حدود النفاق!!!!!!

الكاتب : زين الحسن   المشاهدات : 223   الردود : 0    ‏2005-12-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-17
  1. زين الحسن

    زين الحسن عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-11-16
    المشاركات:
    421
    الإعجاب :
    0
    حدود النفاق

    من بين العناوين القرآنية التي تركِّز على بعض المظاهر السلبية التي يُمكن أن يقع فيها المؤمنون، عنوانُ اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وذلك بأن يتركوا للكافرين تدبير أمورهم وتخطيط أوضاعهم، انطلاقاً مما يملكه هؤلاء الكافرون من الخصائص والامتيازات والمعلومات، فيتركون لهم إدارة الواقع الإسلامي، بينما لا ينفتحون على المؤمنين الذين قد يملكون بعض القيادات الحكيمة والخبيرة، إذ يرون أنّ الكافرين يملكون ما لا يملكه المؤمنون من الفرص والامتيازات والمواقع المتقدّمة في السلطة أو في المال أو في الجاه، ممّا تنفتح عليه أطماعهم وطموحاتهم الذاتيّة أو الفئويّة، فيتقرّبون إليهم ليحصلوا على مواقع العزة عندهم؛ لأنهم يشعرون بنقاط الضعف أمام الكافرين، ولا يعيشون العزّة في أنفسهم، هذا في الوقت الذي أراد الله للمؤمنين أن يعيشوا العزة من خلال إيمانهم، ومن خلال علاقتهم بربهم، ومن خلال كل العناصر التي تتحرّك في أوضاعهم، وفي كل القيم التي يوجّه الله المؤمنين إليها، قال تعالى: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} (المنافقون:8)، العزة التي لا بدّ لهم من أن يقتدوا فيها بالله العزيز، وبالنبي الذي يعيش العزة من خلال ما أفاضه الله عليه من الرسالة، وما أطلقه في حياته من المواقع القوية.

    وذلك خلاف الإنسان المنافق، وهو الذي يظهر الدين ويبطن الكفر، ويظهر الإيمان ويبطن الضلال، وينفتح على أطماعه وشهواته بدلاً من انفتاحه على مبادئه، ولهذا أطلق الله هذا الخط بقوله: {بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً} (النساء:138)، أولئك الذين لا يملكون الإخلاص في ما يلتزمونه من الخطوط والمبادئ، فيتركون مجتمع الإيمان وخطوط الإيمان، ليتحركوا في خط الكفر، من هم أولئك؟ {الذين يتّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}، فيفضّلون علاقتهم بالكافرين على علاقتهم بالمسلمين، ويخلصون للكافرين مقابل إخلاصهم للمؤمنين.

    ثم يطلق الله التساؤل حول موقف هؤلاء الذين يُظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، حيث إنّ الإيمان يفرض على صاحبه أن يعتبر نفسه جزءاً من المجتمع الإيماني، وأن يتّخذ الموقف الحاسم في الانفصال عن المجتمع الكافر، فلا يرى للكافرين ولاية على المؤمنين، بل يرى الولاية للمؤمنين؛ لأن الله يقول: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} (التوبة:71)، فهناك ولاية مشتركة في داخل المجتمع الإيماني، فالمؤمن هو ولي المؤمن، والمؤمنة هي وليّة المؤمنة: {أيبتغون عندهم العزة} لأنهم يستشعرون الذلة في نفوسهم، ولا يجدون، فيما يملكونه من أوضاعهم والفرص التي تتوفّر لهم، أيّ موقع للعزّة؟ ولكن يجب أن يعرف هؤلاء، أن لا عزة لغير الله؛ لأن العزة تنطلق من القوة، والعزة المطلقة التي لا حد لها تنطلق من القوة المطلقة التي لا حد لها، {فإنّ العزّة لله جميعاً} (النساء:139). وقد تحدث الله سبحانه وتعالى في آية أخرى: {إن القوة لله جميعاً} (البقرة:165)، وفي آية أخرى يقول تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنـزع الملك ممن تشاء وتُعز من تشاء وتُذل من تشاء بيدك الخير إنك عل كل شيء قدير} (آل عمران:26).

    ونستوحي من الآية الكريمة، أن كل من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فهو في عداد المنافقين؛ لأن الإخلاص يفرض على الإنسان المؤمن أن ينفتح في ولاية الأمور على المؤمنين، لا على الكافرين، ليتعاون معهم وليتواصل معهم، في تقوية الموقع الإسلامي، على المستوى الثقافي والسياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي.

    العلاقة الإيمانية

    وفي آية أخرى، يقول الله سبحانه وتعالى في موقع النهي مخاطباً المؤمنين: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين} (آل عمران:28). فالله سبحانه، يطلق المسألة على أساس التحريم القوي القاطع في أن يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بحيث يعطون الكافرين ولاية أمورهم، وتدبير أوضاعهم، وتقنين قوانينهم، وتحريك أوضاعهم في اتجاه الحرب والسلم، أو في اتجاه القضايا في خطوطها السياسية والاجتماعية والأمنية. ثم يأتي التهديد لمن يفعل ذلك: {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} (آل عمران:28)، أي أنّ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فيولونهم أمورهم، فإن هؤلاء ستنقطع العلاقة بينهم وبين الله؛ لأنّ الارتباط بالله يفرض انطلاق الموقف من القاعدة الإيمانيّة المنفتحة عليه، والمرتكزة على التواصل مع الذين يؤكّدون في سلوكهم القوّة للإيمان، ما يفرض على المؤمنين الانفصال عن القوّة المضادّة التي تتبنّى الكفر كقوّة فكريّة وعمليّة وسلطويّة في مقابل الإيمان، الأمر الذي يفرض الأخذ بأسباب القوّة للمؤمنين، والضعف للكافرين، فيكون اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين مضادّاً للخطّة الإيمانيّة التي يرضاها الله.

    وهنا لابد لنا من أن ندرس هذا الخط الإسلامي؛ هل إن الإسلام يريد من المؤمنين أن يقاطعوا الكافرين، فلا يتعاملوا معهم، ولا يتواصلوا معهم، وهل يريد أن ينفصل المؤمنون عن الكافرين انفصالاً كلياً، في الوقت الذي نعرف أن الواقع الإنسانيّ عموماً، ومنه الواقع الإسلامي، هو واقع يتداخل فيه المجتمع الكافر مع المجتمع المسلم، فقد يحتاج المسلمون إلى الكافرين فيما يملكون من مال، وقد يحتاجونهم فيما يملكونه من علم أو خبرة أو ما إلى ذلك، وقد تفرض الأوضاع على المسلمين في صراعاتهم المتنوعة مع هذا الشعب وذاك الشعب بأن يتحالفوا جزئياً مع هؤلاء الكفرة أو أولئك من دون أن يسقطوا أمامهم؟ فهل يريد الإسلام من المسلمين أن يقاطعوا الكافرين، أو أن المسألة تختلف عن ذلك؟

    إننا نستوحي من هذه الآيات، ومن آيات أخرى، أن القرآن يريد أن يؤكد دعوته للارتباط العضوي بين أفراد الجماعة الإسلامية من موقع الإيمان الواحد، فعندما يرتكز المؤمنون على قاعدة الإيمان في عقيدته وشريعته وخطوطه الفكرية والثقافية، فستكون القاعدة الإيمانية هي التي تجمعهم، وهي التي تربط بعضهم ببعض، وهي التي ينفتحون عليها في علاقاتهم مع بعضهم البعض، بحيث ينطلقون من الخطوط التي يؤمنون بها على مستوى العلاقات والمعاملات والتواصل فيما بينهم هنا وهناك؛ لأن المسألة هي مسألة القاعدة الفكرية التي توحد المسلمين فيما يعتقدونه وفيما يفكرون فيه وفيما يلتزمونه، بحيث إنهم يعتبرون أنفسهم موقعاً واحداً، لا فواصل فيه بين مسلم ومسلم فيما يؤمن به وفيما يعتقده. وعلى ضوء هذا، فإنهم عندما يلتزمون بالقاعدة الإيمانية في كل عناصرها الفكرية، وفي كل مفاصلها العملية، فإن من الطبيعي جداً أن ينفصلوا عن الذين تختلف قاعدتهم عن قاعدتهم.

    وعلى سبيل المثال، عندما يؤمن المؤمن بوحدانية الله، وأن الله هو الإله الواحد الخالق للكون كلّه، والمدبر للحياة كلها، والمهيمن على الأمر كله، وأنه هو الذي أودع في هذا النظام الكوني القوانين التي تنظم مسيرته وتدبّر أمره على أساس ما قاله تعالى: {قد جعل الله لكل شيء قدراً} (الطلاق:3)، فإذا نظر إلى الآخرين الذين ينشغلون بغير عبادة الله، والذين يعيشون في متاهات الشرك، ولا ينفتحون على النظام الكوني فيما دبره الله وقدره، ولا يعتبرون أن هناك في العلاقات الإنسانية أيّة قاعدة يلتقي الناس عليها، فمن الطبيعي أن يكون لهؤلاء خط ولأولئك خط آخر، وأن تنفصل قيم هؤلاء عن القيم الإيمانيّة التي يلتزم بها المؤمنون.

    وما كانت الآية السابقة بصدده هو أنّ الاختلافات الجوهريّة التي يخضع لها الواقع الإنسانيّ كلّه، والإسلاميّ كلّه، تؤدّي ـ بطبيعتها ـ إلى الانفصال بين المسلمين والكافرين في الواقع الثقافي والخطّ العملي الحركي؛ ولكن هناك فرقاً بين ذلك، وبين الاختلاف في القضايا التفصيلية التي تتصل ببعض القضايا الجزئية هنا وهناك، ببعض ما نأكل أو نشرب أو نلبس أو ما إلى ذلك، مما لا يمثل أساساً للقيم الإنسانية بين الناس، فإن الله لم يحرم على المسلمين أن يتعاملوا مع الكافرين، بل إنه أباح لهم ذلك، فمن الممكن للمسلمين أن يقيموا علاقات تجارية أو ثقافية معهم، أو أن ينفتحوا على بعض العلاقات الأمنية بما لا يسقط الواقع الإسلامي، حيث لا مانع على مستوى العلاقات أن يقوم ذلك كله، وذلك هو قوله تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحبّ المقسطين* إنّما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم...} (الممتحنة:8-9). ولكن لا بد للمسلمين عندما يحرّكون العلاقات معهم أن لا يفقدوا القاعدة الإيمانية التي ينطلقون منها في معنى إيمانهم؛ لأنَّ الله يريد للمسلمين البقاء في خط القاعدة الإيمانية، بحيث لا يجتاحهم واقع الكفر في ما يعتقدون وفي ما يلتزمون.

    لذلك لا بد للمسلمين من أن يحافظوا على تركيز الخطوط العقائدية في ما هي العقيدة، والخطوط الثقافية في ما هي مفاهيم الثقافة، والخطوط الحركية في ما هي خطوط الحركة، وأن ينطلقوا على أساس أن يبقى لهم إيمانهم وإسلامهم، وأن لا يذوبوا فيما يأخذ به الكافرون من قواعدهم الفكرية ومن التزاماتهم العملية.

    ولهذا، فإن الله سبحانه وتعالى أراد الانفصال الفكري والروحي والعملي بين المسلمين والكافرين، وترك مساحة للأمور التفصيلية الجزئية التي لا علاقة لها بالأسس التي يرتكز عليها الإيمان والكفر في هذا المجال. وتزيد ضرورة ذلك الانفصال،إذا كانت المسألة من المسائل التي قد تتمثّل في سيطرة الكافرين على المسلمين،عندما يتحوّل الكافرون إلى أولياء للمسلمين والمؤمنين،بحيث يدبر الكافرون أمور المسلمين تدبيراً ثقافياً وفلسفياً وسياسياً وأمنياً، كما نلاحظه في مرحلتنا الحاضرة، في الواقع الإسلامي الذي يتخبط فيه المسلمون، حيث رأينا أن أشخاصاً من القائمين على الواقع الإسلامي،يسلطون الكافرين المستكبرين على المسلمين، لأنهم يبتغون عندهم العزة، لتبقى لهم رئاساتهم وملكياتهم وثرواتهم وما إلى ذلك، فإنَّ هؤلاء هم المنافقون الذين ينتظرون من الله عذاباً أليماً.

    ويبقى لدينا بعض الاستثناءات التي ذكرها الله في الآية، وهو قوله تعالى: {إلاَّ أن تتّقوا منهم تقاة} (آل عمران:28)؛ إذ ليس لكم أن تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين إلا إذا فرض عليكم التقية. فما هي التقية؟ وكيف نمارسها؟ وهل نمارسها بشكل مطلق؟ وهل هي عنصر ضعف، أو أنها عنصر مروءة أو ما إلى ذلك؟ هذا ما نرجو أن نتحدث عنه في حديثنا القادم، والحمد لله رب العالمين.
     

مشاركة هذه الصفحة