دراسة حول الوحدة وحروب اليمن الحلقة الاخيرة

الكاتب : المتابع   المشاهدات : 459   الردود : 3    ‏2005-12-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-17
  1. المتابع

    المتابع عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-10-06
    المشاركات:
    1,928
    الإعجاب :
    0
    دراسة حول الجمهورية والوحدة وحروب اليمن الحلقة الاخيرة

    الجمعة 16 ديسمبر 2005

    (إنَّ السلطة بلا عدالة، هي سرقة كبرى) «سانت أوغسطين»

    يحرص القائمون على النظام السياسي في بلادنا،إلى حدِّ الهوس على التمسك بالشكل الجمهوري للحكم والإطراء عليه، ولعن الشكل الملكي للحكم والصاق مختلف الألفاظ القذرة به. وفي هذين الموقفين المتضادين،لا يهتم المستفيدون من النظام السياسي الحالي بجوهر شكلي الحكم(الجمهوري والملكي)، ويقتصر الاهتمام بالمظهر الخارجي لهما فقط.

    وقبل الخوض في هذا الموضوع، أريد أن أنبه القارئ الكريم، أن مهمتي هنا لا تذهب إلى المفاضلة بين شكلي الحكم هذين، أو حتى التشيُّع لأحدهما على حساب الآخر، ولكن هدفي من بحث هذه المسألة هو تفنيد وكشف الأسباب الحقيقية لموقف السلطة الحاكمة، المتمثل في حماسها للجمهورية، وتشويهها للملكية، أي نظام الإمامة.

    د. سعـودي علي عبيد




    واستناداً إلى ما تضمنه دستور الجمهورية العربية اليمنية (1970م) بخصوص رؤيته للوحدة اليمنية، فقد حاول هذا النظام تحقيق هذا الهدف بواسطة حربي (1972) و(1979) عندما شن هاتين الحربين على الجنوب، ولم ينجح. ولكنه نجح في عام 1990م في تحقيق هذا الهدف، وبواسطة الحرب أيضاً. وهذا ما أكدته أحداث حرب صيف 1994م بين الشمال والجنوب.

    ولمن تهمه هذه المسألة، فقد بحثناها بالتفصيل في دراسة مطولة غير منشورة بعنوان «الحرب اليمنية الثالثة - الأسباب والنتائج». وسوف اجتزئ من هذه الدراسة بعض الملاحظات الضرورية التي تدعم فكرتنا القائلة: (بأنَّ الوحدة بين الجنوب والشمال في 22 مايو 1990، قد تحققت بواسطة حرب الشمال على الجنوب).

    قد لا نختلف بأننا يمنيون من حيث الدم والمشاعر، ولكننا بالتأكيد لم نكن يمنيين موحدين.. ولذلك حاولنا باستمرار توحيد أنفسنا مستخدمين كافة الوسائل بما فيها الوسائل العسكرية.. وكانت آخرها الحروباليمنية الثلاث التي اشتعلت بين «الشمال» و«الجنوب» بعد أن استقر حالنا عند كيانين سياسيين، بدلاً عن دويلات.

    إن إعادة قراءة أسباب ومجريات ونتائج الحرب اليمنية الأخيرة، سوف يوصلنا إلى النتائج الهامة التالية:

    1- إنَّ «الوحدة الاندماجية» بين الشطرين، إضافة إلى أسباب أخرى، كانت سبباً هاماً ومباشراً لاندلاع الحرب اليمنية الأخيرة، وذلك عندما شعر أحد الجانبين اللذين أقاما هذه الوحدة، بأنَّ أهدافه المتوخاة من هذه «الوحدة» لم تتحقق، بمعنى أن هناك رابحاً وخاسراً من هذه «الوحدة».

    2 - إنَّ وجود طرف مستفيد وآخر خاسر من هذه الوحدة، يؤكد بأنَّ هذه الوحدة لم تأخذ المصالح المتكافئة لكلا الطرفين اللذين أقاما هذه الوحدة. وهذا يدل على أنَّ هذه الوحدة كانت ناقصة. أي أنها مشروع وحدة.

    3 - لقد وجد أحد الطرفين وهو الجانب الرابح من «الوحدة» نفسه مرغماً للدفاع عن هذه «الوحدة الاندماجية» بكافة الوسائل بما فيها الحرب للإبقاء عليها.

    4 - إنَّ المستفيد من إشعال هذه الحرب لم يكن سوى الطرف المستفيد من هذه «الوحدة الاندماجية». وبما أنَّ «الشماليين» هم المستفيدون من هذه الوحدة، فمن المنطقي أنْ يكونوا هم الذين أشعلوا هذه الحرب، والأسباب واضحة.

    5- إنَّ العودة إلى مجريات الحرب، وحرص «الشماليين» على نقل المعركة العسكرية إلى المناطق الجنوبية بتلك السرعة، يؤكد بأنهم أي الشماليين، قد تعاملوا بوعي كامل على اعتبار أن هذه الحرب، هي بين الشمال والجنوب.

    6 -إنَّ النتائج التي ذكرناها سابقاً، تدل بشكل واضح بان هذه الحرب اليمنية الأخيرة التي اندلعت في 27 إبريل 1994م، لم تكن سوى «الحرب اليمنية الثالثة» وقد بدأ بها «الشطر الشمالي» هذه المرة أيضاً. والحرص على وحدة اليمن هو سبب اندلاعها، كما هي الحال في الحربين السابقتين.

    7 - إنَّ الحربين السابقتين قد انتهتا إلى نتيجة واحدة، تتلخص بوجود «لا غالب ولا مغلوب»، أي بالتسويات السياسية بين الشطرين، كما عرفنا من سياق البحث. أما نتيجة الحرب الأخيرة، فقد انتهت بوجود «منتصر ومهزوم»، «انتصار الشمال» و«هزيمة الجنوب».

    8 - إن انهيار «الوحدة الاندماجية» بين الشطرين عند أول منعطف، لهو دليل واضح على الخلل الكامن في هذه الوحدة المتبلور في مجموعة الثغرات والنواقص التي ذكرناها في سياق الدراسةالمذكورة، وهو ما جعلنا أن نسمي ما حدث في 22 مايو 1990 «مشروع وحدة» وليس وحدة بالمعنى الحقيقي، أي أنها كانت وحدة لذاتها وليست «وحدة بذاتها». ولأنها كذلك فقد حملت معها بذور انهيارها..

    ومع أن فشل «مشروع الوحدة» يعود إلى مجموعة الحقائق الواقعية والموضوعية التي ذكرناها في سياق الدراسة المذكورة، إلاَّ أنَّ ذلك الفشل يرجع أيضاً إلى سبب معرفي، نابع من أنَّ الخطاب السياسي بصدد الوحدة اليمنية، كأي خطاب سياسي عربي معاصر، هو خطاب إشكالي ميتا واقعي (ما ورائي).

    الهدف السادس: احترام مواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والتمسك بمبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والعمل على إقرار السلام العالمي وتدعيم مبدأ التعايش السلمي بين الأمم.

    في هذه المسألة، سنقتصر على وضع عدد من الملاحظات السريعة، بهدف إبراز حقيقة تعامل نظام الجمهورية العربية اليمنية في الفترة قيد الدراسة مع القضايا المحددة في هذا الهدف.

    * أولاً: التعامل مع هذا الهدف في فترة حكم المشير عبد الله السلال (26 سبتمبر1962 - 5 نوفمبر1967م).

    بسبب العلاقة الوطيدة المعروفة، التي كانت تحكم نظام الجمهورية العربية اليمنية في عهد الرئيس السلال، بنظام الحكم في مصر، فمن المؤكد بأنَّ هناك تشابهاً كبيراً بين النظامين في مجموعة المسائل الواردة في هذا الهدف. وبالتالي فإنَّ أي تقييم للتجربة الناصرية في هذا الإطار، سيسحب نفسه على تجربة النظام الجمهوري في عهد الرئيس السلال.

    ولأن انقلاب 26 سبتمبر 1962م الذي تولَّد عنه نظام الجمهورية العربية اليمنية، هو نتاج الحرب الباردة بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية. ولأن نظام عبد الناصر قد اختار معسكر الاشتراكية، فإن نظام حكم السلال قد اختار هو الآخر الطريق ذاتها، بحكم العلاقة إياها. وبالتالي يمكننا القول، بأنَّ تطبيق هذا الهدف في فترة الحكم هذه، قد خضع بالتأكيد لأيديولوجية النظام السياسي المعني.

    ولذلك فإن احترام مواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، تبدأ من الاعتراف بهذه المواثيق والتوقيع عليها أولاً. وهذا ما لم يتحقق بالكامل، وذلك بسبب تأثير نظام عبد الناصر على نظام حكم السلال، وكذا بسبب انشغاله بالحرب مع الملكيين. أما تطبيق الجزء المتبقي من الهدف، فقد خضع هو الآخر لتأثير الأيديولوجية والقوى المتصارعة في زمن الحرب الباردة، وصراع النظام الجمهوري محلياً وإقليميا. وعلى هذا الأساس، انحاز نظام الحكم في هذه الفترة إلى المعسكر الاشتراكي وحركات التحرر الوطني،ودول عدم الانحياز، وغيرها من تلك المفردات ذات العلاقة بتلك الأيديولوجية. وفي مقابل ذلك فقد عادى وحارب بلا هوادة، معسكر (الإمبريالية وحلفائه الرجعيين). وبالطبع كانت المملكة العربية السعودية في مقدمة أعداء هذا النظام، لأسباب عديدة وفي مقدمتها مساندة المملكة للملكيين ضد النظام الجمهوري.

    مما سبق نستخلص أنَّ السياسات الخاصة بالعلاقات الإقليمية والدولية، التي طبقها نظام الحكم في عهد الرئيس السلال، ليست لها علاقة بجوهر عدم الانحياز والحياد الإيجابي، بدليل أن تلك الفترة لم تكن مستقرة على الإطلاق، ولم تتعايش سلمياً مع الداخل أو دول الجوار. وقد سقطت هذه السياسة مع سقوط الجمهورية الأولى (عهد السلال)، بفعل انسحاب الجيش المصري، والمصالحة بين الجمهوريين والملكيين.

    * ثانياً: التعامل مع هذا الهدف في فترة حكم القاضي عبد الرحمن الإرياني (5 نوفمبر1967 - 13 يونيو 1974م).

    من المعروف بأن سقوط حكم الرئيس السلال (الجمهورية الأولى)، يعني بالأساس سقوط كل الدعائم النظرية والسياسية والأيديولوجية التي قام عليها هذا الحكم، وقامت بدلاً عنه دعائم نظرية وسياسية وأيديولوجية أخرى، تكاد تكون معاكسة تماماً للأولى. وبرزت قوى سياسية جديدة تعبِّر عن جوهر الحكم الجديد.

    وفيما يختص بالسياسة الخارجية، فإن الذين كانوا أصدقاء الأمس صاروا تقريباً أعداء نظام حكم القاضي عبد الرحمن الإرياني، والعكس صحيح. فالذين يقفون في المعسكر الاشتراكي صاروا أعداء. وهم فوق ذلك شيوعيون وملحدون، إلخ. وفي الوقت الذي كانت فيه المملكة السعودية توصف بالرجعية والعدو التاريخي للشعب اليمني، صارت شقيقة وصديقة لهذا الشعب. وهكذا هي الحال بالنسبة للعلاقة مع الغرب، وفي المقدمة الولايات المتحدة الأمريكية.

    وبذلك نستخلص بأن تطبيق هذا الهدف، لم يكن بأحسن حالٍ مما كان عليه في زمن الجمهورية الأولى، إن لم يكن أسوأ. كما أن جبهات الصراع، قد انتقلت من المناطق الشمالية للجمهورية العربية اليمنية ومناطق التماس مع السعودية،إلى المناطق الوسطى من الجمهورية ومناطق التماس مع جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية.

    * ثالثاً: التعامل مع هذا الهدف في فترة حكم الرئيس إبراهيم محمد الحمدي.

    مع أننا لسنا هنا بصدد تقييم شامل لفترة حكم الرئيس إبراهيم الحمدي، لأن ذلك لا يدخل في صلب موضوعنا هذا، إلا أننا سنذهب بعيداً مع الذين يعتقدون أن حركة إبراهيم الحمدي، هي بمثابة حركة تصحيحية لأوضاع سيئة مركبة (سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية وغيرها)، كان يعيشها النظام الجمهوري في عهد حكم القاضي الإرياني. ولهذا السبب أطلقوا على فترة حكم الرئيس الحمدي بالجمهورية الثالثة. ولأن حركته رفعت شعارات، ووضعت أهدافاً كبيرة للإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري. وهذا أيضاً لا يهمنا هنا. ولكن ما يهمنا هو ما يخص السياسة الخارجية وتطبيقاتها في فترة حكم الرئيس الحمدي. وفي هذا الاتجاه، وضع الرئيس الحمدي نصب عينيه عدداً من المهمات ذات علاقة بالهدف السادس.

    لقد استوعب الرجل بأن هناك علاقة وثيقة بين تحقيق الاستقرار الداخلي والعلاقة مع دول الجوار. وفي هذا الاتجاه استهدف الرئيس الحمدي تصحيح مشكلتين في حكم القاضي الإرياني. الأولى تتحدد بالعلاقة السيئة مع الدولة اليمنية في الجنوب، وانعكاس ذلك على الأوضاع السياسية والأمنية في المناطق الوسطى من الجمهورية العربية اليمنية. وكانت نتيجة ذلك تفجير الحرب الأولى ضد الجنوب (1972م). وقد نجح الحمدي في حل هذه المشكلة. وحصل تقارب كبير بين النظامين في الجنوب والشمال.

    أما المشكلة الثانية فتتمثل في حالة الفوضى العارمة التي عاشها عهد القاضي الإرياني. وقد تعددت أسباب تلك الفوضى، بانعدام الثقة بين فرقاء الحكم حينئذٍ، مثل الخلاف بين رئيس المجلس الجمهوري، القاضي الإرياني من جهة وبقية أعضاء المجلس من جهة أخرى، والخلاف بين رئيس المجلس الجمهوري ورئيس مجلس الشورى، الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، والخلاف بين القاضي الإرياني ورئيس مجلس الوزراء، الأستاذ محسن العيني الذي قدم استقالته لصالح القاضي عبد الله الحجري، الذي قدم استقالته هو الآخر بعد ذلك في مارس 1974م.

    لقد فسر الكثيرون من المتتبعين لأوضاع الجمهوري العربية اليمنية في تلك الفترة، المتمثلة في تفاقم تلك الخلافات وما نتج عنها من فوضى عامة، إلى الارتباطات المتعددة التي أنشأها كل فريق من فرقاء الحكم وكبار المشائخ بالقوى الخارجية المحيطة بالجمهورية العربية اليمنية، وعلى وجه الخصوص المملكة العربية السعودية، أو ما كان يطلق عليها بسياسة التدخل السعودي في الجمهورية العربية اليمنية. وذلك مفهوم تماماً بعد أن لعبت المملكة دوراً كبيراً في عملية المصالحة بين الجمهوريين من جهة وبعض عناصر الملكيين، وكتعويض عن حالة الصدام مع الجمهورية الأولى في عهد الرئيس السلال (1962 - 1967م).

    ولحل هذه المشكلة، رأى الرئيس الحمدي ضرورة حل مشكلة تعدد العلاقات مع المملكة باتجاه توحيد هذه العلاقة، بحيث تكون بين الدولتين ممثلة بالأطر الرسمية.

    وعلى النهج ذاته عمل الرئيس الحمدي على خلق علاقات دولية متكافئة مستقلة مع مختلف البلدان والتجمعات الإقليمية والدولية.

    ومع أهمية ما قام به الرجل فيما يخص هذا الهدف، إلا أن تعقيدات العملية السياسية في الجمهورية العربية اليمنية، وتداخلاتها وتشابكاتها مع الخارج، كانت أحد الأسباب الهامة التي أودت بحياة الرئيس الحمدي على ذلك النحو الدراماتيكي وغير الأخلاقي، والمتعاكس حتى مع قيم وأعراف القبيلة اليمنية التي يتباهى بها الكثيرون في اليمن.

    * رابعاً: التعامل مع هذا الهدف في عهدي الرئيس أحمد حسين الغشمي والقاضي عبد الكريم العرشي.

    من المعلوم بأن عهد الرئيس الغشمي بالحكم لم يستمر سوى فترة وجيزة جداً (12 أكتوبر 1977- 24 يونيو 1978م)، وأن القاضي العرشي لم يحكم سوى أيام معدودات (24 يونيو 1978 - 17 يوليو1978م).

    ولذلك فإن ملامح هذين العهدين لم تتبلور، ليس فقط في السياسة الخارجية، بل وحتى في السياسة الداخلية. وبالتالي يمكن اعتبار هذه الفترة، هي الفترة الضرورية التي اختارتها القوى المستفيدة من اغتيال الرئيس إبراهيم محمد الحمدي.

    التعامل مع هذا الهدف في عهد الرئيس علي عبد الله صالح (17 يوليو1978- 21 مايو1990م).

    بغض النظر عن الجهة التي نفذت عملية اغتيال الرئيس الغشمي -لأن ذلك ليس موضوعنا - فمن المؤكد بأن تلك القوى التي تضررت من سياسات الرئيس الحمدي، قد استفادت من تلك الحادثة أو عملت على استغلالها واستثمارها باتجاهات مختلفة. وما يهمنا هنا هو العلاقات مع الخارج، أو ما يختص باتجاهات السياسة الخارجية.

    وبعكس الرئيس الحمدي، فقد سلك الرئيس علي عبد الله صالح سلوكاً متطرفاً في العلاقات الخارجية، أكان مع النظام في الجنوب، أو في علاقاته الإقليمية والدولية.

    فيما يخص العلاقة مع الجنوب، فقد عمل علي عبد الله صالح على توتير الأجواء السياسية مع عدن، بدءا من اتهام الحكام الجنوبيين بتدبير حادثة الاغتيال. حتى وإن استند ذلك على التكهنات والتخمينات، وليس على الأدلة والبراهين المحققة.

    وقد استغل النظام في الشمال حادثة اغتيال الغشمي، باتجاه عزل النظام في الجنوب بواسطة نتائج اجتماع مجلس الجامعة العربية (1-2 يونيو 1978م) الذي حضره مندوبو بعض الدول العربية المتعاطفة مع النظام في شمال اليمن، وتغيبت عنه دول أخرى متعاطفة مع الجنوب. وقد اتخذ هذا الاجتماع قراراً أدان فيه حكومة الجنوب وحملها جريمة اغتيال الرئيس الغشمي. ومن المؤكد بأن ذلك يعبِّر عن موقف سياسي صرف. كما انطوى القرار على قطع العلاقات الدبلوماسية مع حكومة عدن، ووقف المعونات والمساعدات الاقتصادية معها. وقد لعبت السعودية دوراً كبيراً في مساندة حكومة الشمال في موقفها ذاك.

    وفي الاتجاه نفسه،أخذت حكومة الشمال في تصعيد مواقفها ضد الجنوب باتجاهات مختلفة. حيث عملت على تجميع وحشد العناصر الجنوبية المناوئة لنظام عدن، وتعبئتها عسكرياً بهدف إسقاط النظام هناك. كما تم تشكيل حكومة منفى للجنوب. كما تم تنشيط العمل الإعلامي والإيديولوجي ضد نظام عدن. واتهم بالشيوعية ونشر الماركسية في المنطقة. كما تم إنشاء إذاعة موجهة ضد الجنوب باسم (صوت الجنوب الحر).

    وفيما يخص العلاقة مع المحيط الإقليمي، فقد وطد نظام صنعاء علاقاته مع المملكة السعودية. حيث أبرمت حكومة صنعاء اتفاقاً عسكرياً، لشراء أسلحة حديثة من الولايات المتحدة بقيمة (390) مليون دولاراً بتمويل من السعودية. وقد حُدد تسليم هذه الأسلحة في أوائل عام 1979م. وهو ما يؤكد علاقة هذه الصفقة بشن الحرب على الجنوب في فبراير من العام نفسه، بهدف إسقاط الحكم في الجنوب.

    كما استغل نظام صنعاء حادثة اغتيال الرئيس الغشمي، لشق صف التضامن العربي. حيث انقسمت الدول العربية بين مؤيد ومعارض لنظامي الحكم في اليمن.

    كما ذهب نظام علي عبد الله صالح بعيداً في شططه، عندما أعلن مشاركته في الحرب العالمية ضد الشيوعية العالمية. وفتح معسكرات لتجنيد الشباب اليمني للحرب في أفغانستان ضد الجيش السوفيتي هناك. وفي ذلك فقد أعلن الولاء للغرب بشكلٍ عام، وأمريكا بشكلٍ خاص. ومعروف بأن الحرب الأفغانية، كانت أساساً حرباً بالوكالة لصالح الولايات المتحدة الأمريكية.

    وفي 22 مايو 1990م كنا نأمل أن نتجاوز ذلك الإرث السيئ الذي خلفه النظامان الاستبداديان الشموليان في الشمال والجنوب في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إلاَّ أنَّ ذلك الحلم قد تبدد كلياً عندما شن الشمال الحرب ضد الجنوب في صيف 1994م. وقد عدنا بذلك إلى مربع نظام (الجمهورية العربية اليمنية) بكلِّ مساوئه التي تعرفنا عليها في سياق دراستنا هذه. كما أعدَّ الباحث دراسة أخرى مطولة بعنوان «جوهر النظام السياسي في الجمهورية اليمنية»، درسنا فيها ملامح النظام السياسي الناتج عن حرب 1994م، كما بينَّا فيها أكذوبة وجود نظام ديمقراطي أو حتى هامش ديمقراطي في اليمن.

    ولمتطلبات هذه الدراسة التي بين أيدينا، لا بد من التذكير سريعاً بأهم خصائص النظام السياسي الراهن، المتمثلة في الآتي:

    1- نظام سياسي يفتقر إلى الوحدة الوطنية في أبسط درجاتها. حيث تم إخراج الجنوب من تكوين دولة الوحدة، وتم تهميش الجنوبيين وانتقصت مواطنتهم، وصار الجنوب من أقصاه إلى أقصاه ساحة للنهب.

    2- استمرار الحكم الشمولي في اليمن. حيث نجد أن علي عبد الله صالح ما زال ممسكاً بدفة الحكم كرئيس للجمهورية منذ 17 يوليو 1978م (الجمهورية العربية اليمنية) حتى اللحظة 2005م (الجمهورية اليمنية)، أي نحو 27 عاماً. وهو ثاني أطول رئيس دولة في الحكم بعد العقيد معمر القذافي. وفوق ذلك كله فالمؤشرات كلها تأكد أن علي عبد الله صالح يمهد لتوريث الحكم لإبنه. أي تحويل نظام الحكم الجمهوري إلى نظام ملكي. ولا تهم التسمية.

    3- تم تحويل مؤسسة الدولة وما تحويها من مرتكزات سياسية واقتصادية إلى مِلكية شخصية للحاكم وأسرته.

    4- غياب فاعلية المؤسسات العامة للدولة، التشريعية والتنفيذية والقضائية وعدم وجود استقلالية فيما بينها، وذلك بسبب استحواذ رئيس الدولة على معظم مهامها وصلاحياتها واختصاصاتها. فرئيس الدولة ينافس السلطة التشريعية مهامها واختصاصاتها، وفوق ذلك يستطيع أنْ يعطِّـل نشاطها بحكم الدستور. ورئيس الدولة هو مَنْ يختار رئيس الحكومة ويعين أعضاء الحكومة. وهو رئيس مجلس القضاء الأعلى وهو الذي يصادق على أحكام الإعدام. وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ورئيس مجلس الأمن القومي. وقبل ذلك وبعده، فإن رئيس الدولة قد مُنح مهاماً وصلاحيات واختصاصات تنفيذية واسعة بحكم التعديلات الواسعة التي مست دستور دولة الوحدة بعد حرب 1994م. وما خُفي كان أعظم.

    5- لدينا مؤسسات عسكرية وأمنية واستخباراتية متنوعة بدون وظيفة دفاعية، خاصة وأنَّ النظام السياسي قد أمَّنَ نفسه كلياً من الأخطار الخارجية. وبالتالي فقد تحولت كلُّ هذه المؤسسات المذكورة إلى عبء ثقيل على كاهل الشعب، وتحولت إلى عامل استنزاف لميزانية الدولة بشكل خاص، والاقتصاد الوطني بشكلٍ عام.

    6- برغم الثروات الكبيرة والمتنوعة التي تمتلكها اليمن (طبيعية وزراعية وسياحية وغيرها)، ناهيك عـن المقومات البشرية المتوافرة، إلا أنَّ ذلك لم ينعكس إيجابيا على الشعب. وهذا ما تبين لنا جلياً من خلال تلك المؤشرات التي تضمنتها هذه الدراسة.



    الخلاصة

    * إذا كانت حالة النظام الجمهوري اليوم، هي على هذا المستوى من النكوص: فشل في سياسات التنمية، وزيادة في معدلات الفقر والفقراء، وارتفاع في البطالة، وضعف كبير في التنمية البشرية!!

    * وإذا كانت حالة تحقيق الأهداف الستة للثورة والنظام الجمهوري على هذا المستوى من النكوص والفشل بعد مرور 43 عاماً!!

    * وإذا كان الشعب اليمني طوال الفترة المذكورة، لم يتمكن من حكم نفسه بنفسه!!

    * وإذا كنا لم نرَ من النظام الجمهوري سوى شكله الخارجي فقط!!

    * وإذا كان النظام الجمهوري، وبعد 43 عاماً لم يستطع أن يحقق تلك المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية التي حققتها بلدان الجوار، ولو في حدها الأدنى!!

    * وإذا كان النظام الجمهوري، هو على هذا النحو والمستوى من السوء! فلماذا يحرص القائمون على النظام السياسي في بلادنا على التمسك بالشكل الجمهوري للحكم والإطراء عليه والدفاع عنه باستماتة من ناحية، ولعن الشكل الملكي(الإمامي)، وإضفاء مختلف الألفاظ السيئة عليه؟؟

    وإذا عدنا مرة أخرى إلى ثنايا دراستنا هذه، ورصدنا كلَّ ما حصده هؤلاء القائمون على النظام السياسي الراهن: من سلطة ومكاسب ومزايا وثروة هائلة من أموال سائلة وعقارات في داخل البلاد وخارجها. عندها فقط سندرك جيداً الإجابة على سؤالنا الذي افتتحنا به هذه الدراسة.

    حرب 94 أعادتنا الى مربع الجمهورية العربية اليمنية بكل مساوئه..

    النظام السياسي الراهن يفتقر الى الوحدة الوطنية..
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-12-19
  3. ابو عصام

    ابو عصام قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-07-21
    المشاركات:
    3,772
    الإعجاب :
    0
    اين الحلقات السابقة يامتابع حتى يكتمل الموضوع
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-12-19
  5. مشتاق ياصنعاء

    مشتاق ياصنعاء مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2005-03-02
    المشاركات:
    22,338
    الإعجاب :
    766
    نعم أين الحلقات السابقة
    لعل واقع الحال يقول



    خلل فني خارج عن إرادتنا
    سنواصل بعد فاصل إعلاني
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-12-19
  7. abbad4004

    abbad4004 عضو

    التسجيل :
    ‏2004-12-18
    المشاركات:
    91
    الإعجاب :
    0
    البحث عن مراجع وموضوعات مفيده حول الصراعات السياسية في اليمن

    الشكر الجزيل لك أخي على هذا الموضع الشيق . كما يسرني أن أعلمكم أن لي أحد الآصدقاء يقوم بكتابة بحث عن الصراعات السياسية في اليمن ولدي الرغبه في مساعدته في هذا البحث وإذا كان في وسعكم المساعة أركو أن ترسل لي بكل ما كتبت على الإيميل التالي abbad4004.hotmail.com ولك مني خالص الحب والإمتنان
     

مشاركة هذه الصفحة