقبرة, صحيح أن الاسم مثير للهلع, إلا أنها ممتعة بحق.. على الأقل من وجهة نظري.. ماذا عنكم؟.. إجابة هذا السؤال مختبئ خلف السطور القادمة..




    1- أول الغيث قطرة... ​

    12/ 7/ 1975م

    لم تمنع حرارة شمس ذلك اليوم التي راحت تلسع الجلود أولئك الحشد من القرويين من المضي قدماً بوجوههم المكتئبة و نظراتهم الحزينة.. أربعة منهم يحملون صندوق صغير و يمشون بشكل جنائزي و تكومت مجموعة من النسوة مرتديات السواد أمام باب الدار الذي أخرج منه الرجال الصندوق الصغير و بدأن بالصراخ و العويل...
    طبعاً الأمر لا يحتاج إلى كثير من الذكاء للقول أن هذه جنازة..
    جنازة طفل بالغالب..
    واصل الرجال مسيرتهم و الحزن يكسو وجوههم...
    و هتافات بتوحيد الله تتردد من كل مكان..

    "الله يرحم إبراهيم.. لقد كان صبي رائع"

    يتعثر أحد الصبية في حفرة وهو يحاول اللحاق برفقائه الذين يركضون إلى لا مكان..

    " لقد كان الأذكى بين أقرانه"

    ينهض ذلك الصبي على ضحكات رفاقه و هو يتمتم بشيء ما..

    "يُقال أنه توفى فجأة دون سابق إنذار"

    أخذ الصبي شيئاً ما من الأرض ليرميهم به بحنق لا يخلو من الاستمتاع, بينما بقية رفاقه يعدون بلا توقف..
    و هكذا انتهت مراسم الدفن ما بين حزن الكبار و لا مبالاة الصغار, ليعود كل شخص لداره و على وجهه علامة الرضاء كونه أكمل واجبة على أكمل وجه.. و لم يدر ببال أحد منهم قط أن ما فعلوه قبل لحظات كان أشنع خطأ يرتكبونه في حياتهم..
    خطأ شنيع للغاية..

    *** *** ***​


    16/ 7/ 1995م ​

    ليلة مقمرة.. ثمة كلاب تنبح من طرف القرية.. هدوء.. نباح كلاب أخرى من الطرف الآخر للقرية و كأنها ترد على النباح السابق.. و بهذا الجو الرومانسي و الشاعري و من خلال ضوء القمر الفضي نستطيع أن نلمح ذلك الشخص الذي راح يمشي بتؤدة عائداً لداره.. فلنقترب أكثر لنرى من هو... هاااه أنه (محمد) إذاً.. و من لا يعرف (محمد) الشاب المرح حاضر الفكاهة دوماً.. كان يداعب فمه بعود خشبي صغير محاولاً انتزاع بقايا (القات) من بين ثناياه.. أرتفع صوت الكلاب من جديد.. ماذا دهى هذه المخلوقات؟.. لماذا تنبح بهذه العصبية الليلة بالذات.. واصل (محمد) طريقه.. فجأة سمع ذلك الصوت.. لا لم يكن نباحاً هذه المرة.. بل بكاء.. نعم بكاء يُصدر من مقبرة القرية التي أصبح على مقربة منها.. هنا توقف (محمد) عن المشي و تصلب جسمه في مكانه و كاد قلبه يثب من صدره هلعاً.. فهو يعرف ما معنى بكاء الطفل من مقبرة القرية.. و يعرف كذلك مصير (صفوان) الذي رغب بمعرفة كنه ذلك البكاء.. بل أن أغلب حديث (مجلس القات) اليوم كان يركز على مصير (صفوان) الذي غلبت شجاعته حذرة و الغموض المحيط بمصيره.. و الآن ماذا عليه أن يصنع؟!.. فطريق المقبرة هو الطريق الوحيد لعودته لداره, و هو غير مستعد لدخول المقبرة و البكاء مستمر.. أنتظر لمدة ربع ساعة انقضت كدهر إلا أن صوت البكاء لم يتوقف, و هكذا أيقن أن الانتظار بهذا الجو المسموم دون جدوى, لهذا توكل على الله و واصل سيره و صوت البكاء يرتفع أكثر و أكثر كلما أقترب من المقبرة.. هاهو الآن داخل المقبرة و صوت البكاء يصم أذنيه.. فجأة بدأ بالقهقهة و الضحك بصوت عالي و بدون سبب.. ضحك.. قهقهة.. لقد انفلتت أعصابه بحق.. و أثناء انفلات أعصابه فقد حذره و التفت لتلك المقبرة التي يُصدر منها البكاء.. و هنا توقف عن الضحك الهستيري.. و لم يعد قادراً على الضحك.. و السبب ببساطة هو أن الضحك ليس من الصفات التي تتسم بها الجثث الهامدة.. أتتفقون معي على ذلك؟...

    *** *** ***

    تثاءب (علي) طويلاً كأنه فرس نهر و راح يُمنّي نفسه بليلة طيبة, فلقد كان في غاية الإنهاك, فعملة بالحقل شاق حقاً لكنه راض به على كل حال.. استلقى على فراشه و بدأ خدر النوم يسري في جسده ببطء.. فجأة سمع ذلك البكاء.. بكاء طفل على الأرجح يصدر من مقبرة القرية.. كان البكاء عميق كأنه صادر من بئر إلا أنه مثير للشفقة بحق.. هنا نهض من فراشه و ارتدى (الجنبية) و همّ بالخروج, إلا أن زوجته سدت طريقه متوسلة إليه:
    - أرجوك يا (علي) تجاهل الأمر و عد لنومك!..
    إلا أن (علي) لم يكن مستعد للرضوخ لأي توسل فقال بنوع من العصبية:
    - اتركيني يا امرأة.. سأوقف هذه المهزلة التي تحدث ليلاً في المقبرة..
    تشبثت الزوجة بثوب بعلها و هي تقول بصوت أقرب إلى البكاء:
    - أرجوك أن تتعقل يا (علي).. فإن لم يكن لأجلي, فمن أجل أبنك الوحيد.. كيف سأربيه بدونك.
    - ماذا دهاك يا امرأة؟!.. أنا لن أذهب للقتال بغزوة (أُحد).. كل ما في الأمر هو أنني راغب بمعرفة ذلك الطفل المعتوه الذي يبكي ليلاً من المقبرة..
    - إنه ابن المقبرة.. لماذا لا ترغب بتصديق هذا الأمر؟
    - لأن هذا الأمر يخالف ما جاء به ديننا الحنيف.. أنا لم و لن أصدق أن أي شخص قد يعود بعد موته لينتقم ممن تسببوا بقتله.. هذا هراء.. نعم هراء..
    - ماذا عن (صفوان) هل نسيت ماذا حل به بعدما زار المقبرة ليكتشف السر؟!.. ماذا عن (محمد) هو الآخر؟.. ألم يلاقي مصير الأول؟
    - لقد كان هذا هو قدرهما.. و قدر الله و ما شاء فعل, لكن لن توجد قوة في الكون تستطيع أن تمنعني من اكتشاف هذه الألعوبة القذرة التي تحدث في مقبرة القرية..
    قالها بعصبية حقيقية و هو يدفع زوجته بعيداً عنه بقسوة و يواصل خطاه بثقة نحو المقبرة بينما كانت زوجته تشيعه بنظرات من عيون مملوءة بالدمع, فلقد كانت تشعر أن هذه آخر لحظة ترى فيها بعلها...
    و قد كانت على حق بالفعل..
    ففي الصباح وجد أحد الصبية جثة (علي) هامدة بجانب أحد القبور, و لم يلبث أن يتحول المكان إلى سرك و تزاحم الصغير و الكبير ليرى الجثة.. لم تكن ملامح جثته تختلف عمن سبقوه ذات المصير, فعينيه كانتا مشدوهتين و مذهولتين و وجهه ممتقع بشكل ظاهر بينما يظهر جزء من لسانه الأبيض الجاف ليغطي جزء من شفتيه التي كانتا جافتان تماماً و تملئهما القشور البيضاء.. كل هذه الملامح تدلل أن الوفاة كانت بسبب العطش.. لقد مات (علي) عطشاً في مقبرة القرية.. كيف؟!.. لماذا؟!.. هذا ما لا يعلمه أهل القرية الذين بدءوا يشعرون بالرعب حيال هذا الغموض الذي أحاط بمقبرتهم...
    الغموض القاتل...

    *** *** ***
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-12-19
  3. Rami83

    Rami83 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-11-09
    المشاركات:
    2,470
    الإعجاب :
    0
    الجزء الثاني

    2- صباح يوم جديد
    24/ 7/ 1995م​


    تررررررررررررررن
    تررررررررررررررن
    تررررررررررررررن​


    تباً لذلك الوحش الرابض على منضدتي و الذين يطلقون عليه اسم (الساعة المنبه), فهو لا يمل من اختطاف حبيبي (النوم) صباح كل يوم, فكلما أسمع زئيره يبدأ يوم جديد بكل حلاوته و مرارته, و غموضه...
    استيقظت في الصباح على صوت ذلك الزئير كالعادة فرحت أقوم بالطقوس الصباحية اليومية من غسل الوجه و تنظيف الأسنان و غيرها من تلك الطقوس التي ما زال أصوات أمهاتنا يرن في آذاننا ملحّاً أن نقوم بها..
    و أخيراً انتهيت من كل تلك الطقوس المعقدة التي طالما مللت منها لكنني لم أنكر يوماً أهميتها, و رحت أرتدي ملابسي على عجل خوفاً من مصيدة (زحمة المواصلات) التي تعيق حركتي دائماً و تؤخرني عن الصحيفة, فلم يعد مبرر الزحمة ملائم لمدير التحرير الذي قد سمعه عشرات المرات حتى بت أخاف من انفجاره كقنبلة موقوتة في وجهي بأي لحظة, و هكذا تجدونني أقود سيارتي إلى مقر الصحيفة فما أن وصلت حتى أيقنت أن أبشع كوابيسي سيتحقق بعد قليل, فلقد كان عقارب ساعتي تشير إلى التاسعة و الربع...
    استقبلني البواب ببرودة و سماجة كالعادة و هو يلوك ذلك الشيء الأبدي الذي يوجد في فمه دائماً..
    - صباح الخير يا عم (عبده)..
    قلتها متصنع المرح فهز رأسه بلا مبالاة بمعنى ( اذهب إلى الجحيم).. يبدو أن مزاجه اليوم ليس على ما يرام.. تجاهلت الإهانة و خطوت إلى الداخل فكان أول وجه أراه هو وجه (هاني), فما أن رآني حتى أستبشر وجهه و قال:
    - الحمد لله, لقد وصلت في الوقت المناسب.. لقد كنت ذاهب لأنده لك حسب طلب المدير الذي وصل لتوه, يبدو أن حظك رائع اليوم فلن يشعر المدير بتأخرك هذه المرة.
    - لا أعتقد أن الأمور بهذا الروعة, و السبب ببساطة هو أن مكتبه يطل على موقف سيارات الصحيفة, و هذا يعني أنه يعرف يقينياً أنني قد تأخرت من جديد.. لكن لا تقلق يا عزيزي, فلقد تعودت تأنيبه و صراخه حتى صارت فكرة عدم سماعهما في اليوم لا تُطاق..

    و ودعته و توجهت مباشرة إلى مكتب المدير, بينما هو يشيعني بنظرات من طراز ( لكم – أرثي – لحالك – يا صديقي).. و أخيراً وصلت لمكتب المدير, فطرقت الباب بحذر و توجس فسمعت صوته الأجش ينده من الداخل يسمح لي بالدخول.. و في الغرفة أدركت أن توقيت القنبلة قد أقترب كثيراً من لحظة الصفر...

    *** *** ***​


    " أين كنت حتى الآن أيها الحشرة التي تتظاهر أنها سحلية؟ "

    افتتحت يومي في الصحيفة بهذه العبارة الرائعة التي تُظهر مدى رقي و بلاغة مديري.. لا داعي أن أصف مديري لكم فهو كأي مدير آخر على هذا الكوكب ممن يمتازون بقصر القامة و خفة العقل و الذين يتباهون بشدة بكروشهم لسبب لا أدري كنهه حتى الآن.. طبعاً أنا لا أعني كل المدراء بهذا الوصف, فأنا لا أحب أن أضيف لقائمة مشاكلي دعوى من (جمعية المدراء العرب), إن كان هناك واحدة بهذا الاسم,.. على العموم كنت أتوقع سماع هذه العبارة و قد تستغربون لو أقول لكم أن مزاجه (رائق) اليوم بالفعل فلم تكن تلك العبارة أسوأ ما سمعته منه خلال مسيرة عملي في الصحيفة..
    - أنها زحمة المواصلات كالعادة يا سيدي.. أنت تعرف هذه الأمور..
    - حسناً, كنت أتوقع هذا الرد منك, فعلى ما يبدو أنك لا تهوى تغيير المبررات و لو على سبيل المجاملة..

    أي مجاملة في هذه الأمور, ألم أقل لكم أنه مختل عقلياً, لكنني رديت عليه..
    - سأحاول يا سيدي.. سأحاول..
    أستبشر وجهه و كأنما حُلَّت مشكلة المبررات المتكررة, و دعاني للجلوس, و لكم أن تروا علامات التعجب على وجهي فمن النادر أن يدعوني المدير للجلوس معه, فجلست و الفضول يقتلني لمعرفة السبب..
    - أسمعني يا (أكرم), لقد تناقشت في الأمس مع إدارة مجلس الصحيفة حول أهم الوسائل و السبل لتطوير الصحيفة, فخرج الاجتماع بعدة توصيات أهمها تخصيص صفحتين لأخبار الحوادث, فأخبار القتل, السرقة, الاغتصاب و غيرها من تلك الجرائم التي يقشعر لها البدن تستهوي القراء كثيراً و يتوقع المحللين الاقتصاديين بارتفاع عوائد الصحيفة و زيادة حصتها السوقية..
    - كلام جميل و توقعات أجمل, لكن ما علاقتي بالموضوع؟!

    جاهد المدير كثيراً و هو يحاول أن ينهض من مقعده, و أخيراً توازن و كأنه ديناصور من العصر الحجري يحاول أن يقف بعد صراع دامي مع ديناصور آخر, ثم مشى بتؤدة نحوي و جلس بالمقعد الذي يقابلني, ثم أبتسم محاولاً أن يكون ودوداً و قال:
    - في الحقيقة لقد وقع اختيار مجلس الإدارة عليك لتحرير صفحة الحوادث هذه, و أصبحت مطالباً منذ هذه اللحظة بالبحث عن الجرائم و الكتابة عنها في عدد الأسبوع القادم..
    - لكنني يا سيدي محرر الصفحة الأدبية منذ أكثر من سنة, فأنا أحب الكتابات الأدبية كثيراً ثم.. ثم إنني أحاول جاهداً أن أتفادي سؤ الحظ الذي يحالفني دائماً, و أنت تطالبني أن أبحث عن جرائم لأكتب عنها ما هذا الطلب بالله عليك؟!..
    فجأة تحولت ملامح المدير ليصير أكثر شراسة, رغم أنه يبدو مهرج في هذا الجانب الذي لا يليق به, إلا أنه بدا مخيف بحق و هو يقول:
    - و من قال إن هذا طلب.. أن هذا أمر, ثم من العار بحق أن يكون شخص مثقف مثلك أو أديب كما تحب أن تُطلق على نفسك و تؤمن بترهات كالتطير و النحس و ما إلا ذلك من هراء.. يجب عليك مباشرة عملك من هذه اللحظة و إلا…

    طبعاً جميعكم يعلم ماذا بعد إلا هذه, أقل شيء يستطيع عمله هذا المأفون هو فصلي من عملي.. لهذا وافقت على مضض و ذهبت إلى مكتبي تراودني هواجس المهام الجديدة التي وكلت بها, تاركاً المدير مزهو بانتصاره عليّ…
    و هكذا بدأت حياتي الجديدة في أكثر العوالم شراً..
    عالم الجريمة..​


    *** *** ***​
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-12-19
  5. Rami83

    Rami83 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-11-09
    المشاركات:
    2,470
    الإعجاب :
    0
    الجزء الثالث

    3- صحفي متحمس...​


    تكاثفت السحب في السماء منذرة بهطول أمطار غزيرة, بينما كنت في مكتبي أفكر بوسيلة ما لبدء تحقيقات صحفية حول الجرائم بأنواعها.. و هكذا بدأت بتدوين بعض الملاحظات على مفكرتي:
    * يجب أن أقوّي علاقتي مع أبن عمتي (علي), فعمله كضابط شرطة سيفيدني كثيراً لمعرفة آخر الجرائم حتى أكون بقلب الحدث.
    * سأنظم جدول لتمشيط الأحياء المشبوهة على أمل أن أجد أمامي جريمة تُرتكب (طازة) فيكون لي السبق الصحفي.
    * سأبتاع لي كاميرا جيدة, فطبيعة عملي الجديدة تستلزم وجود كاميرا... ثم أننا لسنا بفلم سينمائي حتى توفر لي الصحيفة مصور خاص.. فهذا الترف لا يليق بالواقع كما هو لائق بالسينما..
    * يجب أن أكون أكثر حذراً في الأيام القادمة.
    * يجب أن أكون أكثر انتباهاً عند طهي طعامي كي أدخل الطعام اللامحروق في قائمة طعامي على سبيل التغيير..

    طبعاً لم أدري ما الذي دفعني لكتابة الملاحظة الأخيرة التي لا تمت بأي صله من قريب أو بعيد لطبيعة عملي الجديد, ربما يعود السبب لنوبة الجوع التي أمر بها الآن, فكما تلاحظون أنني لم أتناول إفطاري بعد...
    و في كافتيريا الصحيفة رحت أتناول إفطاري بنهم شديد.. صحيح إن مزاجي غير رائق بسبب المستجدات في عملي.. لكن ما ذنب المعدة في كل ذلك, فلست ممن يحرمون معدتهم لمجرد أن شيء ما يعكر مزاجهم.. فلأنتهي من إفطاري ثم أستعد براحتي لعملي الجديد..
    و بعد أن انتهيت من إفطاري توجهت إلى مكتبي, لكنني ما أن وصلت حتى أتى العم (حمود) ليخبرني أن المدير يطلبني.. عجباً.. لقاءين في صباح واحد.. أنه ليوم نحسي بحق.. و هكذا تجدونني أتوجه لمكتب مدير التحرير و قرعت الباب حتى سمعت ذلك الصوت الأجش يدعونني للدخول.. فدخلت و كان بانتظاري المدير و شخص آخر يرتدي الملابس اليمنية التقليدية من (جنبية) و (كوت)... الخ و طريقة هندامه و أناقته الزائدة تدلل على أنه أحد أعيان إحدى القرى.. و عندما وصلت بالقرب منهما دعاني المدير للجلوس, فجلست بالكرسي المقابل لذلك الشخص الذي قدمه لي المدير بقوله:
    - الأخ (منصور علي محمد) أحد مواطني قرية (...)..
    غريب حقاً.. إذاً لم يصدق حدسي كونه أحد الأعيان, فلم يكن سوى مواطن عادي.. تباً لعقليتي السخيفة هذه, فهل يوجد قانون يمنع المواطن العادي من التأنق.. حسب علمي لم يصدر قانون كهذا من قبل.. نفضت هذه الخواطر السخيفة و أنا أمد يدي لمصافحة الضيف الذي كاد أن يهشم يديّ الواهنتين بيديه القويتين.. و بعد طقوس التحية المملة من شد لليدين و هز للرأس تكلم المدير أخيراً:
    - في الحقيقة يا (أكرم) لدى الأخ (منصور) قصة عن أحداث غريبة تحدث في قريته منذ أسبوعين.. على العموم ستسمع لها من لسانه..
    بدأ يحكي لي عن تلك الأحداث الغامضة التي حدثت في قريته و التي قراء تموها في الفصل الأول.. لذا أرجو أن تسمحوا لي بقليل من الوقت لسماعها من البداية.. بعد أن انتهى (منصور) من السرد بدأت أشعر بالفخ الذي يحاول مديري - الوغد- إيقاعي به, فتظاهرت بالبراءة و أنا أقول:
    - و بماذا أستطيع أن أفيدكما؟!..
    هنا أنتفض المدير كمن لدغه عقرب و قد غلبه الحماس و راح يلوح بيديه و في عينيه بريق عجيب و يقول:
    - أنه المجد يا (أكرم).. المجد.. أن خبراً كهذا سيكون سبق صحفي غير مسبوق في عالم الجريمة..
    أحسست أن المدير بدأ بنسج خيوطه العنكبوتية و يقودني كالذباب الساذج إليه ببطء, فقلت محاولاً إطفاء شعلة حماسه:
    - ألم يكن من الأولى أن نبلغ الشرطة أولاً, فثلاث جرائم قتل تحدث في قرية واحدة و خلال أسبوعين فقط و القاتل ما زال طليق.. كل هذا و لا يوجد خبر عند الشرطة..!
    هنا تدخل (منصور) بقوله:
    - أن القاتل هو ابن المقبرة فكيف – بالله عليك- سنبلغ الشرطة عن قاتل خفي..
    - لا تحاول أن تقنعني أن ابن مقبرتك هذا هو القاتل.. فأنا لا أجادل في أي شيء يخالف ما تعلمناه من ديننا الحنيف..
    ثم لوحت بيدي بعصبية و أردفت:
    - ثم.. ثم ليس هذا من تخصصكم أنتم.. كل ما عليكم هو إبلاغ الشرطة و الأخيرة ستتكفل بإيجاد الجاني.. هذا هو المنطق.. ثم أخبرني.. هل خضعت تلك الجثث للطب الشرعي؟.. هاه.. هل تم تشريحها لمعرفة سبب الوفاة؟!.. هل تعلم أن التستر على عن جريمة تعتبر جريمة بحد ذاتها يعاقب عليها القانون؟..
    كنت قد تحولت ساعتها إلى قنبلة كلامية و لم يكن ليوقفني عن الكلام إلا قنبلة نووية.. كان مديري مذهول و هو غير مصدق لما سمعه مني.. خاصة و هو لم يرى عصبيتي من قبل, أما (منصور) فكانت حالته أعظم من المدير.. فهو على ما يبدو لم يسمع من قبل عن شيء يدعى " الطب الشرعي".. أنتزع المدير نفسه من حالة الذهول المؤقتة التي طرأت عليه و هو يقول:
    - لا تقسو على الرجل يا (أكرم), فهو ليس المذنب الوحيد.. فأهل القرية قد تعاملوا مع الموقف ككل بعفوية و بساطة لا تخلو من الرهبة..
    و جلس على مقعده و واصل كلامه:
    - في الحقيقة يا (أكرم) أنه بقدر اندهاشي لعصبيتك المفاجئة و التي لم أعتدها منك من قبل إلا في غاية السعادة لأنني وجدت فيك كل هذا الحماس الزائد للعمل..
    هااااااااه... هكذا إذاً... لقد بدأ – الخبيث- باستدراجي لشبكته..
    - حسناً, سأقبل بعمل تحقيق صحفي حول تلك الجرائم لكن بشرط..
    - ما هو شرطك؟!..
    - أن نبلغ الشرطة بكل ما جرى في تلك القرية أولاً.. ثم سأحقق لك قدر ما تشاء..
    - لا.. إلا هذا يا (أكرم) .. فلو علمت الشرطة فسنفقد السبق الصحفي, فكل صحفي في المدينة سيكون على علم بالقضية.. لقد شاءت الأقدار أن يأتي (منصور) لصحيفتنا دون أي صحيفة أخرى.. فأرجوك لا تضيع علينا هذا التميز...
    قالها المدير بنوع من التضرع, إلا أن لهجته تحولت بغتة إلى الخبث و هو يردف قائلاً:
    - ثم أنك لا تصدق الأساطير.. إذاً هذه هي فرصتك لتنفي أسطورة "ابن المقبرة" هذه من أساسها, فكل ما عليك هو أن تدخل تلك المقبرة ليلاً أثناء بكاء الطفل لتعرف سر وفاة القرويين الثلاثة..
    كنت في الواقع أخاف المقابر ليلاً, فما بالكم بمقبرة تدور حولها الشكوك بأن فيها طفل يبكي ليلاً و كل من يراه يتوفى.. فلو كنت في وضع آخر لرفضت في الحال, لكن كرامتي هذه المرة تحول عن رفضي, فقلت بتحدي:
    - و ما المانع سأدخل تلك المقبرة و سألقن أبنها – إن كان لها ابن حقاً- درساً لن ينساه..
    و بهذه العبارة أقترب موعدي كثيراً..
    موعدي مع الابن..
    ابن المقبرة...​


    *** *** ***​
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-12-19
  7. Rami83

    Rami83 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-11-09
    المشاركات:
    2,470
    الإعجاب :
    0
    الجزء الرابع

    4- ابن المقبرة..

    كانت رحلة شاقة بحق.. فقرية (منصور) لا تتبع محافظة (صنعاء), بل محافظة أخرى لن أذكر اسمها.. و لا تسألوني عن السبب, فأنا أكره الأسئلة التي لا أهمية لها.. على العموم يمكنكم استنتاج تلك المحافظة بسهولة جداً و ذلك إذا استبعدتم محافظة (صنعاء) من بقية محافظات الجمهورية.. و هكذا تصبح الاحتمالات أقل.. هل رأيتم؟.. المسألة بغاية السهولة. :)
    راحت سيارتي تنهب الطريق نهباً, بينما (منصور) جالس بجانبي صامت كمومياء.. و لقد أسعدني ذلك كثيراً.. فالثرثرة هي آخر ما أتمناه هذه اللحظة... استمرت رحلتنا البائسة تحت حر الشمس حوالي أربع ساعات و فجأة تكلم (منصور):
    - أنعطف يميناً..
    فأدرت عجلة القيادة لليمين و بدأت سيارتي التي هي عبارة عن حطام سيارة تصدر أصواتاً غريبة و كأنها تعاتبني لقيادتي لها في طريق وعرة..
    - يساراً..
    - يميناً..
    - يساراً..
    بدأت أشعر بالقلق, فلقد ابتعدنا كثيراً عن المحافظة الرئيسية لتلك القرية, و هذه الطريق تبدو بلا نهاية... أكاد أقسم أنني رأيت هذه الشجرة أكثر من عشر مرات.. هل هذا اختطاف؟؟.. لا أعتقد ذلك فالاختطاف ترف لا يحصل إلا لمليونير أو سياسي أو فتاة و أنا لا أندرج تحت أي قائمة من تلك.. ابتلعت هواجسي السوداء و واصلت القيادة و أنا أتأمل (منصور) من خلال مرآة السيارة, لكن وجه كان خالي من أي تعبيرات, ثم أدرت نظري إلى عداد الوقود فبدأت أشعر بالقلق... مشكلة هؤلاء الصموتين هي أنهم لا يخبرونا بمسافة الطريق إلى قراهم كي نعمل حساب الوقود.. أتعشم أن يكفينا الوقود الموجود في خزان السيارة لمواصلة الرحلة.. و بعد نصف ساعة من السفر و الصمت الذي أصبح يقلقني أكثر مما يسعدني بدت لنا – أخيراً- القرية من بعيد.. كانت كأغلب القرى تمتاز بتقارب الدور من بعضها البعض.. أغلب الدور مبنية بالأسلوب العتيق و تختلط بها قليل من الدور المبنية بالطراز الحديث.. و عند مدخل القرية رأيت صبي يمتطي حماراً و صبي آخر يمشي على قدميه و قد توقفا يرمقاننا إلى أن توارت السيارة من نظرهما... يبدو أن هذه القرية لم تشهد غريب منذ زمن.. أخيراً وصلنا أمام دار (منصور) حيث سأقيم به خلال الفترة القادمة... في الحقيقة لقد كان (منصور) في غاية الكرم معي حتى الآن, رغم أنني بدأت أشك في أمره في البداية إلا أن حدسي لم يكن صائباً – كالعادة- .. لا داعي لوصف دار (منصور) فلست أملك ترف (بلزاك)* في وصف الأشياء.. يكفي أن أقول أنها كانت دار على قدر من النظافة.. أنا الآن منهك للغاية و الليل سيسدل ستارة بعد قليل, لذا اسمحوا لي أن أخلد إلى النوم و في الصباح سنتعرف على القرية مع بعض..
    ارتميت على الفراش كجوال من البطاطس, و رحت أغط بنوم عميق كرضيع بين أحضان أمه.. لكن هذا الرضيع لم يكن بحضن أمه تماماً.. فأنا ممن يشعرون باضطرابات بالنوم عندما أنام في مكان غريب للمرة الأولى.. لهذا تجدونني استيقظ فجأة ليلاً.. بينما الجميع نيام..
    فجأة سمعت ذلك الصوت..
    صوت أقرب لبكاء.. بكاء طفل على الأرجح..
    طبعاً كنت أعرف قصة هذا البكاء و أعرف –دون جهد- من أين يُصدر, فلم أندهش.. بل –صدقوني- أنني ارتعبت ساعتها.. و لا أعتقد أن أحد يلومني على ذلك..
    طبعاً لم أكن أملك الحماس لأخرج خارج الدار لمعرفة كنه البكاء.. فأنا لست ذلك الأحمق الذي يترك هذا الحصن المنيع لمجرد أن أروي فضول لا يرتوي, فليذهب البكاء و الباكي إلى الجحيم.. سأواصل نومي الآن و في الصباح سيكون لنا شأن آخر..

    *** *** ***

    ظلام دامس..
    كلاب تنبح من لا مكان..
    بكاء طفل يُصدر من المقبرة..
    بينما كنت أنا أمشي ناحية المقبرة بتؤدة..
    رغم التحذيرات.. ما زلت أمشي..
    ما زلت أمشي كبطل أسطورة إغريقية يدوس بقدميه كل تنبؤات العرافين ليذهب لمصيره الأسود برضاه..
    هاأنذا الآن في مقبرة القرية..
    أتوجه للمقبرة التي يُصدر منها البكاء..
    يا للهول.. ما الذي أصابني..
    أكاد أختنق.. أن العطش يكاد يقتلني..
    أنه يقتلني بالفعل..
    أني أموت.. أموت..
    "أستاذ (اكرم).. أستاذ (اكرم).. "
    هل يجب أن يموت الشخص و هو يستمع لأسمه..
    "أستاذ (اكرم).. أستاذ (اكرم).. استيقظ أرجوك"
    ما هذا الهراء ؟.. أنني أموت و هذا الصوت يطالبني بالاستيقاظ.. لماذا لا يدعونني أموت بهدوء؟..
    هنا شعرت بذلك الزلزال الذي لم يكن سوى يدي (منصور) تهزني, و هو يطالبني بالاستيقاظ.. إذاً هذا هو سر ذلك الصوت الذي أقتحم كابوسي.. استيقظت و أنا أنظر إليه ببلاهة و العرق يغمر جبيني..
    الحمد لله.. لم أمت بعد..
    - صباح الخير يا أستاذ (اكرم)..
    - صباح النور.. لو تسمح يا (منصور), أريد كوب من الماء..
    - هل هو كابوس..
    هذا ليس وقت إظهار العبقرية, فقلت له بأنفاس متهالكة:
    - نعم.. نعم.. أرجوكِ إليّ بالماء..
    نهض و صب لي ماء من (كوز) كان على إحدى النوافذ.. شربت و حمدت الله كثيراً.. أن فكرة الموت من العطش ليست محببة إطلاقاً.. اللهم نسألك حسن الخاتمة..
    كان (منصور) يرتدي ملابس الخروج.. فعلا ما يبدو أنه قد أستيقظ باكراً, أما أنا فلا أستطيع أن أستيقظ دون ساعة منبهة.. آه كم أشتاق لشقتي..
    نظرت للساعة التي كانت تشير إلى الثامنة إلا ربع.. إن الوقت متأخر بالفعل, نهضت و غسلت وجهي و هممت أن أحمل فرشاة أسناني.. فتذكرت إنني لست في شقتي.. سمعت صراخ (منصور) يدعونني للإفطار.. فتمضمضت على عجل و ذهبت..
    يا لسعادتي.. (هريش) و (سمن بلدي).. إنني حقاً محظوظ, فأنا لم أذق (الهريش) منذ آخر زيارة لأمي قبل حوالي شهرين أو ثلاثة.. فرحت أتناول الإفطار كمن لم يذق الطعام منذ أيام.. و بعد أن انتهينا قال لي (منصور):
    - و الآن ما برنامجك؟..
    - أرجو منك أن تعرفني على قريتك و أن تدعني أقابل (شيخ) قريتكم.. و من ثم سأذهب إلى المقبرة..

    قلتها و أنا أتوقع أن تكون اللحظات القادمة غير قابلة للنسيان..
    و قد كنت على حق..
    تماماً..

    *** *** ***​



    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    * هونوريه بلزاك (1799- 1850): روائي فرنسي وُلد في مدينة تور الفرنسية.. في الفترة الممتدة بين 1816 و 1819 درس القانون ثم تدرّب لدى المحامي (جيونيه دو مورفيل). بعد ذلك انتقل للعمل لدى كاتب العدل (باسيه), وتابع في الوقت نفسه دراسة الآداب والفلسفة في السوربون.
    ساهم(بلزاك) مع مجموعة من رفاقه بكتابة روايات تحت أسماء مستعارة ونُشرت باسم مؤلفات(اوراس دوسان أولان) الكاملة.. ما بين 1825 و1827 عرف مرحلة الحصول على الثروة من خلال الأعمال: ناشر ثم طابع فمؤسس مطبعة, ولكنه أفلس بسبب قضية قضائية, فعاد إثر ذلك إلى الأدب. قصته “الثوار الملكيون” حققت له بعض الشهرة. ثم كان النجاح الأكبر إثر نشر “فيزيولوجية الزواج”.. أشتهر(بلزاك) بأسلوبه في الوصف الذي كان يعتمد على الوصف البليغ و المطول لكل ما يراه..
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-12-19
  9. Rami83

    Rami83 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-11-09
    المشاركات:
    2,470
    الإعجاب :
    0
    الجزء الخامس

    5- فلنتعرف على القرية..​


    و الآن تعالوا أصدقائي لنكتشف القرية معاً كما وعدتكم.. ما رأيكم نبدأ مسحنا للقرية من دار منصور الذي يقع منتصف القرية أم نبدأ مسحنا من بداية القرية؟... ماذا؟.. حسناً.. حسناً.. أرى أن أغلبكم يرجح فكرة المسح من البداية.. و أنا أفضل ذلك أيضاً.. فلا أحب أن أفوِّت أية تفاصيل و إن كانت صغيرة.. إذاً دعونا لا نضيع وقتنا أكثر, لكن لي طلب صغير منكم.. أرجو أن تتحاشوا نظرات القرويين المتشككة إلينا.. فعلى ما يبدو أن الأحداث الأخيرة التي وقعت في قريتهم جعلتهم لا يتقبلون فكرة وجود غريب بينهم.. و كل ما أتمناه هو أن نتفادى المشاكل على الأقل في ساعتنا الأولى في القرية.. و الآن فلندع الثرثرة قليلاً و نستمع للأخ (منصور) يعرفنا على قريته:
    - في الحقيقة أخي (اكرم) أن قريتنا صغيرة و مقتل ثلاثة من رجالها ليس بالحدث الهين, لذا أرجو منك أن تعذر نظراتهم غير المرحبة.. فلو أتيت بظروف أخرى.. صدقني أنك لن تستطيع أن تهرب من الدعوات المتتالية من أهل القرية.. ثم أن..
    - صدقني يا أخي.. إنني أتفهم ذلك تماماً.. و الآن هلا عرفتنا بالقرية..
    قاطعته بنفاذ صبر, فالذباب و الحر يحاصراني من كل مكان, و لا يدعاني مستعد لتقبل أي نوع من المجاملات..
    لم يتقبل (منصور) مقاطعتي له.. فرمقني بنظرة لن أنساها طيلة حياتي.. فلأحمد الله أن النظرات لا تقتل, فلو كانت كذلك لتحولت الآن إلى جثة هامدة..
    - ما الذي تريد معرفته بالضبط..
    - أريد معرفة تقسيم المنشآت في هذه القرية..
    صمت (منصور) لبرهة.. ثم أنفجر ضاحكاً و هو يقول:
    - أنك محظوظ يا أستاذ (اكرم).. فأنا واحد من مثقفي القرية ممن نالوا قسطاً من التعليم.. فلو سمعك شخص آخر فلن يفهمك..
    - لماذا؟.. هل تكلمت بالعبرية؟..
    - لا.. السبب لأنك ذكرت مصطلح "منشآت" فلن يفهم أحد هذا المصطلح..
    - أرجو أن تكون قد فهمته أنت..
    - بالطبع.. بالطبع.. هناك ثلاثة أنواع من المنشآت في هذه القرية فهناك الجمال, الأبقار, و الماعز و...
    آآآآآآآخ.. هل ينوي هذا الشخص قتلي غيظاً.. قاطعته قائلاً:
    - عن ماذا تتحدث يا أخ (منصور)؟..
    - عن المنشآت..
    - أنت تتحدث عن الماشية لا المنشآت...
    أرتبك (منصور) و راح يضرب أخماس في أسداس لمعرفة كنه مصطلح منشآت.. في الحقيقة لقد كان الذنب ذنبي عندما استخدمت هذا المصطلح من البداية.. فحاولت إصلاح غلطتي بإعادة صياغة السؤال من جديد..
    - لا تشغل بالك يا (منصور).. أريدك أن تخبرني هل يوجد في القرية – بجانب الدور- محلات تجارية و خدمية..
    - هااااه تقصد "دكاكين"... طبعاً.. يوجد لدينا متجرين لبيع المواد الغذائية و صيدلية و صالون حلاقة.. لكن لما السؤال؟..
    تجاهلت سؤاله و أنا أسأله بدوري:
    - ماذا عن المدرسة.. هل يوجد مدرسة؟
    - آه.. بالطبع لدينا مدرسة و لدينا طلاب لكن لا يوجد مدرس واحد..
    - هل تعني أن لا أحد يدرس في هذه القرية..
    أومأ (منصور) برأسه إيجاباً...
    و كان هذا ما أحب أن أصل إليه.. هناك شخص ما أستغل جهل القرية من أجل أن يحي أسطورة "ابن المقبرة" من جديد.. لكن من هو؟.. و لماذا؟.. و الأهم من هذا و ذاك هو كيف قتل ضحاياه؟.. و هل هو واحد أم عصابة؟.. كل هذه أسئلة تحيرني بشدة و يجب أن أجد لها حلول بأقرب وقت و إلا فأن فكرة جنوني ليست بعيدة إلى هذا الحد..
    سألت (منصور):
    - و أين تقع المقبرة؟..
    - تقع المقبرة بالقرب من المحلات التجارية, بل أنها تفصل القرية عن تلكم المحلات..
    - هل يمكننا زيارتها الآن..
    - بالطبع ما دمنا في النهار و البكاء لا يُصدر إلا ليلاً..
    - فلنتوكل على الله إذاً...

    *** *** ***

    هاأنذا الآن في مقبرة القرية..
    مقبرة القرية التي شهدت مقتل ثلاثة من رجال القرية..
    مقبرة القرية التي بدأ منها الغموض..
    الغموض القاتل..
    لكن ظني خاب.. فلم تكن المقبرة تتميز بشيء معين.. لقد كانت كأي مقبرة أخرى.. مجموعة مقابر متناثرة هنا و هناك بشكل غير منظم بشواهدها الكئيبة, و هنا سألت (منصور):
    - أين هو قبر "ابن المقبرة"..
    - تعال معي..
    قالها و راح يمشي نحو قبر صغير يقع تحت شجرة كبيرة الوحيدة في المقبرة..
    عجيب حقاً..
    هل هذا القبر الصغير المسئول عن كل تلك الجرائم..
    أم أنه ضحية – إذا صح التعبير- للعبة كبيرة تُحاك في القرية...
    أن رأسي يكاد ينفجر لكل هذا الكم من الأسئلة..
    أي حماقة جعلتني أقبل هذه المهمة المقيتة..
    ثم ابتسمت بعصبية كأنني كنت أملك رفض أو قبول هذه المهمة..
    لقد كنت مجبر منذ البداية..
    هنا لمحت ذلك الكهف.. كهف ذو فتحة صغيرة, و يقع على مرتفع بجانب المقبرة.. فالتفتُ إلى (منصور) قائلاً:
    - لم تخبرني عن وجود كهف بالقرب من المقبرة..
    شحب لون وجهه حتى صار ينافس الليمون و هو يقول:
    - حاول تجاهل هذا الكهف.. أرجوووووك.. فآبائنا و أجدادنا حذرونا من دخوله.. يقولون أن أحد المردة يعيش فيه.. و بمرور السنين أصبح دخول هذا الكهف أقرب إلى الحرام..
    - تقصد أنه تحول إلى (تابوو Taboo) مقدس..
    - تباً لك أنت و مصطلحاتك هذه.. المهم أرجو أن تتجاهل هذا الكهف تماماً و إن كنت شديد الحماس فبإمكانك أن تزوره لوحدك..
    قالها بعصبية و توتر و رحل.. فتبعته و أنا أنظر إلى الكهف...
    لا أدري لماذا يراودني هاجس أن هذا الكهف يخفي الكثير..
    لهذا قراري الذي لم تسمعه سوى روحي..
    سأدخل هذا الكهف بأقرب فرصة سانحة..
    مهما كانت العواقب..

    *** *** ***​
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-12-19
  11. Rami83

    Rami83 عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2003-11-09
    المشاركات:
    2,470
    الإعجاب :
    0
    **الجزء السادس**

    6- مقبرة, كهف, و ثمة أشياء أخرى...​


    بعد زيارتنا للمقبرة توجهت مع (منصور) لنتعرف على الجزء الآخر للقرية و المتمثل بالمحال التجارية.. كان ذهني مشغول للغاية و كأن خلية نحل نشيطة تعمل فيه.. أسئلة تتصارع في ذهني و لغز جديد ينضاف إلى جعبة الألغاز التي معي.. لغز يتمثل بالكهف المحرم دخوله.. ترى أي سر يمكن أن يداريه هذا الكهف.. و هل له علاقة بكل المصائب التي حصلت للقرية في الآونة الأخيرة..

    "لقد وصلنا.."

    قطعت عبارة (منصور) حبل أفكاري.. فوجدت أمامي مجموعة من المتاجر البسيطة جداً, أما المواد الغذائية التي أخبرني عنها (منصور) أنها تُباع في هذه المتاجر فكانت عبارة عن بسكويت أكل منه الزمن و شرب و يعلم الله مدى صلاحيته و (نعناع حار) و حلويات معرضة للذباب و الكثير من تلك المواد الغذائية المفيدة كما تلاحظون.. أما الصيدلية فحدث و لا حرج.. أن تسمية صيدلية فقط من أجل الدقة التصنيفية أم لو أردتم الدقة التعبيرية فهي عبارة عن متجر **** لا يمت بأي صلة لأقل المواصفات المطلوبة لفتح صيدلية, بل أن الشمس – صدقوا أو لا تصدقوا- تجد طريقها لداخل الصيدلية و جميع الأدوية معرضة للشمس و كأنها ملابس نرغب بتجفيفها.. على العموم لم يكن في تلك الصيدلية ما يُعرض للشمس, فكل ما فيها هو عدة إسعافات أولية بسيطة و أدوية شعبية غير تخصصية.. أسمعكم تتهامسون بخبث عن مدى معرفة صحفي مثلي بالأدوية حتى يستطيع أن يقرر بأن الصيدلية تحتوي على أدوية تخصصية من غيرها.. أقول لكم أن اليمني الذي لا يعرف (البارمول) أو (الأسبرين) لهو في مأزق حقيقي.. و الصيدلية لم تكن تحتوي سواهما بالإضافة إلى المضادات الحيوية و التي نعرفها دوماً باسم (سم الجراح).. و طبعاً الأمر لا يخلو من أمبولات هنا و هناك لا أدري كنهها لكنها في الغالب مهدئات.. إذاً عرفتم سر ثقافتي الطبية.. أرجو ألا تشكو بي مرة أخرى.. اتفقنا.. على العموم التقينا بالصيدلي الذي كان من أصحاب الأربع عيون – كما أحب أن أطلق على من يرتدون العوينات- قصير القامة, أشيب الفودين, له سالفين طويلين يجعلانه أشبه بشمبانزي يحترم نفسه...
    - من؟!.. (منصور)!!.. أين كنت يا رجل؟.. لقد اشتقت إليك كثيراً..
    ضحك (منصور) حتى ظهرت ثناياه قائلاً: ( و هي – بالمناسبة- أول مرة أراه يضحك لهذه الدرجة)
    - ماذا دهاك يا رجل؟.. ألم نكن مع بعض قبل يومين؟!..
    - و هل يومين بالفترة الهينة؟.. لقد مرت عليّ كدهر كامل..

    و هنا حاولت أن أظهر بمظهر المتحضر فقلت مداعباً:
    - يبدو أن الأخ (خالد) ممن يتنفسون على العلاقات الاجتماعية..

    فنظر لي (خالد) من فوق إطار عويناته بنظرات متفحصة و كأنه يشاهد فيروس تحت مجهر, ثم ما لبث أن أنتشل نفسه من جو الملاحظة و هو يقول:
    - العفو يا أخي.. لم أنتبه إلى وجودك..
    - لا عليك.. حصل خير..

    ثم مدد يده مصافحاً و هو يعرف عن نفسه:
    - (خالد محمد أحمد).. صيدلي..
    - (اكرم عبد الوهاب).. صحفي..
    - غريب لم يزر صحفي من قبل قريتنا.. فليس فيها شيء جدير بالكتابة.. على العموم سعدت للتعرف عليك..
    - غريب!.. أليس (ابن المقبرة) جدير بالكتابة؟..

    فغر (خالد) فاه بذهول و كأنني تفوهت الآن بسر حربي خطير و هو يقول:
    - هل.. هل وصلت أخبار (ابن المقبرة) إلى المدينة؟..
    - بالطبع.. لقد سمعت الخبر من الـ(CNN) و أتيت لكي أتحقق منه..

    صمت (خالد) لبرهة, ثم أنفجر ضاحكاً بعد أن فهم دعابتي و هو يقول:
    - لم أكن أعلم أن (منصور) مراسل الـ(CNN) في قريتنا..

    ثم غمز بعينه و هو يردف:
    - لكن يبدو أنه مراسل نشيط للغاية.. أليس كذلك يا أستاذ (اكرم)؟..
    - بالطبع.. بالطبع..
    التفت (منصور) يميناً فوجد أحد المحلات التجارية مغلق, فسأل (خالد) بقوله:
    - بالمناسبة.. أين (نشوان)؟!..
    - لا أدري, فهو لم يفتح محله منذ الصباح..
    - أخشى أن يكون مريض..
    - لا أعتقد, فلقد سهرنا معاً بالأمس, و يبدو أنه أستغرق بالنوم..
    - هااااااه.. هكذا إذاً..

    و عندما هممنا بمغادرة الصيدلية, أعترض خالد..
    - إلى أين؟!.. يجب أن تنتظروني هنا حتى أذهب لإحضار المشروب الغازي..

    كنت بالفعل في أمس الحاجة لمشروب غازي, فالجو حار و خانق إلى حد لا يُطاق, إلا أن الأحمق (منصور) أعترض قائلاً:
    - لا داعي يا (خالد) فنحن على عجلة من أمرنا و يجب أن نذهب الآن..

    فاعترضت أنا بدوري..
    - أنتظر.. أنتظر يا (منصور).. أخاف أن يغضب (خالد) لو لم نقبل المشروب الغازي..
    - لااااااا.. أطمئن (خالد) قلبه كبير و سيتفهم وضعنا.. أليس كذلك يا (خالد)؟..

    هز (خالد) رأسه بذهول و هو غير مقتنع إطلاقاً, أما (منصور) فلقد جرني جراً مبتعدين عن الصيدلية, بينما كنت أنا استشيط غيظاً, فإن كان هو لا يرغب بالنعمة, فلماذا يحرمها على الآخرين؟!.. آه لكم أتمنى شرب دمه الآن لأروي ظمئي.. ابتلعت هواجسي السوداء على مضض و أنا أسأل:
    - إلى أين سنذهب الآن؟..
    - إلى دار شيخ القرية.. ألم تقل لي أنك ترغب بلقائه؟..
    - آه.. نعم.. نعم..
    كنت أرغب بسؤاله عن سبب حرماني من المشروب الغازي, إلا أنني آثرت الصمت.. واصلنا سيرنا بصمت يتخلله بعض الأحاديث الغير مهمة حتى وصلنا إلى دار شيخ القرية.. طرق (منصور) الباب الخشبي, و بعد والي دقيقتين أنفتح الباب الخشبي ليظهر باب آدمي من خلفه.. شخص طويل القامة.. عريض المنكبين.. قاسي الملامح..
    - السلام عليكم يا (وديع).. هل عمي (محمد) موجود؟.. ( يا للطرافة.. هذا الغول يُدعى وديع)..

    أجاب وديع بصوت أجش يتلاءم تماماً من حجمه..
    - لقد سافر والدي إلى المدينة لإجراء بعض الفحوصات الطبية..
    - و متى سيعود؟..
    - الليلة, إن شاء الله.. و إذا تأخر فسيكون صباح الغد هنا.. أتفضلوا
    - لا داعي, سنعود إليه صباح الغد.. مع السلامة, و العفو على الإزعاج..
    - لا عليك يا أخي.. البيت بيتك بأي وقت..

    و بهذه العبارة انتهت زيارتنا القصيرة لدار شيخ القرية... ​



    *** *** ***​


    ما أجمل غروب الشمس.. كنت أرمق الشمس من خلال نافذة غرفتي التي خصصها (منصور) لي و لأمتعتي و هي تواصل رحلة ذوبانها الأبدي خلف الأفق.. و بعد أن ساد الظلام أغلقت النافذة و جلست في الغرفة.. بدأ يداهمني شعور غامض في أعماقي, هل هو الخوف من المجهول.. أم الرغبة في اكتشاف ذلك المجهول؟.. استلقيت على ظهري و شرعت أفكر.. ما الذي
    جعلني أقحم نفسي في هذه القصة ؟ .. هل حقاً كنت مجبر من قبل مديري على عمل هذا التحقيق؟.. أم إنه ذلك الولع بالمجهول، تلك اللذة الكامنة في حكايات جدتي عن الجن و المردة التي تجعل جلودنا تقشعر فنبكي خوفاً و نطلب منها أن تتوقف و عندما تتوقف من سردها نعود و نبكي من جديد متوسلين لها أن تكمل الحكاية.. غريب هذا الإنسان بحق!.. و اليوم .. هانا ذا قاب قوسين أو أدنى من كابوس يعيش في مقبرة هذه القرية.. بل أن المطلوب مني هو اكتشاف سر بكاء الطفل القاتل في المقبرة.. و بينما كنت غارق في التفكير دلف (منصور) الغرفة و هو بملابس النوم..

    - هل نمت ؟
    - من الواضح أنني لم أفعل ..
    - هل تفكر بـ(ابن المقبرة)؟..

    هززت رأسي أن نعم.. فجلس بجانبي و ربت على كتفي و هو يقول:
    - اسمعني يا (اكرم).. لقد بدأ ضميري يؤنبني, فأنا السبب للحال الذي أنت عليه الآن.. لذا فإن لم تكن راغب بزيارة المقبرة أثناء البكاء فلك ذلك.. صدقني القرار بيدك.. و نصيحتي لك هي ألاّ تزورها..

    ابتسمت بسخرية و أنا أقول متهكماً:
    - أهنئك على نقاء ضميرك!.. أين كان هذا الضمير عندما قررت زيارة الصحيفة و إشعال جنون مدير التحرير بقصتك المجنونة هذه؟..
    - أنا أعترف إنني كنت مخطئ من البداية, و الآن بعد أن عرفت خطأي أود أن أصحح هذا الخطأ.. فلو حدث لك أي مكروه فسأعيش بقية حياتي معذب الضمير.. و أنت لا ترضى لي أن أعيش معذب الضمير بقية حياتي..
    - و أنت هل ترضى لي أن أعيش بقية حياتي و الفضول يقتلني؟..
    - هل تعني أنك مستعد لكشف لغز (ابن المقبرة)؟..
    - و لما لا؟!.. أنني مقتنع منذ البداية أن في الأمر خدعة ما و سأكشف هذه الخدعة بأقرب فرصة..
    - حسناً.. أنت و شأنك.. لكن لا تنس أنني قد نصحتك.. و لتعلم أن ضميري بريء من حماقاتك التي تزعم عملها..

    هززت رأسي بمعنى (و لا يهمك).. فتركني و هو يتمنى لي أمسية سعيدة.. واصلت تفكيري و تحليلي للموقف, و لم أشعر متى غرقت في النوم..
    و في منتصف الليل صحوت على صوت بكاء الطفل .. استغرقت دقيقة كي أفهم أين أنا ، ومن أنا ، و ماذا أفعل في الفراش .. ثم عشر ثوان أخرى و أثب من الفراش حافياً إلى باب الغرفة ... فوجدت (منصور) غافياً في غرفته.. يبدو أنه أعتاد صوت البكاء و أصبح الاستيقاظ على صوته ترف لا يحصل عليه سوى أمثالي ممن لم يتعودوا على البكاء بعد..
    البكاء متواصل..
    (منصور) نائم..
    هل أيقظه؟.. أم لا..
    فضلت عدم إيقاظه..
    فلم أعد استريح له كثيراً..
    فهو متناقض بشكل مريب..
    فشخص يتحمل مشقة السفر إلى مدينة أخرى من أجل أن يجلب صحفي يكشف غموض (ابن المقبرة), و عندما يقتربا من الهدف المنشود يبدأ بالمطالبة بإلغاء المهمة من أساسها..
    إن في هذا تناقض مريب بالفعل..
    و هكذا تجدونني أتخذ قراري..
    سأزور المقبرة..
    و بمفردي..
    أخذت مصباح اليد الصغير و فتحت الباب بحذر..
    أنفتح الباب محدثاً صريراً خافتاً..
    و ما أن خرجت و أغلقت الباب..
    حتى انفتحت عيني (منصور) بغتة و هو ينظر للباب و شبح ابتسامة ارتسمت على وجهه..
    ابتسامة تتسع أكثر..
    و أكثر.. ​


    *** *** ***​



    يــــتبع​
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-12-19
  13. المنسـي

    المنسـي قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2004-03-14
    المشاركات:
    49,862
    الإعجاب :
    4

    راااااااااااااااااااااااامي


    من اول جالس اقراها




    طيب ومع ذلك رهيبه
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-12-19
  15. الغزال الشمالي

    الغزال الشمالي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-09-15
    المشاركات:
    11,596
    الإعجاب :
    0
    منتظريييييييييييييييييييييييين البقية

    الاحداث بدأت تزداد تشويقاً

    لا تتاخر علينا يا رامي

    ورااااااااااائع كالعادة:)
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-12-19
  17. لابيرنث

    لابيرنث مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-05-11
    المشاركات:
    7,267
    الإعجاب :
    0
    اخي الحبيب رامي

    ما اسعدني برؤية قلمك مجددا .. انها نفس السعادة في كل مرة

    والقصة تزداد تشويقا .. رغم اني الومك لعرض كل الاجزاء في نفس الصفحة ( يكفي روابط ويكفي ملخص لاذع كملخصات احمد خالد توفيق :) )

    تعرف ان حلاوة قصصك اني احاول اتخيل النهاية وكأني في تنافس معك فيمن سيبتكر نهاية اروع

    وانت تفاجأني باحداث جديدة وبمسارات جديدة لم اكن اتخيلها



    نسيت اقول لك اني رحت الى دار النشر في الكويت التي توزع ما وراء الطبيعة
    واشتريت الاعداد الى 66
    بالاضافة الى العدد اللي اسمه 099#####

    لو هناك اعداد لم تقراها اخبرني عنها
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-12-20
  19. حضرمية مغتربة

    حضرمية مغتربة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-11-05
    المشاركات:
    14,712
    الإعجاب :
    0
    لاااااااااااااااااااااااااااااااااا
    اريد اعرف ايش صار
    رامي اخاف تروح وتقول يتبع وما ترجع الا بعد شهر
    بلييييييييييييييز لا تتأخر علينا ويعطيك العافية على القصة الرهييييييبة
     

مشاركة هذه الصفحة