لماذا يجب رفض المشاركة فى الانتخابات العراقية؟

الكاتب : محمد دغيدى   المشاهدات : 531   الردود : 1    ‏2005-12-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-14
  1. محمد دغيدى

    محمد دغيدى عضو

    التسجيل :
    ‏2005-11-26
    المشاركات:
    195
    الإعجاب :
    0
    صلاح المختار

    لماذا يجب رفض المشاركة في الانتخابات؟

    تزدادا لعبة الخداع والتضليل حدة وتسارعا في العراق مع اقتراب موعد ما اسماه الاحتلال (انتخابات)، وسط حملات اعلامية وتحركات سياسية داخلية وخارجية، هندست لأجل أنقاذ الاحتلال الامريكي في العراق من ورطته القاتلة، وإخراجه من مستنقع اخذ يخنقه ويستنزف قواه بسرعة. ان نظرة سريعة لما صدر من تصريحات عن الادارة الامريكية وجنرالات الجيش الامريكي والخبراء والكتاب والصحفيين في امريكا، وغيرها، يؤكد بما لا يقبل الشك ان امريكا تنهار في العراق، وان المقاومة تقترب من النصر الحاسم بسرعة، بفضل تفوقها القتالي المطلق وتدميرها لكل خيارات الاحتلال وايران (لمعرفة حجم وطبيعة الانهيار الامريكي انظر موضوعنا المعنون- واخيرا أبتدأ الهروب الكبير- المنشور في عدة مواقع ومنها البصرة والتجديد العربي ودورية العراق). لذلك لجأت أمريكا الى لعبة الانتخابات كمحاولة اخيرة لانقاذ الاحتلال عبر شق الصف الوطني المناهض للاحتلال، والوصول من خلاله لشق المقاومة المسلحة، وهو ما تظن انه كفيل بتغيير مجرى الصراع في العراق لصالحها.

    ان السؤال الحاسم في هذه الايام هو التالي: هل حقا ان الانتخابات يمكن ان تكون وسيلة لاخراج الاحتلال من العراق، كما يقول من تعوزهم الخبرة اذا افترضنا حسن النية، وتقريب ذلك الهدف؟ والجواب الحاسم، والذي قدمته واكدته احداث السنتين ونصف الماضية، هو كلا، فالانتخابات ما هي الا محاولة لانقاذ الاحتلال من ورطته ومحاولة الالتفاف حول المقاومة المسلحة بطرق تضليلية، وخداع الراي العام العالمي الذي اخذ يكتشف حقيقة ما يجري في العراق، وبالاخص تيقنه من ان المقاومة المسلحة تنتصر والاحتلال يتداعي، وان ايامه اصبحت معدودة، لذلك بدأت اوساط كانت ضد المقاومة تنفتح عليها، وتقترب من طروحاتها وتزداد رفضا للاحتلال. ولكي لا يتحول الموضوع الى جدل بيزنطي سنبين الاسباب الرئيسية التي تجعلنا واثقين من ان الانتخابات ما هي الا حبل انقاذ للاحتلال ومحاولة لادامة وجوده والتغلب على التحديات القاتلة التي صنعتها انتصارات المقاومة العراقية. ما هي هذه الاسباب؟

    الغاء الشرعية العراقية:

    من الغريب جدا ان نلاحظ ان بعض من يقولون انهم ضد الاحتلال يتخذون موقفا يدعم اصل خطته وجوهرها، وهو تاييد احتلاله بقبول طي صفحة الشرعية العراقية التي مثلها النظام الوطني، الذي نزل تحت الارض وشرع بالمقاومة المسلحة منذ احتلت القوات الامريكية بغداد، والتعامل مع الوضع العراقي وكأن الاحتلال طبيعي وان الدولة العراقية قد انتهت وان المطلوب بناء دولة جديدة في ظل الاحتلال وفي اطار خطته! فالعراق كان عضوا مؤسسا للامم المتحدة وحكومته كانت معترفا بها عربيا وعالميا، واصدر العالم بغالبيته الساحقة قرارا واضحا وهو ان امريكا وبريطانيا تريدان احتلال بلد مستقل فيه حكومة شرعية معترف بها من قبل الجميع، بما في ذلك حكومتي امريكا وبريطانيا. ومن اجل هذه الحقائق خرج اكثر من خمسين مليون انسان في العالم في يوم واحد في نهاية عام 2002 ليعربوا عن رفضهم لخطة غزو العراق ويدعون الى احترام الشرعية الدولية.

    وهنا يجب ان نميز بوضوح تام بين تأييد ودعم العالم لشرعية الحكومة الوطنية العراقية التي هاجمها الاحتلال، وبين الاتفاق معها حول مجموعة من القضايا الداخلية والخارجية، فلئن كان الجميع تقريبا ضد الاحتلال فان الكثيرين منهم لم يكونوا على اتفاق مع حكومة العراق الوطنية لاسباب مختلفة. وهذا امر طبيعي جدا وشهدته كل ازمات العالم، بما فيها الثورة الفيتنامية والتي ايدها العالم رغم رفض الكثيرين لافكار وسياسات الحزب الشيوعي الفيتنامي. فالتاييد هو للشرعية وليس لحكومة ما، وهو رفض لسياسات الهيمنة والتجاوز على القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة، اللذان قاما اساسا على مبدأ السيادة، والذي يعني تحديدا رفض وادانة احتلال دولة ما وتدمير حكومتها المعترف بها.

    اذن فان من بديهيات وتقاليد التعامل الدولي النزيه بديهية رفض ليس الاحتلال فقط بل رفض التعرض للحكومة التي كان العالم يعترف بها، وكانت تمثل البلد في الامم المتحدة والمنظمات الاقليمية، وابقاء العلاقات معها بصفتها الممثل الشرعي لشعب الدولة التي احتلت. وحينما ينشأ الاحتلال ويقع ويصبح امرا واقعا، تزول شرعية الحكومة في حالة واحدة وهي انعدام مقاومتها هي واجهزتها الاساسية كالجيش والامن والمنظمات الحزبية والنقابية، واستقرار الوضع، الامر الذي يفرض البحث عن بديل والعمل على اضفاء صفة الشرعية عليه. اما اذا نشأت مقاومة مسلحة ورفض جماهيري للاحتلال، وكان الشعب يقف مع المقاومة، فان شرعية الحكومة والدولة تبقى قائمة وتصبح ممثلة بمقاومتها المسلحة تلقائيا. فهل الوضع في العراق المحتل يشهد استقرار الاوضاع وانعدام المقاومة المسلحة؟

    بسبب ادراك قيادة الدولة العراقية الشرعية لحقيقة انها تتصدى لقوة اعظم منها ولا تستطيع الصمود عسكريا بوجهها الا لفترة محددة، لجأت الى اعداد المجتمع لخوض مقاومة مسلحة وفقا لمبادئ حرب العصابات، الامر الذي يتطلب اختفاءها ونزول كوادرها تحت الارض لخوض قتال طويل الامد من اجل استنزاف العدو واجباره على الوصول الى نتيجة واضحة، وهي ان مكاسبه اقل بكثير من خسائره، ويترتب على ذلك اتخاذه قرارا بالانسحاب لتجنب الانهيار او التعرض لخسارة جسيمة لم يكن يريدها قبل الغزو،لان الغزو بالاصل خطط له كي يكون مصدر ارباح ونهب.

    لكن من المؤسف ملاحظة ان البعض ولاسباب غير موضوعية ولا عقلانية وجد في نزول اجهزة الدولة الشرعية تحت الارض فرصة استغلها لتصفية خلافات او محاولة تحقيق مكاسب انانية لا تفسير لها سوى قبول اهم ماقام به الاحتلال: تدمير الدولة وحكومتها الوطنية، والبناء عليه والعمل في اطار خطة الاحتلال لانشاء دولة جديدة تكون على قد مقاسات الاحتلال ومصالحه. ان تخلي البعض عن شرعية الدولة العراقية وحكومتها الوطنية شكل خدمة مباشرة للاحتلال، وتماه تام معه في اول اهدافه: الغاء الدولة واسقاط الحكومة الوطنية. فهل تقبل معايير الوطنية والنزاهة واحترام القانون ذلك؟ والى اين سيؤدي هذا النهج الغريب؟

    ان اول اسباب مقاومة الاحتلال كان يجب ان تكون رفض تغيير الوضع القانوني للعراق، وهذا ما تنص عليه القوانين الدولية كما سنلاحظ، ودعم الحكومة الوطنية في سعيها لطرد الاحتلال، مهما كانت الخلافات الداخلية حادة وقوية. وتزداد هذه الضرورة اذا اعلنت الحكومة الشرعية انها ستعمل من اجل صيغة اخرى بعد التحرير تتميز بمشاركة الجميع في الحكم وفقا لقواعد النظام الديمقراطي، عندها تسقط كل الحجج التي قد تستخدم لعدم دعم الحكومة الشرعية.

    هل يمكن اجراء انتخابات في ظل الاحتلال؟

    من بين اهم قواعد القانون الدولي قاعدة عدم تغيير الاحتلال لقوانين وانظمة الدولة المحتلة، تنص اتفاقية لاهاي لعام 1907 المتعلقه بقوانين الحرب البريه وفي القسم الثالث على ما يلي:

    المادة 42 تعتبر أرض الدولة محتلة حين تكون تحت السلطة الفعلية لجيش العدو ولا يشمل الاحتلال سوى الأراضي التي يمكن أن تمارس فيها هذه السلطة بعد قيامها.

    المادة 43 إذا انتقلت سلطة القوة الشرعية بصورة فعلية إلى يد قوة الاحتلال، يتعين على هذه الأخيرة، قدر الإمكان، تحقيق الأمن والنظام العام وضمانه، مع احترام القوانين السارية في البلاد، إلا في حالات الضرورة القصوى التي تحول دون ذلك.

    تنص الإتفاقيه صراحة على أن قوات ألأحتلال عليها إحترام القوانين الساريه وليس إلغائها وإصدار قوانين جديده، كما تراعي ألأتفاقيه أن قوات ألأحتلال تعتبر مسؤولا إداريا ليس له حق الأمتلاك أو تغيير القوانين.

    المادة 55 لا تعتبر دولة الاحتلال نفسها سوى مسئول إداري ومنتفع من المؤسسات والمباني العمومية والغابات والأراضي الزراعية التي تملكها الدولة المعادية والتي توجد في البلد الواقع تحت الاحتلال. وينبغي عليها صيانة باطن هذه الممتلكات وإدارتها وفقاً لقواعد الانتفاع.

    المادة 56 يجب معاملة ممتلكات البلديات وممتلكات المؤسسات المخصصة للعبادة والأعمال الخيرية والتربوية، والمؤسسات الفنية والعلمية، كممتلكات خاصة، حتى عندما تكون ملكاً للدولة.
    يحظر كل حجز أو تدمير أو إتلاف عمدي لمثل هذه المؤسسات، والآثار التاريخية والفنية والعلمية، وتتخذ الإجراءات القضائية ضد مرتكبي هذه الأعمال.

    ما معنى هذه النصوص؟ انها تعني امرا واحدا لا غير وهو ان سلطات الاحتلال لا يحق لها اجراء انتخابات في البلد المحتل، بل ادارته وفقا لقوانينه وعدم اجراء تغييرات جوهرية في الدولة والمجتمع. ويترتب على ذلك ان اجراء انتخابات في العراق وهو تحت الاحتلال غير منسجم مع القانون الدولي، ويشكل نقضا له. هل نحتاج لشاهد منحاز لامريكا لاثبات هذه الحقيقة؟ نعم، لقد قالها صريحة واضحة، الرئيس الامريكي جورج بوش، حينما كان مفروضا اجراء الانتخابات في لبنان، في ظل الوجود السوري فيه، (لا يمكن اجراء انتخابات حرة في ظل الاحتلال السوري، وعلى سوريا ان تخرج قبل اجرائها)! بوش قال هذا مع ان الوجود السوري في لبنان، كما هو معروف، تم بناء على طلب الحكومة اللبنانية الشرعية. الا ينطبق ذلك اكثر واكثر على العراق المحتل طبقا لما اعترفت به امريكا والامم المتحدة؟

    الانتخابات تجري وفق قوانين الاحتلال:

    قام الاحتلال منذ يومه الاول بتفكيك الدولة العراقية والغاء الجيش والاجهزة الامنية وحل الوزارات ....الخ، ثم اصدر قوانين لفرض سيطرته على العراق، ومن بينها قانون اسماه (قانون ادارة الدولة) وقانون اخر حدد فيه اسس دستور جديد مناقض تماما للدستور الشرعي للعراق، وضع أسسه الصهيوني الامريكي نوح فيلدمان، وفرضت ادارة الاحتلال مضامينه على من ناقش مسودة الدستورواقرها فرضا، لان المطلوب هو الاعداد لتقسيم العراق من خلال قاعدة الفدرالية، وهي في الواقع كونفدرالية، كما تؤكد النصوص التي تضمنها الدستور، وليس فدرالية.

    اذن هناك مجموعة ضوابط صارمة تحدد مسار العراق في ظل الاحتلال ودستور الاحتلال، ولا يمكن لاي كان من الذين انخرطوا، او سينخرطون في العملية السياسية، تغيير التوجه العام نحو تفكيك العراق تدريجيا، مما يجعل المساهمة في الانتخابات دعم للتوجه الامريكي- الصهيوني لتقسيم العراق، ما دامت تجري وفق قوانين بريمر ودستور نوح فيلدمان، من جهة، ولانها تستبطن هدفا خطيرا وهو اضفاء الشرعية على الاحتلال وعلى الحكومة التي ستنبثق عن الانتخابات كي تنفذ اهداف الاحتلال من جهة ثانية. وبما ان الاحتلال غير شرعي، وهو لذلك لايحق له اصدار قوانين او تبني دستور كما تنص اتفاقية لاهاي المشار اليها، فان اجراء الانتخابات في ظله هو الاخر، وبالتبعية ، غير شرعي وغير ملائم للوصول الى حالة شرعية وتخدم البلد المحتل.

    الأشراف المنحاز:

    وحتى لو افترضنا ان الانتخابات تجري في ظل اوضاع طبيعية وبدون وجود الاحتلال، فان ثمة قاعدة يجب الاعتماد عليها في إجراءه، وهي أشراف سلطة محايدة وقانونية، كالمراقبين والقضاة، فهل توفر ذلك في العراق؟ الجواب هو كلا لان من سيشرف على الانتخابات جهة أنشأها الحاكم الاستعماري الامريكي بول بريمير واطلق عليها اسم (المفوضية العليا للانتخابات)، وضمت اشخاص من عملاء الاحتلال بشكل خالص، وهي ليست تابعة للامم المتحدة، كما قد يوحي اسمها. والسؤال هنا هو: من سيضمن نزاهة الانتخابات اذا كانت تجري باشراف من لهم مصلحة في فوز عملاء الاحتلال والقوى الانفصالية والتقسيمية؟ ان تجربتي انتخابات مطلع هذا العام والاستفتاء الذي جرى مؤخرا تثبتان بما لا يدع مجالا للشك بان الانتخابات القادمة ستزور كما زورت الانتخابات والاستفتاء، نتيجة للغياب التام للاشراف المحايد والقانوني على العملية. ان المثل العراقي الذي يقول (حاميها حراميها) ينطبق على المفوضية بدقة.

    تأثيرات الاحتلال

    لم تكن صدفة او اجتهاد شخص تحريم اجراء انتخابات في ظل الاحتلال، وفقا لقوانين دولية صارمة ومعروفة صاغها الغرب وأخصائييه، بل هي نتاج خبرة الانسانية منذ الاف السنين، والتي اسست لقاعدة بداهة تقول ان المحتل لا يسمح باي شكل من الاشكال بحرمانه من الاستفادة من نتائج احتلاله، بأي وسيلة ومنها اجراء انتخابات حرة تؤدي إلى طرده بوسائل ديمقراطية، بعد ان سفح الدم وبذل المال وتعرض لمشاكل كبيرة. وطبقا لهذه الحقيقة التاريخية والقانونية استبعدت تماما فرضية انهاء الاحتلال عبر الانتخابات الحرة، خصوصا حينما يكون الاحتلال يمثل قوة كبرى تملك القدرة على رفض القرارات او الضغوط الدولية، ومن ثم استبعاد وجود أشراف دولي على الانتخابات، الأمر الذي يجعلها وسيلة من وسائل تعزيز سيطرة الاحتلال وإضفاء نوع من الشرعية عليها.

    ان الاحتلال يقوم اول ما يحدث باعادة ترتيب اوضاع البلد المحتل لتصبح خادمة له ومساعدة على تنفيذ اهدافه المعلنة او الخفية. وهذه هي اول سمة معروفة لاي احتلال. ومن بين الخطوات التي يقوم بها الاحتلال تنظيم حملات دعائية لاجل اعادة تشكيل وعي شريحة قد تكون مهمة من الناس، وجعلها مؤهلة للتعامل الايجابي معه وتقبل بخططه، من جهة، كما انه يبدأ بتنفيذ خطة شيطنة حكومة الدولة التي تم احتلالها، بوسائل مختلفة تتقرر تبعا لمشاكل وظروف البلد المحتل، من جهة ثانية .ان ما حدث ويحدث في العراق لا يخرج عن قاعدة البداهة هذه، فلقد قام الاحتلال بعد حصوله بتصعيد حملات الشيطنة للنظام الوطني ورموزه وسياساته، والتي ابتدأت سنوات طويلة قبل الاحتلال، مثل ترويج قصص المقابر الجماعية ومجزرة حلبجة وغيرها من القصص، التي كشفت الوقائع انها كانت مسيسة ومشوهة هدفها القاء المسؤولية على البعث ونظامه الوطني لاجل اقناع شريحة من الناس بان الاحتلال جاء لانقاذهم، وتبرئة من قام بها في الواقع!

    واقترنت هذه الحملة الدعائية بحرمان الطرف الوطني، الذي وجهت اليه الاتهامات، من حق الرد والدفاع، بتغييب صوته وتعريضه لحملة ابادة جسدية واضطهاد سياسي، وفقا لقانون اصدره الاحتلال اطلق عليه تسمية فاشية ابادية لم يشهدها أي احتلال في العصور الحديثة، وهي (قانون اجتثاث البعث)! كما ان الاحتلال تعمد تدمير وحل الدولة العراقية ونشر الفقر والجريمة المنظمة والقضاء على اغلب فرص العمل، فنشأ وضع صعب جدا اصبح فيه العيش تحديا خطيرا، مما اعاد الفساد بكافة اشكاله الى العراق، وسمح بل وشجع على اعتماد معايير الرشوة ودفع المال لمن يؤيد الاحتلال وعملاء الاحتلال. ان الفقر هو المصدر الاساس للمفاسد والانحرافات الجوهرية، ومن بينها بيع الضمير واللصوصية، لذلك لا مجال للشك ابدا في ان الاحتلال الامريكي للعراق تعمد نشر الفقر المدقع ومنع تحسين الاحوال المعيشية للناس لاجل ضمان العثور على من تضطره اوضاعه للعمل في خدمة الاحتلال. فهل يمكن القول بان ظروف الاحتلال وتأثيراته تسمح باجراء انتخابات حرة ونزيهة؟

    انتخابات تأسيسية وليست عادية

    يعترف الاحتلال والاحزاب التي استوردها من الخارج بان الانتخابات مصممة لصنع عراق جديد مختلف عن العراق السابق للاحتلال، بتعبير اخر ان المطلوب هو تأسيس عراق جديد! واستنادا الى هذا المطلب الامريكي فان الانتخابات ولكي تعبر عن راي الشعب العراقي يجب ان تضمن مشاركة الاغلبية الساحقة من الشعب كي يكتسب الوضع المترتب عليها الشرعية التمثيلية المطلوبة، والتي تعني، اول ما تعني، ان العراق الجديد يجب ان يمثل كل الشرائح الاساسية في العراق وان لا يتم اقصاء فئة ما، صغيرة كانت ام كبيرة، لان الاستقرار الدائم والعدالة تفرضان ارضاء المكونات الاساسية للشعب وليس ارضاء اقلية او اغلبية. هذا هو السبب الذي يجعل من الانتخابات التأسيسية مختلفة تماما عن الانتخابات العادية خصوصا في نقطة جوهرية وهي ان التوافق والاجماع بالتراضي على الصيغ الدستورية الجديدة يجب ان يكونا القاعدة الاساسية للعمل تحت ظل الوضع الجديد، وليس معايير الاغلبية والاقلية التي تتحكم في الانتخابات العادية.

    هل حصل ذلك في العراق المحتل؟ الجواب هو كلا لان الانتخابات السابقة والاستفتاء والانتخابات التي ستجري تمت وستتم في ظل اقصاء اغلبية الشعب العراقي المعارض للاحتلال، والذي يتعرض لحملات ابادة جماعية للسكان وتطهير عرقي (في الشمال) وطائفي (في الجنوب)، وتهجير مئات الالاف من السكان واعتقال عشرات الالاف واغتيال الشخصيات البارزة. وهذه الحقيقة ليست اتهاما نوجهه نحن بل ان الاحتلال يعترف بها ويقول انه يقوم (بتطهير المدن من المتمردين قبل اجراء الانتخابات)! وهذه الحملات الاجتثاثية والتدميرية تطال بالاساس معارضي ورافضي الاحتلال، وهم لكثرتهم وكونهم يمثلون الاغلبية الساحقة من الشعب العراقي ،عجزت قوات الاحتلال عن قهرهم واعترفت ان جيوشها قد فشلت في القضاء عليهم ، ولو كانوا اقلية لامكن القضاء عليهم بقوة امريكا الفائقة.

    اذن نحن بأزاء انتخابات تشمل جزء صغيرا من الشعب العراقي، بل حتى لو افترضنا لاغراض النقاش ان من يشارك في الانتخابات يمثلون شريحة كبرى، فان الوظيفة الاساسية للانتخابات، كما يعلن الاحتلال، وهي بناء (عراق جديد) تلزم بالعمل الجاد كي تتم بمشاركة كل فئات الشعب العراقي وليس غالبيته، طبقا لمبدأ التوافق الوطني العام. ان الانتخابات والدستور يراد لهما ان يحكما العراق لاجيال عديدة وهذا الهدف يتطلب ان يوافق العراق بكافة اطيافه عليهما، وان تسقط الفكرة الزائفة عن وجود اقلية واغلبية. من هنا فان نتائج الانتخابات المقررة سلفا مرفوضة حتى لو تمت في اجواء طبيعية (أي بدون وجود الاحتلال) لانها ان صلحت لاجراء انتخابات عادية فانها لاتصلح ابدا لانتخابات تاسيسية.

    الانتخابات تجري في اجواء الحرب الشاملة

    لم يشهد تأريخ الشعوب اجراء انتخابات في ظل الحرب، لسبب بسيط هو ان الحرب تتحكم فيها قوانين الحرب وليس قوانين السلم، في حين ان الانتخابات تتحكم فيها قوانين السلم، المعتمدة على العدالة القانونية وطلب الاثباتات الدامغة قبل الحكم وامكانية استئناف الحكم. ما معنى ذلك؟ وماهي نتائجه العملية؟ ان من يقرأ تاريخ الحروب والممارسات الديمقراطية يعرف بسهولة تامة ان قوانين الحرب لا يمكن، ولا يجوز ان تطبق في ظلها قوانين تسهم في تقرير مصير البلد تنتمي لفترة السلم، لان الحرب تعني الاحكام العرفية واعتماد اساليب تخدم هدف الحرب، ولذلك فان القوانين العادية تعلق اثناء الحرب، وتنشأ محاكم ميدانية سريعة تقوم على قوانين عسكرية تخدم اهداف الحرب وليس تحقيق العدالة القانونية، ومنها اعدام من يثبت تعامله مع العدو دون استئناف وتنفيذ الحكم فورا، وهذا امر لا تقبله قوانين السلم.

    في حالة العراق لا يوجد انسان الا ويعرف، ويعترف أيضا، بان هناك حربا شرسة تدور بين قوات الاحتلال الاستعماري وطليعة الشعب العراقي البطلة وهي المقاومة المسلحة العراقية، منذ الايام الاولى للغزو، وفي مقدمة المعترفين بوجود الحرب الرئيس الامريكي ومساعديه، ابتداء برامزفيلد وزير الحرب وانتهاء بكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية، مرورا بالكونغرس الامريكي والاعلام، كل هؤلاء يعترفون بان امريكا تواجه اخطر تحد لها في تاريخها كله. ولعل أن ادق وصف لحالة امريكا في العراق هو الذي ورد في مقال عنوانه (الكارثة الستراتيجية الاعظم في التاريخ الامريكي) The Greatest Strategic Disaster in American History للكاتب الامريكي مارك وتني (اورك نيت انفو 27 . 11 . 2005)، وترجمته ونشرته شبكة البصرة، اكد ان غزو العراق هو الكارثة الستراتيجية الاعظم في كل التاريخ الامريكي، وهذا اعتراف صريح بان حرب العراق اخطر واهم بكثير من حرب فيتنام. هل بالغ؟ كلا فلقد سبقه هنري كيسنجر، اعظم المخططين الستراتيجيين الامريكيين المعاصرين، حينما حذر من ان انسحابا متسرعا للقوات الامريكية من العراق قد يؤدي الي كارثة سياسية وعسكرية (طبقا لوكالة اف ب 29 . 11 . 2005)، واوضح كيسنجر الذي كان وزيرا للخارجية في ادارتي الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد ان الانسحاب من العراق قد يؤدي الي كارثة، وقال في مقابلة مع محطة سي ان ان التلفزيونية يجب ان نتذكر دائما هدفنا فاذا تركنا العراق في ظل ظروف قد تؤدي الي قيام حكومة راديكالية فيه ،او ان يتحول جزء من هذا البلد الي ملاذ للارهاب، سيتحول الوضع الي كارثة ستؤثر علي العالم باسره. واضاف ان الطبيعة العالمية للارهاب تجعل من الصعب تحديد استراتيجية لانسحاب القوات الامريكية من العراق. كيسنجر هنا يعترف صراحة بان الاطروحة الرئيسية التي تسود اوساط صناع القرار الامريكي ومساعديهم هي الانسحاب وكيف ومتى، وليس الانتصار.

    اذن الحرب الدائرة في العراق جعلت امريكا تواجه الكارثة الستراتيجية الاعظم في تاريخها، ومن ثم فان حرب العراق اخطر واشرس من حرب فيتنام، فهل يجوز لاي عاقل ومنصف ان يتوقع اجراء انتخابات حرة في العراق مع ان قوانين الحرب هي السائدة، والتي جعلت امريكا تتخلى عن قوانين السلم وتخالفها وتنقض الدستور الامريكي الذي يحظر التعذيب والاعتقال والقتل العشوائي وتخرق كل قوانين الحرب ايضا؟ ان مدنا عراقية تباد وتدمر مثل الفلوجة وتلعفر، ومدنا اخرى تدمر اجزاء اساسية منها، مثل القائم والرمادي وهيت وراوة والكرابلة وبعقوبة والنجف الاشرف وحديثة وغيرها، وعشرات الالاف من السكان يهجرون بالقوة ويوضعون في خيم لاجئين في بلدهم. فكيف يمكن اجراء انتخابات في ظل الابادة الوحشية وتهجير السكان واغتصاب النساء وقتل الناس عشوائيا واعتقال عشرات الالاف، والتي تشكل تجاوزا حتى على قوانين الحرب التي تحمي المدنيين وتتعامل مع المقاتلين وفقا لاتفاقيات الحروب المثبتة في القانون الدولي؟

    ان حالة العراق اقسى واخطر من حالة الحرب العادية بكثير، من حيث خرق كل القوانين وقواعد التعامل من قبل الاحتلال، لذلك لن يكون منطقيا وعمليا اجراء انتخابات حرة في ظلها.

    غياب الامن:

    ان ما سبق تثبيته يقود الى نتيجة حتمية: غياب الامن، وهي حالة تجعل من المستحيل اجراء انتخابات حرة وحقيقية، لان امن المواطن مفقود وحياته معرضة للخطر لدرجة ان المواطن العراقي حينما يخرج للعمل او التسوق، او لاي غرض، يردد الشهادة قبل الخروج لانه يتوقع ان يقتل في أي لحظة. واذا درسنا الحالات الطبيعية لاجراء انتخابات في بلدان الديمقراطية الغربية وغيرها وجدنا ان أي اخلال بالامن يؤدي الى تأجيل او الغاء الانتخابات لحين توفره وضمان سلامة المواطنين. ومع ذلك يصر الاحتلال الامريكي في العراق على اجراء انتخابات لن توفر الحد الادنى من الامن لمن يريد المشاركة فيها.

    الافقار المنظم للشعب

    ان من اهم الانتقادات التي وجهت، للديمقراطيات الغربية هو انها نظام يقوم على وجود فوارق طبقية هائلة بين من يملك ومن لا يملك، مما يجعل الاخيرين عاجزين عن التعبير الحر عن ارائهم، وعن اختيار المرشح المناسب لهم. ان الفقر الذي يجبر الناس على جعل البحث عن لقمة العيش لهم ولعوائلهم الهدف الاول والاهم، يمنع ممارسة الديمقراطية بصورة صحيحة، نتيجة مؤثرين مهمين، المؤثر الاول هو اجبار الفقراء او بعضهم على الاقل وهم الاشد فقرا على انتخاب من يقدم لهم مالا، والمؤثر الثاني هو ان الفقر يمنع التعلم ويضعف التثقف، مما يجعل الامية عائقا يمنع الاختيار الواعي للمرشح الانسب، ويسهل خداع وتضليل الامي او نصف الامي عبر الاعلام والعلاقات الشخصية.

    وفي حالة العراق فان الاحتلال الامريكي تعمد، ووفق خطة مدروسة، افقار الشعب العراقي وتدمير مقومات الحياة الطبيعية منذ فرضت امريكا، باسم الامم المتحدة، الحصار الشامل على العراق في عام 1990، وادى الى عودة الفقر والامية وكل ما يقترن بهما من شرور واثام كبيرة. وجاء غزو عام 2003 وتنفيذ خطة تدمير الدولة وحل اجهزتها، ليس فقط لتسهيل الغزو بل اساسا لتدمير المجتمع، ونشر الفقر المتطرف واللصوصية واعادة الامية وتسهيل عمل العصابات. فحينما تحرم الانسان من مصدر رزقه الوحيد تجبره على الانحراف او على الاقل قبول الجريمة كحالة طبيعية نتيجة الظروف القاهرة.

    وحينما يصل الانسان الى هذه الحالة تنهار منظومة القيم لدى الكثير من الناس ويتساوى لديهم كل شيء: الخيانة والوطنية والاستقامة مع الانحراف. وهكذا يفضي الافقار المنظم الى النجاح في استخدام بعض الناس في خدمة اهداف الاحتلال الاستعماري. ومن ابرز مظاهر هذه الخدمة هو اضطرار من يريد مالا يطعم به اطفاله للاشتراك في انتخابات مزيفة واعطاء صوته لمن لا يعرفه او لا يريده. ان شراء الذمم بالاموال هو احد اهم وسائل الاستعمار الامريكي في العراق لدفع الامور باتجاه يخدم احتلاله.

    ما هي اهداف الانتخابات؟

    بعد ان عرضنا وحللنا مظاهر وتبديات التناقض الصارخ بين الاحتلال واجراء انتخابات حرة، لابد ان يطرح السؤالان التاليان: لم تريد امريكا اجراء انتخابات في ظل الاحتلال مع انها تعرف انها لن تكون حرة؟ ولم تتعجل في اجراءها وترفض التأني وانتظار الوقت الملائم لاجرائها؟ ان اصرار امريكا على اجراء الانتخابات يعود اساسا لمأزقها القاتل في العراق (انظر دراستنا الاخيرة الموسومة- والان حان موعد الهروب الامريكي الكبير من العراق- )، والذي يهدد بانهيارها داخل حدودها الاقليمية وليس في العراق فقط اذا واصلت الاحتلال وفقا لقواعد الصراع الحالية، لذلك فان تغيير قواعد الصراع في العراق وسرقة الوقت او محاولة احداث ثغرات في صفوف الوطنيين العراقيين، خصوصا البحث عن طريقة ما لشق، او اضعاف المقاومة الوطنية العراقية، هو ما تريد امريكا تحقيقه من وراء لعبة الانتخابات، لاجل منع هزيمتها المحتمة او على الاقل تأخيرها لاطول فترة ممكنة.

    ما هي ابعاد هذه اللعبة؟ هنا سنقدم تحليلا مركزا لاهم ما تريد امريكا تحقيقه من وراء الانتخابات.

    اضفاء شرعية شكلية على الاحتلال:

    تدرك امريكا ان حكومات في العالم، ومهما ايدتها في احتلالها للعراق، فان صوت العدالة الدولية سيبقى عاليا ما دام القانون الدولي وميثاق الامم المتحدة لم يتغيرا من الناحية الرسمية. فمن الناحية القانونية الدولية امريكا دولة احتلال في العراق وهو ما اكده الامين للامم المتحدة رغم انسياقه وراء امريكا، كذلك فان امريكا قدمت مذكرة للامم المتحدة تعترف فيها انها دولة احتلال في العراق، في محاولة منها للحصول على دعم العالم وتغيير صفة الوضع الامريكي في العراق. لكن هذه المحاولة باءت بالفشل لان اقصى ما قدمه مجلس الامن هو الدعوة للتعاون مع العراق في ظل الاحتلال، وهو غير الاعتراف بشرعيته. ان الدول الدائمة العضوية تعرف ان القانون الدولي لا يقر احتلال العراق ولا يمكنه ايجاد تخريج قانوني مقنع له، لذلك كان اقصى ما فعله المجلس هو التعامل مع الامر الواقع في العراق وليس تغيير طبيعة الاحتلال وجعله وجودا شرعيا، كما تتمنى وتروج امريكا واتباعها.

    اضافة لذلك فان ميثاق الامم المتحدة بسبب قيامه على اساس السيادة المتساوية للدول الاعضاء، كما تنص ديباجته، لا يملك السلطة لاضفاء صفة شرعية على احتلال العراق وهو دولة ذات سيادة وعضو مؤسس للامم المتحدة، الا اذا تغير الميثاق وتضمن بنودا تسمح باعتماد مبدأ فوق السيادة، وهو مبدأ الحكومة العالمية، وهو ما لم يحصل من الناحية النظرية حتى الان، حتى لو ان بعض الحكومات اخذت تقبل النظرية الامريكية التي تدعو لتقبل فكرة السيادة الناقصة، او المقيدة للجميع ما عدا السيادة الامريكية التي يجب ان تمثل سلطة الحكومة العالمية كما تريد امريكا.

    وفي ضوء ما تقدم فان مستقبل امريكا في العراق، والقدرة على محاسبتها في المستقبل على جرائمها ضد الشعب العراقي، نظريا او عمليا مرتبطة بايجاد مخرج قانوني يدفن، من جهة اولى، حقوق العراق الشرعية (مثلا التعويضات عن خسائر العراق من جراء الحصار والغزو) عبر توقيع اتفاقيات مع حكومة منتخبة ولو شكليا تتخلى بموجبها عن تلك الحقوق، ويمنح امريكا، من جهة ثانية، امتيازات طويلة الامد في مجالي النفط والامن (القواعد العسكرية او التسهيلات العسكرية) بتوقيع اتفاقيات مع حكومة يمكن الجدل حول شرعيتها على المستوى الدولي، حتى لو تيقن الشعب العراقي انها نتاج انتخابات مزورة، بحيث تمنح امريكا حقوقا في استثمار النفط لمدة لا تقل عن 40 عاما وبنسبة ارباح غير مسبوقة في العالم تبلغ حوالي 42%. وتستخدم القوة العسكرية خصوصا الجوية والصاروخية لضمان تنفيذ تلك الاتفاقيات بعد تحرير العراق.

    وكلما تيقنت امريكا من انها مهزومة لا محالة ازدادت حاجتها للانتخابات، وهذه الحقيقة تفسر لماذا اقترن الاستعجال الامريكي لاجراء انتخابات مع النجاح التام للمقاومة، ليس فقط في دحر الاحتلال وشرذمة قواته بل انها ايضا ثبتت، ورسخت في اذهان الجماهير العراقية، حقيقة انها هي وليس غيرها الممثل الوحيد والشرعي للشعب العراقي. وهذا التوازن الستراتيجي الحاسم المائل بقوة لصالح المقاومة العراقية المدعوم برفض الاخيرة التفاوض مع امريكا الا في اطار شروطها المعلنة، والتي تحرم امريكا من أي مكسب في العراق، بل بالعكس فانها شروط تفرض على امريكا الانسحاب الكامل وغير المشروط ودفع تعويضات للعراق كدولة وللعراقيين كافراد، هذا كله جعل امريكا ترى في اجراء انتخابات عاجلة ضرورة حاسمة من ضرورات الاستعداد للانسحاب من العراق لتجنب الانهيار الشامل نتيجة الضربات المباركة للمقاومة الوطنية العراقية.

    اذن الانتخابات تستبطن هدفا خطيرا وهو استباق الاحداث الخطيرة القادمة والتي اهم عناوينها الحتمية الانسحاب الامريكي من العراق، لاجل تحقيق مكاسب كبرى تعوض عن خسائرها، من جهة، وتوفر لها امتيازات اقتصادية وستراتيجية من جهة اخرى. وهذا يتطلب وجود حكومة منتخبة تستطيع ان توقع اتفاقيات ملزمة بعد ان تكتسب صفة شرعية شكلية.

    تعريق الحرب:

    بتشكيل حكومة بعد اجراء انتخابات وانضمام كتل اخرى اليها، مثل كتل ما يسميه الاحتلال (السنة)، وبتقديم بعض الامتيازات المادية والوجاهية السلطوية للاطراف المختلفة الممثلة للطوائف والاثنيات، يريد الاحتلال توسيع قاعدته التي يستند اليها في محاولته تغيير معادلة الصراع التي استقرت منذ الاسابيع الاولى للغزو لصالح المقاومة، باجتذاب بعض من يشكلون الان جزء من المحيط البشري الذي تسبح به اسماك المقاومة، وبذلك يمكن انشاء فيالق اخرى من (السنة) تضاف الى فيلق بدر والبيش مركة، على ان يتم ذلك تحت واجهة الجيش الجديد واجهزة الامن الجديدة، وقيام هذه الاجهزة العسكرية والامنية بالتصدي للمقاومة المسلحة تحت شعار (حقن دماء العراقيين وحل مشكلة الاحتلال عبر الامم المتحدة والمنظات الاقليمية كالجامعة العربية). وهذه الترتيبات الامريكية ما هي الا مقدمة لاشعال حرب بين العراقيين، قد تسمح لامريكا بتحقيق هدفين ابتدائيين هما: حماية قواتها من القتل بفضل درع عراقي، وايقاف استنزاف اله امريكا الاوحد وهو المال، والثانية تصفية او اضعاف المقاومة العراقية بقيام الاجهزة الجديدة بشن حرب عليها.

    والنجاح في تحقيق الهدفين الابتدائيين يفضي الى تحقيق الاهداف الستراتيجية الكبرى وفي مقدمتها تقسيم العراق، بعد اشتعال حرب اهلية، وحصر المقاومة في مناطق، او جيوب كما تسميها الخطة الامريكية، ومعالجتها تدريجيا، وهكذا يمكن لامريكا تحويل الهزيمة المحققة التي تلوح في الافق الان الى نصر او مقدمة للنصر وترجمة ذلك الوحيدة هي تكريس الاحتلال وتحويل العراق الى مستعمرة امريكية صرفة.

    تأمين الغطاء الدولي:

    وتشكيل حكومة ائتلافية بعد انتخابات سيسهل عملية جلب قوات دولية الى العراق باسم الامم المتحدة، لان الانتخابات ستقدم مالم تستطع الامم المتحدة تقديمه بسبب قواعد القانون الدولي الحالية، وهو الغطاء الشرعي. اذ ستستطيع اوربا وروسيا والصين ودول اخرى القول بان الاحتلال انتهى بأجراء انتخابات، وان الحكومة شرعية، وبصفتها تلك من حقها ان توقع اتفاقيات امنية واقتصادية، وان المقاومة المسلحة تعمل ضد الشرعية، وهي لذلك ارهاب منظم يجب القضاء عليه بجهد دولي مشترك! وهكذا يصبح على المقاومة مواجهة قوات عربية واسلامية باسم الشرعية الاقليمية (الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي)، وقوات دولية بأسم، الشرعية الدولية، ممثلة بالامم المتحدة، وباسم ما يسمى (المجتمع الدولي) ممثلا بكافة الدول غير الدائمة العضوية.

    اكثر من ذلك فان امريكا لن تحصل فقط على درع اقليمي ودرع اخر دولي يحمي قواتها من الاستهداف، بل ايضا ستقوم كل الاطراف المذكورة بتقديم اسهامات مالية لتمويل الوجود الامريكي في العراق، الامر الذي سيؤدي الى اسكات الاصوات المعارضة للحرب والغزو داخل امريكا، والتي لم ترتفع الا حينما اصبح غزو العراق باهض التكاليف ماديا وبشريا. واذا حصل ذلك فان المقاومة العراقية ستواجه تحديات اكبر بكثير من تلك التي واجهتها حتى الان، وسيتعرض استقلال العراق الى خطر الاستبعاد لعدة عقود من الزمن . ولن يتوقف الامر عند هذا الحد بل ان استقرار الاحتلال في العراق سيسمح لامريكا بالعودة الى تنفيذ مخطط (المحافظون الجدد) والذي دفعته المقاومة العراقية الى زاوية التاجيل وربما الالغاء، وسيكون الوطن العربي كله في مهب الريح الصهيوامريكية.

    بناء القاعدة المادية لتقسيم العراق:

    أن اجراء انتخابات وتشكيل حكومة وفقا لاسس دستور نوح فيلدمان سيقود حتما لوضع القاعدة المادية لتقسيم العراق، فتقاسم الثروة طبقا لما نص عليه سيؤدي الى خلق امتيازات مادية للاقاليم التي تشكل العراق الفدرالي، وهو عراق كونفدرالي في الواقع، كما تؤكد نصوص الدستور التي تغلب قوانين الاقاليم على قوانين المركز وتلك اهم مميزات النظام الكونفدرالي، وبمرور سنوات سنجد ان دولا مستقلة قد تكونت في الجنوب والشمال، بموارد مالية مستقرة وجيوش محلية متكاملة، وسيصبح أي عمل من اجل وحدة العراق يصطدم بمعارضة قوية من شرائح ما زالت حتى الان تؤمن بوحدة العراق، بعد ان تفسد عراقيتها الامول والامتيازات المالية، تماما مثلما خلق الاستعمار البريطاني عوامل سلخ الخليج العربي عن عروبته، بتكديس الثروة في امارات عزلت عن الكتل السكانية الكبيرة في الوطن العربي، مما جعل تلك الامارات تعيد ترتيب اولوياتها، وتدفع بالرابطة القومية خلف المصلحة الخاصة، وتغلب الاخيرة بشكل مطلق على ما عداها.

    ان العراق يتعرض الان لنفس الخطة البريطانية التي نفذت في الخليج العربي، بنص الدستور، الذي اقر واصبح ملزما لمن سيلتحق بالعملية السياسية وكان يرفضه، على ان الثروات العراقية الحالية تقع ضمن الصلاحيات المشتركة لحكومات الاقاليم الاتحادية والمركز، لكن الثروات التي ستكتشف لاحقا ستكون من حصة الاقاليم حصرا، وهكذا ستبدأ رحلة خلجنة العراق، أي وضع عروبته على نفس مسار عروبة الخليج التي اضمحلت، حينما اصبح معيار المحافظة على الثروات المكتسبة هو المعيار الحاسم في اتخاذ القرارات المصيرية وليس الانتماء القومي.

    تصحير العراق:

    ان خلجنة العراق لا تقتصر على تقاسم الثروة بين (امارات) صهاينة الشمال الكردي او صهاينة الجنوب وصهاينة الوسط، وجعل ذلك الاساس المادي لتقسيم العراق، بل ان المشروع الامريكي يتضمن خطة اخطر بكثير وهي خطة تصحير العراق وجعله مثل باقي دول الخليج العربي، محض سعة صحراوية لا موارد لها الا النفط، عبر التدمير المنظم للزراعة والصناعة، واجبار العراقيين على زيادة الاعتماد على موارد النفط بالاساس واهمال الزراعة. وهذه الخطة لم تبدأ مع الغزو بل ابتدأت مع فرض الحصار الذي شهد القضاء على نصف نخيل العراق، بالقاء مايكروبات مدمرة للنخيل من الطائرات الامريكية، بحيث اصبح العراق مصدرا ثانويا للتمر بعد ان كان اول واهم مصدر له ، ثم اصبح بعد الغزو مستوردا له! هل نبالغ او نتحدث في اطار ما يطرب له الامريكيون وهو( نظرية المؤامرة)؟ كلا طبعا لاننا نعتمد، اولا وقبل كل شئ، على ما يجري على ارض العراق من تطورات، من جهة، وعلى ما جرى ويجري لاشقائنا العرب من جهة ثانية، وعلى مانشر حتى الان من معلومات امريكية حول هذا الامر من جهة ثالثة.

    فالواقع العراقي يشهد ازدياد احتضار المزيد من نخيل العراق بصورة متعمدة ومخططة، لان تدمير نصف نخيل العراق هو واقع وليس فرضية، كما ان القوانين التي اصدرها بول بريمير، الحاكم الامريكي السابق للعراق، تصنمت قانونا يمنع الفلاح العراقي من استخدام البذور العراقية التي تعود اجداده عليها لالاف السنين ويلزمه بشراء حبوب من مصادر امريكية، وهذا يعني ان الزراعة العراقية ستتعرض للخراب الذي تعرضت له الزراعة المصرية. ان ما جرى للزراعة المصرية، خصوصا زراعة القطن، دليل على وجود خطة امريكية اسرائيلية لتدمير مصادر حياة العرب، فلقد كانت مصر تشتهر بتصدير القطن الممتاز والمنسوجات الراقية، الا ان القطن المصري وصناعة النسيج المصرية تدهورت نتيجة اقناع مصر اثناء التطبيع مع اسرائيل بالتخلي عن زراعة القطن طويل التيلة واستبداله بقطن قصير التيلة، رغم ان مصر منذ الفراعنة احترفت زراعة القطن طويل التيلة. فماذا كانت النتيجة؟ تدهورت الزراعة والصناعة القطنية المصرية ولم تعد مصر في مقدمة المنتجين في هذا المجال، وقفزت اسرائيل لتصبح في مقدمة المنتجين، بسبب اعتمادها على القطن الطويل التيلة الذي اخذته من مصر!

    اما ما كشفت عنه مصادر امريكية حول التدمير المنظم لزراع النخيل وهي من اهم عناصر الزراعة في العراق، فهو الاخر يقدم الدليل على ان امريكا قد خططت لتصحير العراق، فبالاضافة لما فعلته منذ فرض الحصار، كشف مقال نشرته شبكة اوروك انفو يوم 9 – 12 – 2005 في مقال بعنوان:

    Biopiracy and GMOs: Fate of Iraq's agriculture

    عن خطة امريكية لتدمير الزراعة خصوصا زراعة النخيل في العراق، عن طريق منع الفلاح العراقي من استخدام البذور العراقية التي يأخذها من المحصول ويزرعها، ويلزمه بشراء حبوب معدلة جينيا من الشركات الامريكية، طبقا للقانون 81 الذي اصدره بريمر، وهذا الامر سيؤدي عمليا لتدمير الزراعة العراقية، لان الفلاح العراقي تعود خلال الاف السنين على طريقته الطبيعية وهذا التغيير سيدخله في مغامرة لا احد يعرف عواقبها الكاملة الان. كما ان البذور المعدلة جينيا تحمل معها مخاطر تلوث بيئي ومخاطر اخرى على الصحة، وتلك حقيقة تدور حولها الان في العالم نقاشات تتركز على مخاطر البذور والمحاصيل المعدلة جينيا.

    ان هذا التغيير الجذري في قواعد العمل الزراعي في العراق سيؤدي اذا طبق الى تدهور الزراعة وزيادة الفقر، ومن ثم النزوح اكثر فاكثر من الريف الى المدن. وهكذا تبدأ رحلة التصحر في العراق نتيجة انهيار الزراعة وزيادة الاعتماد على النفط. والتصحر هو الضمانة الاساسية لمنع العراق من النهوض مجددا، وفي ذلك خدمة مزدوجة: تحويل العراق ليصبح مثل بقية دول الخليج مجرد بقرة نفطية حلوب تعتمد كليا على مورد واحد، وحماية اسرائيل عبر قبر مشروع النهضة العربية باقامة صناعات عصرية وزراعة متقدمة تحقق الاكتفاء الذاتي ، كما فعل النظام الوطني في العراق.

    تجربة السنتين ونصف في ظل الاحتلال:

    واخيرا وليس اخرا علينا ان نطرح السؤال الجوهري التالي: الم تكن تجربتي انتخابات بداية هذا العام والاستفتاء كافيتان كي نستخلص الاستنتاج الصحيح، القائل بان الانتخابات الحالية لن تكون افضل، من حيث نزاهتها، عما سبقها؟ لقد اكدت كل الوقائع ان الاحتلال لم ولن يسمح بحصول انتخابات تؤدي الى اخراجه من العراق مهما كان السبب، ومن يعتقد بالعكس فهو اما غبي احمق او عميل مزمن. ان التزوير والاقصاء العمدي للشعب عن المشاركة في الانتخابات، رغم عدم شرعيتها، والاعتماد على الاحزاب التي جلبها معه من الخارج في تنفيذ اللعبة الانتخابية، التي اراد بها ترسيخ احتلاله واجتذاب السذج او ذوي النفس القصير او المرتبطين بمصالح مع الاحتلال او خدمه الرسميين، وصرف الاموال لشراء الذمم.. الخ كل ذلك يستهدف تزوير الانتخابات للوصول الى الاهداف التي تؤمن انقاذ الاحتلال من اخطر كارثة ستراتيجية تتعرض لها امريكا في تأريخها كله، وتغيير قواعد الصراع التي سادت منذ حصل الغزو واهمها ان المقاومة هي الطرف المنتصر والذي يزداد قوة وتأثيرا يوما بعد اخر.

    الاستنتاجات الختامية: كيف تتغير قواعد الصراع؟

    إن الانتخابات وما ارتبط بها من تهيئة مدروسة وفي مقدمتها ماسمي (مؤتمر القاهرة)، والذي كان عبارة عن اعداد المسرح العراقي لاستدراج بعض الوطنيين للانخراط في العملية السياسية، وفي مقدمتها الانتخابات، والذي لا يعني، أي الانخراط، الا شيئ واحد قبل كل شئ وهو قبول ترتيبات الاحتلال والانقلاب على المقاومة الوطنية التي كانوا يقولون انهم يدعمونها. دعونا اذن نستخلص النتائج التي يمكن ان تؤدي اليها محاولة امريكا تغيير قواعد الصراع الستراتيجي:

    اولا – الخطوة التمهيدية الامريكية الاهم هي اجتذاب وطنيين الى حلبة التعاون الصريح مع الاحتلال وفقا لشروطه، واصدار امر لعناصر أخرى مثلت دور الوطني الرافض للاحتلال كي تتخلى عن ذلك الدور، وتبدأ العمل وفقا لقواعد وترتيبات الاحتلال بعد ان انتهى دورها الاول وأدى اغراضه، ومنها ارباك الصف الوطني ومحاولة اختراق المقاومة او بعض فصائلها، وقيام كل هؤلاء بالانخراط في العملية السياسية ، وفي مقدمة ذلك الاشتراك في الانتخابات، ونبذ العنف. الامر الذي يعني حصول تحول خطير وهو منح الشرعية للاحتلال وللحكومة التابعة له والتي ستشكل بعد الانتخابات ، وبذلك تكون امريكا قد حققت ما يلي من اهداف مرسومة سلفا:

    أ – تأمين اشتراك ممثلين عن كل اطياف العراق في دعم العملية السياسية، والتي لا ترجمة لها سوى الرضوخ الصريح للاحتلال، فمنذ البداية وفرت الزعامات الصهيوصفوية بقيادة الايراني السيستاني، والزعامات الصهيوكردية بزعامة البارزاني والطالباني، غطاء انخراط من اسمتهم امريكا (شيعة واكراد العراق) في دعم الاحتلال، وكانت المشكلة الشكلية هي (معارضة السنة)، فكان مطلوبا اجتذاب ممثلين عنهم كما فعل السيستاني والبارزاني والطالباني، لاكمال ترتيبات الاحتلال الخاصة بتحقيق (اجماع وطني) يدعم الاحتلال. وهذه الحقيقة تفسر ظاهرة بروز اطراف (سنية) عارضت الاحتلال بقوة في بدايته، وكانت لغتها وطروحاتها طائفية تماما، حينما كان المقاومون مشغولون بقتال الاحتلال، وكسبت سمعة وطنية، لكنها حينما جاء دورها غيرت موقفها 180 درجة وارتمت باحضان الاحتلال وتبنت طروحاته كاملة، واهمها الانخراط في العملية السياسية خصوصا المشاركة في الانتخابات.

    ب – حرمان المقاومة من بعض محيطها الداعم وتحويل هذا البعض الى الى محيط مناهض ومعاد، وبروز تحالف غير مقدس بين كل اركان الاحتلال من طائفيين من مختلف الطوائف، وعنصريين انفصاليين، وعملاء ومرتزقة اشترى الاحتلال ضمائرهم، يتولى، أي المحيط، مهمة عزل المقاومة او اقناع فصائل منها بترك السلاح والعمل بوسائل (ديمقراطية ومتحضرة) لاخراج الاحتلال!

    ج – اقناع الراي العام الخارجي بان الاحتلال قد نجح في تأمين دعم كافة شرائح المجتمع العراقي له، وهذا الانطباع سيسهل عملية ارسال قوات دولية واقليمية باسم الامم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي وحلف الناتو الى العراق، وبذلك تستطيع امريكا، وحسب خطتها التخلص من اهم سببين لهزيمتها في العراق، وهما الاستنزاف المادي المدمر اولا، والاستنزاف البشري المحرك للمعارضة للغزو داخل امريكا.

    ثانيا – تحويل موقف المقاومة من حالة الهجوم المستمر والمتصاعد منذ بدء الاحتلال الى موقف الدفاع، وذلك لان قوى جديدة ستضاف الى القوى الداعمة للاحتلال منذ البداية، كما ان قوات خارجية عربية واسلامية ودولية ستضاف الى قوات الاحتلال، وبذلك تزداد حملات الابادة ضد العراقيين الداعمين للمقاومة وضد المقاومة التي يراد لها ان تفقد بعض مكونات محيطها الصديق.

    ثالثا – باضفاء الشرعية على الحكومة التي ستشكل بعد الانتخابات ستبدأ حملة تقوم على محاولة تجريد المقاومة من الشرعية التي تملكها، خصوصا تحت شعار (وضع حد لسفك الدماء العراقية)، وهذه مجرد خطوة على طريق القضاء على المقاومة المسلحة.

    رابعا – ان اضعاف المقاومة او انهاءها يعني امر واحد لا غير: بقاء الاحتلال وبناء نظام استعماري امريكي في العراق قد يستمر عقودا من الزمن.

    خامسا – وسيقوم النظام الاستعماري هذا بتقسيم العراق فعليا بتطبيق نظام الكونفدرالية واثارة الميول الانانية في جنوب العراق، بعد فصل الشمال، واقتران ذلك بخلجنة العراق، أي تصحيره وتدمير كل الموارد الزراعية والصناعية وتحويله الى مجتمعات استهلاكية لا تعرف سوى استلام حصتها من النفط وصرفها على السلع الاستهلاكية. وهذا الهدف الستراتيجي هو من اسس الخطط الصهيونية الامريكية، التي ثبت انها تقوم على تدمير أي مشروع نهضوي عربي حماية لاسرائيل من جهة، وضمانا لسيطرة الاحتكارات الامريكية من جهة ثانية .

    سادسا – تحويل العراق الى قاعدة انطلاق لتنفيذ مخطط المحافظون الجدد، والذي عطلته انتصارات المقاومة العراقية، خصوصا احتلال سوريا ولبنان ومصر والسعودية وغيرها من الاقطار العربية، لان شكل الهيمنة الامريكية الحالي لم يعد مناسبا لمرحلة بناء امبراطورية كونية امريكية تعتمد اساسا على نفط الخليج العربي وفي مقدمته نفط العراق في تركيع القوى الدولية عبر الابتزاز النفطي.

    سابعا – ويترتب على ذلك كله محو هوية العراق العربية وتقاسمه بين صهاينة الشمال وصهاينة الجنوب، اما وسط العراق فسوف يصبح القسم الافقر والاشد معاناة من بين كل اجزاء العراق، انتقاما منه لدوره البارز في مقاومة الاحتلال واذلال امريكا كما لم يحصل لها في تاريخها كله، من جهة، وتمهيدا لتحويله الى معسكر كبير لاسكان اللاجئين الفلسطينيين والذين ما زالت مشكلة عودتهم الى ديارهم احدى اهم مصادر فشل التطبيع مع اسرائيل من جهة ثانية.

    اذن فان كل وطني عراقي يشارك في الانتخابات سيشارك في وليمة وأد العراق وتدميره ومحو هويته كما وضحنا، وفي تحويل ملايين العراقيين الى لاجئين في مختلف بلدان العالم، لانه سيمنح امريكا كل مارادت الحصول عليه عبر الاحتلال لكن المقاومة افشلت كل شئ. واذا تمكنت امريكا من اضعاف المقاومة او القضاء عليها فان الامل الوحيد للشعب العراقي في التحرر من الاحتلال والمحافظة على وحدته وهويته، وهو وجود المقاومة سيتلاشى، ويدخل العراق عصرا هو الاشد بؤسا وظلامية ومأساوية في تاريخه كله.

    من هنا فان كل الوطنيين العراقيين مطالبين اليوم بمقاطعة الانتخابات لمنع تحقق كل ما اسلفنا ذكره، وان ترتفع راية واحدة وستراتيجية واحدة لا غير على ارض العراق وهي راية المقاومة المسلحة وستراتيجية المقاومة المسلحة ، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العراقي.

    واخيرا لابد ان نشير الى ان المؤامرة التي شرحنا بعضا من اهم خطوطها ستفشل حتما لان المقاومة المسلحة تملك كل متطلبات مواصلة القتال لما لايقل عن عشر سنوات وبزخم اعمق وسعة اكبر واقتدار اعلى ، وهذه الحقيقة تجعلنا ننصح من صام ويريد الافطار على خمر ان يتراجع الان وان يتقي الله ويتذكر ان حكم الشعب قادم لا محالة وسيحاسب من يلتحق بالخونة مثلما يحاسب الخونة
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-12-14
  3. ابو خطاب

    ابو خطاب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-10-31
    المشاركات:
    13,910
    الإعجاب :
    1
    ولانه حتى ولو شارك اهل السنة في الانتخابات في ظل الاحتلال فيسفوز الشيعة بذلك لان الامريكان يردون ذلك وهم راضون عنهم كل الرضى الى جانب ان اهل السنة شردوا وهدمت بيوتهم هجروا من مدنهم ومناطقهم بينما مدن الشيعة الرافضة ءامنة ومستقرة

    [​IMG]
     

مشاركة هذه الصفحة