أجرة العسكري وأخواتها.... لعبدالله قطران

الكاتب : محمد الرخمي   المشاهدات : 369   الردود : 0    ‏2005-12-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-12-05
  1. محمد الرخمي

    محمد الرخمي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-06-11
    المشاركات:
    4,629
    الإعجاب :
    0
    أجرة العسكري وأخواتها..ظاهرة مخجلة حوّلت أقسام الشرطة وإدارات الأمن إلى دكاكين للإيجار!

    4/12/2005

    استطلاع/ عبدالله قطران
    ثمة اختلال كبير مسكوت عنه رسمياً وشعبياً يتعاظم يوماً بعد يوم في أداء معظم أقسام الشرطة وإدارات الأمن المنتشرة في أنحاء البلاد ويعاني منه آلاف المواطنين الذين يتعرضون يومياً لألوان متعددة من النهب والابتزاز والظلم والقهر والاعتداء والانتهاكات المتفاوتة على أيدي أناس يفترض أنهم حماة للأمن منوط بهم إقامة العدل والضبط. كيف لا وقد تحولت أقسام الشرطة ومقرات الأمن هذه إلى أشبه بدكاكين ومحلات خاصة تباع فيها وتشترى خدمات وزارة الداخلية ويتاجر من خلالها بأهم الواجبات الدستورية للدولة ألا وهو: واجب حماية أمن الوطن والمواطن، والمحافظة على حقوق الرعية وتأمين حصولهم عليها كاملة وفق القانون.

    (الأجرة) أولاً.. (الأجرة) أخيراً..
    ليس مهماً على الإطلاق أن يشعر المواطن الكريم في قسم الشرطة أو البحث أو الأمن بالأمان والاطمئنان والثقة بإمكانية وجود العدل والمساواة وسلامة الإجراءات والتعامل القانوني لدى حراس النظام والقانون لأنك لن تجد فيهم أدنى إحساس بالمسؤولية أو شعور بالواجب المهني، فليس ثمة من يحرص ولو قليلاً على انتشار السمعة الطيبة فضلاً عن أن يبالي أو يكترث لتناقل الانطباعات السلبية وانتشار تلك الصورة المشوهة في أذهان الكثير من الناس عن الأداء الغير مسئول لمعظم عناصر وأجهزة الشرطة والأمن!

    لكن الأمر المهم الذي لا (سفاط) فيه ولا جدال هو في كيفية تدفيع هذا المواطن الكريم واختلاسه بأكبر قدر ممكن من الفلوس والغرامات النقدية والعينية التي تطالها الأيدي (الحامية) أو تراها العيون (الحارسة) تحت أي من المسميات (الغير قانونية بالطبع) والتي باتت من المسميات المتعارف عليها داخل هذه الأماكن الرسمية.

    ولن نبالغ أو نفتري على أحد في هذه السطور لو قلنا بأن أياً من العسكري أو الضابط أو مدير القسم ربما قد يتساهل أو يفرط في كل شيء عدا شيء واحد فقط هو ذلك المبلغ المالي الذي بات يعرف باسم (الأجرة)، يؤخذ بالقوة أحياناً وبالإحراج أحياناً أخرى من المواطن الذي يقع فريسة بين أيديهم!

    مسخ هيبة الدولة!!
    ظاهرة (أجرة العسكري) بكل مسمياتها لا يوجد لها تسمية أو تعريف قانوني، لأنها جمعت بين حالات الرشوة والغرامة والإتاوة والبقشيش وأحياناً صفات المساعدة والصدقة والهدية الإجبارية!
    هذه الظاهرة ظلت في السابق محدودة الانتشار تمارس في إطار ضيق وبصور خجولة وغير علنية باعتبارها من موروثات العهود المتخلفة.. لكن الذي زاد الطين بلة وفتح الباب على مصراعيه أمام إنعاش وتفشي هذه الظاهرة المخجلة هو ذلك التصريح العابر الذي أدلى به رئيس الجمهورية لوسائل الإعلام عندما سئل عن قانونية أجرة العسكري فقال الرئيس بأنه شخصياً يعتبرها نوعاً من مساهمة المواطنين كمبالغ بسيطة يدفعونها لرجال الأمن..!
    وغداة ذلك التصريح الرئاسي حظيت أجرة العسكري على الشرعية الرسمية الكاملة في أذهان كافة ضباط وأفراد الشرطة والأمن وازدهرت هذه الظاهرة وأخذت تنمو وتتوسع وتتنوع مسمياتها وتتعدد مصادرها ومشتقاتها ووسائل استخراجها من جيوب المواطنين خارج إطار الدستور والقانون ومفهوم الدولة الحقيقي، لكن أكبر الآثار السلبية التي نتجت عن تفشي هذه الظاهرة وتناميها بقوة في أوساط الأجهزة الأمنية هو المساهمة المتراكمة في مسخ هيبة الدولة وغياب أو تغييب دورها الدستوري والأخلاقي في فرض النظام والقانون على الجميع..


    وبالتأكيد فإن طرق هذه القضية في هذا الموضوع لم يكن محاولة منا أبداً لاستهداف أولئك البسطاء من جنود الأمن ورجال الشرطة في أرزاقهم.. فلسنا ضد حصول الجندي ورجل الشرطة على مصادر أخرى للدخل تعينه على مواجهة التزامات المعيشة الصعبة إلى جانب راتبه الحكومي الضئيل.. ولكنها دعوة منا إلى إيجاد مصادر مشروعة وقانونية للجندي والضابط ورجل الشرطة بما لا يتعارض ومبدأ الحفاظ على حقوق وكرامة المواطنين وبما لا يخل بمسئولية ودور أجهزة الشرطة والأمن في حماية الأمن العام والمحافظة على ممتلكات وأموال المواطن كواجب دستوري مجرد ومتعارف عليه بين كافة أنظمة الدنيا ودول العصر.

    عجز أمني وفوضى متفشية
    لم تعد المشكلة تنحصر في عدم قانونية تلك المبالغ المنتزعة عنوة أو رشوة من المواطن باسم (الأجرة) فحسب إنما الأمر أكبر من ذلك فقد نتج عن تفشي مثل هذه الظواهر السلبية القاتلة أن أصيب أداء الأجهزة الأمنية بحالة من الفوضى والعجز عن قيام هذه الأجهزة بواجبها القانوني في عملية الضبط القضائي وتنفيذ أوامر وتوجيهات السلطة القضائية الخاصة بإحضار أو استدعاء المطلوبين وفقاً للقانون..
    والعجب أنه كلما أعلنت حكومتنا عن نيتها اتخاذ إجراءات صارمة لإيقاف مثل هذه الاختلالات القائمة في أجهزة الأمن -كلما لاحظنا أن تلك المظاهر تزداد رسوخاً وثباتاً، إذ يكتشف المواطنون ظهور أساليب وفنون جديدة في عمليات الابتزاز والتعامل اللا مسئول داخل هذه الأجهزة!
    ففي شهر سبتمبر من العام الماضي 2004م - على سبيل المثال- وافق مجلس الوزراء برئاسة عبدالقادر باجمال على محضر حكومي أعدته لجنة وزارية يتضمن مشروع لائحة تنظم عمل الأجهزة الأمنية فيما يتعلق بجوانب الضبط القضائي وتنفيذ أوامر أجهزة القضاء الخاصة بإحضار واستدعاء أي من المواطنين إلى السلطات المختصة في حال وجود قضية تتطلب ذلك.
    وبحسب المحضر الذي أقره مجلس الوزراء فإن اللائحة المذكورة تمنع الجندي أو رجل الشرطة من أخذ ما يسمي (الأجرة) من المواطن الذي يذهب لإحضاره.. كما تضمنت نقاطاً للائحة مالية يتم بموجبها إنشاء صناديق في إدارة الأمن في مختلف مناطق الجمهورية تورد إليها مبالغ الغرامات عن المخالفات التي يقوم بها المواطنون حيث يتم إلزام المواطن بدفع غرامة مالية عن مخالفته وعدم التزامه بالحضور بموجب الطلب وذلك بعد إحضاره إلى المحكمة أو النيابة -كما جاء في المحضر- وكالعادة لم يطبق شيء من ذلك المحضر على أرض الواقع.

    هكذا يعامل المواطن ..
    من المعلوم أن أقسام الشرطة وإدارات الأمن في المديريات والمناطق وعواصم المحافظات تصرف لها اعتمادات مالية شهرية كبيرة من قبل الوزارة وبحسب المصادر الأمنية فإن المتوسط الشهري لتلك المبالغ يتراوح ما بين مليونين ونصف المليون إلى ثلاثة ملايين ريال شهرياً بالنسبة لإدارة أمن المحافظة، وما بين مائتين إلى ثلاثمائة ألف ريال بالنسبة لإدارة أمن المديرية أو قسم الشرطة وتصرف تلك الاعتمادات المالية شهرياً لتغطية نفقات التشغيل والمصروفات للجهة ووقود للسيارات وتكاليف المواصلات والحركة اليومية وغيرها من الاحتياجات المطلوبة لمواجهة ظروف الأداء الأمني المنوط بهذه الأجهزة الأمنية..

    ولكنك عندما تلجأ إلى قسم الشرطة أو إدارة البحث والأمن لطلب النصرة والإنصاف أو للحصول على نصيبك كون (الشرطة في خدمة الشعب) فإنك ستفاجأ هناك بالجميع يتهافتون عليك كلُُ يطمع فيك ويطالبك بنصيبه... فالعسكري المكلف بالخروج يريد أجرته وتكاليف مشاويره منك أولاً ثم من غريمك ثانياً، ومع ذلك لن يفيدك في شيء إلا ما دمت عليه سخياً وقائماً بالمال والمصاريف وحق السجائر وحق القات (وهات يا اخي هات!!)..
    الحال نفسه مع الكاتب الذي يحرر لك المذكرة والضابط الذي يوقع عليها وكذلك الذي بيده الختم.. والمسجل والمختص.. وكل من تلقاه أو يقدم لك خدمة داخل القسم، الجميع يتعاملون وأنظارهم إلى جيبك وكفك، فإن وجدوا جيبك دسماً ويمناك جزيلة سخية فالجميع هنا في خدمتك سواء كنت صاحب الحق أم غريمه لا فرق بينكما أمام حماة القانون والنظام!!

    أما إذا كانت جيوبك خالية على عروشها وعلامات الفقر والبؤس على وجهك وأجبرك (الحراف) على أن تبدو أمامهم بمظهر البخيل، فإنك وهذا حالك لن تجد هنا من يسمعك أو يتعامل معك أو يصغي لمظلمتك، هذا إن سلمت من الإهانة والازدراء بل وربما الحبس إذا تماديت في المطالبة بحقوقك وكثرت من (الرفاس) وعكرت مزاج الفندم بثرثراتك الشاكية..، علماً بأن هذا كله سوف تلقاه في حال كنت صاحب الحق في القضية فقط!! أما لو كان مشتبها بأن الحق عليك فيا ويلك، ويا سواد لياليك القادمة، حيث لن يرحمك أحد أو يرثي لمأساتك مخلوق من هؤلاء ما لم تستنجد بأقرب شيخ أو متنفذ واصل في المنطقة كي يتدخل ويحاول انتشالك من قبضة الفندم ورجاله ويسعى لتسوية الموضوع قبلياً، ومع ذلك فإنك (أيها المدبر) لن تفلت من دفع أجرة العسكر وحق القسم وتكاليف الطقم وحق الرسامة الشاوش والحبس وما إلى ذلك من قائمة الحقوق المتراكمة التي تتلى عليك وليس لك منها إلا أن تدفعها وحسب لو رغبت في النفاذ بجلدك من هذا المكان (الورطة)..

    هكذا والله تسير الأمور في معظم قضايا المواطنين التي تتلقاها (محلات) الشرطة و(دكاكين) الأمن و(مخازن) البحث الجنائي في هذه البلاد بعد مرور أكثر من 42 عاماًُ من الثورة والقضاء على النظام الإمامي المتخلف وتخليص المواطنين من ممارسات العكفة وعسكر الإمام التعسفية التي لازال إعلام الجمهورية يرويها لنا كلما حل علينا شهر سبتمبر من كل عام !!

    المصدر : صحيفة الناس
     

مشاركة هذه الصفحة