إلقاء التحيه على أهل الكتاب

الكاتب : ابو حذيفه   المشاهدات : 1,266   الردود : 6    ‏2005-12-07
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-07
  1. ابو حذيفه

    ابو حذيفه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-05-01
    المشاركات:
    10,896
    الإعجاب :
    0
    ألف الشيخ فيصل مولوي من لبنان هذا الكتاب عن القاء السلام على أهل الكتاب :


    السلام على أهل الكتاب، من الموضوعات التي تلقى أهمية كبيرة في بلد كلبنان، وفي بلاد أخرى كثيرة لا يشكّل فيها المسلمون أكثرية عددية، رغم أن هذا الموضوع لا يقلّ في رأينا أهمية في البلاد ذات الأكثرية الإسلامية، لأنه أحد الأسباب التي يدخل منها العدو الخارجي من أجل تفتيت المجتمع من الداخل، عن طريق افتعال أنواع من العداوة تمزّق الشرائح الاجتماعية، وتكبّر الخلافات القائمة بينها.
    ولقد تجاوز المسلمون في لبنان بواقعهم هذه المسألة منذ زمن بعيد، فكانت التحيّة المتبادلة بينهم وبين غير المسلمين سبباً في زيادة التآلف وشيوع روح التسامح بين جميع اللبنانيين، ولو أن بعضهم كان يستعمل ألفاظاً أخرى، غير التحية المعتمدة بين المسلمين(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته). إلاّ أنه مع نموّ ظاهرة الصحوة الإسلامية، ظهرت مجموعات من الشباب المسلم الملتزم، في نطاق الحركات الإسلامية المعروفة أو الجمعيّات الإسلامية المتناثرة هنا وهناك، تقف من هذا الموضوع أمام نصّ واحد هو الحديث الصحيح المشهور: (لا تبدأو اليهود والنصارى بالسلام ـ وإذا سلّموا عليكم فقولوا: وعليكم) وهو حديث كثرت رواياته الصحيحة ولكنها كلها وردت في مناسبات متقاربة كان يطغى فيها الحقد اليهودي - رغم وجود العهود معهم - فيقولون للمسلمين عند التحية: (السام عليكم) والسام هو الموت. هذا النص فهمه كثير من العلماء، من خلال الحرب التاريخية التي كان يعيشها المسلمون، فاعتبروه النص الحاكم الذي يدفع إلى تأويل النصوص الأخرى المعارضة أو تخصيصها، وأخذه بعض المسلمين اليوم بهذا الفهم الخاطئ.
    ولذلك رأيت من الضروري، أن أتناول هذا الموضوع من زاوية علمية محضة، فأبدأ بمناقشة هذا الرأي، ثم أضع هذه القضية الجزئية في إطارها العام، ثم أتناول ما ورد فيها من نصوص عامة وخاصة وأحاول الجمع بينها لتشكّل لكل مسلم ثقافة شرعية متكاملة غير متناقضة. وصدق الله العظيم القائل عن كتابه الكريم: { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً }



    أولاً : أسباب منع المسلم من ابتداء أهل الكتاب بالسلام :
    لقد انتشر في تراثنا الفقهي الإسلامي القول بعدم جواز ابتداء غير المسلم بالسلام، وذلك استناداً لحديث (لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام). ونظراً لغرابة هذا القول في ظل العلاقات الإنسانية الطبيعية بين المسلمين وغيرهم، لجأ بعض العلماء إلى تحليل أسباب ذلك فقالوا :
    1. السلام على أهل الذمة مكروه لما فيه من تعظيمهم، ولا بأس أن يسلّم على الذمّي إن كانت له حاجة، لأن السلام عندئذ لأجل الحاجة لا لتعظيمه. (ابن عابدين في الحاشية 5/264 الطبعة المصرية).
    2. السلام تحية، والكافر ليس من أهلها. (حاشية العدوي على الخرشي 3/110 طبعة بولاق).
    3. الابتداء بالسلام نوع من الإكرام، وهو بسط له وإيناس وإظهار ودّ، والله تعالى يقول: { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ..} [سورة المجادلة].(نهاية المحتاج 8/49 طبعة المكتبة الإسلامية).
    4. لا يجوز فعل ما يستدعي مودة الكافر ومحبّته لأن المسلم مأمور بمعاداة الكافر. (فتح الباري 11/19). وإفشاء السلام يؤدّي إلى التحابب لقول رسول الله : (ألا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشو السلام بينكم) [رواه الطبراني عن أبي موسى الأشعري وعن ابن مسعود]. وفي الروايتين ضعف لكن تؤيّده رواية أخرى في كتاب التوبة، وحديث آخر عن ابن الزبير في نفس المعنى رواه البزار بإسناد جيد.

    وجوابنا على ذلك :
    1. أن السلام بالنسبة للمسلم هو التحية المعروفة بين جميع الشعوب، ولا علاقة له بالتعظيم. وقد روي أن رسول الله قال: (تحية المسلم السلام). وكان هو يسلّم على اليهود، ولم يمتنع إلاّ عندما حوّروا هم كلمة السلام إلى السام. ومع ذلك كان يرد عليهم بكلمة (وعليكم)، وهذا الرد لا يمكن أن يكون تعظيماً لهم. والله تعالى يقول: }وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا{ والتعارف لا يكون إلاّ بنوع من التحية. والمسلم لا يحيد عن تحيّته الخاصة (السلام) إلاّ لسبب وهو وجود الحرب، لأن السلام تأمين، وهو لا يكون مع الحرب. ويجمع الفقهاء على وجوب رد تحية الكافر بأحسن منها أو مثلها استناداً للآية الكريمة { وإذا حُيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسنَ منها أو رُدّوها..} [سورة النساء، الآية 86].
    2. السلام تحية. هذا صحيح. ولكن القول أن الكافر ليس من أهلها لا يمكن أن يكون مقبولاً، لأنه يناقض الآية السابقة { وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ..} ويناقض فعل الرسول الثابت أنه كان يسلّم على غير المسلمين ويردّ عليهم السلام، ويناقض فعل الصحابة والسلف وسيأتي بيان ذلك.
    3. الابتداء بالسلام ليس إكراماً للمسلَّم عليه، بل هو إكرام للمسلِّم نفسه، لقول الرسول : (إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام) [رواه أبو داود والترمذي وحسّنه].
    أما أنه بسط وإيناس لهم، فليس هذا مستغرباً على المسلم، إنه داعية إلى الله. ومن واجب الداعية أن يتلطّف في دعوته ويرفق بالناس، ويؤنسهم ويتباسط معهم، وإلاّ فما هي الحكمة والموعظة الحسنة التي أمر الداعية بها؟
    وليس ضرورياً أن يكون السلام إظهار ودّ. بل قد يكون مجرّد تحية للتعارف. على أن المودّة المنهي عنها هي مودّة الكافرين المحاربين، وليس كل كافر. فالآية الكريمة تنهى عن مودة من يحادّ الله { لا تجدُ قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ..} [سورة المجادلة]. وهؤلاء جمعوا مع الكفر المحاربة. والآية الثانية التي نهت عن مودّة الكافر قوله تعالى: {.. لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء، تلقون إليهم بالمودة، وقد كفروا بما جاءكم من الحق، يخرجون الرسول وإيّاكم..} فهؤلاء أيضاً قد جمعوا بين الكفر والمحاربة.
    أما مجرّد الكفر، فقد يوجد معه سبب للمودّة، كما في حال الزوجة الكتابية، فقد يودّها زوجها ولو كانت كتابية، والله تعالى يقول: { وجعل بينكم مودّة ورحمة } فإذا وجدت المودّة من الزوج المسلم لزوجته الكتابية لا ينهى عن ذلك، على أن ينتبه المسلم أن المودّة المشروعة هنا هي بسبب رباط الزوجية وما إذا كانت تقوم بحقها، وليس لكفرها.
    4. أما القول بأنه لا يجوز للمسلم فعل ما يستدعي مودّة الكافر ومحبّته اعتماداً على أن (إفشاء السلام يؤدي إلى التحابب) فهو منقوض بقول رسول الله : (تهادوا .. تحابّوا ..) فالتهادي أيضاً يؤدي إلى التحابب.
    ومن الثابت أن رسول الله (أهدى إلى أبي سفيان تمر عجوة حين كان بمكة محارباً، واستهداه أدماً) [ذكر ذلك السرخسي في المبسوط 10/92]. واتفق الأئمة الأربعة على صحة الهبة للحربي وهي هدية، كما أجاز جمهور الفقهاء قبول الهدية من الكفّار الحربيين لأن النبي قبل هدية المقوقس عظيم القبط، وأهدى له كسرى وقيصر فقبل منهما، وأهدت له الملوك فقبل منها كما روى أحمد والترمذي.
    فتبين أن التهادي مع الكفار ليس ممنوعاً، وإن أدّى إلى شيء من الحب، لأن الحب الممنوع هو الذي يتعلّق بالكفر، أما إذا كان للحب سبب آخر فليس ممنوعاً. كحب الرجل زوجته الكتابية، وحب المسلم لأقربائه الكفّار. والله تعالى لم يطلب من المسلم الامتناع عن الحب البشري وهو حب الآباء والأولاد والأزواج والعشيرة والأموال، بل طلب أن يكون حب الله ورسوله هو الأقوى عند التعارض { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبّ إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين} [سورة التوبة، الآية 24]. ومن المعروف أن الآباء والأبناء والإخوان الزوجات والعشيرة يمكن أن يكونوا كفاراً. وأن الأموال والتجارة والمساكن يمكن أن تكون في بلاد غير إسلامية فيحب المسلم هذه البلاد لوجود أمواله وتجارته ومساكنه فيها. ولكن عند التعارض يجب أن يتغلّب حبّ الله ورسوله ولو تخلّى المسلم عن كل هؤلاء.





    ثالثاً : نصوص من القرآن الكريم :
    1. { يا أيّها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها ..} [سورة النور، الآية 27]
    {.. فإذا دخلتم بيوتاً فسلّموا على أنفسكم، تحية من عند الله مباركة طيّبة، كذلك يبيّن الله لكم الآيات لعلّكم تعقلون} [سورة النور، الآية 61].
    فكلمة (بيوت) هنا تشمل أي بيت ندخل إليه سواء كان بيت مسلم أو غير مسلم.
    وكلمة (أنفسكم) استعملها القرآن بمعنى الناس جميعاً وليس فقط المسلمين. قال تعالى مخاطباً العرب المشركين: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم }.
    فالآية نص عام في وجوب السلام عند دخول البيوت سواء على مسلمين أو غير مسلمين.
    وقد ذكر الطبري في تفسير هذه الآية عن إبراهيم: إذا دخلت بيتاً فيه يهود فقل: السلام عليكم. وإن لم يكن فيه أحد فقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
    2. { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وقالوا: لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } [سورة القصص، الآية 55].
    فهذه الآية نص عام في كل مسلم يستمع من غير المسلمين إلى حديث لا يرضي الله، عليه أن يفارقهم ولا يبقى في هذا المجلس. قال بعض المفسّرين: السلام هنا للمتاركة لا للتحية. ونقول: إن المتاركة يمكن أن تكون مع الشتائم، ويمكن أن تكون على الأقل بدون هذه الكلمة الطيبة (السلام) ولكن الله تعالى شرع لنا عند مفارقة الكفّار أن نقول لهم: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين.
    وإذا كانت تحية المتاركة (السلام) فتحية الاستقبال كذلك من باب أولى، لأن الرسول (ص) يقول: (ليست الأولى بأحق من الأخيرة) [رواه أبو داود والترمذي وحسّنه النسائي].
    3. { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلاماً } [سورة الفرقان، الآية 63]
    أورد القرطبي في تفسير هذه الآية قول بعض العلماء أنها منسوخة بآية السيف. ثم ذكر قول ابن العربي: ( لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلّموا على المشركين، ولا نهوا عن ذلك. بل أمروا بالصفح والهجر الجميل. وقد كان عليه الصلاة والسلام يقف على أنديتهم ويحيّيهم ويدانيهم ولا يداهنهم). ورجح القرطبي، رأي ابن العربي فقال: قلت: هذا القول ـ أي قول ابن العربي ـ أشبه بدلائل السنّة. وقد بيّنا في سورة مريم اختلاف العلماء في جواز التسليم على الكفّار. فلا حاجة إلى دعوى النسخ والله أعلم.
    4. { وقيله : يا رب، إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون. فاصفح عنهم وقل : سلام، فسوف يعلمون ..} [سورة الزخرف، الآية 89].
    يقول الشنقيطي في تفسير هذه الآية في أضواء البيان أنها: "تضمّنت ثلاثة أمور منها: أن يقول للكفار: سلام. وقد بيّن الله تعالى أن السلام للكفّار هو شأن عباده الطيّبين. ومعلوم أنه سيّدهم، قال تعالى: {… وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا: سلاماً } [سورة الفرقان، الآية 63]. {… سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين …} [سورة القصص، الآية 55]. وقال إبراهيم لأبيه: {.. سلام عليك }.
    ومعنى السلام في الآيات المذكورة، إخبارهم بسلامة الكفّار من أذاهم. ومن مجازاتهم لهم بالسوء. أي سلمتم منّا لا نسافهكم، ولا نعاملكم بمثل ما تعاملوننا.
    وكثير من أهل العلم يقولون: إن قوله تعالى: { فاصفح عنهم …} وما في معناه منسوخ بآيات السيف. وجماعات من المحققين يقولون: هو ليس بمنسوخ.
    والقتال في المحل الذي يجب فيه القتال، والصفح عن الجهلة، والإعراض عنهم، وصف كريم، وأدب سماوي لا يتعارض مع ذلك".
    5. { قال : سلام عليك. سأستغفر لك ربّي، إنّه كان بي حفيّاً } [سورة مريم، الآية 47].
    ذكر القرطبي في تفسير هذه الآية: (الجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة، لا التحية. وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام. وقال بعضهم تسليمه: هو تحية مفارق. وأجاز تحيّة الكافر، وأن يبدأ بها. وقيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال نعم، قال الله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم. إن الله يحبّ المقسطين } [سورة الممتحنة، الآية 7]. وقال تعالى: { لقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم ..} { وقال إبراهيم لأبيه : سلام عليك}.
    ورجّح القرطبي قول سفيان بن عيينة في جواز التحية للكافر، وذكر ممن يرى ذلك: الطبري ونسبه إلى السلف، وابن مسعود وأبو أمامة والحسن البصري والأوزاعي.
    6. أما التفريق في التحية بين المسلم (السلام عليكم) وبين غير المسلم (مرحباً أو سواها) فهي مخالفة للأدب القرآني. فقد نصّ الله تعالى على التحية للمسلم فقال: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا، فقل : سلام عليكم ..} [سورة الأنعام، الآية 54]. وذكر نفس النص في تحية غير المسلمين { سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ..} بالإضافة للآيات الأخرى المذكورة سابقاً.
    7. ومن أعجب الأمور قول بعض المسلمين بعدم جواز رد التحية على غير المسلم بلفظ السلام. مع أن الله تعالى يقول: { وإذا حيّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها ..} [سورة النساء، الآية 86].
    وجمهور الفقهاء يوجبون ردّ التحية بأحسن منها أو بمثلها. وقد ذكر الشيخ رشيد رضا في تفسير هذه الآية : "التحية مصدر حيّاه، إذا قال له حيّاك الله. هذا هو الأصل، ثم صارت التحية اسماً لكل ما يقوله المرء لمن يلاقيه أو يقبل عليه … وجعلت تحية المسلمين السلام، للإشعار بأن دينهم دين السلام والأمان، وأنهم أهل السلم ومحبّو السلامة …"
    علم من الآية أن الجواب عن التحية له مرتبتان: أدناهما ردها بعينها، وأعلاهما الجواب عنها بأحسن منها. فالمجيب مخيّر، وله أن يجعل الأحسن لكرام الناس كالعلماء والفضلاء،ورد عين التحية لمن دونهم.
    وروي عن قتادة وابن زيد: أن جواب التحية بأحسن منها للمسلمين، وردّها بعينها لأهل الكتاب، وقيل للكفّار عامّة. ولا دليل على هذه التفرقة من لفظ الآية ولا من السنّة. وقد روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: من سلّم عليك من خلق الله فاردد عليه وإن كان مجوسياً، فإن الله يقول: { وإذا حيّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها } [مجمع الزوائد - كتاب الأدب. قال الهيثمي: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير إسحق بن أبي إسرائيل وهو ثقة].
    أقول - والكلام للشيخ رشيد رضا - وقد نزلت هذه الآية في سياق أحكام الحرب ومعاملة المحاربين والمنافقين. - راجع سورة النساء من الآية 74 حتى 94 - ومن قال لخصمه السلام عليكم فقد أمّنه على نفسه، وكانت العرب تقصد هذا المعنى، والوفاء من أخلاقهم الراسخة. ولذلك عدّ الإمام - الشيخ محمد عبده - ذكر التحية مناسباً للسياق، بكونها من وسائل السلام.
    ومن آداب الإسلام التي كانت فاشية في عهد النبوّة إفشاء السلام إلاّ مع المحاربين، لأن من سلّم على أحد فقد أمّنه. فإذا فتك به بعد ذلك كان خائناً ناكثاً للعهد. وكان اليهود يسلّمون على النبي فيرد عليهم السلام، حتى كان من بعض سفهائهم تحريف السلام بلفظ (السام) أي الموت، فكان النبي يجيبهم بقوله (وعليكم). وسمعت عائشة واحداً منهم يقول له: السام عليكم. فقالت له: وعليك السام واللعنة. فانتهرها عليه الصلاة والسلام مبيّناً لها أن المسلم لا يكون فاحشاً ولا سبّاباً، وأن الموت علينا وعليهم.
    وروي عن بعض الصحابة كابن عباس أنه كان يقول للذّمي: السلام عليك. وعن الشعبي عن أئمة السلف أنه قال لنصراني سلّم عليه: وعليك السلام ورحمة الله تعالى. فقيل له في ذلك فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟ وروى ابن المنذر عن الحسن أنه قال: فحيّوا بأحسن منها (للمسلمين) وردّوها (لأهل الكتاب). وعليه يقال للكتابي في رد السلام عين ما يقوله وإن كان فيه ذكر الرحمة" .
    قال ابن القيّم متحدثاً عن ردّ للسلام على الكتابي إذا بدأ هو به: (الذي تقتضيه الأدلّة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام. فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان. وقد قال تعالى: }وإذا حيّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها{. فندب إلى الفضل وأوجب العدل. ولا ينافي هذا شيئاً من أحاديث الباب بوجه ما، فإنه إنما أمر بالاقتصار على قول الرد (وعليكم) بناءً على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيّتهم - وهو قولهم السام عليكم - … فإذا زال هذا السبب، وقال الكتابي: السلام عليكم ورحمة الله، فالعدل في التحيّة يقتضي أن يردّ عليه نظير سلامه).




    رابعاً : نصوص من السنّة المطهّرة :

    أ ـ الأحاديث العامَة :
    1. سئل رسول الله أيّ الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه].
    تطعم الطعام: أي تكثر من إطعام الضيوف، سواء كانوا مسلمين أم كافرين كما قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب.
    تقرأ السلام: أي تحيي بتحية الإسلام وهي (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وظاهر الحديث يشمل المسلم والكافر، ولكن أكثر العلماء خصّصوه بالمسلم ومنعوا ابتداء الكافر بالسلام لحديث: (لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام) وسيأتي معنا أن هذا التخصيص محصور في حالة الحرب فقط. فيبقى الحديث على عمومه في سائر الحالات.
    2. عن أبي هريرة أن رسول الله قال: (لمّا خلق الله آدم، قال اذهب فسلّم على أولئك النفر من الملائكة جلوس، فاستمع ما يحيّونك، فإنها تحيّتك وتحية ذريّتك. فقال: السلام عليكم. فقالوا: السلام عليك ورحمة الله ..) [رواه الشيخان].
    وهو نص صريح في أن السلام تحية آدم وتحية ذرّيته. ومن المعروف أن ذرية آدم منها المسلم ومنها الكافر، فيكون السلام هو تحية الجميع، سواء في الابتداء أو في الرد. والأصل في المسلم أن يلتزم بهذه التحية مع المسلم أو غير المسلم إلاّ عند وجود سبب مانع وهو (الحرب بالنسبة لغير المسلمين) لأن السلام أمان، والحرب تناقضه.

    ب ـ أحاديث إفشاء السلام وهي كثيرة جداً :
    بعضها عام ومن ذلك :
    · حديث البراء أن رسول الله قال: (أفشوا السلام، تسلموا) [رواه ابن حبّان في صحيحه].
    · وحديث عبد الله بن سلام قال: سمعت رسول الله يقول: (يا أيها الناس. أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح].
    · حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله : (اعبدوا الرحمن، وأفشوا السلام، وأطعموا الطعام، تدخلوا الجنان) [رواه الترمذي وصحّحه، وابن حبّان في صحيحه. واللفظ له].
    · حديث أبي شريح أنه قال: يا رسول الله. أخبرني بشيء يوجب لي الجنة. قال: (طيب الكلام، وبذل السلام، وإطعام الطعام) [رواه الطبراني وابن حبّان في صحيحه، والحاكم وصححه].
    · حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله: (أفشوا السلام كي تعلو) [رواه الطبراني بإسناد حسن] وتعلو: أي تسمو وترقى أخلاقكم.
    · حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله: (إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام) [رواه أبو داود والترمذي وحسّنه].
    وظاهر هذا الحديث يوجب على المسلم إذا التقى بغير المسلم أن يبدأ بالسلام، لأنه هو الأولى بالله تعالى.
    · حديث عبد الله بن مسعود ، عن النبي قال: (السلام اسم من أسماء الله تعالى، وضعه في الأرض، فأفشوه بينكم ..) [رواه البزار والطبراني. وأحد إسنادي البزار جيّد قوي].
    ومعنى الحديث أن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض كلها، ولكن غير المسلمين أهملوه، وعلى المسلمين أن يفشوه بينهم. وهذا لا يمنع استعماله بين غير المسلمين، ولا أن يحيّي به المسلمون غيرهم، لأن الأصل فيه أنه وضع في الأرض كلها.

    وبعض أحاديث إفشاء السلام وردت خاصة بالمسلمين منها :
    - حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: (لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) [رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه].
    - وحديث ابن الزبير رضي الله عنهما أن رسول الله قال: (دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: البغضاء والحسد .. والذي نفسي بيده، لا تدخلون الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أنبئكم بما يثبت لكم ذلك؟ أفشوا السلام بينكم) [رواه البزار بإسناد جيد].
    - وحديث أبي هريرة أن رسول الله قال: (حق المسلم على المسلم ست) وعدّ منها (إذا لقيته فسلّم عليه) [رواه مسلم].
    ويفهم من جميع هذه الأحاديث أن السلام في الأصل هو تحية الناس جميعاً، تحية ذرية آدم كلها، وأن الله وضعه في الأرض كلها. ولكن المسلمين هم أولى الناس به، وعليهم إفشاءه فيما بينهم أولاً، وتجاه كل الناس ثانياً، ولا يستثنى من ذلك إلا حالة الحرب القائمة كما ذكر الشيخ رشيد رضا رحمه الله.

    ج ـ الأحاديث الخاصة :
    1. وقد كان الصحابة يتعاملون مع الناس وفق هذه النصوص العامة من الكتاب الكريم والسنّة المطهّرة، ولا يجدون أي حرج في إلقاء السلام، وفي ردّه على اليهود الذين كانوا يقيمون معهم في المدينة المنورة، حتى كان يوم قريظة. ذكر أبو بصرة أن رسول الله قال: (إنّا غادون على يهـود، فلا تبدؤوهم بالسلام، فإذا سـلّموا عليكم فقولوا: وعليكم) [رواه أحمد والطبراني في الكبير، وأحد إسنادي أحمد والطبراني رجاله رجال الصحيح. وزاد الطبراني: (فلمّا جئناهم سلّموا علينا فقلنا: وعليكم)، مجمع الزوائد للهيثمي كتاب الأدب]. وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: قال رسول الله : (إني راكب غذاً إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام، فإذا سلّموا عليكم فقولوا: وعليكم) [جاء في الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد أن هذا الحديث صحيح].
    ونقل العسقلاني في فتح الباري رواية البخاري - في الأدب المفرد - والنسائي من حديث أبي بصرة نفسه أن النبي قال: (إني راكب غداً إلى اليهود، فلا تبدؤوهم بالسلام).
    وذكر ابن القيّم في زاد المعاد في فصل (هديه في السلام على أهل الكتاب): (صحّ عنه أنه قال: لا تبدؤوهم بالسلام ..) لكن قد قيل: إن هذا كان في قضية خاصة لمّا ساروا إلى بني قريظة قال: لا تبدؤوهم السلام. فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقاً، أو يختصّ بمن كانت حاله بمثل حال أولئك؟ واختار الترجيح أن هذا الحكم عام بناء على حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: (لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام ..) وسيأتي ذكره فيما بعد، لكننا نقلنا هنا قول ابن القيّم لبيان أن بعض السلف كانوا يعتقدون بأن عدم البدء بإلقاء السلام كان في قضية خاصة هي حصار بني قريظة.
    2. لكن وردت رواية أخرى في صحيح مسلم. وقد رواها أيضاً أبو داود والترمذي وفيها: (لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام ..).
    وفي رواية أبي داود، قال سهيل ابن أبي صالح: خرجت مع أبي إلى الشام، فجعلوا يمرّون بصوامع فيها نصارى، فيسلّمون عليهم. فقال أبي: لا تبدؤوهم بالسلام، فإن أبا هريرة حدّثنا عن رسول الله قال: (لا تبدؤوهم بالسلام ..).

    الجمع بين الروايتين : ونلاحظ هنا ما يلي :
    أ. أن الرواية الثانية لم تربط منع الابتداء بالسلام بحادثة معيّنة بل تركت الأمر على الإطلاق. فكأنّ سبب المنع هو كونه يهودياً أو نصرانياً، وبغض النظر عن وجود حالة حرب أو هدنة أو ذمة.
    فالأخذ بهذه الرواية على ظاهرها، يؤدي إلى إلغاء العمل بالرواية الأولى، التي يعلّل فيها رسول الله النهي عن البدء بالسلام، بوجود حالة الحرب، إذ عند وجود المنع المطلق، لا حاجة للتعليل بظرف طارئ.
    بينما لو أخذنا بالرواية الأولى، لما احتجنا إلى إلغاء العمل بالثانية، ولكننا خصّصناه فقط في حالة الحرب.
    وهذه الطريقة في الجمع بين الأدلة عن طريق إعمالها كلّها هي طريقة الأصوليين، وقاعدتهم في ذلك أن (إعمال الكلام خير من إهماله).

    ب. إذا قيل بأن الرواية الثانية تنسخ الرواية الأولى فالأمر يحتاج إلى توفّر شروط النسخ ومنها إثبات تاريخي يؤكّد أن الثانية قيلت في زمن متأخر عن الأولى. مثل هذا الإثبات غير موجود، أو على الأقلّ لم نطلع نحن عليه، ولكن الثابت في السنّة - كما سيأتي فيما بعد - أن الرسول كان يراسل الملوك حتى وفاته فيلقي السلام أحياناً بشكل مطلق فيقول: سلم أنتم. ويقيّده أحياناً فيقول: والسلام على من اتبع الهدى. هذا بالإضافة إلى أن الرواية الثانية لم تنسخ الأولى بل أكّدتها وزادت عليها.

    ت. إن الروايتين تؤكّدان أن المسلمين كانوا يبدؤون بالسلام التزاماً بالنصوص العامّة التي ذكرناها آنفاً من القرآن الكريم والسنّة المطهرة، ثم جاء النهي عن ذلك. والسلام ليس من المسائل التعبّدية غير المعلّلة، بل هو من المسائل التي تقبل التعليل. فإذا جاء النهي معلّلاً بحالة الحرب كان غير مناقض للنصوص العامة بل هو مخصص لها بما لا يناقض أهدافها. أما إذا جاء غير معلّل، فهو مخصص للنصوص العامة بما يناقض أهدافها. وهذا لا يصح إلاّ مع النسخ. والنسخ غير ثابت. فلم يبق أمامنا من سبيل لمنع ادعاء حصول التناقض إلاّ الجمع بين الروايتين الصحيحتين، واعتبار أن منع ابتداء غير المسلمين بالسلام سببه وجود حالة الحرب، وهذا الرأي هو الذي قال به الشيخ رشيد رضا (في تفسير المنار الآية 84 من سورة النساء) قال: روى أحمد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله : (إني راكب غداً إلى يهود، فلا تبدؤوهم بالسلام، وإذا سلّموا عليكم فقولوا: وعليكم). فيظهر هنا أنه نهاهم أن يبدؤوهم لأن السلام تأمين، وما كان يحب أن يؤمّنهم وهو غير أمين منهم، لما تكرر من غدرهم ونكثهم بالعهد … وقد نقل النووي في شرح مسلم جواز ابتدائهم بالسلام عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز. قال: وهو وجه لأصحابنا. كما نقل عن الأوزاعي قوله: إن سلّمت فقد سلّم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون. وقال - أي النووي -: حكى القاضي عياض عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام للضرورة والحاجة أو لسبب، وهو قول علقمة والنخعي.
    ونقل العسقلاني في فتح الباري الجزء الحادي عشر صفحة 33 عن ابن أبي شيبة عن طريق عون بن عبد الله عن محمد بن كعب أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال: نرد عليهم ولا نبدأهم. قال عون: فقلت له: كيف تقول أنت؟ قال: ما أرى بأساً أن نبدأهم. قلت: لم؟ قال: لقوله تعالى: {فاصفح عنهم وقل سلام } [سورة الزخرف، الآية 89].

    ث. وقد يقال هنا إن القاعدة الأصولية أن (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) وأن لفظ (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام ..) عام. وحتى لو صحّ أنه قيل في ظرف خاص هو نقض بني قريظة العهد ودخول الرسول معهم في حرب، إلاّ أنه يجب أن يؤخذ بعمومه وفق هذه القاعدة.

    وهنا أشير إلى فائدة أصولية :
    إن (السبب) في هذه القاعدة يعني، (المناسبة التي قيل فيها هذا اللفظ)، ولا يعني (السبب) الذي يكون علة للحكم.
    فإذا كان السبب هو المناسبة التي قيل فيها النص، فالعبرة عند ذلك بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومثال ذلك حكم الأنفال، فهو نزل بمناسبة وقوع الخلاف بين الصحابة حول توزيعها. فهذا الحكم ليس خاصاً بأنفال بدر، ولو أنه نزل بسببها، لأن السبب هنا هو المناسبة التي قيل فيها النص.
    أما إذا كان السبب هو علة الحكم - وليس المناسبة التي نزل فيها - فالقاعدة الأصولية الثابتة أن (الحكم يدور مع علته) وأنه إذا زال السبب زال حكمه. ومثال ذلك قول ابن القيّم: إن الكتابي إذا قال لك: (السلام عليكم ورحمة الله) فالعدل في التحية يقتضي أن يردّ عليه نظير سلامه، أي تقول له: (وعليكم والسلام ورحمة الله). ولا تكتفي بالقول (وعليكم) لأن هذا القول له سبب وهو أن اليهود كانوا يقولون للمسلمين (السام عليكم) فأمروا بالردّ عليهم بهذا النص (وعليكم). فإذا زال هذا السبب فقالوا: (السلام عليكم ورحمة الله) زال الحكم المذكور، ورجعنا إلى الحكم الأصلي. فالسبب هنا هو علة الحكم وليس فقط المناسبة التي نزل فيها.

    3. في حديث أنس بن مالك أن النبي قال: (إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم) [رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه].
    وفي رواية لمسلم وأبي داود أن أصحاب النبي قالوا له: (إن أهل الكتاب يسلّمون علينا فكيف نرد عليهم؟ قال: وعليكم).
    وفي رواية للبخاري قال: مرّ يهودي برسول الله فقال: السام عليك. فقال الرسول : وعليك. ثم قال: أتدرون ماذا قال هذا؟ قال: السام عليك. قالوا يا رسول الله: ألا نقتله؟ قال: لا. إذا سلّم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم.
    قال النووي في شرح هذا الحديث : اتفق العلماء على الردّ على أهل الكتاب إذا سلّموا. لكن لا يقال لهم وعليكم السلام، بل يقال عليكم فقط أو وعليكم.
    وفي حديث عائشة رضي الله عنها أن اليهود عندما قالوا لرسول الله السام عليكم قالت: السام عليكم يا إخوان القردة والخنازير ولعنة الله وغضبه. فقال لها الرسول [​IMG]يا عائشة: مه. لم يدخل الرفق في شيء إلاّ زانه، ولم ينـزع من شيء إلاّ شانه).

    نستخلص من هذه الروايات ما يلي :
    1- أن السلام كان معروفاً بين المسلمين واليهود ابتداءً ورداً باللفظ المعروف.
    2- أن اليهود حرّفوا كلمة (السلام) إلى (السام) وأصبحوا يبدؤون أو يردون بذلك.
    3- كان ردّ الفعل الطبيعي منع المسلمين من ابتدائهم بالسلام، ورد تحيّتهم بـ (وعليكم)، فإن ألقوا السلام ردّ عليهم بالسلام. وإن ألقوا السام ردّ عليهم بالسام.
    4- منع المسلمون أن يردّوا على التحيّة السيئة بأسوأ منها، بل يكتفوا برد السيئة بمثلها كما ورد عن الرسول من نهي عائشة عن الزيادة عندما قالت لهم: وعليكم السام واللعنة. فأمرها أن تكتفي بـ (وعليكم).
    5- إذا زال السبب - وهو أن أهل الكتاب يقولون للمسلمين (السام عليكم) وجب على المسلمين أن يعودوا إلى الأصل فيبدؤون بالسلام، ويردون التحية بمثلها أو أحسن منها وليس فقط بكلمة (عليكم) لأن الحكم يدور مع علته، وإذا زال سبب الحكم الاستثنائي رجعنا إلى الحكم الأصلي.

    4. وحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما (أن النبي مرّ بمجلس فيه أخلاط من اليهود والمسلمين فسلّم عليهم) [رواه البخاري ومسلم والترمذي].
    وقد تعسّف بعض العلماء، فقالوا: إنه ينبغي في مثل هذه الحالة أن يقصد بسلامه المسلمين فقط. مع أنه لا يوجد في كل روايات هذا الحديث ما يشير إلى أن الرسول قصد المسلمين فقط بسلامه. وربما دفعهم إلى ذلك الخشية من تساؤل البعض: إذا صحّ جواز السلام على غير المسلمين وهم في مجلس مع المسلمين، فلماذا لا يصح إذا كانوا منفردين؟ وما هو الفرق بين الحالتين؟

    5. روى الطبراني في الصغير عن أبي هريرة عن النبي قال: (السلام اسم من أسماء الله تعالى، وضعه في الأرض تحيّة لأهل ديننا، وأماناً لأهل ذمّتنا).
    وروى الطبراني في الأوسط والبيهقي عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله يقول: (إن الله عزّ وجلّ جعل السلام تحية لأمّتنا وأماناً لأهل ذمّتنا).
    وفي الحديثين ضعف في السند، ولكن تقوّيهما النصوص العامة الكثيرة المذكورة آنفاً. وعمل الكثير من السلف بذلك كما ذكر الشيخ رشيد رضا.

    6. في حياة الصحابة الجزء الأول : أخرج أبو يعلى عن حرب بن سريح قال: حدثني رجل من بلعدوية، قال: حدثني جدي، قال: انطلقت إلى المدينة فنزلت الوادي، فإذا رجلان بينهما عنز واحدة، وإذا المشتري يقول للبائع: أحسن مبايعتي. قال: فقلت في نفسي: هذا الهاشمي الذي قد أضلّ الناس، أهو هو؟ قال: فنظرت، فإذا رجل حسن الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين … قال: فدنا منّا (أي الرسول ) فقال: السلام عليكم، فرددنا عليه … إلى آخر الحديث وفيه حوار طويل بين هذا الرجل الكافر وبين رسول الله (صلى الله عليه وسلَم).

    وأخرج أبو نعيم في حلية الأولياء (1/310) عن الطفيل بن أبي كعب أنه كان يأتي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فيغدو معه إلى السوق، قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمرر عبد الله بن عمر على سقاط (هو الذي يبيع سقط المتاع) ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلاّ وسلّم عليه. قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوماً فاستتبعني إلى السوق. فقلت: ما تصنع بالسوق، وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السوق؟ قال: وأقول، اجلس ها هنا نتحدث، فقال لي عبد الله: إنما نغدو من أجل السلام فسلّم على من لقيت. وأخرجه أيضاً البخاري في الأدب (ص 148).

    وأخرج الطبراني عن أبي أمامة الباهلي أنه كان يسلّم على كل من لقيه. قال: فما علمت أحداً سبقه بالسلام، إلاّ يهودياً مرة اختبأ له خلف اسطوانة، فخرج فسلّم عليه. فقال له أبو أمامة: ويحك يا يهودي ما حملك على ما صنعت؟ قال له: رأيتك رجلاً تكثر السلام، فعلمت أنه فضل، فأردت أن آخذ منه. فقال له أبو أمامة: ويحك إني سمعت رسول الله r يقول: (إن الله جعل السلام تحية لأمتنا وأماناً لأهل ذمّتنا).
    وعند أبي نعيم في الحلية (6/112) عن محمد بن زياد قال: كنت آخذ بيد أبي أمامة، وهو منصرف إلى بيته، فلا يمر على أحد، مسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلاّ قال: سلام عليكم، سلام عليكم.

    7. رسائل رسول الله :
    1- رسالته إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة قبل أن يسلم وقد افتتحها بقوله: سلم أنت ثم دعاه فيها إلى الله وحده لا شريك له. ثم ختمها بقوله: والسلام على من اتبع الهدى
    2- رسالته إلى أسقف إيلة وأهلها وقد افتتحها بقوله: سلم أنتم، ثم دعاه للإسلام.
    3- رسالته إلى العباد الاسبذبين وقد افتتحها أيضاً بقوله: سلم أنتم، وقبل هديّتهم، وفصّل لهم واجباتهم وختمها بقوله: والسلام على من اتبع الهدى.
    4- رسالته إلى الهلال صاحب البحرين افتتحها بقوله: سلم أنت، ثم دعاه إلى الله، وختمها بقوله: والسلام على من اتبع الهدى.

    وخلاصة القول :
    إن أرجح الأقوال في المذاهب عدم جواز ابتداء أهل الذمة بالسلام. إلاّ أن القول بالجواز قال به جمهور كبير من العلماء حتى داخل كل مذهب.
    - نقل ابن عابدين في حاشيته 5/264 عن بعض المشايخ أنه (لا بأس بلا تفصيل) وهو المذكور في الخانيّة. وإن رجّح هو أنه مكروه إلاّ عند وجود الحاجة إليه.
    - ونقل النووي في شرح صحيح مسلم 14/145 عن الماوردي (وجهاً لبعض أصحابنا أنه يجوز ابتداؤهم بالسلام) وقد رجّح النووي التحريم.
    - ونقل ابن مفلح في الآداب الشرعية 1/412 عن بعض العلماء القول بعدم التحريم.
    وقد روي هذا القول ـ أي عدم التحريم ـ عن ابن عباس وابن مسعود وأبي أمامة وابن محيريز وعمر بن عبد العزيز وسفيان بن عيينة والشعبي والأوزاعي، ونقل القرطبي في تفسيره (11/112) عن الطبري قوله: وقد روي عن السلف أنهم كانوا يسلمون على أهل الكتاب، كما ذكر القرطبي نفسه عن ابن مسعود أنه فعله بدهقان صحبه في طريقه، قال علقمة: فقلت له: يا أبا بعد الرحمن أليس يكره أن يبدؤوا بالسلام؟ قال: نعم. ولكن حق الصحبة. كما اختار هذا القول السيد رشيد رضا في (تفسير المنار) والشيخ الشنقيطي في (أضواء البيان).




    من كل ما تقدّم نستنتج :
    1. أن الإسلام يحثّ المسلمين على المبادرة إلى طرح التحية تجاه جميع الناس وبلفظ (السلام عليكم) بدليل أحاديث إفشاء السلام العامة وهي كثيرة وصحيحة.
    2. أن الإسـلام يأمر بردّ التحية بأحسـن منها أو مثلهـا حين يبادر الآخـرون بها لقوله تعـالى: }وإذا حيّيتم بتحية فحيّوا بأحسن منها أو ردّوها ..{. فإذا ابتدأ الكتابي بالسلام يُردّ عليه بمثله على الأقل.
    3. إذا بدأ الآخرون بتحية سيّئة يجوز للمسلم ردّها بمثلها فقط، بدليل قول الرسول (ص) لأصحابه حين كان اليهود يبدؤونهم بالقول: (السام عليكم) قولوا: وعليكم.

    - ويجوز الصفح عنهم ورد التحية السيئة بأحسن منها لعموم قوله تعالى: { ويدرؤون بالحسنة السيئة} [سورة الرعد، الآية 22]. وقوله في رد التحية: }فحيّوا بأحسن منها ..{ وقوله في التعامل مع أهل الحرب: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتهم لهو خير للصابرين } [سورة النحل، الآية 126]. وقوله تعالى: { فاصفح عنهم .. وقل سلام ..} [سورة الزخرف، الآية 19].

    - ولا يجوز الزيادة عن المثل في (التحية السيئة) لما ثبت أن الرسول (ص) لم يوافق عائشة رضي الله عنها على هذه الزيادة. وذلك في الحديث الصحيح عندما قال اليهود: السام عليكم، فردت عليهم: وعليكم السام واللعنة. فنهاها عن ذلك وأمرها بالرفق وأن تكتفي بالرد: وعليكم. [الرواية متفق عليها].

    هذه صورة من أخلاق المسلم. وصدق رسول الله (ص): (إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق).






    نقلا عن موقع الشيخ :

    http://www.mawlawi.net/default.asp
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-12-07
  3. نقار الخشب

    نقار الخشب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-04
    المشاركات:
    17,755
    الإعجاب :
    4
    الموضوع طوييييييييييييل لكن فيه الفايدة

    أحسن الله إليك
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-12-08
  5. ابو حذيفه

    ابو حذيفه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-05-01
    المشاركات:
    10,896
    الإعجاب :
    0
    ما وضعناه بهذا التفصيل الا لان كثير من الاخوه يبادرون بطرح الاسئله حول هذا الموضوع خاصة مع اقتراب نهاية السنه الميلاديه
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-12-12
  7. نقار الخشب

    نقار الخشب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-12-04
    المشاركات:
    17,755
    الإعجاب :
    4
    يا أخي .. آفة الآفات أن معظمنا يميل دائماً إلى التطرف في مواقفه وآرائه .. فإما أن يكون التعامل مع غير المسلمين بالظلم والبغي والعدوان وإما التعظيم والسقوط والذوبان



    المسلم صاحب رسالة ولابد له من مخالطة الناس بالآداب العظيمة والخلق الحسن .. أما الفضاضة والغلظة فتؤديان إلى تنفير الناس من الحق..


    وهذا لا يعني أن يقف المسلم موقف الهوان والمسالمة مع جميع أصناف البشر غير المسلمين.. بل مع المسالمين منهم .. أما الذين يحاربون الله ورسوله بوضوح فلابد من الغلظة والحزم معهم

    أحسن الله إليك
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-12-13
  9. أبو الفتوح

    أبو الفتوح مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-12-25
    المشاركات:
    7,833
    الإعجاب :
    31
    نعم الموضوع مفيد جدا والبحث فيه مهم . فشكرا لك عزيزي ابو حذيفة على هذه البادرة في هذا الوقت وجزاك الله الف خير
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-12-13
  11. أبو منار ضياء

    أبو منار ضياء عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-10-20
    المشاركات:
    745
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    وبعد
    جزاك الله خيرا على هذا الموضوع ،

    وأعتب على أخي نقار الخشب في دعوى التطرف مع كون المسألة خلافية بين أهل العلم وليسوا بقلة ، وليس هناك داعي لهذه الدعوى

    أخي الكريم عندي في البحث بعض ما يمكن أن يصح الإطلاق عليه بأنه أسألة تحتاج للنظر والبحث مني ومنك ومن طلبة العلم :

    الأول : وهي الاستدلال بالأحاديث العامة وإسقاطها على عمومها مع كونها يمكن دعوى أنها مخصوصة بترك السلام عليهم ، " أفشوا السلام 0000

    الثاني : الاستدلال بالأحاديث الخاصة وجعلها قضايا أعيان جملة ، ولو سلمنا لقلنا أن عدم السلام كان لأجل البدء لبني قريظة فمن أين أحكم بالحديث الآخر انه قضية عين " في تعميم الأمر على اليهود والنصارى ؟!

    فإذا كان لأجل العداء فهو موجود وصورته موجودة فإن قيل هذه الحكومات تعادي ، فما دخل الشعوب قلنا الحال كذلك في بني قريظة كان يحتاج إن يستثني الشعب ؟!!!!

    الثالث : لاستدلال بفعل الرسول عليه الصلاة والسلام في قضايا الحكم ، فإنها تختلف باختلاف العلاقات العامة 0 أي أن الحاكم يحتاج لمثل هذه الأمور في الابتداء لكن من أين نفهم أنه استمر على السلام والمودة عليهم ومراسلتهم ألم تنقطع ويكف عنهم ؟!

    كذلك في فعله عليه الصلاة والسلام لا يدل على الجواز العام بل فيما هذه صورته فحسب لمن كان هذا حاله وما وجه التعميم

    الرابع : الاستدلال بالأحاديث تحتاج في بعضها البحث عن الصحة 0000

    الخامس : تنوع المنع بالسلام في كل صوره حتى في كونهم حين يجلسون مع المسلمين تتغير الصيغة التي تقال لهم "
    السلام على من اتبع الهدى " ماذا يعطينا من الدلالة !!!

    السادس : اليهود اليوم هل هم أهل كتاب أو محاربين ، وكذلك النصارى هل هم أهل كتاب أو محاربين فإذا كان الأمر بعدم السلام لليهودي والنصراني كونه من أهل كتاب ؟!! مع التسليم للنقاش أنه يسلم عليهم ـ ، فما بالك لو كان الأمر على أنه محارب 0 ليس الأمر متوقف على الكفر فحسب

    السابع : المسألة تعبدية أو معقولة المعنى ،؟!! فلو كان الأول لما سلم البحث كله ، وكان باطلا رأسا ، وإن كان الثاني وهو الذي سار عليه المصنف من طريقة كلام العلماء في بيان العلة من أهل العلم كما نقل عنهم ، 00لكن هل بيان العلة دليل على المعقولية في المعنى ؟؟!! !!! ؟؟ 0

    الثامن : الاستدلال بالعلاقات الخاصة غير مسلم في نفس محل النزاع التي هي العلا قات العامة : كقوله مع الزوجة يودها فنقول علاقة خاصة وكذلك فعل الرسول عليه الصلاة والسلام ، والحديث في المنع بعدم السلام ، يمكن جعل علته لأمر عام في العلاقات العامة حتى يبقى تمايز الأمم ؟!! 0

    ثم آلا ترى معي أنه ممنوع كذلك الاستدلال بهذه القضية لما لحق المرأة الأجنبية من الزواج بالرجل ما يبقي علو المسلم !!!! وأما المودة فهي طبعية لا شرعية ونحن نبحث عن المودة الشرعية التي تتأتى بالتحية والسلام ، وكذلك زد فيه أننا منعنا زواج المرأة من الكافر لكونه تؤول إلى الشرعي لا الطبعي في العلاقات 0

    المسألة تحتاج إلى إشباع وتقصي الأقوال والخروج برؤية واضحة في الحكم حتى لا نقع في الحرج سواء كان بالمنع أو الجواز وما رأيك أخي أن تجمع البحث متكاملا ثم تطرحه

    هذه بعض الأمور التي لمستها في البحث الجيد ، وأعيد شكري لأخي الكاتب الحبيب
    ودمتم سالمين
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-12-14
  13. ابو حذيفه

    ابو حذيفه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-05-01
    المشاركات:
    10,896
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيكم جميعا
    ولمزيد من التوضيح في هذا المجال احيلكم الى كتاب الشيخ القرضاوي (( غير المسلمين في المجتمع المسلم ))
    وهذه مقتطفات من الكتاب بمايخدم الموضوع وليس الكتاب كله

    إن التسامح الديني والفكري له درجات ومراتب.
    فالدرجة الدنيا من التسامح أن تدع لمخالفك حرية دينه وعقيدته، ولا تجبره بالقوة على اعتناق دينك أو مذهبك، بحيث إذا أبى حكمت عليه بالموت أو العذاب أو المصادرة أو النفي أو غير ذلك من ألوان العقوبات والاضطهادات التي يقوم بها المتعصبون ضد مخالفيهم في عقائدهم.. فتدع له حرية الاعتقاد، ولكن لا تمكنه من ممارسة واجباته الدينية التي تفرضها عليه عقيدته، والامتناع مما يعتقد تحريمه عليه.
    والدرجة الوسطى من التسامح: أن تدع له حق الاعتقاد بما يراه من ديانة ومذهب ثم لا تضيق عليه بترك أمر يعتقد وجوبه أو فعل أمر يعتقد حرمته. فإذا كان اليهودي يعتقد حرمة العمل يوم السبت فلا يجوز أن يكلف بعمل في هذا اليوم. لأنه لا يفعله إلا وهو يشعر بمخالفة دينه. (في غاية المنتهى وشرحه، من كتب الحنابلة: "ويحرم إحضار يهودي في سبته، وتحريمه باق بالنسبة إليه، فيستثنى شرعًا من عمل في إجازة، لحديث النسائي والترمذي وصححه: "وأنتم يهود عليكم خاصة ألا تعدوا في السبت" ا.هـ -جـ2ص604).
    وإذا كان النصراني يعتقد بوجوب الذهاب إلى الكنيسة يوم الأحد فلا يجوز أن يمنع من ذلك في هذا اليوم.
    والدرجة التي تعلو هذه في التسامح: ألا نضيق على المخالفين فيما يعتقدون حله في دينهم أو مذهبهم. وإن كنت تعتقد أنه حرام في دينك أو مذهبك. وهذا ما كان عليه المسلمون مع المخالفين من أهل الذمة. إذ ارتفعوا إلى الدرجة العليا من التسامح.
    فقد التزموا كل ما يعتقده غير المسلم أنه حلال في دينه، ووسعوا له في ذلك، ولم يضيقوا عليه بالمنع والتحريم. وكان يمكنهم أن يحرموا ذلك مراعاة لشريعة الدولة ودينها ولا يتهموا بكثير من التعصب أو قليل، ذلك لأن الشيء الذي يحله دين من الأديان ليس فرضًا على أتباعه أن يفعلوه، فإذا كان دين المجوسي يبيح له الزواج من أمه أو أخته فيمكنه أن يتزوج من غيرهما ولا حرج. وإذا كان دين النصراني يحل له أكل الخنزير، فإنه يستطيع أن يعيش عمره دون أن يأكل الخنزير، وفي لحوم البقر والغنم والطير متسع له.
    ومثل ذلك الخمر، فإذا كانت بعض الكتب المسيحية قد جاءت بإباحتها أو إباحة القليل منها لإصلاح المعدة، فليس من فرائض المسيحية أن يشرب المسيحي الخمر.
    فلو أن الإسلام قال للذميين: دعوا زواج المحارم، وشرب الخمر، وأكل الخنازير، مراعاة لشعور إخوانكم المسلمين، لم يكن عليهم في ذلك أيُّ حرج ديني، لأنهم إذا تركوا هذه الأشياء لم يرتكبوا في دينهم منكرًا، ولا أخلوا بواجب مقدس.
    ومع هذا لم يقل الإسلام ذلك، ولم يشأ أن يضيق على غير المسلمين في أمر يعتقدون حله، وقال للمسلمين: اتركوهم وما يدينون.


    روح التسامح عند المسلمين

    على أن هناك شيئًا آخر لا يدخل في نطاق الحقوق التي تنظمها القوانين، ويلزم بها القضاء، وتشرف على تنفيذها الحكومات.
    ذلك هو (روح السماحة) التي تبدو في حُسن المعاشرة، ولطف المعاملة، ورعاية الجوار، وسعة المشاعر الإنسانية من البر والرحمة والإحسان. وهي الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية، ولا يغني فيها قانون ولا قضاء. وهذه الروح لا تكاد توجد في غير المجتمع الإسلامي.
    تتجلى هذه السماحة في مثل قول القرآن في شأن الوالدين المشركين اللذين يحاولان إخراج ابنهما من التوحيد إلى الشرك: (وصاحبهما في الدنيا معروفاً) (سورة لقمان: 15).
    وفي ترغيب القرآن في البر والإقساط إلى المخالفين الذين لم يقاتلوا المسلمين في الدين: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين) (سورة الممتحنة: 8).
    وفي قول القرآن يصف الأبرار من عباد الله: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا) (سورة الإنسان: 8). ولم يكن الأسير حين نزلت الآية إلا من المشركين.
    وفي قول القرآن يجيب عن شبهة بعض المسلمين في مشروعية الإنفاق على ذويهم وجيرانهم من المشركين المُصِرِّين: (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء، وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) (سورة البقرة: 272).
    وقد روى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة ومدوِّن مذهبه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى أهل مكة مالاً لما قحطوا ليوزع على فقرائهم. (شرح السير الكبير جـ 1 ص 144).
    هذا على الرغم مما قاساه من أهل مكة من العنت والأذى هو وأصحابه.
    وروى أحمد والشيخان عن أسماء بنت أبى بكر قالت: قدمت أمي وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت وهي راغبة، أفـأصِلها؟ قال: "نعم، صِلي أمك". (تفسير ابن كثير جـ 4 ص349).
    وفي قول القرآن يبين أدب المجادلة مع المخالفين: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد) (سورة العنكبوت: 46).
    وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكتاب يهودًا كانوا أو نصارى، فقد كان يزورهم ويكرمهم، ويحسن إليهم، ويعود مرضاهم، ويأخذ منهم ويعطيهم.
    ذكر ابن إسحق في السيرة: أن وفد نجران ـ وهم من النصارى ـ لما قدموا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، دخلوا عليه مسجده بعد العصر، فكانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعوهم" فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
    وعقب المجتهد ابن القيم على هذه القصة في (الهدي النبوي) فذكر مما فيها من الفقه: (جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين، وفي مساجدهم أيضًا، إذا كان ذلك عارضًا، ولا يمكنون من اعتياد ذلك). (زاد المعاد جـ 3ط. مطبعة السنة المحمدية).
    وروى أبو عبيد في (الأموال) عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تصدق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تُجْرَى عليهم. (الأموال ص613).
    وروى البخاري عن أنس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عاد يهوديًا، وعرض عليه الإسلام فأسلم، فخرج وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه بي من النار".
    وروى البخاري أيضًا: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عياله" وقد كان في وسعه أن يستقرض من أصحابه، وما كانوا لِيَضِنُّوا عليه بشيء ولكنه أراد أن يُعَلِّم أمته.
    وقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - الهدايا من غير المسلمين، واستعان في سلمه وحربه بغير المسلمين، حيث ضمن ولاءهم له، ولم يخش منهم شرًا ولا كيدًا.
    ومرت عليه جنازة فقام - صلى الله عليه وسلم - لها واقفًا، فقيل له: إنها جنازة يهودي! فقال عليه الصلاة والسلام: (أليست نفسًا)؟!.
    وتتجلى هذه السماحة كذلك في معاملة الصحابة والتابعين لغير المسلمين.
    فعمر يأمر بصرف معاش دائم ليهودي وعياله من بيت مال المسلمين، ثم يقول: قال الله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) (سورة التوبة: 60) وهذا من مساكين أهل الكتاب. (الخراج لأبى يوسف ص 26، انظر كتابنا "فقه الزكاة" جـ 2 ص705-706).
    ويمر في رحلته إلى الشام بقوم مجزومين من النصارى فيأمر بمساعدة اجتماعية لهم من بيت مال المسلمين.
    وأصيب عمر بضربة رجل من أهل الذمة ـ أبي لؤلؤة المجوسي ـ فلم يمنعه ذلك أن يوصى الخليفة من بعده وهو على فراش الموت فيقول: (أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيرًا، أن يوفي بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وألا يكلفهم فوق طاقتهم). (أخرجه البخاري في الصحيح، ويحي بن آدم في الخراج ص74، والبيهقي في السنن جـ9 ص206 باب الوصاة بأهل الكتاب). وعبد الله بن عمرو يوصي غلامه أن يعطي جاره اليهودي من الأضحية، ويكرر الوصية مرة بعد مرة، حتى دهش الغلام، وسأله عن سر هذه العناية بجار يهودي؟ قال ابن عمرو: إن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) (القصة رواها أبو داود في كتاب الأدب من سننه، والترمذي في البر والصلة، والبخاري في الأدب المفرد رقم 128 أما الحديث المرفوع فهو متفق عليه).
    وماتت أم الحارث بن أبي ربيعه وهي نصرانية، فشيعها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (انظر فقه الزكاة ـ الأسبق).
    وكان بعض أجلاء التابعين يعطون نصيبًا من صدقة الفطر لرهبان النصارى ولا يرون في ذلك حرجًا. بل ذهب بعضهم ـ كعكرمة وابن سيرين والزهري ـ إلى جواز إعطائهم من الزكاة نفسها.
    وروى ابن أبي شيبة عم جابر بن زيد: (أنه سُئل عن الصدقة فيمن توضع؟ فقال: في أهل ملتكم من المسلمين، وأهل ذمتهم...) (ذكر ذلك ابن حزم في المحلى جـ 5 ص117).
    وذكر القاضي عياض في (ترتيب المدارك) قال: (حدث الدارقطني أن القاضي إسماعيل بن إسحاق. (من أعلام المالكية، وقاضى بغداد توفى سنة 282هـ ـ انظر ترجمته في "ترتيب المدارك" جـ 3ص166 ـ 181 ط . دار الحياة ببيروت ـ تحقيق الدكتور أحمد بكير محمود). دخل عليه الوزير عبدون بن صاعد النصراني وزير الخليفة المعتضد بالله العباسي، فقام له القاضي ورحب به. فرأى إنكار الشهود لذلك، فلما خرج الوزير قال القاضي إسماعيل: قد علمت إنكاركم، وقد قال الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم) (سورة الممتحنة: 8)، وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين وهو سفير بيننا وبين المعتضد.... وهذا من البر). (المرجع السابق ص174).
    وتتجلى هذه السماحة بعد ذلك في مواقف كثير من الأئمة والفقهاء، في الدفاع عن أهل الذمة، واعتبار أعراضهم وحرماتهم كحرمات المسلمين، وقد ذكرنا مثلاً لذلك موقف الإمام الأوزاعي، والإمام ابن تيمية.
    ونكتفي هنا بكلمات نيرة للفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي شارحًا بها معنى البر الذي أمر الله به المسلمين في شأنهم. فذكر من ذلك: الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم ـ على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة ـ واحتمال إذايتهم في الجوار ـ مع القدرة على إزالته ـ لطفًا منا بهم، لا خوفًا ولا طمعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم، في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم، إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم...إلخ. (الفروق جـ 3 ص 15).

    الأساس الفكري لتسامح المسلمين

    وأساس النظرة المتسامحة التي تسود المسلمين في معاملة مخالفيهم في الدين يرجع إلى الأفكار والحقائق الناصعة التي غرسها الإسلام في عقول المسلمين وقلوبهم. وأهمها:
    1. اعتقاد كل مسلم بكرامة الإنسان، أيًا كان دينه أو جنسه أو لونه. قال تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم) (سورة الإسراء: 70). وهذه الكرامة المقررة توجب لكل إنسان حق الاحترام والرعاية.
    ومن الأمثلة العملية ما ذكرناه من قبل، وهو ما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله: أن جنازة مرت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام لها واقفًا، فقيل له: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال: (أليست نفسًا)؟!. بلى، ولكل نفس في الإسلام حرمة ومكان. فما أروع الموقف، وما أروع التفسير والتعليل!
    2. اعتقاد المسلم أن اختلاف الناس في الدين واقع بمشيئة الله تعالى، الذي منح هذا النوع من خلقه الحرية والاختيار فيما يفعل ويدع: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (سورة الكهف: 29). (ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً، ولا يزالون مختلفين) (سورة هود: 118).
    والمسلم يوقن أن مشيئة الله لا راد لها ولا معقب. كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة، علم الناس ذلك أو جهلوه. ولهذا لا يفكر المسلم يومًا أن يجبر الناس ليصيروا كلهم مسلمين، كيف وقد قال الله تعالى لرسوله الكريم: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)؟ (سورة يونس: 99).
    3. إن المسلم ليس مكلفًا أن يحاسب الكافرين على كفرهم، أو يعاقب الضالين على ضلالهم، فهذا ليس إليه، وليس موعده هذه الدنيا، إنما حسابهم إلى الله في يوم الحساب، وجزاؤهم متروك إليه في يوم الدين، قال تعالى: (وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون * الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) (سورة الحج: 68-69). وقال يخاطب رسوله في شأن أهل الكتاب: (فلذلك فادع، واستقم كما أمرت، ولا تتبع أهواءهم، وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم، الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا، وإليه المصير) (سورة الشورى: 15).
    وبهذا يستريح ضمير المسلم، ولا يجد في نفسه أي أثر للصراع بين اعتقاده بكفر الكافر، وبين مطالبته ببره والإقساط إليه، وإقراره على ما يراه من دين واعتقاد.
    4. إيمان المسلم بأن الله يأمر بالعدل، ويحب القسط، ويدعوا إلى مكارم الأخلاق، ولو مع المشركين، ويكره الظلم ويعاقب الظالمين، ولو كان الظلم من مسلم لكافر. قال الله تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) (سورة المائدة: 8).
    وقال - صلى الله عليه وسلم -: "دعوة المظلوم ـ وإن كان كافرًا ـ ليس دونها حجاب" (رواه أحمد في مسنده).

    شهادة التاريخ

    كثيرًا ما توضع شرائع حسنة، وأحكام عادلة، ومبادئ قيمة، ولكنها تظل حبرًا على ورق، فلا توضع موضوع التنفيذ، ولا يبالي بها الذين في أيديهم سلطة الأمر والنهي والإبرام والنقض.
    ولكن ميزة المبادئ والأحكام الإسلامية أنها مبادئ ربانية الأصول، دينية الصِّبغة، ولهذا وجدت من القبول والاستجابة ما لم تجده أي شريعة أخرى أو قانون مما يضع البشر بعضهم لبعض.
    وقد حفل الواقع التاريخي للأمة الإسلامية في مختلف عصورها، وشتى أقطارها، بأروع مظاهر التسامح، الذي لا يزال الناس يتطلعون إليه إلى اليوم في معظم بقاع الأرض فلا يجدونه.
    وقد مرت بنا صور ناصعة من هذا التاريخ المشرق الصفحات خلال بحثنا هذا، رأينا فيها حقيقة التسامح الإسلامي ومداه، كما عرفنا روح هذا التسامح والأساس الفكري والعقائدي الذي يقوم عليه.
    ولا بأس أن أضيف هنا إلى ما تقدم صفحة جديدة عن معاملة أهل الذمة في العصرين: الأموي والعباسي، لنـزداد إيمانًا بما عرفناه من سماحة الإسلام وتسامح المسلمين ... وقد مر بنا من عدل الراشدين وتسامحهم ما فيه كفاية وغناء.
    أما في العصر الأموي فأكتفي بنقل هذه السطور من كتاب "قصة الحضارة" لـ "ول ديورانت" يقول:
    "لقد كان أهل الذمة المسيحيون، والزرادشتيون، واليهود، والصابئون يتمتعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيرًا في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص وأداء ضريبة عن كل شخص تختلف باختلاف دخله، وتتراوح بين دينار وأربعة دنانير. ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح، ويعفى منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ، والأَرِقَّاء، والشيوخ، والعَجَزة، والعُمي، والشديدو الفقر، وكان الذميون يعفون في نظير ذلك من الخدمة العسكرية، أو إن شئت فقل لا يُقبلون فيها، ولا تفرض عليهم الزكاة البالغ قدرها 2.5 % من الدخل السنوي. (الزكاة ليست على الدخل السنوي، بل على رأس المال النامي وما يدره من دخل. مثل زكاة النقود والتجارة. وبعض أنواع الزكاة مثل دخل الاستغلال الزراعي فيه 10% أو 5% حسب طريقة الري كما هو مقرر في الفقه). وكان لهم على الحكومة أن تحميهم، ولم تكن تُقبل شهادتهم في المحاكم الإسلامية، ولكنهم كانوا يتمعتون بحكم ذاتي يخضعون فيه لزعمائهم، وقضاتهم وقوانينهم" (قصة الحضارة جـ 13 ص131).
    أما العصر العباسي ـ عصر ازدهار الحضارة الإسلامي ـ ومكانة أهل الذمة فيه، فيكفينا مؤنة الحديث فيه صفحة أخرى ننقلها من كتاب (الإسلام وأهل الذمة) (الإسلام وأهل الذمة ص 170) للدكتور الخربوطلي، لأنه يعتمد فيما يقرره على المراجع التاريخية الأساسية، أو على كتابات المستشرقين أنفسهم. يقول:
    (اشتهر من بين أهل الذمة في العصر العباسي كثير من العظماء، مثل جرجيس بن بختيشوع طبيب الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، وقد وثق الخليفة فيه وأكرمه، ومن هؤلاء جبرائيل بن بختيشوع طبيب هارون الرشيد. الذي قال الرشيد عنه: كل من كانت له حاجة إلى فليخاطب بها جبريل؛ لأني أفعل كل ما يسألني فيه، ويطلبه مني. وكان مرتب الطبيب عشرة آلاف درهم شهريًا. ومن هؤلاء أيضًا ماسويه الذي كان الرشيد يجري عليه ألف درهم سنويًا، ويصله كل سنة بعشرين آلفًا).
    وأشاد ترتون (ص 145 - 147) بتسامح المسلمين فقال: (والكُتّاب المسلمون كريمون في تقدير فضائل هؤلاء ممن على غير ملتهم، حتى ليسمون حنين بن إسحق برأس أطباء عصره، وهبة الله بن تلميذ بأبوقراط عصره، وجالينوس دهره.
    (وكان بختيشوع بن جبرائيل ينعم بعطف الخليفة المتوكل، حتى إنه كاد يضاهيه في ملابسه وفي (حسن الحال، وكثرة المال، وكمال المروءة. ومباراته في الطيب والجواري والعبيد). ولما مرض سلمويه بعث المعتصم ابنه لزيارته، ولما مات أمر بأن تحضر جنازته إلى القصر، وأن يصلى عليه بالشموع والبخور جريًا على عادة النصارى، وامتنع المعتصم يوم موته عن أكل الطعام.
    (أما يوحنا بن ماسويه فقد خدم الخلفاء العباسيين منذ الرشيد إلى المتوكل وكان لا يغيب قط عن طعامهم، فكانوا لا يتناولون شيئًا من أطعمتهم إلا بحضرته، ومن ثم لم يكن هناك أدنى كُلفة بينه وبين الخليفة المتوكل، فكان الخليفة يداعبه في رفق ولين).
    (واشتهر من بين أهل الذمة كثير في ميدان الآداب والفنون، فيقول ترتون: ظلت علاقات العرب برعاياهم في ميدان الآداب والفنون علاقات طيبة قائمة على المودة خلال القرنين الأول والثاني للهجرة، بل إن كثير من هذه المودة استمر بعد هذه الفترة، وقد اصطنعت الحكومة مهندسين وعمالاً من غير المسلمين.
    "درس كثير من الذميين على أيدي مدرسين وفقهاء مسلمين، من ذلك أن حنين بن إسحق درس على أيدي الخليل بن أحمد وسيبويه حتى أصبح حجة في العربية." (الأصفهاني: الأغاني جـ 8 ص 136 في الحاشية).
    وتتلمذ يحيى بن عدي بن حميد ـ أفقه رجال عصره في المنطق ـ على يد الفارابي.
    ودرس ثابت بن قرة على يد عليّ بن الوليد من رجال المعتزلة، وكان حسن الخط، متمكنًا من الأدب، وتدل مؤلفاته وكتبه على عمق تفكيره، وقوة معرفته. وما لبث أن اعتنق الإسلام. (ابن أبى أصيبعة: طبقات الأطباء جـ 1 ص 185).
    ويضرب المؤرخ ترتون لتسامح العباسيين مع أهل الذمة مثلاً فيقول: (يمكن اتخاذ إبراهيم بن هلال مثالاً لما قد يصير إليه الذمي من بلوغ أرفع المناصب في الدولة، فقد تقلد إبراهيم الأعمال الجليلة، فامتدحه الشعراء، وعرض عليه عز الدولة باختيار بن معز الدولة البويهي أن يوليه الوزارة إن أسلم فامتنع، وكان إبراهيم بن هلال حسن العشرة مع المسلمين عفيفًا في مذهبه، وكان بينه وبين الصاحب إسماعيل بن عباد، والشريف الرضي، مراسلات ومواصلات رغم اختلاف الملل، وكان إبراهيم حافظًا للقرآن) (ابن خلكان: وفيات الأعيان جـ 3 ص 256).
    واهتم الكُتّاب المسلمون بالأديان والمذاهب، فكان ابن حزم الأندلسي (456 هـ - 1064م) ملمًا بالإنجيل واللاهوت المسيحي إلمامًا تامًا. وألم ابن خلدون بالإنجيل والتنظيمات الكنسية وتحدث عن بعضها في مقدمته، وكان القلقشندي يرى ضرورة معرفة الكاتب بأعياد الذميين الدينية، وذكر المقريزي كثيرًا من التفاصيل عن أعياد النصارى واليهود، وتحدث عن فرقهم المختلفة، وذكر أسماء بطارقة الإسكندرية، وتحدث كلٌّ من القزويني والمسعودي عن طوائف أهل الذمة. نرى هذا واضحًا في كتاب (التنبيه والإشراف) ـ للمسعودي.
    واعترف ترتون بتسامح الحكام المسلمين فقال: (كان سلوك الحكام المسلمين في الغالب أحسن من القانون المفروض عليهم تنفيذه على الذميين وليس أدل على ذلك من كثرة استحداث الكنائس وبيوت العبادة في المدن العربية الخالصة، ولم تخل دواوين الدولة قط من العمال النصارى واليهود: بل إنهم كانوا يتولون في بعض الأحيان أرفع المناصب وأخطرها فاكتنـزوا الثروات الضخمة، وتكاثرت لديهم الأموال الطائلة، كما اعتاد المسلمون المساهمة في الأعياد المسيحية) (أهل الذمة في الإسلام ص 256)

    نصوص فُهِمت على غير وجهها

    ومن الناس مَن يستند إلى بعض النصوص الدينية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، يفهمها فهمًا سطحيًا مُتعجلاً، مستدلاً بها على تعصب الإسلام ضد المخالفين له من اليهود والنصارى وغيرهم.
    ومن الأمثلة البارزة لهذه النصوص: الآيات التي جاءت تنهى عن موالاة غير المؤمنين، وهي كثيرة في القرآن الكريم، وذلك كقوله تعالى في سورة آل عمران: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم الله نفسه) (آل عمران : 28).
    وقال تعالى في سورة النساء: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً) (النساء : 144).
    وقبل ذلك بآيات: (بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا) (النساء : 138-139).
    وفي سورة المائدة يقول: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض * ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) (المائدة : 51-52).
    وفي سورة التوبة: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون) (التوبة : 23).
    وفي سورة المجادلة: (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) (المجادلة : 22).
    وفي سورة الممتحنة: (يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوِّي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي، تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل) (الممتحنة : 1).
    وفي السورة نفسها يقول تعالى: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) (الممتحنة : 9).
    فهم بعض الناس من هذه الآيات وأمثالها أنها تدعو إلى الجفوة والقطيعة والكراهية لغير المسلمين، وإن كانوا من أهل دار الإسلام، والموالين للمسلمين والمخلصين لجماعتهم.
    والحق أن الذي يتأمل الآيات المذكورة تأملاً فاحصًا، ويدرس تواريخ نزولها وأسبابه وملابساته يتبين له ما يأتي:
    أولاً: إن النهي إنما هو عن اتخاذ المخالفين أولياء بوصفهم جماعة متميزة بديانتها وعقائدها وأفكارها وشعائرها، أي بوصفهم يهودًا أو نصارى أو مجوسًا أو نحو ذلك، لا بوصفهم جيرانًا أو زملاء أو مواطنين. والمفروض أن يكون ولاء المسلم للأمة المسلمة وحدها، ومن هنا جاء التحذير في عدد من الآيات من اتخاذهم أولياء: (من دون المؤمنين). أي أنه يتودد إليهم ويتقرب لهم على حساب جماعته.
    ولا يرضى نظام ديني ولا وضعي لأحد من أتباعه أن يدع جماعته التي ينتسب إليها، ويعيش بها، ليجعل ولاءه لجماعة أخرى من دونها. وهذا ما يعبر عنه بلغة الوطنية بالخيانة.
    ثانيًا: إن الموادة التي نهت عنها الآيات ليست هي مُوَادة أي مخالف في الدين، ولو كان سلمًا للمسلمين وذمة لهم، إنما هي موادة من آذى المسلمين وحادَّ الله ورسوله. ومما يدل على ذلك:
    ( أ ) قوله تعالى في سورة المجادلة: (لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) (المجادلة : 22). ومُحادة الله ورسوله ليست مجرد الكفر بهما، بل محاربته دعوتهما، والوقوف في وجهها، وإيذاء أهلها.
    ( ب ) قوله تعالى في مستهل سورة الممتحنة: (تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم). (الممتحنة : 1). فالآية تعلل تحريم الموالاة أو الإلقاء بالمودة إلى المشركين بأمرين مجتمعين: كفرهم بالإسلام، وإخراجهم للرسول والمؤمنين من ديارهم بغير حق.
    ( ج ) قوله تعالى في نفس السورة: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون). (الممتحنة :8-9). فقسم المخالفين في الدين إلى فريقين:
    فريق كان سلمًا للمسلمين لم يقاتلهم في الدين ولم يخرجهم من ديارهم، فهؤلاء لهم حق البر والإقساط إليهم.
    وفريق اتخذوا موقف العداوة والمحادة للمسلمين ـ بالقتال أو الإخراج من الديار، أو المظاهرة والمعاونة على ذلك ـ فهؤلاء يحرم موالاتهم. مثل مشركي مكة الذين ذاق المسلمون على أيديهم الويلات. ومفهوم هذا النص أن الفريق الآخر لا تحرم موالاته.
    ثالثًا: إن الإسلام أباح للمسلم التزوج من أهل الكتاب، والحياة الزوجية يجب أن تقوم على السكون النفسي والمودة والرحمة، كما دل على ذلك القرآن في قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة). (الروم : 21). وهذا يدل على أن مودة المسلم لغير المسلم لا حرج فيها، وكيف لا يواد الرجل زوجته إذا كانت كتابية؟ وكيف لا يواد الولد جده وجدته وخاله وخالته إذا كانت أمه ذمية؟
    رابعًا: إن الحقيقة التي لا شك فيها أن الإسلام يؤكد إعلاء الرابطة الدينية على كل رابطة سواها، سواء أكانت رابطة نسبية أم إقليمية أم عنصرية أم طبقية، فالمسلم أخو المسلم، والمؤمنون إخوة، والمسلمون أمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم. والمسلم أقرب إلى المسلم من أي كافر، ولو كان أباه أو ابنه أو أخاه.
    وهذا ليس في الإسلام وحده.. بل هي طبيعة كل دين، وكل عقيدة، ومن قرأ الإنجيل وجده يؤكد هذا المعنى في أكثر من موقف.

    مقارنات

    من أراد أن يعرف فضل التسامح الإسلامي، ويعرف سماحة المسلمين على بصيرة، فليقرأ ما فعلته الأديان والعقائد والأخرى مع مخالفيها على مدى التاريخ ؟ فالضدُّ يُظهر حسنَه الضدُّ.
    بل ليقرأ ثم يقرأ موقف أصحاب العقائد اللادينية الحديثة، ودعاة "الأيديولوجيات" الانقلابية في القرن العشرين، ليرى ماذا فعلوا بخصومهم؟
    وكيف عاملوا ويعاملون مخالفيهم في المذهب والاتجاه؟! بل ماذا صنعوا ويصنعون بزملائهم في الفكرة، ورفقائهم في الكفاح، إذا خالفوا عن رأيهم، أو فكروا غير تفكيرهم؟!
    أجل.. ليقرأ بإمعان ماذا سجل التاريخ للمسلمين حينما فتحوا الأندلس، ثم ماذا سجله لخصومهم الأسبان من النصارى، حينما قُدِّر لهم أن ينتصروا عليهم، بعد ثمانية قرون عَمَّروا فيها بلاد الأندلس بالعلم والنور، وأقاموا فيها حضارة باهى بها التاريخ.
    ليقرأ وليدرس كيف يعيش المسلمون في عصرنا هذا ـ عصر النور والحضارة والأمم المتحدة والمحافل الدولية، وحقوق الإنسان ـ في البلاد التي تحكمها حكومات نصرانية متعصبة أو شيوعية ملحدة، أو هندوسية متزمتة؟‍
    لينظر إلى المسلمين في الحبشة مثلاً وما يقاسونه من عنت واضطهاد وإهدار للحقوق الإنسانية، مع أنهم يكونون أغلبية السكان، ولهم أقاليم إسلامية خالصة لا يشاركهم فيها غيرهم. (انظر: كتاب "مأساة الإسلام الجريح في الحبشة" وكذلك التقرير الذي كتبه طالبان أزهريان من الحبشة عن وضع المسلمين هناك، ونشره الشيخ محمد الغزالي في كتاب "كفاح دين" تحت عنوان "ذئاب الحبشة تنهش الإسلام". وانظر: كتاب "اريتريا والحبشة" في سلسلة مواطن الشعوب الإسلامية للأستاذ محمود شاكر، نشر مكتبة الأقصى ـ عمان).
    ولينظر كذلك إلى المسلمين في روسيا (انظر: فصل "أحوال المسلمين في الاتحاد السوفييتي" من كتاب "الإسلام في وجه الزحف الأحمر" للشيخ محمد الغزالي) أو يوغسلافيا أو الصين أو غيرها من البلاد الاشتراكية الماركسية.
    إن المسلمين يكونون في بعض الجمهوريات في روسيا وبعض الأقاليم في يوغوسلافيا والصين أكثرية ساحقة في عدد السكان. ومع هذا يمنعون من أداء ما يعتقدون وجوبه كالصلوات الخمس والحج إلى بيت الله الحرام والتفقه في الدين وإنشاء المساجد التي تقام فيها شعائر الإسلام والمعاهد التي تمد هذه المساجد بالأئمة والمعلمين والخطباء. وأن يحكموا أنفسهم بشريعة ربهم التي يؤمنون بوجوب التحاكم إليها دون غيرها.
    أجل.. إن المنصف لا يتبين قيمة ما قدمه الإسلام للإنسانية في مجال التسامح مع المخالفين في الدين، ما لم يدرس ماذا قدمته العقائد أو "الأيديولوجيات" العلمانية المعاصرة، والعقائديون الجدد في هذا الباب.
    إن القسوة والاضطهاد، والتعذيب والتنكيل، والتشريد والتقتيل، والإبادة الجماعية، والإرهاب المستمر، لن يسمح له بالبقاء ـ كل هذا لا يقع شذوذًا أو فلتة، أو نزولاً على حكم الضرورة، بل إن العنف والاضطهاد الوحشي للمخالفين يمثل سياسة ثابتة دائمة، قائمة على فلسفة نظرية لا تكتفي بتبرير العنف فقط، بل توجبه وتحتمه (تقوم فلسفة الثوريين من الشيوعييين وأمثالهم على أن العنف في ذاته ضروري للتثقيف الانقلابي، ولرعاية "الديناميك" الثوري، وحفظ نقاء وصفاء هذا الديناميك. الحركة ـ كما قالوا ـ تعتمد العنف هنا كي تهز أو تحرك الشعب من سباته، وكي تحرضه دائمًا على الحركة، وكي تشحذ وجدانه الثوري. العنف يعني وضع الثورة أمام الشعب بشكل مستمر، كي لا يغفو الشعب أو تغيب الثورة عن وعيه وضميره، إنه ـ بعبارة أخرى ـ وسيلة في منع الشعب من اجترار الثروة كجزء من تقليد، وبطريقة غير واعية، إذ يعني ذلك موت الثورة !!. "الأيديولوجية الانقلابية" ـ فصل "العنف الانقلابي" ص701). وتجعله من فرائض الثورة والثورية ولوازمها وزعموا أن هذا العنف من خصائص كل دعوة انقلابية في الماضي والحاضر ـ دينية أو غير دينية، وجهلوا موقف الإسلام المتميز. ولكي يكون العنف عنفًا انقلابيا ناجحًا يجب أن يستخدم باستمرار وحدة وثبات وقسوة.
    ومما قاله أحد الدارسين للأيديولوجية اللادينية الحديثة: "يتخذ العنف عادة قبل الاستيلاء على الدولة شكلاً فرديًا يكون هدفه ـ كما حدده الفوضويون، وفي طليعتهم الفوضوية الروسية ـ التهويل وتفكيك السلطة، عن طريق الخوف، وإعداد الطريق بذلك للخطوة التالية، ألا وهي الاستيلاء على الدولة.
    ولكن بعد الاستيلاء على الدولة يتحول هذا العنف إلى عنف جماعي هدفه ترسيخ السلطة وتثبيتها بدلاً من تفكيكها، فبينما يتجه العنف الفردي إلى أفراد في مراكز رئيسية حساسة، يتجه العنف الجماعي الانقلابي الجديد صوب الشعب ككل، أو صوب جماعة معينة. إن الهدف من العنف الثاني ليس اعتماد الخوف فقط، بل إزالة العدو من الوجود، كي ينسجم المجتمع مع المذهب الجديد". (انظر: الأيدولوجية الانقلابية للدكتور نديم البيطار – منشورات المؤسسة الأهلية للطباعة والنشر ـ بيروت ص 706 - 707).
    "ولقد ارتكب الشيوعيون في روسيا من الفظائع والمذابح، عند القيام بثورتهم وبعدها ما لا يخطر ببال، وما يفوق كل خيال. حتى إن بعض معاوني "لينين" ـ مؤسس الجولة الشيوعية الأولى في هذا العصر ـ أخذوا يتذمرون من التضحيات الكبرى بالدماء والأرواح التي نتجت عن الحرب الأهلية، فلما كلَّموه في ذلك كان جوابه بكل بساطة: "ليس للأمر أهمية أبدًا إن مات ثلاثة أرباع الشعب، إن ما يهمنا هو أن يصبح الربع الباقي شيوعيًا". (المصدر السابق ص688).
    أما ما وقع في عهد "ستالين" من مجازر وفظائع، وما شهده الشعب من حمامات الدم، وحملات التطهير المتلاحقة، فحدِّث ولا حرج، وقد جرت به أنهار الصحف، وتناقلته أنباء العالم في عهد "خروشوف". ولا يتسع المجال لذكر نماذج منه. انظر: خطاب الرفيق خروشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي ـ ترجمة ماهر نسيم وتقديم الأستاذ عباس العقاد، نشر مكتبة الأنجلو المصرية ـ مطبعة الرسالة).
    الحقيقة المهمة هنا: أن دعاة العنف الثوري حديثًا يستندون في تبرير عنفهم وقسوتهم ضد مخالفيهم إلى ما حفل به تاريخ الأديان قديمًا من تنكيل واضطهاد وإبادة ضد من لا يدين بها ويركزون خاصة على تاريخ المسيحية، طوال العصور الوسطى، ومنذ نشأتها.
    قالوا: إن العنف الجماعي المنظم الذي لجأ إليه الشيوعيون والنازيون إنما استوحاه "تروتسكي" و"هتلر" وغيرهما من مدارس مسيحية، وفي طليعتها مدرسة اليسوعيين، ومحاكم التفتيش، والحركات الألفية.
    إن المسيحية التي تدعو إلى المحبة والسلام، والتي قاست ألوانًا من الاضطهاد والتنكيل إبَّان نشوئها وضعفها، لم تلبث ـ حين ملكت زمام السلطة وقامت لها دولة ـ أن أنزلت بالمخالفين لها من ضروب العنف، وصنوف القسوة والعذاب ما تقشعر لحدوثه الأبدان.
    يذكر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في كتاب "الإسلام والنصرانية ": أن الكنيسة الأسبانية غضبت لانتشار فلسفة ابن رشد وأفكاره، وخصوصًا بين اليهود، فصبت جام غضبها على اليهود والمسلمين معًا، فحكمت بطرد كل يهودي لا يقبل المعمودية، وأباحت له أن يبيع من العقار والمنقول ما يشاء بشرط ألا يأخذ معه ذهبًا ولا فضة، وإنما يأخذ الأثمان عروضًا وحوالات. وهكذا خرج اليهود من أسبانيا تاركين أملاكهم لينجوا بأرواحهم، وربما اغتالهم الجوع ومشقة السفر، مع العدم والفقر.
    وحكمت الكنيسة كذلك سنة 1052م على المسلمين (أعداء الله !) بطردهم من إشبيلية وما حولها إذا لم يقبلوا المعمودية، بشرط ألا يذهبوا في طريق يؤدي إلى بلاد إسلامية ومن خالف ذلك فجزاؤه القتل. (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية ص36 - 37 -الطبعة الثامنة).
    ولم يكن اضطهادها موجهًا إلى الوثنيين والمخالفين في الدين فحسب بل موجهًا إلى المسيحيين الذين لهم رأي أو مذهب يخالف مذهب الحكام، أو مذهب الكنيسة المعتمدة لديهم.
    والذين قرأوا تاريخ المسيحية يعرفون ماذا جرى للعالم المصري "آريوس" وأتباعه الذين عارضوا القول بألوهية المسيح، في مجمع نيقية المشهور (325م) وكيف قرر هذا المجمع ـ بعد أن طرد من أعضائه كل المعارضين ـ وهم الأكثرية ـ إدانة "آريوس" وإحراق كتاباته، وتحريم اقتنائها، وعزل أنصاره من كل الوظائف، ونفيهم، والحكم بالإعدام على كل من أخفى شيئًا من كتابات "آريوس" ومن أيَّد مذهبه.
    وباستمرار الاضطهاد للداعين إلى التوحيد اختفوا تمامًا من المجتمعات المسيحية، ولم يبق لدعوتهم أثر.
    يقول بعض الكتاب: "إن الاختلافات اللاهوتية بين المسيحية في تفسير بعض أقوال أو مبادئ التوراة، كانت تؤدي إلى قتال يحصدهم حصدًا. أن يشتق الروح القدس من الأب والابن، أومن الابن وحده ! أو أن يكون الخبز والنبيذ جسدًا ودمًا أو لا يكونا ! أو أن يكون المسيح ذا طبيعتين أو لا يكون: طبيعة إنسانية وطبيعة إلهية…إلخ ـ كانت كلها مماحكات مات الناس في الدفاع عنها والخصام حولها بعشرات الألوف، وعذب المؤمنون بعضهم بعضًا في سبيلها بأشد أنواع التعذيب. (الأيديولوجية الانقلابية ص714).
    ولما ظهر مذهب البروتستانت في أوروبا ـ على يد "لوثر" وغيره ـ قاومت الكنيسة الكاثوليكية أتباع هذا المذهب بكل ما أوتيت من قوة، وعرف تاريخ الاضطهاد مذابح بشرية رهيبة، من أهمها مذبحة باريس (في 24 أغسطس عام 1572م) التي دعا فيها الكاثوليك البروتستانت ضيوفًا عليهم في باريس للبحث في تسوية تقرب بين وجهات النظر، فما كان من المضيفين إلا أن سطوا على ضيوفهم تحت جنح الليل، فقتلوهم خيانة وهم نيام ! فلما طلع الصباح على باريس كانت شوارعها تجري بدماء هؤلاء الضحايا ! وانهالت التهاني على "تشارلس التاسع" بغير حساب من البابا، ومن ملوك الكاثوليك وعظمائهم.
    والعجيب أن البروتستانت لما قويت شوكتهم، قاموا بدور القسوة نفسه مع الكاثوليك، ولم يكونوا أقل وحشية منهم. (انظر "المسيحية" للدكتور أحمد شلبي ص51 - 52).
    لقد قال "لوثر" لأتباعه: "من استطاع منكم فليقتل، فليخنق، فليذبح، سرًا أو علانية، اقتلوا واخنقوا، واذبحوا، ما طاب لكم، هؤلاء الفلاحين الثائرين". (الأيديولوجية الانقلابية ص710).
    لم يكن من الغريب أن تنطوي الحروب الدينية في أوروبا على الفظائع التي ميزتها. يذكر "فيارك" أن الحرب الدينية الثلاثينية قضت حرفياً في ألمانيا وحدها على أكثرية الشعب الألماني بين قتل وجوع، وحرقت معظم مدنها المزدهرة، وحولتها إلى رماد‍‍!!
    أما الحملات الصليبية فإن القرن العشرين بتجاربه الانقلابية (على ما فيها من وحشية كالانقلاب الشيوعي والنازي) يعجز أمام فظائعها التي كانت تقترفها ضد المسيحيين أنفسهم، فبعضها كان يحرث الأرض بأجساد ضحاياها من المارقين كطريقة تسميد الأرض!
    ويذكر "فيدهام" أن هذه الحروب كانت مليئة بالفظائع: لأن رجال اللاهوت "الطيبين" كانوا مستعدين دائمًا أن يضعوا الزيت على النار، وأن يحيوا وحشية الجنود عندما يساورهم أي تردد أو ضعف، فقد يكون الجنود قساة، ولكنهم كانوا يميلون في بعض الأحيان إلى الرحمة، أما رجال اللاهوت فاعتبروا الاعتدال والرحمة نوعًا من الخيانة! (الأيديولوجية الانقلابية ص716).
    يتحدث أحد الكتَّاب عن موقف المسيحية في العصور الوسطى فيقول: "كان القصد الأعلى للمسيحية كقصد كل أيديولوجية انقلابية، إنشاء عالَم مسيحي جديد ليس فيه سوى المؤمنين.
    كان الإيمان "المسيحي" شرطًا جوهريًا كي يصبح الفرد عضوًا في مجتمع القرون الوسطى، وكان ضروريًا كي يصبح الفرد مواطنًا. لهذا بقي الوثني أو اليهودي أو المسلم خارج المجتمع. لم يكوِّن وضعهم الحقوقي الحد الأدنى من حقوق المواطنة فقط، بل برز في إلغائها إلغاءً تامًا.
    ففي ابتداء الأمر كانت تحقق انتشارها، وتعمل في سبيل هذا القصد عن طريق السيف والقتل، فإما الموت أو العمادة. ولكنها ـ فيما بعد ـ أخذت تعتمد على عنصر التبشير تحاول عن طريقه تحقيق القصد ذاته.
    كانت الحركات الصليبية مثالاً حيًا لهذا الامتداد. فهي من القرن الحادي عشر حتى القرن الرابع عشر، وخصوصًا في تجمعاتها الجماهيرية، لم تر أي سبب يمنع تحقيق قصدها، وتحويل العالم كله إلى عالم مسيحي، عن طريق إفناء الشعوب غير المسيحية. يتضح ذلك في أحد مقاطع أغنية "رولان" التي تعبر عن روح الحملة الصليبية الأولى، حيث ترى أن الكفرة يرغمون على العمادة، ومن يقاوم يقتل شنقًا أو حرقًا أو ذبحًا!
    لم تتجه الحملات الصليبية ضد المسلمين فقط، ولكنها اتجهت في أوروبا أيضًا ضد كل من حدثته نفسه بالخروج أو بالانحراف عن الكنيسة، ففي الحملة ضد الألبيجنس و الوالدنس والكثاريين (Cathartics, Waldenses, Aibigenses) مثلاً ـ في القرنين الثاني عشر والثالث عشر ـ كانت الكنيسة تحاول إفناءهم إفناءً تامًا. وهذا ما حققته فعلاً، فقتلت وحرقت وشنقت الرجال والنساء والأطفال بشكل جماعي.
    يذكر "بوري" في هذا الشأن بأن الأمر المهم، هو أن الكنيسة أدخلت في القانون العام الأوروبي: المبدأ القائل بأن الملك أو الأمير يستطيع أن يمارس سلطته على أساس واحد، وهو إفناء فرق الخارجين على الكنيسة، فإن تجاسر أحد على التردد أرغمته الكنيسة على الطاعة، بجعل امتيازاته وأراضيه ملكًا لأي فرد تستطيع الكنيسة أن توجهه لمهاجمته وتأديبه. وفي مكان آخر من دراسته يفسر بأن اضطهاد روما للمسيحيين يعود إلى تعصب المسيحية، وإلى نقضها لجميع الأديان الأخرى، وإلى عدائها لجميع أشكال الإيمان خارج إيمانها، وإلى الاعتقاد بأن فوزها يعني إزالة جميع العقائد.
    هذه الظاهرة جعلت "وليم جيمس" يقرر أن العالم لم يعرف الاضطهاد الديني على نطاق واسع، قبل ظهور الأديان الموحدة، كانت المسيحية في الواقع أول مذهب ديني في العالم وجد خاصته في التعصب والذي كان يقضي بإفناء خصومه.
    كانت حرب الكنيسة ضد حركات الانشقاق الديني دائما، عندما كانت الكنيسة قادرة على ذلك، حرب إفناء. ثم كانت بعض هذه الطوائف المنشقة ترغب في أن تكون حربها هي الأخرى حرب إفناء لجميع أتباع الكنيسة.
    إن المسيحية ممثلة بكنيستها كانت تدفع قضيتها ـ من ناحية ـ ضد "الوثنيين" في الخارج، ومن ناحية أخرى ضد "المارقين" في الداخل، فتنظم حملات الإفناء الصليبية ضد الأولين، ومحاكم التفتيش ضد الآخرين!
    كان الحرق عقاب جميع الفرق المنشقة، فإن ندم أحدهم فاعترف بخطيئته وتاب، يحكم عليه بالسجن المؤبد، وكان الحجز يصيب جميع أملاك الكافر وأولاده حتى الجيل الثاني، وكانوا لا يعتبرون أهلاً لأي منصب أو مركز إلا إذا وشوا بأبيهم أو بكافر آخر. والعقاب ذاته كان يصيب كل من يساعد الكفار بأي شكل.
    لم يكن الموتى أنفسهم في منجى، إذ كانت المحاكم تأمر بنبش وحرق جثث من ترى أنهم كانوا كفرة. وقد بلغ التشجيع على الوشاية بالغير درجة لم يبلغها في الانقلابات الحديثة!
    ذكر "لي" في دراسته الكلاسيكية حول محاكم التفتيش في القرون الوسطى: أن جميع المحاكم والقضاة في الحاضر والمستقبل، كانوا ملزمين بأن يُقْسموا على إزالة كل الذين تعتبرهم الكنيسة كفرة، وإلا فإنهم يخسرون مراكزهم، إن أي حاكم زمني يهمل لعام واحد ـ بعد دعوة الكنيسة بأن ينظف الأرض التي يملكها من الكفرة ـ تصبح أرضه من حق كل من يفني الكفرة ويقضي عليهم. جنَّد "مرسوم الإيمان" ـ الذي اعتمدته محاكم التفتيش في متابعة المارقين ـ الشعب كله في خدمة المحاكم، وفُرِض على كل فرد أن يشي بالغير وأن ينبئها بأي عمل كافر أو مارق. (الأيديولوجية الانقلابية ص586 - 588).
    ويقول الشيخ محمد عبده عن محاكم التفتيش: لقد اشتدت وطأة هذه المحكمة حتى قال أهل ذلك العهد: يقرب من المحال أن يكون الشخص مسيحيًا ويموت على فراشه!
    ويقول: لقد حكمت هذه المحكمة من يوم نشأتها سنة 1481م حتى سنة 1808م على 340000 نسمة منهم 200000 أحرقوا أحياء. (المرجع السابق ص715).
    لم يكن هذا الموقف جديدًا في المسيحية، لأن انتشارها في عصورها الأولى كان يتم عادة عن طريق تخيير الغير بينها وبين السيف.
    يذكر (بريفولت) أن تقدير المؤرخين للناس الذين قتلتهم المسيحية في انتشارها ـ أي في أوروبا ـ يتراوح بين سبعة ملايين كحد أدنى، وخمسة عشر مليون كحد أعلى. (الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية للإمام محمد عبده).
    إن فظاعة هذا العدد تتضح لنا عندما نذكر أن عدد سكان أوروبا آنذاك كان جزءًا ضئيلاً فقط من سكانها اليوم.
    كانت الفظائع والمذابح التي قام بها المسيحيون ضد خصومهم تجد لها سندًا في التوراة التي تقول في شأن هؤلاء الخصوم: (اهدموا معابدهم، واقذفوا أعمدتها إلى النار، واحرقوا جميع صورها) .. كما توصى التوراة بتحريق المدن بعد فتحها، وقتل كل من فيها من رجال ونساء وأطفال.
    وكان الذين يقومون بتلك العمليات الوحشية يزعمون لأنفسهم أنهم يتقربون إلى الله وينفذون إرادته، ويعجلون لأعدائه بعض النقمة التي تنتظرهم في الآخرة. عبرت عن ذلك ملكة إنجلترا ـ الكاثوليكية ـ في القرن السادس عشر (ماري) حين أعلنت مرة: (بما أن أرواح الكفرة سوف تحرق في جهنم أبدًا، فليس هناك أكثر شرعية من تقليد الانتقام الإلهي بإحراقهم على الأرض) (الأيدلوجية الانقلابية ص 714)
    خاتمة

    أحسب أنه قد تبين لنا ـ بعد هذه الدراسة الموثقة المستمدة من شريعة الإسلام وتاريخه ـ أن التسامح الإسلامي مع غير المسلمين من أهل الأديان الأخرى، حقيقة ثابتة، شهدت بها نصوص الوحي، من الكتاب والسنة، وشهد بها التاريخ الناصع منذ عهد الخلفاء الراشدين، ومن بعدهم من الأمويين والعباسيين والعثمانيين والمماليك وغيرهم، في شتى أقطار الإسلام، وشهد بها الواقع الماثل في بلاد العالم الإسلامي كله، حيث تتجاور فيه الجوامع والكنائس، وتسمع صيحات الأذان ودقات النواقيس، وتعيش الأقليات غير المسلمة ناعمة بالأمان والاستقرار والحرية في ممارسة حقوقها الدينية والدنيوية، على حين تعيش الأقليات الإسلامية ـ بل الأكثريات في بعض الأحيان ـ في كثير من دول أسيا وإفريقيا وأوروبا، مضطهدين مقهورين، لا يُسمح لهم أن يقيموا دينًا، أو يملكوا دنيا.
    نحن لا ندعو إلى المعاملة بالمثل، لأن ديننا ينهانا أن نأخذ مواطنينا من غير المسلمين بذنب أبناء ملتهم في بلاد أخرى، ولا ناقة لهم معهم ولا جمل، كيف وقد قال الله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى). (سورة الأنعام: 164).
    ولكننا نعجب كل العجب أن يكون هذا هو موقف الإسلام الواضح الصريح مع غير المسلمين، ثم نجد من الكُتَّاب الغربيين من يشوه هذا الموقف الناصع، ومن يفتري على الحق والتاريخ والواقع، ويتهم الإسلام والمسلمين زورًا بالتعصب ضد من خالفهم من أهل الذمة.
    حتى (اليونسكو) الهيئة التي يفترض فيها العالمية والحياد، والتي تشترك فيها وتسهم في الإنفاق عليها بسخاء دول إسلامية وعربية، تخرج كتابًا في تاريخ البشرية، تتحدث فيه عن الإسلام وتاريخه، فتدق على هذا الوتر، وتمشى في هذا الدرب المظلم، وتتهم الإسلام بما هو بريء منه براءة الذئب من دم ابن يعقوب ـ كما يقولون.
    كما أن هناك من يستغل فكرة التسامح هادفًا إلى (تمييع) الأديان، وحل عرا الاعتزاز بها، والالتفاف من حولها، وإطفاء حرارة الإيمان الديني بدعوى التسامح أو الوطنية أو القومية، أو غيرها من المفاهيم.
    نحن دعاة تسامح؛ لأن ديننا نفسه يأمرنا به، ويدعونا إليه، ويربينا عليه. ولكن ليس معنى التسامح أن نتنازل عن ديننا، إرضاءً لأحد كائنًا من كان.. فهذا ليس من التسامح في شيء. إنما هو إعراض عن الدين أو كفر به، إيثارًا للمخلوق على الخالق، وللهوى على الحق. ونحن لا نلزم غيرنا بترك دينه، حتى يطالبنا بترك ديننا.
    ليس من التسامح أن يطلب من المسلم (تجميد) أحكام دينه، وشريعة ربه، وتعطيل حدوده، وإهدار منهجه للحياة، من أجل الأقليات غير المسلمة، حتى لا تقلق خواطرها، ولا تتأذى مشاعرها.
    ولا أدري ما الذي يقلق المسيحي أو اليهودي من قطع يد السارق، مسلمًا كان أو غير مسلم، ومن جلد القاذف أو الزاني أو السكير، ومن غير ذلك من الأحكام والحدود؟
    إن المسلم يتلقى هذه الأحكام على أنها (دين) يتعبد به، ويتقرب إلى الله تعالى بتنفيذه، وغير المسلم يأخذها على أنها (قانون دولة) ارتضته أغلبيتها.
    ليس من التسامح في شيء أن تقوم العلاقات ـ بين المسلمين والمسيحيين مثلاً ـ على النفاق الزائف المكشوف، الذي يعلي الرابطة الوطنية أو القومية على الرابطة الدينية، مع مخالفة هذا الفكرة مخالفة صريحة لما في الإسلام والمسيحية معًا.
    إنما ينبغي أن يقوم التسامح على ما أمر به الدينان من حسن الجوار، وحب الخير للجميع، ووجوب العدل مع الجميع.
    والقول الذي يردده دعاة الوطنية العلمانية: (الدين لله، والوطن للجميع) قول لا معنى له، ويمكن أن نقلب هذه العبارة على كل الوجوه، فنقول: الدين لله، والوطن لله، أو الدين للجميع والوطن للجميع، أو الدين للجميع والوطن لله.
    فلندع هذه العبارات الرجراجة، التي لا تعطي مفهومًا محددًا، ولا تحل إشكالاً، أو تقيم حجة.
    ليس من التسامح في شيء أن نذيب الفوارق الأساسية بين الأديان، فيتساوى التوحيد والتثليث، والمنسوخ والناسخ، فمثل هذه الأفكار تأتى بعكس ما يراد منها، ولهذا تبعِّد ولا تقرِّب، وتفرِّق ولا تجمِّع، وتهدم ولا تبني.
    إن كل دين له مقوماته الجوهرية، وخصائصه الذاتية، فلا يجوز إغفال هذه المقومات والخصائص من أجل مجاملات سطحية، أو كسب معارك وهمية.
    فليكن هذا واضحًا للمسلمين ولغير المسلمين جميعًا.
    والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة