تدويل الخلافات السلفية ومحاولة فك الإرتباط

الكاتب : قطري بن الفجاءة   المشاهدات : 553   الردود : 0    ‏2005-12-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-08
  1. قطري بن الفجاءة

    قطري بن الفجاءة عضو

    التسجيل :
    ‏2005-10-11
    المشاركات:
    190
    الإعجاب :
    0
    تدويل الخلافات السلفية ومحاولة فك الإرتباط
    محمد عبدالصمد الهجري

    حتى على مستوى الخلاف السلفي السلفي تبرُزُ"العقدةُ اليزنيةُ" (١) كإشكالية متجذرة ضاربة أطنابها في أرضية (السلفية الدماجية) عبر تدويل الخلاف المحلي بجعل الخارج طرفاً وشريكاً في قضية محلية بحتة على أن ثمة هوةً نظريةً فارقةً؛ كون (السلفية الدماجية) أيديولوجيةً يصعُبُ فصلُها كنطاق جغرافي متفردة عن الارتباط الأيديولوجي العام بالخارج المتعلقة بظروف النشأة وعوامل الاستمرار، مما يجعلُ حقيقةَ التدويل نظريةً تحتاجُ إلى مبرهنة مستندة إلى معطيات منطقية تدحض المداخلات، وتؤكدُ تجليات ثقافة التدويل كحقيقة واقعية بل تأريخية لازمت التأريخَ اليمني منذُ القدَم، فضلاً عن جزئية "كالخلافات السلفية" الحاضرة المتصفة بتلك الخاصية دونَ أدنى شك، متخذةً في ذلك أنماطاً وأشكالاً مختلفة استخدمتها (السلفيةُ الدماجيةُ) كاستراتيجية منظمة للاستفادة المباشرة من هذه الخاصية عبر إحدى الأنماط التقليدية المتمثلة في (٢) "تحكيم الخارج" في النزاعات الداخلية، أو "الاستقواء بالخارج" كإشارة ضوئية خضراء معلنة بدء تنفيذ العمليات الهجومية المتكئة لوجستياً على الخارج، وهناك نمطٌ ثالثٌ يتمثلُ في"البحث عن حلول خارجية للمشاكل الداخلية" وشكلٌ رابعٌ في "محاكاة الخارج" فكراً وسلوكاً.

    ومما لا شك فيه أن الحديثَ عن التدويل والإرتباط وجدلية العلاقة بين الداخل والخارج في "الخلافات السلفية" البعيدة عن مفهوم التدويل السياسي التقليدي في قضايا الجماعات والأحزاب السياسية يحملُ سماتٍ مختلفةً عن التصورات العامة للتدويل بالمفهوم السائد.

    فـتدويل "الخلافات السلفية" هو عقدةٌ ثقافيةٌ -نفسيةٌ تشكل البنيةَ العامةَ لأزمة المواجهة وفسيولوجية التدويل وديناميكية الصراع.

    فعلى الصعيد الواقعي لم تكن (السلفيةُ الدماجيةُ)تعلمُ أن تدويلَ ملف أبي الحسن السليماني -مُنشئ حركة البروسترويكا في أوساط السلفية الجامية -بالإستقواء بالخارج كان ضربةً ارتداديةً لها في الصميم، فلم تكد رحى الحرب السلفية الثانية ضد الثائر المجاهد أبي الحسن تضعُ أوزارَها حتى ظهرت ملامحُ الحرب السلفية الثالثة -كهزة ارتدادية أولية للحرب الثانية ستعقبُها ارتدادت -شنها قادةُ الحرب الأولى والثانية بينهم -طارقين بها طبولَ الحرب الثالثة المشار لها المستمرة إلى يومنا هذا، تزعمُها التيارُ التقليدي الدوجماطيقي بقائدَيه الميدانيَين -أحباء الأمس أعداء اليوم- الكولونيل ربيع المدخلي والكولونيل فالح الحربي »السعوديَين« ليصبحَ المدعو علي رضا من كبار قواد المدخلي كما صار المدعو فوزي الأثري البحريني من كبار قواد الحربي، قابل هذا كله تقارباً فكرياً ومحاولات للإندماج والتنسيق في تيار الثورة البروسترويكية ممثلة بقائدها الثائر أبي الحسن السليماني مع الثوار القدامى كقادة جمعيتـَي الحكمة والإحسان على سبيل التمثيل.

    وبهذا فقد جنحت »السلفيةُ الدماجيةُ« أثناء الحرب السلفية الثانية -خصوصاً- للتدويل الخارجي عبر تطبيق مبدأ »الاستقواء بالخارج« كقوة ضاربة أساسية بعد انهيار الجدار المقدس المصطنع، وانكشاف الخلفيات الحقيقية للحرب، وسقوط »منهجية النقد« لدى »السلفية الدماجية« إلى مستنقع موبوء شكلاً ومضموناً، ذابت معه كلُّ قلاع الأدلة الرملية الموهومة أمام المنهجية العلمية المتسمة بالدقة لثورة البروسترويكا التي أحيَى بعضَ فصولها الزعيمُ أبو الحسن السليماني، ولقد كانت معالمُ »الاستقواء بالخارج« واضحةً ومفتضحةً على كافة الأصعدة والمحاور حتى وصلت إلى حد يثيرُ السخريةَ والعجبَ كما في سلسلة البيانات والفتاوى والمواقف الهزيلة »لمشيخة المدرسة« الأوليجاركيين.

    أما على صعيد أزمة التدويل بنمط "تحكيم الخارج" عند (السلفية الدماجية) فهي لا تكاد تخلو في أي نزاع محلي داخلي وإن لم يظهر النمطُ بشكله التقليدي، فمشايخُ المدينة استضافوا أبا الحسن السليماني ليقوموا بالدور المزدوج الذي أُنيط بهم »الوساطة المحكّمة« تماشياً مع جميع الإحتمالات الناشئة، ولإعادة إعمار آثار الضربات الشعواء الاستباقية التي شنها الكولونيل ربيع مدخلي في حق المستضاف وفي وقت سابق.

    لكن لم تستطع "الوساطةُ المحكّمة" أن تلعبَ أيَّ دور يذكَرُ بل كرست خطابات الاسترضاء لطرف ممجوج ومفضوح ورخيص، أكد ذلك الانحياز المفاجئ ببيان هجر وتبديع عقب بيان دفاع وبراءة ليس بينهما إلا أيامٌ معدوداتٌ تقلبت فيها الذممُ، وفسدت فيها الهممُ، وبيع الحقُّ بمتعلق موهوم، وصودر بخيالات اليقظة المنحبسة في الأذهان المتوجسة -خوفاً وضغطاً- بل الأمرُ محضُّ قُربان لتسابق استرضاء محموم أبانه بيانٌ مسطورٌ بمداد النفاق والمداهنة أوضح ذلك ما فيه من التضليل والتزويق والهذيان؛ لتفرغ "القضية الثورية" ضد التقليد والتقليديين -القيمة الحقيقية للثورة- من محتواها تماماً، ويتجه المسار القيادي موغلاً في أدغال الفردية الديكتاتورية واستبداد الأوليجاركية.

    ومما لا خفاء فيه أن "تحكيمَ الخارج" يندرجُ ضمن نمط "البحث عن حلول خارجية" من حيث المبدأ والمآل، وإن افترقا من جوانب ذات تقعيد تنظيمي ورُؤى شكلية إلا أن ما يمكنُ قولُه: إن أزمةَ حلول لقضايا "الصراع الداخلي" للجماعة أثمر نمطـَي "التحكيم" و"البحث عن الحلول" ولم تكن (السلفية الدماجية) يوماً عابئةً بالتصدعات والشقوق للجدران الداخلية التي أثرت فيها "العمليةُ التدويلية" وإحالةُ ملفات القضايا الداخلية -الخاضعة دوماً للمصالح والمفاسد المقدرة بالميزان الداخلي القريب من موقع الحدث "فبلديّ الرجل أعرف" و"أهلُ مكة أدرى بشعابها" -إلى الخارج البعيد اللاعب الأساسي للخلاف وإدارة مسار الأحداث فيه كقيمة (براجماتية) تنصبُّ في بحيرة الأولويات المهمة له.

    ومما يدلُّ على اللامبالاة وعدم العبء سلسلة المخرجات طوال السنين السابقة في واقع الحياة (السلفية الدماجية) فإنه لا تكاد بضعةُ أشهر تمُرُّ إلا و يرتمون في أحضان خلاف عريض، يحملُ جينات خلافات قادمة لا محالةَ تتضحَ بشكل واضح للناظر في الأفق الممتد القادم، فالخلافُ مقدمةٌ لخلافات، فخلافـُهم مع أبي الحسن السليماني كان مقدمةً لخلاف شمل كلَّ مَن وقف في صفه أو دافع عنه أو لم يقبل حكمَهم عليه وهلم جراً.. كلُّ هذا تم عبر "كملف التدويل" الحلقة الأقوى في عملية الهجوم.

    ثم إن "البحثَ عن حلول خارجية" كنمط من أنماط التدويل في قضايا الصراع السلفي المحموم يعَدُّ ركيزةً استراتيجيةً لدفعالخلاف الداخلي وتطورات نقد المعارضة لواقع المدرسة المهووس الغارق في مستنقعات خلافات اللاخلاف، والمحتضر بأزمة قلبية حادة تنحدر به إلى السقوط والموت السريري البطيء، لذلك كان نمط "البحث عن حلول خارجية" لا مردَّ لوضوحه في الآونة الأخيرة لاقتضاء عملية الإنقاذ ذلك، فـتسونامي ردة الفعل للفعل الهجومي في قرارات الإرتجال غير المدروسة إجتاحت أراضيَ(السلفية الدماجية) مخلفةً أعظمَ العبَر، وأجلى الفكَر، وأدنى الصوَر لعاقبة البغي والظلم -المقنن بلباس فضفاض واسع، والمحلّى بزينة الغيرة والدفاع عن الدين وأهل الحق، والتحذير من الباطل وأهله!!- فما كانت ردة الفعل تلك إلا حالة من حالات الإرتداد وقانونية الحياة، وديناميكيتها كما في قانون نيوتن الثالث "لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الإتجاه"، فهل كان تسونامي "ردة الفعل" إلا كذلك!!، ولكن أكثرهم لا يفقهون.

    فالإتجاهُ صوبَ الخارج بحثاً عن حلول دائمة لازمة الداخل في قضايا( السلفية الدماجية) برزت في مظاهر عديدة، وفي تأزمات مختلفة، ففي الحرب السلفية الثانية مثلاً كان الانتشارُ الخارجي لسفراء الداخل للخارج مستنفراً في أوجه لمحاولة كسب تأييد أوعقد أحلاف أو إبرام اتفاقيات أو الحصول على امتيازات أخرى مثـَّلَ ذلك اليمينُ السلفي حاولوا به سحب البساط من تحت اليسار السلفي البروسترويكي، وإن بدا لظانٍّ أن ثمة فارقاً بينالبحث عن حلول الخارج وبين إنجازات سفراء »المهمة الصعبة المذكورة آنفاً، فإن الجوابَ على زعم الظان وتوهمه يتأكد بنظرات التجميع الكلية لخلفيات الهرولة نحو الخارج بصفة عامة تعقبُها فرز ملحوظات العلاقة بين حلول الخارج وتدويل الداخل، ومدى الإرتباط الأيديولوجي بينهما، والتساؤلُ عن الحقيقة الجلية لنمطية البحث عن حلول الخارج من جانبي الواقعية ومصداقية التطبيق وبأن هذه الحلولَ ليست ضرباً من التأزيم والإنحيازية السلبية.

    ولسوف تتضحُ بعدئذ حقيقةُ ألا فارقَ فيما توهمه الظانُّ، وأن حلولَ الخارج تخدُمُ أيديولوجيةًَ »براجماتيةَ« الإرتباط وتثبت »الرابطة التساهمية« في مستقر معادلة الاستمرار، وتؤكد غالباً "موازنة الاستعباد" لاستكمال "المبادلة النفعية" لضآلة الفوائد الحقيقية المقدمة من الداخل للخارج، إقتضى إتباعُ سياسة "موازنة الاستهلاك" التي أحكم الخارجُ سيطرتَه بها وفرض توجهات سير إلزامية للداخل لم يجد ممثلي الداخل قياديي(السلفية الدماجية) بداً من التنفيذ ولو على مضض وكراهة من بعضهم، قابله رضى وتسليمٌ من البعض الآخر الذين بدأوا يشعرون بسلبيات الإرتباط بعد أن طالتهم سهامُ النقد وعباراتُ الجرح كمقدمة لمعركة قادمة، مما حدا بهم خوضَ سياسة "فك الإرتباط" كخطة جديدة.

    وفي خضم المحاولة الجادة لــ"فك الإرتباط" يبرز الشكلُ الرابعُ من أنماط التدويل في "محاكاة الخارج" فكراً وسلوكاً المرتبط بجدوى الولوج في هذه المحاولة الجرئية وهذا الإقدام النوعي في تأريخ (السلفية الدماجية) وهل أن "عمليةَ فك الإرتباط" هي مقدمةٌ لعملية فصل منهجي كالفصل الكلي الذي حصل في الحرب السلفية الثالثة!! أم أن "محاكاة الخارج" -النمط الطبيعي المتجذر في فكر (السلفية الدماجية)كقيمة أساسية في خطوط "المحاكاة التقليدية" -ستنقلبُ لزوماً خلال عملية فك الإرتباط!!.

    إن الحقيقةََ تلوحُ في الأفق المترائي بأن عمليةَ "فك الإرتباط" التي تم إعلانـُها في الاجتماع الأخير لمشيخة »السلفية الدماجية« بدت فيها بصماتُ الشارلمان/ يحيى الحجوري والتي استطاع بها كسب نقاط الانطلاق نحو »فك الإرتباط الجزئي« وبناء سياج محمية ذاتية حول نفسه -بعد أن إشتعلت معارك نقدية ضده جعلته المرمى المباشر والهدف القادم، مما لا يدع مجالاً للشك أن عملية »فك الإرتباط الجزئي« الذي تم تبنيه والإعلانُ عنه المتمثلُ في عدم العبء والقبول بأي نقد قادم من خارج ليس إلا إجراء وقائي وتدبير استباقي، وتحصينٌ دفاعي تم الإقدامُ عليه -خصوصاً بعد أن أعلن ناطق رسمي باسم الكولونيل ربيع مدخلي بأن ربيعاً يدرس قرار توقيف وتجميد عضوية الحجوري وإحالة ملفه لهيئة كبار العلماء، وأنه ليس ثمة ما يخشى من إحالة ملفه لهيئة كبار العلماء كما حدث في السابق في قضية أبي الحسن السليماني فإن غيرَ واحد كان سيستخدمُ حقَّ الفيتو.

    وأخيراً يعكسُ الإعلانُ السابقُ عناصرَ تطبيق تساؤلي عن مدى استمرار المحاكاة التقليدية سلوكاً وفكراً للخارج!! وهل هذا يعني أن "ثورة البروسترويكا" آتت ثمارَها وأكُلَها؟!.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ❊ هوامش: (١) كما عبَّرَ عن ذلك أستاذُنا الدكتور/ عبدالله الفقيه في عنوان مقاله في مجلة »النوافذ« ص ٧ عدد ٧، ٨.

    (٢) ذكر هذه الأنماط والأشكال أستاذُنا الدكتورُ/ محمد الظاهري في كتابه »المجتمع والدولة في اليمن«.


     

مشاركة هذه الصفحة