الشراكة المنقوصة بين العرب وأوروبا

الكاتب : ابــو الـخيــر   المشاهدات : 438   الردود : 0    ‏2005-12-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-06
  1. ابــو الـخيــر

    ابــو الـخيــر قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-10-21
    المشاركات:
    3,549
    الإعجاب :
    0
    الشراكة المنقوصة بين العرب وأوروبا

    "الثلاثاء, 06-ديسمبر-2005"

    ربما لم يكن التدهور الذي أصاب العلاقات الأوروبية العربية غائبا على أحد بعد أن خضعت أوروبا للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. ولكن تاريخ العلاقات ظل يحمل عوامل الأمل في أن يتجاوز الطرفان الأوروبي والعربي مرحلة الضغط الأمريكي عليهما. وان يبقيا على حد أدنى من المواقف المشتركة يحفظ استمرار هذه العلاقات التاريخية، إلا أن قمة برشلونة التي أنهت أعمالها منذ أيام وجمعت أعضاء الاتحاد الأوروبي بالاضافة إلى 9 دول عربية متوسطية شريكة لها فيما يسمى (بالشراكة الأوروبية المتوسطية) التي اندرجت تحت عنوان إعلان برشلونة قبل عشر سنوات، كشفت أن هناك مياها كثيرة جرت تحت الجسر حطمت نقاط التفاهم المشترك مما ينذر بأن تتحول هذه الشراكة إلى قطيعة.
    لم ينجح المشاركون في قمة برشلونة في التوصل إلى اتفاق حول قضايا أساسية انعقدت القمة من أجلها لعل أبرزها الإرهاب، والهجرة غير الشرعية والتعاون الاقتصادي وعلاقته بالتحولات الديمقراطية في المنطقة العربية، وعملية السلام في الشرق الأوسط، وكلها مسائل تصب في الهدف الأكبر الذي من أجله أقيمت هذه الشراكة عام 1995 وهو أن يصبح البحر المتوسط منطقة سلام وازدهار. ولعل عدم الاتفاق هو الذي جعل القمة لا تتوصل إلى بيان مشترك حيث كانت التحفظات والخلافات في الرؤى من القوة بما جعل من الصعب التوصل إلى بيان كهذا، واكتفت القمة ببيان رئاسي وقعته اسبانيا وبريطانيا. ورغم أن القمة توصلت إلى ما يسمى بمدونة سلوك لمكافحة الإرهاب وإلى اتفاق على مكافحة الهجرة غير الشرعية، إلا أن كلا منهما عكس الموقف الأوروبي وحده مع تحفظات واضحة من الجانب العربي.
    كانت فكرة الشراكة التي عبرت عن مسار برشلونة قد تضمنت في البداية (عام 1995) حزمة من التعهدات الأوروبية والعربية أو بين دول حوض البحر المتوسط عموما شملت الأمن والسلام والتعاون الاقتصادي وحقوق الانسان.. ورغم اتفاق الطرفين الأوروبي والعربي على أهمية هذه العناصر لكي تصبح المنطقة متمتعة بالسلام والازدهار، إلا أن كلا منهما قرأ كل قضية على نحو مختلف ووضع أولويات مختلفة أيضا في حالة الشروع في خطوات التنفيذ. آنذاك لم تكن قضية الإرهاب قد أقلقت أوروبا على النحو القائم حاليا ولذلك ركزت أوروبا على مطالبة الاطراف العربية التي عانت من حركات التطرف والعنف بمحاصرة هذه الحركات والعمل على ألاّ يمتد تأثيرها إلى أوروبا دون أن تقوم هي من جانبها بأي خطوات حقيقية لوقف نشاط هذه الحركات على أراضيها طالما أنه لا يهدد استقرارها، كما أعطت أوروبا اهتماما أكبر لتحقيق الأمن لإسرائيل وما يعنيه ذلك من منع أي عوامل تؤدي إلى اندلاع حرب جديدة في المنطقة بسبب الصراع العربي الاسرائيلي. وساعدت أجواء السلام التي اوجدها اتفاق أوسلو على تعزيز الاقتناع الأوروبي بأن المفاوضات، وليس المقاومة المسلحة هي الوسيلة المطلوبة من الفلسطينيين والتي عليها يمكن أن يبادر الطرف الأوروبي بتقديم الدعم لهم في كل المجالات. واقتنع الطرف الأوروبي أيضا في عام 1995 بأن تجسير الفجوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب في حوض المتوسط عامل أساسي في توفير الاستقرار وتجفيف منابع التطرف الذي يمكن ان ينتقل إلى أوروبا ويهدد أمنها واستقرارها، ولذلك كان العمل على إقامة منطقة حرة للتجارة هدفا أساسيا من مسار برشلونة خاصة انه يمكن أن يحقق حلا لمشكلة اخرى تقلق أوروبا يوميا وهي الهجرة غير الرسمية من شعوب الجنوب إليها، وأضاف المجتمعون في برشلونة آنذاك موضوعا آخر هو حقوق الإنسان. ووقتها لم يتقبل الطرف العربي هذا الموضوع لما فيه من تأثير على ثقافته وهويته الذاتية خاصة أن أوروبا كانت تشجع العرب على تقبل الكثير من الأفكار التحررية في حياتهم الاجتماعية التي تراها ضرورية كمظاهر لحقوق الإنسان. إلا أنه لم يشأ أن يجعل منه مشكلة تعوق المشروع ومن ثم تقبله على أساس أنه أمر خاضع للتفاوض ومتروك لمسار التقدم في إعلان برشلونة ومرتبط بالقوانين والأعراف لكل بلد عربي.
    كان الطرف العربي يعلم جيدا أن إسرائيل هي القضية المحورية في هذا المسار فالتقدم الأوروبي على صعيد كل القضايا السابقة تجاه تحقيقها للطرف العربي مرتبط أساسا بدمج إسرائيل في المحيط العربي. وعليه فإن الطرف الأوروبي كان يقيس كل خطوة من صور التعاون على قدر استفادة إسرائيل منها ووجودها دائما فيها بما يؤدي إلى تحقيق هدف دمجها في المنطقة العربية، فالحديث مثلا عن أي ترتيبات أمنية أو اقتصادية لا بد وان يشمل إسرائيل وإلا فلن يتحقق، وكان هذا الإصرار الأوروبي على تلك القضية هو مبعث التعثر أو الفشل في كل تحرك على مسار برشلونة لأن الطرف العربي كان يرفض ذلك بشدة طالما أن مشكلاته ، هو، الحقيقية لا تجد اهتماما من الجانب الأوروبي، فلم يكن سهلا عليه أن يتقبل الدخول في اشكال من التعاون الأمني ــ خاصة الاستراتيجي طالما أن إسرائيل منفردة بالتفوق العسكري من ناحية وتواصل قمعها للفلسطينيين دون أي تقدم حقيقي في عملية السلام القائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام، ذلك المبدأ الذي ارتضاه الأوروبيون أنفسهم ولكن عجزوا عن فرضه على الطرف الإسرائيلي.
    من جهة اخرى فإن أوروبا قدمت بالفعل مليارات الدولارات إلى الدول العربية التسع (بدرجات مختلفة) على صعيد التعاون الاقتصادي. ولكن هذا كان واضحا فقط في بدايات مسيرة برشلونة واثناء تطبيق اتفاق أوسلو، وحظي الفلسطينيون آنذاك بقدر من المساعدات الأوروبية لا بأس به ولا يمكن إنكاره. إلا أن هدف إقامة منطقة للتجارة الحرة ظل بعيد المنال بسبب إصرار أوروبا على إجراءات الحماية لمنتجاتها وتفضيل المنتجات الزراعية والصناعية الإسرائيلية، ثم تعثر العمل في هذا المجال لسبب آخر هو اتجاه أوروبا لربط المساعدات الاقتصادية بالتقدم على صعيد الديمقراطية في الدول العربية المشاركة، وهنا شعر الطرف العربي بقدر من المهانة ليس فقط لأن هذا يمثل ضغطا على شأنه الداخلي ويجعل العلاقة وكأنها علاقة شراء الإصلاح السياسي مقابل المال الأوروبي، وإنما لأن المساعدات نفسها تضاءلت عاما بعد الآخر في الوقت الذي ازدادت فيه حدة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية داخل الدول العربية بما جعل موضوع التعاون غير ذي قيمة، كما تصاعدت حدة الضغوط الأوروبية في قضايا حقوق الانسان إلى الحد الذي أقلق الحكومات العربية بل وشعوبها أيضا لانها مست مشاعرها الدينية وهويتها الثقافية واساليبها في الحياة قبل ان تمس أداءها في العمل السياسي نفسه.
    وجاءت حرب العراق والحملة الأمريكية على الإرهاب ليمثلا نقطة تحول فارقة في العلاقات الاوروبية العربية أثرت سلبا وبشدة على مسار برشلونة، فبعد أن كانت أوروبا حليفة للموقف العربي عموما ولم توافق ــ ما عدا بريطانيا وإيطاليا ــ على تلك الحرب، تغير موقفها بعد أشهر قليلة من وقوعها لينحاز للموقف الأمريكي وأصبحت معظم العواصم الأوروبية تفكر بنفس السياسة الأحادية التي يتبناها صقور البيت الأبيض، وتعالت في أوروبا ــ لأول مرة ــ أصوات قوى نافذة تتحدث بنفس لغة هؤلاء الصقور وتتبنى حرب الأفكار وصدام الحضارات، وبعد أن كانت أوروبا تعتمد على سياسة الحوار والتعاون والتشجيع والترغيب، مالت إلى سياسة الضغوط والتشدد وأصبحت مقتنعة بأن هذه السياسة الأخيرة هي التي تؤتي ثمارها مع الطرف العربي! وهنا تعدلت أجندة الأولويات في السياسة الأوروبية تجاه العرب لتضع الإرهاب في مقدمتها، وبعد أن كانت تميل إلى التمييز بين الإرهاب والمقاومة كحق مشروع للشعوب المحتلة، تحولت تدريجيا إلى التقليل من شأن كل ما يمكن أن يتصل بموضوع المقاومة اعتقادا منها بأن التركيز على المقاومة يضعف العمل الدولي في مكافحة الإرهاب، وبعد أن كانت ترفض المنطق الأمريكي في فرض الديمقراطية على الشعوب العربية وقامت من جانبها بمبادرة في هذا الشأن تقوم على التعاون، تراجعت عن هذا التوجه لتربط ربطا صحيحا أي دعم اقتصادي أو سياسي للعرب بمدى التقدم على مسار الإصلاح السياسي والديمقراطي.
    كان من المنتظر في قمة برشلونة أن تأتي أوروبا بتعريف واضح لمفهوم الإرهاب لعلها بذلك تساعد المجتمع الدولي في حسم الجدل حوله، ولكنها لم تفعل، وازداد الأمر سوءا عندما رفض المشاركون الأوروبيون الإشارة إلى حق الشعوب في المقاومة ضد المحتل إرضاء للوفد الإسرائيلي. ولم يكن هناك خلاف حول أسس مكافحة الإرهاب حيث لا يعترض الجانب العربي بالطبع على أي وسيلة أو خطوة للتعاون في هذا المجال ولكن أن تتحول قضية الإرهاب إلى استباحة للأوضاع الداخلية للدول العربية وإلى تبرير لكل أعمال التدخل غير المشروعة ضد الشعوب كما هو جار الآن، فهذا ما رفضه الجانب العربي في قمة برشلونة، ولذلك وجدت القمة مخرجا في تضمين بيانها الرئاسي الإشارة إلى (وجوب أن تكون مقاومة الإرهاب متناسبة مع مقتضيات القانون والتشريعات المحلية التي تضمن حماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية) وهي محاولة لتخفيف منطق التدخل باسم الإرهاب ولكنها لا تسمح في الحقيقة بالاعتراف بمقاومة هذا التدخل أي لا تضفي شرعية واضحة على عمليات المقاومة الوطنية.
    وكان من المنتظر في قمة برشلونة أن يتم الإعلان عن تحرك أوروبي ضاغط على إسرائيل في عملية السلام، ولكنها لم تفعل ارضاء أيضا للوفد الإسرائيلي، وبدلا من ذلك كررت نفس المواقف المبدئية السابقة فيما يتعلق بالحث على تنفيذ خريطة الطريق والعمل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بما عكس عدم اكتراث الجانب الأوروبي حاليا بالتدخل لإحياء عملية السلام وهو موقف يخدم إسرائيل في كل الأحوال.
    وعلى صعيد التعاون الاقتصادي كرر الطرف الاوروبي إصراره على إعطاء المساعدات والمنح لدول المتوسط العشر بحسب نسبة الإصلاحات السياسية فيها. كما وضح أن الطرف الأوروبي له رؤية محددة تجاه الهجرة إلى بلاده من دول الجنوب حيث أعلن بوضوح أنه يوافق فقط على قبول مهن وتخصصات فنية متقدمة وليس المهن الوسيطة والمتدنية بما يشير إلى أنه عازم على عملية تطهير ضد أبناء الجنوب.
    في ضوء كل ذلك كان من الطبيعي ان ترفض الدول العربية مسودة نص إعلان برشلونة لأنها لم تتضمن إشارات للمبادرة العربية للسلام او تحرك أوروبي جاد في هذا السياق ولا الإشارة إلى حق المقاومة، ولا إلى برنامج واضح من المساعدات الاقتصادية بعيدا عن الضغط، وبدا واضحا أن الشراكة لم تعد شراكة حقيقية بل هي أقرب إلى الإملاء والحوار من طرف واحد هو الطرف الأوروبي، وحيث أصبحت فلسفة الشراكة في مهب الريح، فإنه ليس من صالح الجانب العربي أن يوقع على بيانات تملي عليه مواقف ضد جوهر هذه الشراكة وتصب في مصلحة الشريك الأوروبي وحده.
    إلا أن المسكوت عنه في القضية كلها والذي جعل الجانب العربي يحجم عن المشاركة في القمة على مستوى القيادات (شارك فقط الرئيس الفلسطيني محمود عباس والزعيم الليبي معمر القذافي، مع ملاحظة أنهما ليسا من الشركاء الرئيسيين بل من المراقبين) هو وجود اقتناع لدى العواصم العربية بأن الحوار يجب ان يكون مع واشنطن وليس مع عواصم الاتحاد الاوروبي التي تحاول الظهور الآن بمظهر القوة وهي في الحقيقة أصبحت تعمل تحت المظلة الأمريكية، وحيث أن صاحب التأثير هو الولايات المتحدة بالنسبة للجميع عربا وأوروبيين، فإن أي انفراج لا بد أن يتحقق أولا على صعيد العلاقات الأمريكية العربية، وحيث ان القنوات باتت مفتوحة حاليا على هذا الصعيد فإنه من الأفضل استثمار الجهد فيها بدلا من العواصم الأوروبية، ففي نهاية المطاف يبقى التعامل مع الأصل هو الأفضل وليس مع الصورة.!!
     

مشاركة هذه الصفحة