رسالة مسكونة بالقلق في صنعاء - فهمي هويدي

الكاتب : Adel ALdhahab   المشاهدات : 521   الردود : 2    ‏2005-12-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-08
  1. Adel ALdhahab

    Adel ALdhahab عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-07-07
    المشاركات:
    648
    الإعجاب :
    0
    حين يتحدد القتال في صعدة بشمال اليمن، بين من يسمون بالحوثيين وبين وحدات الجيش اليمني، ويتزامن ذلك مع مؤتمر احتجاجي لأحزاب المعارضة في صنعاء، ومحاكمات للعديد من الناشطين، فإن ذلك يبعث إلى الجميع برسالة مسكونة بالقلق، تثير العديد من علامات الاستفهام عما يجري في ذلك البلد العريق الذي ظلمته الجغرافيا كما ظلمه التاريخ. ظلمته الجغرافيا لانها تخيرت له ركنا قصيا في العالم العربي، فصار بعيدا عن العين، وفي أحيان كثيرة بدا بعيدا عن القلب، وظلمه التاريخ لأن مجده الغابر لم يطل أمره، وتقلب في عصوره الحديثة.
    حين كتبت في هذا المكان قبل اسبوعين عن أزمة الديمقراطية في العالم العربي، وضربت مثلا بما يجري في تونس من مصادرات للحريات المدنية وانتهاكات لحقوق الإنسان، تلقيت عدة رسائل من اليمن تساءل بعضها: لماذا السكوت على ما يحدث في اليمن، في حين حملت إلي رسائل اخرى كماً من الوثائق والشهادات التي تعبر عن حالة الاحتقان الداخلي، مرفقة ببيانات تتعلق بمحاكمات جرت لعدد من كبار علماء الزيدية، وقوائم للمعتقلين الذين تجاوز عددهم أربعة آلاف شخص، (يتحدث آخرون عن رقم خمسة آلاف) مع قائمة أخرى لأطفال وشبان صغار (عددهم 23) تم اعتقالهم أيضا، في حين تراوح أعمارهم بين 12 و 17 سنة. في الوقت ذاته زارني اثنان من المثقفين اليمنيين حاملين معهما ملفا عزز الصورة التي نقلتها رسائل البريدين العادي والإلكتروني، ولست أخفي أن شعوري بالقلق تضاعف حين فرغت من الاطلاع على محتويات الملف، خاصة أنني أنتمي إلى جيل عاصر الثورة اليمنية وعرف قادتها الذين كان اغلبهم من زملاء الدراسة (بمدرسة حلوان الثانوية جنوب القاهرة) ـ وعلق آمالا كبيرة على تلك الثورة التي بدت حتى وقتذاك ـ في بداية الستينيات ـ وكأنها بداية لتحقيق أحلام الملايين من أبناء اليمن، تنقل بلادهم من عصر سمته التخلف والاستبداد إلى عصر آخر أكثر تقدما واستنارة واحتراما لحقوق الإنسان.

    لم أصدق عيني وأنا اقرأ الشهادات والوثائق التي تحدثت عن أوضاع اليمن بعد 40 سنة من الثورة، التي يفترض أنها بدأت صفحة جديدة في تاريخ البلاد، تلبي الحد الأدنى من أشواق الناس وأحلامهم.

    تماما كما أنني لم اصدق أذني حين سمعت خطبة الرئيس اليمني في يوم 30/11 (في ذكرى جلاء البريطانيين عن عدن) التي شدد فيها على أن المؤسسة العسكرية وحدها الحاكمة والحامية للجمهورية والوحدة والتقدم في اليمن، وهو ما اعتبرته زلة لسان، لأنه إذا صح ذلك، فمعناه أن الثورة خلال أربعين عاما أو اكثر لم تنجح في أن تؤهل الشعب لكي يشارك في الحكم، ويحرس الجمهورية والوحدة والتقدم، معناه أيضا ان الوضع الراهن يراد له أن يستمر أربعين سنة أخرى.

    لقد تناقلت وكالات الأنباء في الخامس من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي قرار الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بالعفو عن الذين ألقي القبض عليهم وحوكموا من الحوثيين ـ نسبة إلى حسين بدر الدين الحوثي ـ الذين انخرطوا فيما سمي بالشباب المؤمن، ووصفوا بالهاشميين تارة والزيدية تارة أخرى، وكنت واحدا من كثيرين اعتبروا القرار حكيما، وتهيؤا لفتح صفحة جديدة تنهي الصراع المحزن الحاصل في منطقة صعده، والذي حذرت في مقالة سابقة من تحويله إلى «دارفور أخرى».

    غير ان التقارير التي تلاحقت بعد ذلك أجمعت على أن القرار لم يدخل حيز التنفيذ، وأن الذين أطلق سراحهم كانوا في حدود 50 شخصا من بين الأربعة أو الخمسة آلاف، وأدهشني ما سمعته من أحد المحامين اليمنيين أنه سأل الجهات المختصة في صنعاء عن سبب عدم الإفراج عن بقية المعتقلين، فسمع ردا يقول بأن قرار العفو كان مجرد خطبة سياسية، وأنه لم يصدر مكتوبا، وردا آخر يقول بأن العفو قصد به الأبرياء الذين لم يشاركوا في الأحداث التي وقعت (أي الذين ليسوا بحاجة إلى عفو).

    جاءت الاشتباكات المسلحة التي وقعت في الاسبوع الماضي، لتؤكد أن التوتر لا يزال مستمرا، وأن العفو لم يؤخذ على محمل الجد، وبالتالي فإن احتمالات تفجير الموقف وتوسيع نطاق المواجهة في الشمال اليمني لم تتراجع، خصوصا أن ثمة محاكمة جارية الآن امام محكمة أمن الدولة المنصوبة في صنعاء، لعناصر من «الشباب المؤمن» وصفوا بأنهم «خلية صنعاء» التي اتهمت بالتحضير لأعمال تخريبية في العاصمة.

    لم تكتف التقارير بذلك وإنما سلطت الأضواء على ما سمي بالمحكمة الجزائية المتخصصة، التي تحاكم «خلية صنعاء» وهي محكمة استثنائية .

    وفي اغرب الأحكام التي أصدرتها تلك المحكمة الاستثنائية – والغرائب بلا حصر بالمناسبة ـ انها قضت بتوقيع غرامة على صحيفة «الشورى» المعارضة وصلت إلى 500 مليون دولار ـ أكرر خمسمائة مليون دولار لماذا؟ ـ لانها نشرت ذات يوم خبرا غير دقيق عن عدم صلاحية مصل مضاد لاحد الأوبئة، وقد كذبت وزارة الصحة الخبر، ونشرت الصحيفة التكذيب، غير أن جهة اخرى تصيدت المسألة، ووجدتها فرصة لتأديب الصحيفة المعارضة، فحركت الدعوى ضدها، مستندة في ذلك إلى أن نشر الخبر (الذي تم تكذيبه) من شأنه أن يدفع الناس إلى الشك في جدواه، ومن ثم الإعراض عن التطعيم، وحين يفعلون ذلك فإنهم سيصبحون معرضين للإصابة بالوباء، مما يترتب عليه وفاة اعداد منهم خلال السنوات العشر المقبلة، وهو ما ينبغي أن تتحمل الصحيفة مسؤوليته، عن طريق دفع دية المتوفين من أبناء عدن في الفترة. وهذه الدية قدرتها المحكمة الاستثنائية بخمسمائة مليون دولار!

    طعن المحامون في الحكم، وبعد مداولات وأخذ ورد، خفضت الغرامة إلى ما يعادل 20 ألف دولار، وقررت المحكمة إغلاق الصحيفة المعارضة لمدة ستة أشهر.

    الملف الذي بين يدي حافل بالشهادات والتقارير الأخرى، التي تحدثت عن الاعتداء بالضرب على الصحفيين المعارضين، وعمليات الخطف والقمع والتعذيب التي يتعرض لها الناشطون، وحصة الهاشميين في تلك الممارسات اكبر، الأمر الذي يخشى معه ان يجدد الصراع المذهبي المقيت الذي يفترض أن اليمن تجاوزه منذ عقود، ذلك غير التقارير التي تحدثت عن محاكمة نفر من العلماء، لمجرد أن بعضهم زار إيران أو حضر حفلا في السفارة الإيرانية قبل خمس أو سبع سنوات!

    كما يحدث في أقطار عربية أخرى، فإن حملات ملاحقة المعارضين وقمعهم تتذرع بمكافحة الإرهاب ولأنه يقال إن لتنظيم القاعدة حضورا بين بعض الشبان اليمنيين ومنهم من كان له دور في أحداث 11 سبتمبر فقد وجدت أجهزة الأمن في تلك الخلفية غطاء يطلق يدها في إجراءات الملاحقة والقمع، أنيطت بمحكمة أمن الدولة الاستثنائية مهمة إكمال المهمة.

    غير أن الانتهاكات اتسع نطاقها على نحو أثار حفيظة الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، فعقدت اكثر من ندوة انتقدت عدم دستورية المحكمة الجزائية المتخصصة، ودعت إلى رد اعتبار السلطة القضائية واحترام سيادة القانون، ونظمت أحزاب المعارضة إطارا عرف باسم «اللقاء المشترك» وعقدت مؤتمرا في صنعاء ( في 27/11) أعلنت فيه مشروعها للإصلاح السياسي (اعتبره مسؤولون حكوميون مشروع «خيانة») وانتقدت الأوضاع القائمة مشيرة إلى ان مظاهر الأزمة في اليمن تتجلى في غياب دولة القانون والمؤسسات وانعدام المساواة أمام القانون. وتركيز السلطة في يد رئيس الدولة من دون توافر الحد الأدنى من التكافؤ بين الصلاحيات والمسؤوليات فلا محاسبة ولا مساءلة في ظل وجود سلطتين تشريعية وقضائية غير مستقلتين ومسيطر عليهما. ودعوا إلى تشكيل الحكومة من قبل أحزاب أو ائتلاف الغالبية وفق نتائج الانتخابات وخضوع الحكومة للمساءلة البرلمانية بشكل مستمر ومنح رئيس الجمهورية الصلاحيات السيادية المتعارف عليها في النظام البرلماني، كما دعوا إلى تخفيض مدة مجلس النواب إلى أربع سنوات بدلا من ست، وتخفيض مدة ولاية رئيس الجمهورية إلى خمس سنوات، على أن يتولى منصبه لدورتين متتاليتين فقط، ومعروف أن الرئيس اليمني في الدستور الحالي ينتخب لسبع سنوات، بدون حد أقصى لمرات الترشيح.

    قلت من قبل أنه فيما يخص انتهاكات حقوق الإنسان فان أكثر بيوت العرب من زجاج لكن هناك حالات قصوى من الانتهاكات تذهب بعيدا في ممارسة القمع وإيقاع الظلم بالمواطنين، الأمر الذي يخشى معه أن تنفجر الأوضاع في الداخل، على نحو يهدد الاستقرار ويفتح الأبواب لشرور كثيرة. نسأل الله أن يحفظ بلادنا منها، وحين تبلغ تلك الحالات حد الخطر، فإن دق نواقيس الإنذار بأعلى صوت يصبح واجبا، ليس فقط من باب انكار المنكر، ولكن أيضا تحسبا لوقوع ما هو أتعس وانكر، اللهم فاشهد.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-12-08
  3. from yemen

    from yemen عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-01-25
    المشاركات:
    622
    الإعجاب :
    0
    لله درك أيها المصري الأصيل
    وسط سكوت الصحفيون اليمنيون يتجلى نور كتاباتك
    نعم أنتم هم الذين نعول عليهم ليحركوا المياة الراكدة
    بينما يحاول الصحفيون اليمنيون إضافة التراب على هذه المياة ليزداد ركودها
    نعم يا أيها الكاتب المميز
    هذا ما يحدث في اليمن
    هذا ما نعانيه وما يعانيه إخواننا في صعده


    تحية من اليمن الجريح المنكوب بأبنائه إلى أرض الكريمة مصر بأبنائها من أمثالك
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-12-08
  5. from yemen

    from yemen عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-01-25
    المشاركات:
    622
    الإعجاب :
    0
    والشكر الجزيل لكم أخي ناقل المقالة
    وتقبلوا أزكى تحياتي
     

مشاركة هذه الصفحة