أسنى الهديات لقاذفي الحبيب الجفري بالشركيات

الكاتب : مجدد   المشاهدات : 636   الردود : 0    ‏2005-12-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-08
  1. مجدد

    مجدد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-10-04
    المشاركات:
    1,179
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    للفائدة رايت ان انقل هذا الموضوع





    أسنى الهديّات إلى قاذف الحبيب علي الجفري بالضلال وبالدعوة إلى الشركيّات




    بقلم
    (العبد الفقير )

    أبوالبراء مشرف منتدى رباط الفقراء
    1424هـ


    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله الهادي إلى أقوم طريق، الذي جعل إتبّاع نبيّه صلى الله عليه و سلم دليل حب العبد لربّه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدّنا محمداً رسول الله، والصلاة والسلام على نبيّ الهدى والرحمة، سيدّنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، إمام المهتدين وخاتم الأنبياء والمرسلين عبد الله ورسوله، فتح الله به أعيناً عمياً وآذاناً صمّاً وقلوباً غلفاً، وأنقذنا به من غواية الغاوين وضلال الضاليّن، وإضلال المضلّين، وتركنا على بصيرة من الأمر وعلى هدى مستقيم، وعلى المحجة البيضاء ليلها كنهارها، وعلى شريعة سمحة سهلة بيضاء نقيّة، تتسّع لكل مطالب الناس ومستلزمات الحياة في الدنيا والآخرة. وارض اللهم عن آل بيته الطاهرين، أصحابه الهداة المهدييّن، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
    فالخير كل الخير في إتبّاع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، والهلكة والضلال في الإبتداع. ولكن في تحديد المراد من قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) عصمة من التمادي في إطلاق الألسن بالتبديع والتضليل بفعل كثير من أنواع الخير، وفعل كثير من المسائل الفقهية المختلف فيها بين أرباب المذاهب الفقهية من المجتهدين الذين ما كانوا يثبتون حكماً بالرأي المحض، وإنمّا يستندون إلى مآخذ شرعيّة ضبطوها وبذلوا جهدهم فيها مع عدالتهم وسَعة إطلاعهم واستقامة أفهامهم، وتحرّيهم الصواب بتكرير النقل مرة بعد أخرى. وسار مَن بعدَهم على منوالهم فنظروا وانتقدوا واستنبطوا ورجّحوا.
    وربّما توهمّ قوم في خلافهم مع سواهم أنّ اختلافهم معهم على عقيدة، فشرّكوا وضلّلوا وبدّعوا بينما لم يتفطنوا إلى أن الإختلاف إنما كان على مفاهيم متخالفة في العبادة والشرك والبدعة، فلا يوجب ذلك الإختلاف تكفيراً أو تبديعاً.
    وقد روى أبويعلىعن حذيفة رضي الله عنه: (أنّ ما أخافه عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رُؤيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك. قال: يا نبي الله أيّهما أولى بالشرك المرمي أو الرامي ؟ قال: الرامي)
    قال ابن كثير: إسناده جيّد. وأخرج الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: (من دعا رجلاً بالكفر أو قال عدّو الله وليس كذلك إلا حارَ عليه، أي رجع عليه).
    وأخرج أبو القاسم الأصفهاني في "الترغيب والترهيب"، والخطيب في "المتفق والمفترق" عن سعيد ابن المسيّب أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: " ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً".
    والغلوّ في الدين وعدم الفقه والتفقّه في مقاصد الشريعة مع الإعجاب بالنفس، وعدم الإعتداد بآراء العلماء وأفهامهم، واستحلال دماء المسلمين المعصومة، وعدم المحاولة في فرض المخارج الحسنة لهم، وعدم تحمّل الخلاف في الرأي هو السبب في التبديع والتضليل والمسارعة فيها." اهـ. (بتصرّف من مقدّمة كتاب الإتبّاع والإبتداع للهاشمي)
    ففي الوقت الذي تمرّ فيه الأمّة الإسلاميّة بمرحلة حرجة من تكالب أعداء الدين عليها ومحاولة شق صفوفها وتوالي الفتن عليها، وحرص ولاة الأمر والعلماء في السعودية على نبذ التطرّف والتكفير والغلو في الدين، قام الأخ الكريم الشيخ عباس رحيم بنشر رسالة في الكثير من المنتديات على الإنترنت بعنوان "كشف شركيّات الجفري " وهذا أاشتملت على مقاطع صوتيه مبتورة للحبيب علي الجفري، وانهال على هذا الداعية إلى الله وعلى شيخه الحبيب عبد القادر السقاف، والعلاّمة الدكتور السيّد محمد علوي المالكي من آل البيت النبوي الطاهر – حفظهم الله تعالى حفظ الصالحين، بأقسى تهم الضلال والشركيّات والعياذ بالله.
    وقد طالب الكثير من رواد منتدى الصايرة وغيره، الأخ الكريم الشيخ عباس رحيم بأن يظهر التسجيل الكامل للجلسة التي دارت فيها المناقشة التي بتر منها المقاطع الصوتية لعلّها توضح ما التبس عليهم ، ولكنه ماطل وراوغ وتهرّب وبالرغم من قيام الكثير من الإخوة الأعضاء في المنتدى بتوضيح بعض جزئيات المسائل المختلف فيها وإقامة الحجة عليه وعلى أتباعه، وبنصحه بأن يرجع عن إتهاماته المنكرة في حق هؤلاء العلماء الأفاضل والسادة الكرام من أهل بيت النبوّة الطاهر، إلا أنه ومع الأسف الشديد تمادى وعاند وكابر وأصرّ على أقواله كما ورد في هذا الموضوع (http://www.alsayra.com/vb/showthrea...&threadid=36722)
    الذي كتبه بعد تبيين الحقائق من الحبيب علي الجفري في المقابلة التلفازية على قناة الإمارات الفضائية مؤخرّاً، فكان من الضروري بمكان جمع هذه الرسالة في الردّ على رسالته المذكورة أعلاه، مستشهداً بالأدلّة من الكتاب والسنة النبوية الشريفة وأقوال العلماء من السلف والخلف في دحض إفتراءاته وبيان بطلان مزاعمه وأوهامه التي بنى عليها قذف أقوال الحبيب علي الجفري بالشركيّات وقذفه بأنّه ضال وقذفه وشيوخه بأنهم دعاة بدعة وضلالة وشركيّات ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم، وأسميتها (أسنى الهديّات إلى قاذف الحبيب علي الجفري بالضلال وبالدعوة إلى الشركيّات)، راجياً من الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم في إظهار الحق والذبّ عن آل بيت حبيبه سيدّنا المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعن العلماء العاملين والأئمة المجتهدين من السلف والخلف الذين تعرّضوا بشكل غير مباشر في تلك الإتهامات الخطيرة من الأخ الكريم الشيخ عباس رحيم، وأسأله تعالى التوفيق والسداد،

    تمهيد:
    أولاً: ميزان نبوي للدلالة على الخطأ والصواب
    "مَن عَجَز عن إستقصاء البحث وإدراك الصواب فإنّ الشارع لم يتركنا هملاً، بل وضع في أيدي غير المتأهليّن للبحث والحجاج ميزاناً لا يختلّ إذا اختلفت الأهواء وافترقت الأمّة تبيّن لنا أنه إذا أجمع العلماء على شيء كان ما خالفهم هوى وضلالاً، كما بيّن أنهم إذا اختلفوا كان الصواب والرشاد مع رأي الكثرة من العلماء، كما بيّن أن المخالفين لهؤلاء يكونون قلّة.
    1- فروى أبو نعيم والحاكم وابن منده ومن طريقه الضياء المقدسي في "المختارة" عن ابن عمر مرفوعاً:
    (لا تجتمع هذه الأمّة على ضلالة أبداً، وإنّ يد الله مع الجماعة فاتبّعوا السواد الأعظم، فإنّ من شذّ شذّ في النار).
    كذا في كشف الخفاء للعجلوني ص50، وكذا هو عند الترمذي.
    2- وروى عبد بن حميد وابن ماجة عن أنس رضي الله عنه رفعه:
    (إنّ أمّتي لا تجتمع على ضلالة فإذا رأيتم الإختلاف فعليكم بالسواد الأعظم).
    كذا في كنز العمال ج1ص18، وكشف الخفاء ج2ص350. قال في كشف الخفاء ج2ص391: "إنّ مثل ذلك روي عن ابن عبّاس مرفوعاً كما في مستدرك الحاكم. وفي تخريج الحافظ ابن حجر لمسند الفردوس.
    3- وروى الترمذي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب بالجابية فقال:
    "عليكم بالجماعة وإيّاكم والفرقة فإنّ الشيطان مع الواحد وهو عن الإثنين أبعد".
    4- وروى الطبراني عن عرفجة بن شريح:
    "يد الله مع الجماعة والشيطان مع من خالف الجماعة يركض".
    وأحاديث التمسك بالجماعة في الصحيح أشهر من أن تذكر، والمراد بالسواد الأعظم في الروايات السابقة سواد علماء أمّته صلّى الله عليه وسلّم، لأنّ العلماء هم أهل الحلّ والعقد والإستنباط والإفتاء... ورأيهم بموجب هذه الروايات هو مظنّة الصواب، والتشكيك في صواب الكثرة بسرد آيات وأحاديث – إنّ أكثر من في الأرض ضالّون – فإنمّا مورد تلك النصوص هو كثرة الكفار وقلّة المؤمنين بها.وما زعم أحد أنّ الصواب يكون في جانب الكثرة المطلقة من كفار ومؤمنين، ولكنّا ندعي كما في أحاديث التمسك بالجماعة، والتحذير عن الشذوذ عنها بعمومها، وأحاديث الدعوة إلى إتبّاع السواد الأعظم من علماء هذه الأمّة المحمدّية المؤمنة، وأنّ الباطل يكون فيمن شذّ عنهم." اهـ. (الإتبّاع والإبتداع للهاشمي ص46-48)
    ثانياً: ما اختلف الفقهاء في حلّه وحرمته لا زجر فيه
    "من آداب الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنّ القائم بهذا الشأن ينبغي أن ينهى عن المنكرات المجمع على أنها كذلك ولا ينصرف إلى النهي عمّا اختلف فيه العلماء من المسائل الإجتهادية، فذلك اشتغال بالإنتصار لإجتهاده وشخصه، ومحاربة لما يقابلها من الإجتهادات الأخرى، وإنّ إثارة المسائل الخلافية في الفروع تفرّق ولا تجمع، وتوجب التراشق بالتبديع والتضليل.
    وقد اختلف الأئمة في كثير من المسائل الإجتهادية وهم جميعاً على الهدى ما دام الإختلاف لا عن هوى أو شهوة، ولا عن مخالفة نص أو إجماع أو قياس جلّي - غير معارضة بمثلها أو أقوى منها - إذ المجتهدون قد أدّوا ما عليهم ببذل الجهد وما في الوسع.
    1- قال ابن العربي في "القواصم والعواصم": إن العالم لا ينضج حتى يترفع عن العصبية المذهبية".

    2- وقال سفيان الثوري: "إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه".

    وقال أيضاً كما رواه عنه الخطيب البغدادي: "ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهي أحداً من إخواني أن يأخذ به".

    3- وفي "الآداب الشرعية" لابن المفلح قال أحمد من رواية المرزوي عنه:
    "لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشتد عليهم".

    4- وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم:
    "ليس للمفتي ولا للقاضي أن يفرض رأيه على من خالفه إذا لم يخالف نصاً ولا إجماعاً أو قياساً جليّاً ".

    5- وفي "جامع بيان العلم" لابن عبد البر عن القاسم بن محمد في القراءة خلف الإمام فيما لم يجهر به قال:
    "إن قرأت فلك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، وإذا لم تقرأ فلك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة".

    6- ونقل عن يحي بن سعيد أنه قال:
    "ما برح أولو الفتوى يفتون، فيحل هذا ويحرّم هذا، فلا يرى المحرّم أن المحلّ هلك لتحليله، ولا يرى المحلّ أن المحرّم هلك لتحريمه".

    7- وفي "الإنصاف في بيان الإختلاف" لوليّ الله الدهلوي: "قد كان من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة، ومنهم من لا يقرؤها، ومنهم من يجهر بها، ومنهم من يسّر، وكان منهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت، ومنهم من يتوضأ من الرعاف والحجامة والقيء، ومنهم من لا يتوضأ، ومنهم من يتوضأ من أكل لحم الإبل أو ما مستّه النار، ومنهم من لا يرى في ذلك بأساً، ومع ذلك كله لم يمنع أحد منهم من أن يصلي خلف الآخر كما كان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأئمة آخرون يصلون خلف أئمة المدينة من المالكية وغيرهم، ولو لم يلتزموا بقراءة البسملة لاسرّاً ولا جهراً، وصلّى الرشيد إماماً وقد احتجم فصلى أبو يوسف خلفه ولم يعد الصلاة، مع أن الحجامة عنده تنقض الوضوء.

    وكان أحمد يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له: فإن كان الإمام قد خرج منه الدم ولم يتوضأ هل تصلي خلفه ؟ قال: كيف لا أصلي خلف مالك وسعيد بن المسيب إشارة إلى أنهما لا يريان الوضوء من خروج الدم.

    8- وقال ابن قدامة في كتابه "الروضة" في أصول الفقه:
    "إن للمفتي إذا استفتي وكانت فتواه ليس فيها سعة للمستفتي فله أن يحيله إلى من عند سعة"

    وهذا يعني أن للمفتي أن يدّله على من يخالفه في القول إذا كان في فتواه سعة، لأنه لا ضرر من الخلاف في المسائل الإجتهادية حيث أنه خلاف في أفهام الرجال.

    وينبغي للمرء أن لا يقدم على تخطئة الآخرين إلا بعد نظر عميق وأناة طويلة وعلم كامل.

    هذا وإن بحث المرء عن زلاّت العلماء وتتبع السقطات هو ديدن مريض الصدر سيء الطوية.

    ولكن للحرص على صيانة أحكام الله يجب أن يجتنب ما زلّ فيه العالم إذا وضحت الزلّة وضوحاً بيّناً.

    وكذلك يجب تتبّع من اشتهر بزلاته في أمور العقيدة وفيما أجمع عليه العلماء من أحكام إذ جاء في الحديث موقوفاً ومرفوعاً من رواية البيهقي والديلمي والطبراني وابن ماجه كما في كشف الخفاء للعجلوني:
    (أشدّ ما أتخوّف على أمّتي ثلاثة: زلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطّع أعناقكم فاتهموها على أنفسكم) اهـ.

    وقال عمر رضي الله عنه: "زلّة العالم تهدم الإسلام".

    وكم من علماء لهم مكانتهم فيما يحسنون من علوم فلما خاضوا فيما لا يحسنون جاؤوا بالقواصم." اهـ. (الإتبّاع والإبتداع للهاشمي ص40-43)

    إلى الباحثين عن الحقيقة بإنصاف وتجرّد عن الهوى والنفس والشيطان:

    1-يقول المُنكر القاذف:
    (1 – استمع إليه وهو يقول أن القاعدة أن الرسول صلى الله عليه وسلم يغيث بروحه من يستغيث به، ويمكن أن يغيث أيضاً بجسده، كما أن بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغيث بروحه مليون شخص في نفس اللحظة !!) http://www.geocities.com/abdullah_moslm/g1.rahttp://www.geocities.com/abdullah_moslm/g2.ra

    فالجواب عليه مجملاً: فما المانع في ذلك؟
    فهذا لا يستحيل عقلاً على قدرة الله تعالى المطلقة ولا معارض له شرعاً ونقلاً.

    ولبسط الجواب، لنقرأ بتجرّد وإنصاف بعض التعريفات الضرورية ثم نستعرض الأدلّة من الكتاب والسنّة:

    "ما معنى الإستغاثة والإستعانة ؟

    الجواب:

    1- الإستغاثة: طلب العبد الإغاثة ممّن يقدر عليها حقيقةً وهو الله تعالى أو ممّن أقدرهم الله عليها بحوله وقوّته وهم أنبياؤه وأولياؤه وعبادُه.

    2- الإستعانة: طلب العبد العون ممّن هو قادر عليه بذاته وهو الله تعالى، أو ممّن خلق الله فيه القدرة على الإعانة وهم عبادُه.

    هل يجوز الطلب من غير الله ؟ وما هي الأدّلة على الجواز إذا قيل به ؟

    الجواب مجملاً: يجوز طلب الإغاثة والإعانة طلباً لسانيّاً من جميع الأسباب العاديّة التي جرت سنّة الله تعالى بخلق الإمداد بها وإجرائه عليها، مع اعتقاد عدم تأثيرها في شيء من المقادير، وعدم قيامها بنفسها، وعدم استقلالها بالوجود. وهذا الجواز بإجماع من يُعتَدّ بهم من علماء السلف والخلف ولم يخالف في ذلك إلا المبتدعة ولا يعتدّ بخلافهم.

    الجواب مفصلاً: السبب العادي عند علماء العقيدة الإسلاميّة هو ربط أمر بأمر وجوداً وعدماً مع صحة التخلّف من غير أن يؤثرّ أحدهما في الآخر ألبتة.

    وعالَم الخَلق وعالَم الأمر بجميع أفرادهما داخلان في الأسباب العاديّة التي ليس لها تأثير ذاتي في إيجادٍ أو إمدادٍ، وليس في شيء منها قوى مودَعة، وليس لشيء منها حول أو قوّة أو قول أو فعل إلا بالله تعالى، وليس لشيءٍ منها قيام بنفسه بمعنى أنّه لا يصح استغناء شيءٍ منها عن الله تعالى وإمداده طرفة عين.

    فالعالَم كُلّه من عَرشه إلى فرشه قائم بقيوميّة الله تعالى وإمداده وحوله وقوّته، وهذه الأسباب العاديّة تنقسم إلى قسمين:

    1- قسمٍ جرت سنّة الله تعالى أن يخلق على يديه قدَراً ما لمن هو في عالم الشهادة وذلك كالملائكة والبشر، وهذا لكمال عالَم خلقه لوجود إمدادٍ من الله تعالى له بصفات المعاني السبعة من حيث تعلّقاتها.

    2- قسمٍ لم تَجر سنّة الله تعالى أن يخلق على يديه أو عليه قدراً ما لمن هو في عالم الشهادة وذلك لنقص عالمها عن إمداد الله تعالى بصفات المعاني جميعها، وإن وُجد إمداد ببعضها وذلك كالجمادوالحيوان.

    وبناءً على وجود هذا الفارق المشاهد والموافق للواقع بين هذين القسمين لا يصح لنا أن نقيس الجماد والحيوان على الملائكة والبشر، ولا يصحّ لنا أن نسوّي بينهما، فلا نعتبر من توجّه بسؤاله إلى حيوان أو حجر، ولا يصح كذلك أن نعتبر الأسباب العاديّة التي يُجري الله عليها المقادير والإمداد في عالم الشهادة الظاهر كالملائكة والبشر مثل الأسباب العادية التي لا يجري الله عليها شيئاً من ذلك كالأصنام التي كان يعبدها الجاهليّون.

    فيجوز شرعاً وعقلاً أن يطلب الإنسان بلسانه غَوثاً أو عوناً من سببٍ عادي جرت سنّة الله تعالى بخلق غَوث أو عون على يديه، ويكون قلبه أثناء طلبه اللساني مشاهداً ومعتقداً أنّ ذلك السبب العادي قيامه بقيوميّة الله، وحولُه وقوتُه بالله، وأنّ ما يجري على يديه إنمّا هو خلق الله وإمداده وليس للسبب تأثير ذاتي في شيء من ذلك القدر البتّة.

    فاللسان يسأل الإنسان والقلب يشاهد الرّب، اللسان يسأل السبب والقلب يشهد فعل الرّب عطاءاً أو منعاً.

    وقد ذكر علماء التوحيد والعقيدة: أنّ السبب واجب ونفي التأثير عنه واجب، وأنّ من نفى الأسباب فقد عطّل الحكمة ومن أثبت لها التأثير فقد أشرك بالله." اهـ. (الإسعاد في جواز التوسل والإستمداد لعبد الهادي الخرسة- ص9-12)

    أدّلة جواز الإستعانة والإستغاثة من الكتاب والسنّة:

    1- في سورة القصص قوله تعالى: {فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدّوه}

    يقصّ الله تعالى علينا قصة رجل قبطي من شيعة نبيّ الله سيدّنا موسى عليه الصلاة والسلام استغاث بالنبي فأغاثه. والأنبياء عليهم السلام كلّهم جاؤوا بالتوحيد وعدم الشرك، فلو كانت استغاثة الرجل به نوعاً من الشرك لنهاه عن ذلك ولما قصّ الله علينا ذلك مقرّراً له.

    2- في سورة الكهف قوله تعالى حاكياً عن ذي القرنين وهو مسلم مؤمن
    {فأعينوني بقوّة أجعل بينكم وبينهم ردماً}، فقد طلب من أتباعه أن يعينوه، ولو كان طلب العون منهم نوعاً من أنواع الشرك لما أقرّه الله على ذلك ولأنكره عليه، ولما ذكره في كتابه مقرّراً له.

    فإن قيل: هذا شرع مَن قَبلنا.

    فالجواب: هذا ليس حكماً من أحكام الشريعة التي يجوز أن تقبل النسخ، وإنمّا هو من أمور العقائد المتعلقة بالتوحيد، وأمور العقائد لا فرق فيها بين جميع الشرائع السماوية لأنّ جميع الأنبياء والمرسلين عليه السلام عقيدتهم واحدة لا شرك فيها بوجهٍ من الوجوه.

    وقد ورد في شرعنا ما يماثله وذلك في نصوص كثيرة منها قوله تعالى: {وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، فلولا وجود عون عند كل واحد منّا من الله تعالى إمداداً لما وُجد مضمون الأمر والنهي الوارد في هذا النص في الواقع امتثالاً، ويكون هذا النص حينئذ معطّلاً وهو باطل.

    وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. فالله يُعينك ويُعين بك أخاك، ونسبَ ذلك إلى العبد وأضافه مجازاً، لإعتقادنا أنه لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم.

    فإذا قلتَ لعبدٍ أعني أو أغثني فالمراد من ذلك: أعنّي بعون الله تعالى الذي أمدّك به، وأغثني بحول الله تعالى وقوّته التي أيدّك بها. ومن اتقد أنّ مخلوقاً يُعين أو ينفع أو يضرّ بذاته من ذاته فهو مُشرك.

    فإن قيل: قولك أعنّي أو أغثني سؤال لمخلوق فكيف جاز ذلك والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال لابن عبّاس رضي الله عنهما
    ( إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) رواه الترمذي ؟

    فالجواب: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم هذا لابن عباس رضي الله عنهما لا يعني إلغاء الأسباب، ولا ينفي سؤالها والطلب منها طلباً لسانيا، وإنمّا معناه - والله ورسوله أعلم - أنّه إذا عَرَضت لك حاجة فاسألها من الله تعالى قبل توجهك اللساني الظاهر إلى الأسباب التي ترجو أن يكون قضاء تلك الحاجة على أيديها، وبعد هذا التوجه القلبي لله أن يُيَسّر قضاء حاجتك تلك على أيدي الصالحين من عباده تتوجه بالطلب اللساني منهم.

    ويصح أن يقال أيضاً: حالَ سؤالك اللساني للأسباب تحقق أنك تسأل الله تعالى، لأنه هو الذي يُجري ما يشاء من المقادير على أيدي خلقه بحوله وقوّته، وليسوا شركاء معه في شيء منها، فاشهد بعد ذلك التحقق القلبي المقرون بالسؤال اللساني للأسباب ما سيخلقه الله تعالى ويُجريه من مَنع أو عطاء.

    والذي أوجب هذا التأويل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لربيعة بن كعبٍ الأسلمي رضي الله عنه (سلني) قال (أسألك مرافقتك في الجنّة) قال: (أو غير ذلك) قال (هو ذاك) قال (فأعنّي على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم.

    فهل النبي صلّى الله عليه وسلّم يأمر ربيعة بالشرك عندما يقول له (سلني) ؟ حاشاه من ذلك، وعندما قال له ربيعة (أسألك مرافقتك في الجنة) لم يقل له لا أقدر على ذلك أو لم يؤذن لي فيه أو ليس هذا من اختصاصي ولا في وسعي بل عليك أن تسأل الله ذلك، وإنّما قبل منه سؤاله وأقرّه عليه وقال له (أعني على نفسك بكثرة السجود).

    ولولا أنّ ربيعة كان يشهد بقلبه وحدانيّة الله تعالى وأنّ نبيّه محمداً صلّى الله عليه وسلّم ليس شريكاً مع الله تعالى في شيء وأنّ حوله وقوّته بالله وأنّ الله هو الذي يُجري ما يشاء من المقادير على يديه لما قال له) سلني).

    وفي حديث ربيعة هذا رد على القائلين بأنه يُطلب منه ما يقدر عليه ولا يُطلب منه ما لا يقدر عليه، وذلك لأنّ المرافقة في الجنّة لا يقدر عليها أحد من البشر فكيف وافقه النبي صلّى الله عليه وسلّم على طلبه هذا ؟

    فتبيّن أننا لا نتعامل مع النبي صلّى الله عليه وسلّم عند الطلب منه فيما هو معتاد للبشر، إنمّا نتعامل معه فيما ليس مُعتاداً لهم باعتبار خصوصيته عليه الصلاة والسلام فيما انفرد به عن الخلق جميعاً إلا الأنبياء، بوصف النبوّة والرسالة الذي شاركه فيه إخوانه الأنبياء والمرسلون عليهم السلام، وسرى إلى ورّاثهم شيء منه يسمّى عند علماء التوحيد الكرامة وهو الأمر الخارق للعادة لا الجاري على وفق العادة مما يقدر عليه البشر." اهـ.

    "وفي حديث "عُتبة بن غزوان رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: (إذا أضلّ أحدكم شيئاً أو أراد غوثاً وهو بأرض ليس فيها أنيس فليقل: يا عباد الله أغيثوني -وفي رواية- أعينوني، فإن لله عباداً لا ترونهم) رواه الطبراني في المعجم الكبير وقال: وقد جُرّب ذلك.

    فهذا الحديث صريح في جواز الإستغاثة والنداء لمن لا نراهم من عباد الله تعالى ويدخل فيهم الأحياء حياة برزخية ممّن لهم الرَوح فيروحون حيث شاؤوا. وقد عمل بهذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ففي شعب الإيمان للبيهقي، وفي كتاب المسائل قال عبد الله ابن الإمام أحمد: سمعت أبي يقول: "حججت خمس حجج منها اثنتين راكباً وثلاثة ماشياً أو ثنتين ماشياً وثلاثة راكباً فضللت الطريق في حجّة وكنت ماشياً، فجعلت أقول: يا عباد الله دُلّونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق" اهـ.

    ونقل الإمام النووي رحمه الله تعالى في الأذكار قول النبي صلى الله عليه وسلم:
    (إذا انفلتت دابة أحدكم في فلاة فليناد: يا عباد الله احبسوا عليّ، فإن لله حاضراً سيحبسه عليكم) رواه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وذكره ابن القيّم رحمه الله تعالى في كتابه (الوابل الصيّب) وذكر أن شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى: عمل به.

    وقال الإمام النووي رحمه الله بعد أن ذكر الحديث: حكى بعض شيوخنا الكبار في العلم أنه انفلتت له دابة اظنها بغلة وكان يعرف هذا الحديث فقاله فحبسها الله عليهم في الحال وكنت أنا مرّة مع جماعة فانفلتت منها بهيمة وعجزوا عنها فقلته فوقفت في الحال بغير شيء سوى هذا الكلام" اهـ. (الإسعاد في جواز التوسل والإستمداد للخرسة)

    فإذا صحّت الإستغاثة بعباد الله في غامض علم الله، خبراً منقولاً وعملاً مأثوراً، فلمَ ننكرها على خير خلق الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟
    هذا وقد ناداه الصحابي الجليل حسّان بن ثابت رضي الله عنه الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم أيده بروح القدس)، - ولم يقل عنه بأنه مشرك عندما وصفه بأنّه الرُكن الذي يعتمد عليه والعصمة الذي يُلجأ إليه فقال:

    يا رُكن مُعتمد وعصمة لائذ ***** وملاذ منتجع وجار مجاور
    يا من تخيّره الإله لخلقه ***** فحباه بالخلق الزكيّ الطاهر
    أنت النبي وخير عصبة آدم ***** يا من يجود كفيض بحر زاخر
    ميكال معك وجبرئيل كلاهما ***** مدد لنصرك من عزيز مقتدر
    )الإستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر)

    "فإن قيل: كان هذا جائزاً في حال حياته لا بعد إنتقاله إلى الحياة البرزخية، قلنا: من اعتقد أنّ لأحد من الخلق تأثيراً في الحياة ينقطع عنه بانتقاله إلى البرزخ فهو مشرك، فليس لأحد من الخلق تأثير ذاتي ولا قيام له بنفسه، وحولهم وقوتهم بالله تعالى، والله تعالى هو يجري على أيدي خلقه ما يشاء من المقادير في حال حياتهم الدنيوية، وكذلك الأمر في حال الحياة البرزخية والأخروية.

    فلو كان للنبي صلّى الله عليه وسلّم أو لغيره تأثير في حياته كما توهمّ بعض القاصرين لصحّ نفيه عنه بعد إنتقاله ولجاز حينئذ سؤاله ونداؤه في حياته فقط، أمّا ما دام لا تأثير له في حياته الدنيوية كذلك لا تأثير له بعد إنتقاله إلى الحياة البرزخية، والله تعالى الذي أجرى بحوله وقوّته على يديه الخير في حال حياته الدنيوية هو الذي يجري على يديه بعد إنتقاله، ومَن الذي يقيّد الله تعالى ويُوجب عليه أن يفتح على أيدي خلقه في حال حياتهم الدنيوية ولا يفتح على أيديهم في حال إنتقالهم إلى حياة أخرى برزخية أو أخروية ؟" اهـ. (الإسعاد في جواز التوّسل والإستمداد للخرسة)
    "فالتوسل حكم مقرّر جوازه من أحكام الشريعة المطهرّة ومعمول به في عصره لا يتغيّر بإنتقاله عليه الصلاة والسلام كما لا تتغيّر بقيّة أحكام التشريع فلا يحق لإنسان أن يقول:

    هل الوضوء جائز بعد موت النبي صلى الله عليه وسلّم ؟!،
    وهل الصلاة جائزة بعد موت النبي صلّى الله عليه وسلّم ؟!، وهكذا،
    ومثل ذلك قولهم: هل التوسل أوالإستغاثة جائز بعد موته صلّى الله عليه وسلّم ؟

    لأنها جميعاً أحكام شرعيّة مقرّرة بأدلتها وهي معمول بها في حياته وبعد إنتقاله. ومن سأل عن ذلك أو فرّق بين الأحكام فأجاز بعضها ومنع بعضها دلّ ذلك على جهله بالشريعة وأصولها فلا يلتفتُ إليه بعد إقامة الحجة عليه.

    ومن توهمّ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قد انتقص شيء من كمالاته التي كان عليها في الدنيا بالإنتقال إلى البرزخ فهو مخطيء وربّما جرّه ذلك إلى الكفر إذا قال بإنفكاك وصف النبوّة والرسالة عنه في برزخه، وذلك أن جميع الكمالات التي أثبتها الله تعالى له في كتابه أو أخبر بها هو عن نفسه ثابته له بإعتباره نبيّاً ورسولاً، ووصف النبوّة والرسالة لا ينفك عنه في برزخ من البرازخ، فجميع الكمالات الثابتة له لا يصح إنفكاكها عنه، وإنّ الرجل من أهل عصرنا عندما يسلّم يقول: (أشهد أنّ محمدّاً رسول الله) ولا يقول: أشهد أنّ محمدّاً كان رسول الله، ويقول في كل تشهد (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) ولا يقول: السلام عليك يا من كنت نبيّاً في حياتك ولست نبيّاً بعد إنتقالك، فهو محمد نبي الله ورسوله، صلّى الله عليه وسلّم، كان ولا زال رسولاً، وكل ما ثبت له من الفضائل والكمالات في حياته بإعتباره نبيّاً ورسولاً ثابت له بعد إنتقاله لأنه ما زال نبيّاً رسولاً. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى {وللآخرة خير لك من الأولى}، وثبت عنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: (القبر أول منزل من منازل الآخرة) رواه الترمذي.، فبهذا يتبيّن أنّ ما هو عليه في قبره خير له ممّا هو عليه في الدنيا.

    وقد ثبت بالأحاديث الصحيحة وبالإجماع حياة الأنبياء وغيرهم في قبورهم، وإليك بعض النصوص:
    عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
    (الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون) رواه أبو يعلى في مسنده بسند صحيح.
    وعنه أيضاً أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (أتيتُ موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلّي في قبره) رواه مسلم.

    وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (حياتي خير لكم تحدّثون ويحدّث لكم ووفاتي خير لكم تُعرض عليّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدتُ الله عليه وما رأيت من شرّ استغفرت لكم) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. " اهـ.
    (الإسعاد في جواز التوسل والإستمداد للخرسة)
    وعن تصرّف الأرواح بعد الموت يقول الشيخ ابن القيّم تلميذ الشيخ ابن تيمية رحمهما الله تعالى، في كتاب الروح:

    "فصل ومما ينبغي أن يعلم أن ما ذكرنا من شأن الروح يختلف بحسب حال الأرواح من القوة والضعف، والكبر والصغر، فللروح العظيمة الكبيرة من ذلك ما ليس لمن هو دونها. وأنت ترى أحكام الأرواح في الدنيا كيف تتفاوت أعظم تفاوت بحسب تفارق الأرواح وكيفياتها وقواها وإبطائها وإسراعها والمعاونة لها، فللروح المطلقة من أسر البدن وعلائقه وعوائقه من التصرف والقوة والنفاذ والهمة وسرعة الصعود إلى الله والتعلق بالله ما ليس للروح المهانة المحبوسة في علائق البدن وعوائقه، فإذا كان هذا، وهي محبوسة في بدنها، فكيف إذا تجردت وفارقته، واجتمعت فيها قواها، وكانت في أصل شأنها روحاً علية زكية كبيرة ذات همة عالية؟ فهذه لها بعد مفارقة البدن شأن آخر، وفعل آخر." اهـ .

    )الروح لابن القيم – المسألة الخامسة عشر )

    وقال أيضاً: "...ولا يمكن جواب هذه المسألة إلا على أصول أهل السنة التي تظاهرت عليها أدلة القرآن والسنة والآثار والاعتبار والعقل، والقول إنها ذات قائمة بنفسها تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وتخرج وتذهب وتجيء وتتحرك وتسكن، وعلى هذا أكثر من مائة دليل قد ذكرناها في كتابنا الكبير في معرفة الروح والنفس، وبينا بطلان ما خالف هذا القول من وجوه كثيرة وأن من قال غيره لم يعرف نفسه." اهـ.

    )الروح لابن القيّم – المسألة الخامسة وهي أن الأرواح بعد مفارقة الأبدان إذا تجردت بأيّ شيء يتميز بعضها من بعض حتى تتعارف وتتلاقى! وهل تشكل إذا تجردت بشكل بدنها الذي كانت فيه وتلمس صورته؟ أم كيف يكون حالها؟.)

    وقال أيضاً: ""قال أبو عبد الله [القرطبي]: وقال شيخنا أحمد بن عمرو: الذي يزيح هذا الإشكال إن شاء الله تعالى أن الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء، وخصوصاً بموسى، وقد أخبر بأنه ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام. إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غُيبوا عنا بحيث لا تدركهم وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم أحياء موجودون ولا تراهم،" اهـ.
    )الروح لابن القيّم – المسألة الرابعة)
    وبالنسبة للقول: (ويمكن أيضاً أن يغيث أيضاً بجسده)، نقول للمدّعي المنكر: فما المانع في ذلك ؟ فهذا لا يستحيل عقلاً على قدرة الله تعالى المطلقة ولا معارض له شرعاً، بل ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث الشفاعة قوله صلّى الله عليه وسلّم (...إذا كان يوم القيامة ماج الناس في بعض فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربك فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن، فيأتون إبراهيم فيقول لست لها، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله فيأتون موسى. فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيأتوني فأقول: أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخر له ساجدا، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعط واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي!... الحديث)، (صحيح البخاري)

    فإن قيل : ولكن الحبيب علي الجفري لم يقصد يوم القيامة، فنقول له: فهل قال الحبيب علي الجفري "يغيث أيضاً بجسده في هذه الدنيا التي نحن فيها" ؟ بالطبع لم يقل ذلك ودونكم المقطع الصوتي الذي استشهدتم به ! إذاً فيجب تقديم حُسن الظن وتأويل قوله بأن المقصود هو أنه صلّى الله عليه وسلّم يغيث بجسده أهل الموقف كلّهم يوم القيامة.
    وبالنسبة للقول: (كما أن بإمكان الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغيث بروحه مليون شخص في نفس اللحظة)، فنقول للمدّعي المنكر: فما المانع في ذلك ؟ فهذا لا يستحيل عقلاً على قدرة الله تعالى المطلقة ولا معارض له شرعاً واقرأ ما كتبه الشيخ ابن القيّم تلميذ الشيخ ابن تيمية رحمهما الله تعالى، في كتاب الروح: "وقد تواترت الرؤيا من أصناف بني آدم على فعل الأرواح بعد موتها ما لا تقدر على مثله حال اتصالها بالبدن من هزيمة الجيوش الكثيرة بالواحد والاثنين والعدد القليل ونحو ذلك، وكم قد رئي النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه أبو بكر وعمر في النوم قد هزمت أرواحهم عساكر الكفر والظلم، فإذا بجيوشهم مغلوبة مكسورة مع كثرة عددهم وعددهم وضعف المؤمنين وقلتهم." اهـ. (الروح لابن القيم – المسألة الخامسة عشر )

    فإن قيل: ولكن ذلك رؤيا منام وليس في الحقيقة، نقول له: لقد ثبت في صحيح مسلم وغيره، قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من رآني في النوم فقد رآني. إنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي».
    2- يقول القاذف المُنكر: (2 – استمع له وهو يقول أنه لا يستغرب خروج روح الولي الميت لكي تنفع بإذن الله من يستغيث بها.)

    نقول للقاذف المنكر: ألم يقل بصريح العبارة (لكي تنفع بإذن الله من يستغيث بها) ؟ فما وجه الإستنكار ؟ فهذا لا يستحيل عقلاً على قدرة الله تعالى المطلقة ولا معارض له شرعاً واقرأ ما كتبه الشيخ ابن القيّم تلميذ الشيخ ابن تيمية رحمهما الله تعالى، في كتاب الروح، في فقرة رقم (1) أعلاه، واقرأ مبحث مشروعية الإستغاثة بالأنبياء والصالحين في فقرة (1) أعلاه.

    3- يقول القاذف المُنكر: (3 – استمع له وهو يقول أن الأساس أن الأولياء الأموات يغيثون بارواحهم من يستغيث بهم، ولا يمنع في اعتقاده أن يخرج جسد من قبره !)

    نقول للقاذف المُنكر: بالنسبة للقول: (أن الأساس أن الأولياء الأموات يغيثون بأرواحهم من يستغيث بهم) فقد بينّا الجواب أعلاه في فقرة (1)، وأمّا بالنسبة للقول: (ولا يمنع في اعتقاده أن يخرج جسد من قبره) فنقول للقاذف المُنكر: فما المانع في ذلك ؟ فهذا لا يستحيل عقلاً على قدرة الله تعالى المطلقة ولا معارض له شرعاً، بل وردت الأخبار بخروج جسد الميّت المعذّب، فإذا صحّ ذلك في الكافر فلِمَ نستنكر أن يخرج جسد الولي كرامة له وخرقاً للعادة لإثبات أمر ما يريده الله سبحانه وتعالى لحكمة ما ؟. يقول ابن القيّم تلميذ الشيخ ابن تيمية رحمهما الله تعالى في كتاب الروح:

    " وقد ذكر ابن أبي الدنيا في (كتاب القبور) عن الشعبي أنه ذكر رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: مررت ببدر فرأيت رجلاً يخرج من الأرض فيضربه رجل بِمِقْمَعَة حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج فيفعل به ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذلك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة».

    وذكر من حديث حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: بينا أنا أسير بين مكة والمدينة على راحلة وأنا مُحْقبُ إداوَة إذ مررت بمقبرة، فإذا رجل خارج من قبره يلتهب ناراً، وفي عنقه سلسلة يجرها، فقال: يا عبد الله انضح، يا عبد الله انضح، فوالله ما أدري أعرفني باسمي أم كما تدعو الناس قال: فخرج آخر، فقال: يا عبد الله لا تنضح، يا عبد الله لا تنضح، ثم اجتذب السلسلة فأعاده في قبره.

    وقال ابن أبي الدنيا: وحدثني أبي، حدثنا موسى بن داود، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: بينما راكب يسير بين مكة والمدينة إذ مر بمقبرة، فإذا برجل قد خرج من قبره يلتهب ناراً، مصفداً في الحديد، فقال: يا عبد الله انضح، يا عبد الله انضح، قال: وخرج آخر يتلوه، فقال: يا عبد الله لا تنضح، يا عبد الله لا تنضح. قال: وغشي على الراكب وعدلت به راحلته إلى العرج قال: وأصبح قد ابيضّ شعره، فأخبر عثمان بذلك، فنهي أن يسافر الرجل وحده. " اهـ. (الروح لابن القيّم – المسألة السابعة)

    4- يقول القاذف المنكر: (4 – استمع له وهو يصرح بأن هناك من الأولياء من فوضهم الله في إدارة أمور الكون!! وأن عندهم إذن مسبق في التصرف في الكون!! وأنه بإمكانهم بإذن الله الرزق والإحياء والإماتة !!)

    نقول : فما المانع في ذلك؟ فهذا لا يستحيل عقلاً على قدرة الله تعالى المطلقة ولا معارض له شرعاً، بل ثبت في الكتاب والسنّة والآثار نصوص كثيرة، وعليك بقراءة رسالة الإمام السيوطي رحمه الله تعالى، المسمّاة (الخبر الدال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال) التي جمع فيها الأحاديث والآثار الواردة في إثبات ذلك.

    ويقول الشيخ محمد نوري الشيخ رشيد النقشبندي الديرثوي في كتابه "ردود على شبهات السلفية" ص111:

    "اعلم أنه كما في هذا الكون دول ظاهرة تتصرّف في شؤونه، كذلك فيه دولة إلهية خفيّة عن أنظارنا تتصرّف في شؤونه بما تقتضيه حكمته الباهرة في ملكوته، وتلك الدولة هي التي تتصرّف وتحكم، وهذه الدول الظاهرة إنما هي منفذّة لما تصدر عنها من المقررّات والأحكام في إنزال العقوبات أو كشف البليّات حسبما تقتضيه مصلحة الكون ضمن الشروط التي وضعها الله تعالى لخرابه وعمارته عند فساد الناس أو صلاحهم.."اهـ.

    وقال أيضاً: "لقد اعترف بوجود تلك الدولة الخفية معظم العلماء المعتمدين في الإسلام، غير أنهم اختلفوا في أسماء مناصبها، ويبدو أن السبب في ذلك يعود إلى أن لبعض مناصبها أكثر من اسم واحد، لذلك نرى في بعض الروايات ذكر أسماء لم تُذكر في الروايات الأخرى، والأسماء الواردة هي: القطب الفرد - الغوث - الإمامان، الأقطاب، الأوتاد، العُصَب، النجباء، الأبدال، الرفقاء، النقباء، الأخيار، العُمُد، ولكن هؤلاء العلماء مجمعون على أنّ رئيس تلك الدولة هو القطب الفرد، قدّس الله أسرارهم، وأفاض علينا أنوارهم، وأمّا المنكرون فمنهم من هو مبتدع معاند فلا حاجة لنا به، ومنهم من ليس معانداً ولكن لم يقدّر له أن يسمع هذا الموضوع ممّن يثق بكلامه، كما قدّر ذلك للعلاّمة ابن حجر الهيثمي فاعترف بهم، ومنهم من هو بعيد عن البلاد الإسلامية فأنكر الروايات التي سمعها لعدم تثبته منها، شأنه في ذلك شأن بعض العلماء المغاربة في إنكار بعض الكلمات الواردة في القراآت السبع المتواترة...." اهـ.
    " قال الإمام الحافظ العلاّمة السيوطي رحمه الله تعالى: في رسالته المسمّاة (الخبر الدّال على وجود القطب والأوتاد والنجباء والأبدال) الموجودة ضمن كتابه (الحاوي في الفتاوي)، وبعد فقد بلغني عن بعض من لا علم عنده، إنكار ما اشتهر عن السادة الأولياء، من أن منهم أبدالاً ونقباء ونجباء وأوتاداً وأقطاباً، وقد وردت الأحاديث والآثار بإثبات ذلك، فجمعتها في هذا الجزء لتستفاد ولا يعوّل على أهل العناد... والله الموفق. فأقول:

    ورد في ذلك مرفوعاً وموقوفاً من حديث عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأنس وحذيفة بن اليمان وعبادة بن الصامت وابن عبّاس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وعوف بن مالك ومعاذ بن جبل ووائلة بن الأسقع وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأبي الدرداء، وأم سلمة رضي الله تعالى عنهم، ومن مرسل الحسن وعطاء وبكر بن خنيس، ومن الآثار عن التابعين ومن بعدهم ما لا يحصى." اهـ.

    واخترتُ لكم من تلك الأحاديث هذين الحديثين اللذين أخرجهما إمام أهل السنّة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه:

    "وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن شريح ابن عبيد قال: ذكر أهل الشام عند علي بن أبي طالب - وهو بالعراق - فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين، قال: لا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الأبدال بالشام، وهم أربعون رجلاً كلّما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، يُسقى بهم الغيث، ويُنتصر بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب) رجاله رجال الصحيح، غير شريح بن عبيد وهو ثقة." اهـ.

    "وأخرج الإمام أحمد في الزهد، والخلاّل عن ابن عبّاس قال: (ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض)." اهـ.



    "وقال العلاّمة ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى، في الفتاوي الحديثية:

    "وهي: أنّي إنّما رُبّيت في حجور بعض أهل هذه الطائفة، أعني القوم السالمين من المحذور واللوم، فوقر عندي كلامهم، لأنه صادف قلباً خالياً فتمكّن، فلما قرأت في العلوم الظاهرة وسنّي نحو أربع عشر سنة، فقرأت مختصر أبي شجاع على شيخنا أبي عبد الله المجمع على بركته وتنسكه وعلمه الشيخ محمد الجويني بالجامع الأزهر بمصر المحروسة، فلازمته مدّة، وكان عنده حدّة، فانجرّ الكلام في مجلسه يوماً إلى ذكر القطب والنجباء والنقباء والأبدال وغيرهم ممّن مرّ، فبادر الشيخ إلى إنكار ذلك بغلظة، وقال: هذا كلّه لا حقيقة له وليس فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلّم،

    فقلت له وكنت أصغر الحاضرين: معاذ الله، بل هذا صدق وحق لا مرية فيه، لأن أولياء الله أخبروا به، وحاشاهم من الكذب، وممّن نقل ذلك الإمام اليافعي وهو رجل جمع بين العلوم الظاهرة والباطنة، فزاد إنكار الشيخ وإغلاظه عليّ، فلم يسعني إلا السكوت فسكتُ وأضمرت أنه لا ينصرني إلا شيخنا شيخ الإسلام والمسلمين وإمام الفقهاء والعارفين أبو يحي زكريا الأنصاري، وكان من عادتي أني أقود الشيخ محمد الجويني لأنه كان ضريراً وأذهب أنا وهو إلى شيخنا المذكور أعني شيخ الإسلام زكريا، يسلّم عليه، فذهبت أنا والشيخ محمد الجويني إلى شيخ الإسلام، فلما قربنا من محله

    قلت للشيخ الجويني: لا بأس أن أذكر لشيخ الإسلام مسألة القطب ومن دونه، وننظر ما عنده فيها، فلما وصلنا إليه أقبل على الشيخ الجويني وبالغ في إكرامه وسؤال الدعاء منه، ثمّ دعا لي بدعوات، منها: اللهم فقـّه في الدين، وكان كثيراً ما يدعو لي بذلك، فلما تمّ كلام الشيخ وأراد الجويني الإنصراف، قلت لشيخ الإسلام: يا سيدي، القطب والأوتاد والنجباء والأبدال وغيرهم ممّن يذكره الصوفية هل هم موجودون حقيقة، فقال: نعم، والله يا ولدي، فقلت له: يا سيدي إن الشيخ -وأشرت إلى الشيخ الجويني- ينكر ذلك ويبالغ في الرد على من ذكره، فقال شيخ الإسلام: هكذا يا شيخ محمد، وكرّر ذلك عليه حتى قال له الشيخ محمد: يا مولانا شيخ الإسلام آمنت بذلك وصدّقت به، وقد ثبت، فقال: هذا هو الظن بك يا شيخ محمد، ثم قمنا ولم يعاتبني الجويني على ما صدر مني" اهـ. (الفتاوي الحديثية لابن حجر الهيثمي - الطبعة الأولى ص230-233)" اهـ. (ردود على شبهات السلفية للديرثوي)
    5- يقول القاذف المُنكر: استمع له وهو يصرح بأنه يمكن للولي الميت أن يدعو للحي ، وأن كرامات الأولياء لا حد لها إلا في مسألتين، وهما: أن ينزل عليه كتاب من الله. أن يوجد – أي يخلق – الولي طفل من غير أب. وأن مسألة خلق الطفل من غير أب مسألة خلافية بين العلماء – أي الصوفية - وأن الولي يمكن أن تخرج روحه من الروضة التي يتنعم فيها ليغيث من استغاث به."
    نقول بالنسبة لمسألة أن الميّت يمكن أن يدعو للحي: فما المانع في ذلك؟ فهذا لا يستحيل عقلاً على قدرة الله تعالى المطلقة ولا معارض له شرعاً وإليك الأدلّة: زيادةً على ما قدمّناه من ما ثبت بالأحاديث الصحيحة وبالإجماع حياة الأنبياء وغيرهم في قبورهم، بأنهم يصلّون، ويستغفر لنا سيدّنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، إذا رأى من أعمالنا شرّاً، فإليك بعض من كرامات ساداتنا الصحابة وأولياء الله تعالى:

    1- "أخرج البيهقي عن الواقدي أنّ فاطمة الخزاعية قالت: زرتُ قبر حمزة فقلت: السلام عليك يا عمّ رسول الله، فسمعتُ كلاماً ردّ عليّ: وعليكم السلام ورحمة الله" اهـ. (جامع كرامات الأولياء للنبهاني – فصل: هذه كرامات أربعة وخمسين وليّاً من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرتبين على الحروف رضي الله عنهم – ج1 ص132)

    وفي تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً} النساء-86، يقول الإمام الطبري رحمه الله تعالى: " يعني جلّ ثناؤه بقوله: {وَإذَا حُيِّيُتمْ بِتَحِيَّةٍ}: إذا دعي لكم بطول الحياة والبقاء والسلامة. {فَحَيُّوا بأحْسَنَ مِنها أوْرُدُّوها} يقول: فادعوا لمن دعا لكم بذلك بأحسن مما دعا لكم، {أوْرُدُّوها} يقول: أوردّوا التحية." اهـ.

    فردّ سيدّنا حمزة بن عبد المطلّب رضي الله تعالى عنه، لفاطمة الخزاعية بقوله:
    "وعليكم السلام ورحمة الله" أليس دعاء من "الميّت" للحي ؟

    2- قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى، في تفسيره: " وأبلغ من ذلك أن الميت يعلم بعمل الحي من أقاربه وإخوانه. قال عبد الله بن المبارك: حدثني ثور بن يزيد، عن إبراهيم، عن أيوب قال: تعرض أعمال الأحياء على الموتى، فإذا رأوا حسناً فرحوا واستبشروا وإن رأوا سوءاً قالوا: اللهم راجع به." اهـ.

    وقال أيضاً: " وقد شرع السلام على الموتى، والسلام على من لم يشعر ولا يعلم بالمسلم محال، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية»، فهذا السلام والخطاب والنداء لموجود يسمع ويخاطب ويعقل ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد، والله أعلم." اهـ.
    (تفسير ابن كثير – سورة الروم: 52-53)
    وبالنسبة للقول: "وأن كرامات الأولياء لا حد لها إلا في مسألتين، وهما: أن ينزل عليه كتاب من الله. أن يوجد – أي يخلق – الولي طفل من غير أب."، يقول الشيخ عبد القادر عيسى قدّس الله سرّه، في كتاب "حقائق عن التصوف" في فصل إثبات الكرامات:

    " لقد ثبتت كرامات الأولياء في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي آثار الصحابة رضوان الله عليهم، ومَنْ بعدهم إِلى يومنا هذا، وأقرها جمهور العلماءِ من أهل السنة والجماعة، من الفقهاء والمحدِّثين والأصوليين ومشايخ الصوفية، وتصانيفُهم ناطقة بذلك، كما ثبتت كذلك بالمشاهدة العيانية في مختلف العصور الإِسلامية. فهي ثابتة بالتواتر في المعنى، وإِن كانت التفاصيل آحاداً ؛ ولم ينكرها إِلا أهل البدع والانحراف ممن ضعف إِيمانهم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله

    [قال العلامة اليافعي رحمه الله تعالى: (والناس في إِنكار الكرامات مختلفون، فمنهم من ينكر كرامات الأولياء مطلقاً، وهؤلاء أهل مذهب معروف، عن التوفيق مصروف. ومنهم من يكذب بكرامات أولياء زمانه ويصدق بكرامات الأولياء الذين ليسوا في زمانه كمعروف الكرخي والإِمام الجنيد وسهل التستري وأشباههم رضي الله عنهم، فهؤلاء كما قال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: والله ما هي إِلا إِسرائيلية، صدقوا بموسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أدركوا زمنه. ومنهم من يصدق بأن لله تعالى أولياء لهم كرامات ولكن لا يصدق بأحد معيَّنٍ من أهل زمانه). روض الرياحين، للإِمام اليافعي ص18]." اهـ.

    وبعد أنّ ذكر أمثلة كثيرة من الكتاب والسنة، قال:

    "هذا غيض من فيض، وقليل من كثير مما ورد عن كرامات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم توالى ورود الكرامات الكثيرة على يد الأولياء في عهد التابعين وتابعي التابعين إِلى يومنا هذا، مما يصعب عده، ويضيق حصره [قال العلامة التاج السبكي في الطبقات الكبرى: للكرامة أنواع: النوع الأول إِحياء الموتى. 2ـ كلام الموتى. 3ـ المشي على الماء. 4ـ انقلاب الأعيان. 5ـ إِنزواء الأرض. 6ـ كلام الحيوانات والجمادات. 7ـ إِبراء العلل. 8ـ طاعة الحيوان. 9ـ طي الزمان. 10ـ نشر الزمان. 11ـ إِمساك اللسان عن الكلام وانطلاقه.. إِلى أن عد خمسة وعشرين نوعاً. وذكر لكل نوع مثالاً وحكاية جرت للعلماء ومشايخ الصوفية فراجعه هناك تجده مفصلاً]، وقد ألف العلماء في ذلك مجلدات كثيرة، وصنف أكابر الأئمة منهم مصنفات في إِثبات الكرامة للأولياء، منهم: فخر الدين الرازي وأبو بكر الباقلاني، وإِمام الحرمين، وأبو بكر بن فورك، وحجة الإِسلام الغزالي، وناصر الدين البيضاوي، وحافظ الدين النسفي، وتاج الدين السبكي، وأبو بكر الأشعري، وأبو القاسم القشيري، والنووي، وعبد الله اليافعي، ويوسف النبهاني، وغيرهم من العلماء المحققين الذين لا يحصى عددهم، وصار ذلك علماً قوياً يقينياً ثابتاً، لا تتطرق إِليه الشكوك أو الشبهات.

    وقد يتساءل بعضهم: لماذا كانت كرامات الصحابة على كثرتها أقل من كرامات الأولياء الذين جاؤوا بعد عصر الصحابة ؟!.. ويجيب على ذلك تاج الدين السبكي في الطبقات بقوله: (الجواب: ما أجاب به الإِمام الجليل أحمد بن حنبل رضي الله عنه حين سئل عن ذلك، فقال: أُولئك كان إِيمانهم قوياً، فما احتاجوا إِلى زيادة شيء يقوون به، وغيرهم كان إِيمانهم ضعيفاً لم يبلغوا إِيمان أولئك فقووا بإِظهار الكرامات لهم)
    [جامع كرامات الأولياء للشيخ يوسف النبهاني البيروتي ج1. ص20]." اهـ.

    وقال أيضاً: "ثم إِن السادة الصوفية لا يعتبرون ظهور الكرامات على يد الولي الصالح دليلاً على أفضليته على غيره. قال الإِمام اليافعي رحمه الله تعالى: (لا يلزم أن يكون كلُّ مَنْ له كرامة من الأولياء أفضلَ من كل من ليس له كرامة منهم، بل قد يكون بعض مَنْ ليس له كرامة منهم أفضل من بعض مَنْ له كرامة، لأن الكرامة قد تكون لتقوية يقين صاحبها، ودليلاً على صدقه وعلى فضله لا على أفضليته، وإِنما الأفضلية تكون بقوة اليقين، وكمال المعرفة بالله تعالى) [كتاب نشر المحاسن الغالية لعبد الله اليافعي ص119].

    كما أن الصوفية يعتبرون أن عدم ظهور الكرامة على يد الولي الصالح ليس دليلاً على عدم ولايته.

    قال الإِمام القشيري رحمه الله تعالى في رسالته: (لو لم يكن للولي كرامة ظاهرة عليه في الدنيا، لم يقدح عدمها في كونه ولياً) وقال شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري في شرحه لرسالة القشيري عند هذا الكلام: (بل قد يكون أفضل ممَّنْ ظهر له كرامات، لأن الأفضلية إِنما هي بزيادة اليقين لا بظهور الكرامة) [الرسالة القشيرية ص159]." اهـ.
    وبالنسبة للقول: "أن يوجد – أي يخلق – الولي طفل من غير أب." فنقول وما المانع في ذلك ؟ إذا اختص الله برحمته من شاء من عباده فمن الذي يُوجب عليه المنع ؟ فهذا لا يستحيل عقلاً على قدرة الله المطلقة، ولا معارض له شرعاً ونقلاً واقرأ ما كتبه الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى:

    "وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَلَكَ أَقْوَى وَأَقْدَرُ وَذَكَرَ قِصَّةَ جبرائيل بِأَنَّهُ شَدِيدُ الْقُوَى وَأَنَّهُ حَمَلَ قَرْيَةَ قَوْمِ لُوطٍ عَلَى رِيشَةٍ مِنْ جَنَاحِهِ فَقَدْ آتَى اللَّهُ بَعْضَ عِبَادِهِ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ فَأَغْرَقَ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ بِدَعْوَةِ نُوحٍ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ } " { وَرُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ } وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ الْأَشْيَاءِ وَجَاءَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي آثَارٍ : إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُزِيلَ جَبَلًا أَوْ الْجِبَالَ عَنْ أَمَاكِنِهَا لَأَزَالَهَا وَأَنْ لَا يُقِيمَ الْقِيَامَةَ لَمَا أَقَامَهَا وَهَذَا مُبَالَغَةٌ . وَلَا يُقَالُ : إنَّ ذَلِكَ يُفَضَّلُ بِقُوَّةِ خُلِقَتْ فِيهِ وَهَذَا بِدَعْوَةِ يَدْعُوهَا لِأَنَّهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ يُؤَوَّلَانِ إلَى وَاحِدٍ هُوَ مَقْصُودُ الْقُدْرَةِ وَمَطْلُوبُ الْقُوَّةِ وَمَا مِنْ أَجْلِهِ يُفَضَّلُ الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ . ثُمَّ هَبْ أَنَّ هَذَا فِي الدُّنْيَا فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي الْآخِرَةِ ؟ وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ : { يَا عَبْدِي أَنَا أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ أَطِعْنِي أَجْعَلْك تَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ يَا عَبْدِي أَنَا الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَطِعْنِي أَجْعَلْك حَيًّا لَا تَمُوتُ } " وَفِي أَثَرٍ : " { إنَّ الْمُؤْمِنَ تَأْتِيهِ التُّحَفُ مِنْ اللَّهِ : مَنْ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ إلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ } " فَهَذِهِ غَايَةٌ لَيْسَ وَرَاءَهَا مَرْمَى كَيْفَ لَا وَهُوَ بِاَللَّهِ يَسْمَعُ وَبِهِ يُبْصِرُ وَبِهِ يَبْطِشُ وَبِهِ يَمْشِي ؟ فَلَا يَقُومُ لِقُوَّتِهِ قُوَّةٌ ..." اهـ.

    )مجموع فتاوى ابن تيمية - العقيدة - كتاب مفصل اعتقاد السلف - فصل في التفضيل بين الملائكة والناس)
    وبالنسبة للقول: "وأن الولي يمكن أن تخرج روحه من الروضة التي يتنعم فيها ليغيث من استغاث به." نقول: وما المانع في ذلك ؟ فهذا لا يستحيل عقلاً على قدرة الله تعالى المطلقة ولا يتنافى شرعاً ونقلاً... وقد نقلنا لك الأدلة وأقوال العلماء أعلاه، وإليك بالإضافة لما سبق نقله، قول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى:

    "..وكل من خالف شيئًا مما جاء به الرسول مقلدًا في ذلك لمن يظن أنه ولى الله فإنه بنى أمره على أنه ولى لله، وإن ولى الله لا يخالف في شىء ولو كان هذا الرجل من أكبر أولياء الله كأكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يقبل منه ما خالف الكتاب والسنة، فكيف إذا لم يكن كذلك ‏؟‏‏!‏ وتجد كثيرًا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليًا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن:

    يشير إلى شخص فيموت،

    أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها /

    أو يمشى على الماء أحيانًا،

    أو يملأ إبريقًا من الهواء،

    أو ينفق بعض الأوقات من الغيب

    أو أن يختفي أحيانًا عن أعين الناس،

    أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته،

    أو يخبر الناس بما سرق لهم،

    أو بحال غائب لهم أو مريض

    أو نحو ذلك من الأمور،

    وليس في شىء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولى لله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله علية وسلم وموافقته لأمره ونهيه ‏.‏

    وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليًا لله فقد يكون عدوًا لله، فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون لأهل البدع، وتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شىء من هذه الأمور أنه ولى لله، بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التى دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة ‏.‏" اهـ
    (مجموع فتاوى ابن تيمية - المجلد الحادي عشر - ( 225 - 645 )
    6- يقول القاذف المُنكر: (6 – استمع له وهو يصرح أن العلماء عنده اختلفوا في مسألة إمكانية أن يخلق الولي لطفل من غير أب، وأن السبب الذي جعل من يقول بإمتناع ذلك هو التحرز على الأنساب !! حتى لا تأتي امرأة حامل من الزنى فتدعي أن أحد الأولياء خلق هذا الطفل في بطنها، وإلا في الأصل هم متفقون على ذلك – أي على إمكانية أن يخلق الولي طفل من غير أب
    نقول: بالنسبة لمسألة أنّ العلماء متفقون على إمكانيّة أن يخلق الولي طفل من غير أب، فقد نقلنا لك أعلاه ما يثبتُ ذلك بما فيه قول الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    وبالنسبة لإختلاف العلماء بسبب التحرز على الأنساب، فقد ذكر ذلك القاضي يوسف النبهاني قدّس الله سرّه، في كتابه (جامع كرامات الأولياء - ج1 ص29-30) ما نصه:

    "...؛ والإنصاف ما قاله النسفي؛ وقد سئل عمّا قيل إن الكعبة كانت تزور أحد الأولياء هل يجوز القول به ؟ فقال: نقض العادة على سبيل الكرامة لأهل الولاية جائز عند أهل السنة، من قطع المسافة البعيدة في المدة القليلة من الزمان، وقد رتبّ على ذلك الفقهاء الحنفية والشافعية كثيراً من المسائل الشرعية.

    قال في فتح القدير لابن الهمام من باب ثبوت النسب: قال بعض المشايخ: قيام الفراش كاف، ولا يعتبر إمكان الدخول، بل النكاح قائم مقامه كما في تزوج المشرقي مغربية، والحق أن التصوّر شرط، ولذا لو جاءت إمرأة الصبي بولد لا يثبت نسبه، والتصوّر ثابت في المغربية لثبوت كرامات الأولياء والإستخدامات، فيكون صاحب خطوة أو جني.

    وذكر ابن حجر الهيتمي الشافعي في فتاواه أنه إذا غربت عليه الشمس في بلدة - وكان صاحب خطوة - فحضر مطلعاً آخر لم تغرب فيه بعد ما صلّى المغرب في البلد الأوّل لا يلزمه إعادتها؛..."اهـ.
    7- يقول القاذف المُنكر: (7 – استمع له وهو يصرح بإمكانية رؤية الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن بعين البصيرة وأن هناك من الأولياء من يجتمع بالرسول صلى الله عليه وسلم يقظة !)
    نقول: وما المانع في ذلك ؟ فهذا لا يستحيل عقلاً على قدرة الله المُطلقة، ولا شرعاً ولا نقلاً، وإليك الأدلّة كما ذكرها الإمام السيوطي رحمه الله تعالى وقدّس سرّه، في رسالته: (تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والمَلَك) حيث قال:

    "...فقد كثر السؤال عن رؤية أرباب الأحوال للنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة وإن طائفة من أهل العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في إنكار ذلك والتعجب منه وادعوا أنه مستحيل فألفت هذه الكراسة في ذلك وسميتها تنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك ونبدأ بالحديث الصحيح الوارد في ذلك:

    أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي، وأخرج الطبراني مثله من حديث مالك بن عبد الله الخثعمي ومن حديث أبي بكرة، وأخرج الدارمي مثله من حديث أبي قتادة.

    قال العلماء اختلفوا في معنى قوله فسيراني في اليقظة فقيل معناه فسيراني في القيامة وتعقب بأنه بلا فائدة في هذا التخصيص لأن كل أمته يرونه يوم القيامة من رآه منهم ومن لم يره، وقيل المراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون مبشرا له أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته، وقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم فلا بد أن يراه في اليقظة يعني بعيني رأسه وقيل بعين في قلبه حكاهما القاضي أبو بكر ابن العربي،

    وقال الإمام أبو محمد بن أبي جمرة في تعليقه على الأحاديث التي انتقاها من البخاري: هذا الحديث يدل على أنه من رآه صلى الله عليه وسلم في النوم فسيراه في اليقظة وهل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته أو هذا كان في حياته وهل ذلك لكل من رآه مطلقا أو خاص بمن فيه الأهلية والاتباع لسنته عليه السلام، اللفظ يعطى العموم ومن يدعي الخصوص فيه بغير مخصص منه صلى الله عليه وسلم فمتعسف قال وقد وقع من بعض الناس عدم التصديق بعمومه وقال على ما أعطاه عقله وكيف يكون من قد مات يراه الحي في عالم الشاهد قال وفي قول هذا القول من المحذور وجهان خطران أحدهما عدم التصديق لقول الصادق عليه السلام الذي لا ينطق عن الهوى

    والثاني الجهل بقدرة القادر وتعجيزها كأنه لم يسمع في سورة البقرة قصة البقرة وكيف قال الله تعالى {اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى} وقصة إبراهيم عليه السلام في الأربع من الطير وقصة عزير فالذي جعل ضرب الميت ببعض البقرة سببا لحياته وجعل دعاء إبراهيم سببا لإحياء الطيور وجعل تعجب عزير سببا لموته وموت حماره ثم لإحيائها بعد مائة سنة قادر أن يجعل رؤيته صلى الله عليه وسلم في النوم سببا لرؤيته في اليقظة وقد ذكر عن بعض الصحابة أظنه ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فتذكر هذا الحديث وبقي يفكر فيه ثم دخل على بعض أزواج النبي أظنها ميمونة فقص عليها قصته فقامت وأخرجت له مرآته صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه فنظرت في المرآة فرأيت صورة النبي صلى الله عليه وسلم ولم أر لنفسي صورة


    قال وقد ذكر عن بعض السلف والخلف وهلم جرا ممن كانوا رأوه صلى الله عليه وسلم في النوم وكانوا ممن يصدقون بهذا الحديث فرأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها ونص لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص قال والمنكر لهذا لا يخلو إما أن يصدق بكرامات الأولياء أو يكذب بها فإن كان ممن يكذب بها فقد سقط البحث معه فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة وإن كان مصدقا بها فهذه من ذلك القبيل لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمين العلوي والسفلي عديدة فلا ينكر هذا مع التصديق بذلك انتهى كلام ابن أبي جمرة.

    وقوله إن ذلك عام وليس بخاص بمن فيه الأهلية والاتباع لسنته عليه السلام مراده وقوع الرؤية الموعود بها في اليقظة على الرؤية في المنام ولو مرة واحدة تحقيقا لوعده الشريف الذي لا يخلف وأكثر ما يقع ذلك للعامة قبيل الموت عند الاحتضار فلا يخرج روحه من جسده حتى يراه وفاء بوعده وأما غيرهم فتحصل لهم الرؤية في طول حياتهم إما كثيرا وإما قليلا بحسب اجتهادهم ومحافظتهم على السنة، والاخلال بالسنة مانع كبير" اهـ.
    8- يقول القاذف المُنكر: (8 – استمع له وهو يكذب على الشيخ عبد الرحمن دمشقية حفظه الله مؤلف كتاب "الرفاعية" حيث يزعم أن أحد مشايخه ناقش الشيخ دمشقية حول أحمد الرفاعي وذكر له أن الإمام الذهبي أثنى عليه، وأن الشيخ دمشقية كان يجهل هذا الأمر، ولهذا ذمه في كتاب الرفاعية ، مع أن الشيخ عبد الرحمن دمشقية قد ذكر ترجمة أحمد الرفاعي رحمه الله من "سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي رحمه الله وبراءه مما يعتقده فيه أتباعه!)

    نقول: قد ذكرنا لك في مقدّمة الرسالة ما أخرجه أبو القاسم الأصفهاني في "الترغيب والترهيب"، والخطيب في "المتفق والمفترق" عن سعيد ابن المسيّب أن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً".

    وقد ذكر الحبيب علي الجفري حفظه الله بأن ذلك القول هو لأحد مشائخه الذي ناقش الشيخ دمشقية، فإن ثبتَ أن الشيخ دمشقية لم يقل ذلك، فيجب تقديم حُسن الظن فلعلّ الأمر قد اُلتبس عليه، أو أنّ نقل ذلك عن شيخه لم يكن دقيقاً، وكما نعلم أن آفة الأخبار رواتها، وقد يكون صحيحاً، ولكن الشيخ الدمشقية نسى ذلك... فهناك محامل خير كثيرة يمكن أن نجدها قبل القفز للقذف بالكذب، وخاصة لأهل العلم والدعوة وخصوصاً إذا كانوا ينتسبون إلى جدّهم الصادق المصدوق صلّى الله عليه وآله وسلّم...

    ولا أدري ماذا نقل الشيخ الدمشقية من ترجمة الإمام الرفاعي رضي الله عنه وقدّس سرّه في كتابه الرفاعية، وإليك ترجمة الإمام الذهبي رحمه اللله تعالى كما في سير أعلام النبلاء...

    "(5178) ــــ الرِّفاعِيُّ، الإِمامُ، القدوةُ، العابدُ، الزاهدُ، شيخُ العارفين،أبو العَبَّاسِ أحمدُ بنُ أبي الحسنِ عليِّ بنِ أحمدَ بنِ يحيــــى بنِ حازِمِ بنِعليِّ بن رفاعَة الرفاعيُّ المغربيُّ ثم البطائحيُّ.

    قَدِمَ أبوهُ من المغربِ، وَسَكَنَ البَطَائِحَ، بقريةِ أُمِّ عَبِيْدَةَ. وَتَزَوَّجَ بأختِ منصورٍ الزاهِدِ، وَرُزِقَ منها الشيخَ أحمَدَ وإخوتَه.
    وكان أبو الحسن مُقرئاً يَؤُمُّ بالشيخِ منصورٍ{ فتوفِّيَ وابنُهُ أحمدُ حَمْلٌ{ فربَّاهُ خالُه، فقيلَ: كان مولُدُهُ في أوّلِ سنةِ خمسِمائةٍ.

    قيل: إنَّه أقَسَمَ على أصحابِهِ إنْ كان فيهِ عيبٌ يُنَبِّهُونَه عليهِ، فقالَ الشيخُ عمرُ الفاروثيُّ: يا سيّدي أنا أعْلَمُ فيك عيباً. قال: ما هو؟ قال: يا سيِّدي، عيبُكَ أنَّنا من أصحابِكَ. فَبَكَى الشيخُ والفقراءُ، وقالَ ــــ أيْ عُمَرُ ــــ: إنْ سَلِمَ المركبُ، حَمَلَ من فيه.

    قيل: إنَّ هِرَّةً نامَت على كُمِّ الشيخِ أحمدَ، وقامت الصلاة، فقصّ كُمَّهُ، وما أزعَجَها، ثم قَعَدَ، فوصَلَهُ، وقال: ما تَغَيَّرَ شيءٌ. وقيل: تَوَضَّأَ، فَنَزَلَتْ بعوضةٌ على يده، فَوَقَفَ لها حتَّى طارت.
    وعنه قالَ: اقرب الطَّريقِ الانكسارِ والذُّلُّ والافتقارُ، تُعَظِّمُ أَمْرَ اللَّهِ، وتُشْفِقُ على خلقِ اللَّهِ، وتقتدي بسنَّةِ رسولِ الله
    وقيلَ: كان شافعيّاً يعرفُ الفِقْهَ، وقيل: كانَ يجمعُ الحَطَبَ، ويجيءُ به إلى بيوتِ الأرامِلِ، ويَمْلأُ لهم بالجَرَّةِ.
    قيل له: أيش أنت يا سيدي؟ فبكى، وقال: يا فقيرُ، ومن أنا في البَيْنِ، ثَبِّتْ نَسَبْ واطْلب ميراث.
    وقال: لمَّا اجتَمَعَ القومُ، طَلَب كلُّ واحدٍ شيء، فقال هذا اللاش أحمد: أيْ رَبِّ عِلْمُكَ محيطٌ بي وبطلبي فَكُرِّرَ عليَّ القولُ. قلت: أيْ مولايَ، أُريدُ أَنْ لا أريد، وأختارُ أن لا يكونَ لي اختيارٌ، فأُجِبْتُ، وصارَ الأمرُ لهُ وعليهِ.
    وقيل: إنّه رأى فقيراً يقتُلُ قملةً، فقال: لا واخَذَكَ اللَّهُ، شَفَيْتَ غَيْظَكَ؟.

    وعنه أنَّهُ قال: لو أنَّ عن يميني جماعةً يُرَوِّحُوني بمرواح النَّدِّ والطيبِ، وهم أقرب الناسِ إليَّ، وعن يساري مثلهم يقرضون لحمي بمقاريضَ وهم أبغضُ الناسِ إلَيَّ، ما زاد هؤلاءِ عندي، ولا نقصَ هؤلاء عندي بما فعلوه، ثم تلا: {لِكَيْ لاَ نَأْسَوْا عَلَى ما فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِما آتَاكُمْ}.

    وقيل: أُحْضِرَ بين يديهِ طبقُ تمرٍ، فبقي يُنقِّي لنفسِهِ الحشَفَ يأكلُه، ويقول: أنا أحقُّ بالدُّونِ، فإني مثلُه دونٌ.
    وكان لا يجمعُ بين لبسِ قميصين، ولا يأكلُ إلا بعد يومين أو ثلاثةٍ أكلةً، وإذا غسلَ ثوبَه، ينزلُ في الشَّطِّ كما هو قائمٌ يفرُكُه، ثم يَقِفُ في الشمس حتى يَنْشَفَ، وإذا وَرَدَ ضَيْفٌ، يدورُ على بيوتِ أصحابه، يجمعُ الطعامَ في مائزرٍ.
    وعنه قال: الفقيرُ المتمكِّنُ إذا سألَ حاجةً، وقُضيتْ لَهُ، نَقَصَ تمكُّنُهُ درجةً.
    وكان لا يقومُ للرؤساءِ، ويقولُ: النَّظَر إلى وجوهِهِمْ يُقَسِّي القلبَ.
    وكانَ كثير الصلاة، كثيرَ الاستغفارِ، عاليَ المقدارِ، رقيقَ القلبِ، غزيرَ الإِخلاصِ
    توفي سنةَ ثمانٍ وسبعين وخمسمائةٍ في جمادى الأولى رحمه الله." اهـ.
    )سير أعلام النبلاء للذهبي )

    وبهذا ننتهي من الرد على الشبهات التي قذف بها الشيخ عباس رحيم زوراً وبهتاناً الحبيب علي الجفري، ووصفه بأنه شيخ الضلالات وبأنه وشيوخه دعاة بدع وشركيات، والعياذ بالله... هذا وقد تبيّن أن هذا القذف لم يقتصر على الحبيب علي الجفري وشيوخه، بل طال الكثير من أئمة وعلماء أهل السنة والجماعة الذين قالوا مثل هذه الأقوال... والعجيب الغريب أن من العلماء الذين طالهم هذا القذف العلماء المعتمدين عند السلفية أمثال الشيخ ابن تيمية وتلميذيه ابن القيم وابن كثير رحمهم الله جميعاً.... هذا ناهيك عن الملايين من المسلمين الذين يعتقدون هذه الإعتقادات الصحيحة، والذين قذفهم هذا الشيخ المدعو عبّاس رحيم بالضلالة والشركيّات... ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم...

    هذا وقد أقمنا الحجة على الشيخ عباس رحيم بالأدلة والبراهين المستفيضة من الكتاب والسنة وأقوال العلماء، فندعوه بكل شفقة ونصيحة لوجه الله تعالى، أن يبادر بالإستغفار والتوبة النصوح وأن يسعى في التحلل من هؤلاء العلماء والدعاة الذين قذفهم، بنشر إعتذار في جميع المنتديات التي نشر فيها إتهاماته ودعاويه الباطلة، وبطلب المسامحة منهم شخصياً، والله عفو كريم.


    كتبه وجمعه أفقر الورى، العبد الفقير
     

مشاركة هذه الصفحة