الامام الصادق علیه السلام

الكاتب : يماني غيور   المشاهدات : 529   الردود : 0    ‏2005-11-30
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-30
  1. يماني غيور

    يماني غيور عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-08-06
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    ا
    لإمام الصادق (عليه السلام) في سطور


    الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) سادس الأئمة الأطهار من أهل البيت المعصومين الذين نص الرسول (صلى الله عليه وآله) على خلافتهم من بعده.

    ولد في سنة ( 83 ) هجرية وترعرع في ظلال جدّه زين العابدين وأبيه محمّد الباقر (عليهم السلام) وعنهما أخذ علوم الشريعة ومعارف الإسلام. فهو يشكّل مع آبائه الطاهرين حلقات نورية متواصلة لا يفصُل بينها غريب أو مجهول، حتَّى تصل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لذا فهو يغترف من معين الوحي ومنبع الحكمة الإلهية.

    وبهذا تميزت مدرسة أهل البيت التي أشاد بناءها الأئمة الأطهار ولا سيما الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) فهي مدرسة الرسالة المحمّدية التي حفظت لنا أصالة الإسلام ونقاءه.

    وهكذا تبوّأ الإمام الصادق مركز الإمامة الشرعية بعد آبائه الكرام وبرز إلى قمّة العلم والمعرفة في عصره مرموقاً مهاباً فطأطأت له رؤوس العلماء اجلالا وإكباراً حتَّى عصرنا هذا.

    لقد كان عامة المسلمين وعلماؤهم يرون جعفر بن محمّد (عليه السلام) سليل النبوّة وعميد أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً.

    فهو الرمز الشرعي للمعارضة التي قادها أهل بيت الوحي(عليهم السلام) ضد الظلم والطغيان الاُموي والعبَّاسي معاً.

    كما كان العلماء يرونه بحراً زاخراً وإماماً لا ينازعه أحد في العلم والمعرفة واستاذاً فذاً في جميع العلوم التي عرفها أهل عصره والتي لم يعرفوها آنذاك.

    لقد عايش الإمام الصادق (عليه السلام) الحكم الاُموي مدة تقارب (أربعة) عقود وشاهد الظلم والارهاب والقسوة التي كانت لبني اُمية ضد الاُمة الإسلامية بشكل عام وضد أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) وشيعتهم بشكل خاص.

    وكان من الطبيعي ـ بعد ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ـ أن يكون آل البيت هم الطليعة والقيادة المحبوبة لدى الجماهير المسلمة، ومن هنا بدأت فصائل العباسيين تتحرك باسم أهل البيت وتدعو إلى الرضا من آل محمّد (صلى الله عليه وآله) وخلافة ذرية فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).

    لقد انسحب الإمام الصادق (عليه السلام) من المواجهة المكشوفة ولم تنطل عليه الشعارات التي كان يستخدمها بنو العباس للوصول إلى الحكم بعد سقوط بني اُمية بعد أن ازداد ظلمهم وعتوهم وارهابهم وتعاظمت نقمة الاُمة عليهم.

    لقد سقط سلطان بني اُمية سنة ( 132 هـ ) ، ثمّ آلت الخلافة إلى بني العباس فعاصر حكم أبي العباس السفّاح وشطراً من حكم المنصور الدوانيقي بما يقرب من عشر سنوات.

    لقد انصرف الإمام الصادق (عليه السلام) عن الصراع السياسي المكشوف إلى بناء الاُمة الاسلامية علمياً وفكرياً وعقائدياً وأخلاقياً، بناءاً يضمن سلامة الخط الاسلامي على المدى البعيد بالرغم من استمرار الانحرافات السياسية والفكرية في أوساط المجتمع الاسلامي.

    لقد انتشرت الفرق الاسلامية كالمعتزلة والاشاعرة والخوارج والكيسانية والزيدية في عصره واشتد الصراع بينها، كما بدأت الزندقة تستفحل وتخترق اجواء المجتمع الاسلامي فتصدى الإمام الصادق (عليه السلام) للردّ على الملاحدة من جهة وتصدى لمحاكمة الفرق المنحرفة من جهة اُخرى.

    لقد اهتمّ الإمام (عليه السلام) ببناء الجماعة الصالحة التي تتحمّل مسؤولية تجذير خط أهل البيت في الاُمة الاسلامية إلى جانب اهتمامه ببناء جامعة أهل البيت الاسلامية وتخريج العلماء في مختلف فنون المعرفة ولا سيما علماء الشريعة الذين يضمنون للاُمة سلامة مسيرتها على مدى المستقبل القريب والبعيد ويزرعون بذور الثورة ضد الطغيان.

    ولم يغفل الإمام (عليه السلام) عن تقوية الخط الثوري والجهادي في أوساط الاُمة من خلال تأييده لمثل ثورة عمه زيد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) ومن تلاه من ثوار البيت العلوي الكرام.

    ولم يكن الإمام الصادق (عليه السلام) ليسلم من هذه المحنة ـ محنة الثورة على الظلم العباسي ـ فقد كان المنصور يطارده الخوف من الإمام الصادق (عليه السلام) ويتصور أنَّه اليد التي تحرّك كل ثورة ضد حكمه، مما أدى إلى استدعائه إلى العراق أكثر من مرة وضيّق عليه وأجرى عليه محاكمة يجل الإمام عن مثلها ليشعره بالرقابة والمتابعة ثمَّ خلّى سبيله.

    بل قد ذكرت بعض المصادر أن المنصور قد نوى قتله أكثر من مرَّة الا أن الله سبحانه حال بينه وبين ما أراد.

    وهكذا عاش الإمام الصادق (عليه السلام) الفترة الأخيرة من حياته ـ وبعد أن استقرت دعائم الحكم العباسي ـ حياة الاضطراب والارهاب، وفي جوّ مشحون بالعداء والملاحقة، إلاّ انه استطاع أن يؤدي رسالته بحكمة وحنكة وقوّة عزم ويفجّر ينابيع العلم والمعرفة ويبني الاُمة الاسلامية من داخلها ويربّي العلماء والفقهاء الاُمناء على حلاله وحرامه ويشيد بناء شيعة أهل البيت الذين يمثّلون الجماعة الصالحة التي عليها تتكئ دعائم الخطّ النبوي لتحقيق مهامّه الرسالية بعد أن عصفت الرياح الجاهلية بالرسالة الخاتمة وتصدّى لقيادة الاُمة رجال لم يكونوا مؤهلين لذلك.


    انطباعات عن شخصية الإمام الصادق(عليه السلام)



    أشاد الإمام الباقر (عليه السلام) أمام أعلام شيعته بفضل ولده الصادق (عليه السلام) قائلا: هذا خير البريّة[1].

    وافصح عمه زيد بن علي عن عظيم شأنه فقال: في كل زمان رجل منّا أهل البيت يحتج الله به على خلقه وحجة زماننا ابن أخي جعفر لايضلّ من تبعه ولا يهتدي من خالفه[2].

    وقال مالك بن أنس: ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد الصادق علماً وعبادة وورعاً[3].

    وقال المنصور الدوانيقي مؤبّناً الإمام الصادق (عليه السلام): إنّ جعفر بن محمّد كان ممّن قال الله فيه: (ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) وكان ممن اصطفى الله وكان من السابقين بالخيرات[4].

    قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ( ت 327 هـ ) : سمعت أبي يقول: جعفر بن محمّد ثقة لا يُسأل عن مثله.

    وقال: سمعت أبا زرعة وسئل عن جعفر بن محمّد عن أبيه وسهيل بن أبي صالح عن أبيه والعلاء عن أبيه أيّما أصح؟ قال: لا يقرن جعفر بن محمّد إلى هؤلاء[5].

    وقال ابو حاتم محمّد بن حيّان ( ت 354 هـ ) عنه: كان من سادات أهل البيت فقهاً وعلماً وفضلا[6].

    وقال أبو عبد الرحمن السلمي ( 325 ـ 412 هـ ) عنه: فاق جميع أقرانه من أهل البيت (عليه السلام) وهو ذو علم غزير وزهد بالغ في الدنيا وورع تام عن الشهوات وأدب كامل في الحكمة[7].

    وعن صاحب حلية الأولياء ( ت 430 هـ ) : ومنهم الإمام الناطق ذو الزمام السابق أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق، أقبل على العبادة والخضوع وآثر العزلة والخشوع ونهى عن الرئاسة والجموع[8].

    وأضاف الشهرستاني ( 479 ـ 548 هـ ) على ما قاله السلمي عنه: وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له أسرار العلوم ثمَّ دخل العراق وأقام بها مدَّة، ما تعرّض للامامة قط ، ولا نازع في الخلافة أحداً، ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط، ومن تعلّى إلى ذروة الحقيقة لم يخف من حطّ[9].

    وذكر الخوارزمي ( ت 568 هـ ) في مناقب أبي حنيفة أنه قال: ما رأيت أفقه من جعفر بن محمَّد. وقال: لولا السنتان لهلك نعمان. مشيراً إلى السنتين اللتين جلس فيهما لأخذ العلم عن الإمام جعفر الصادق[10].

    وقال ابن الجوزي ( 510 ـ 597 هـ ) : جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين كان مشغولا بالعبادة عن طلب الرئاسة[11].

    وقال محمّد بن طلحة الشافعي ( ت 652 هـ ) عنه: هو من عظماء أهل البيت (عليهم السلام) وساداتهم ذو علوم جمّة وعبادة موفورة وأوراد متواصلة وزهادة بيّنة، وتلاوة كثيرة، يتتبع معاني القرآن الكريم ويستخرج من بحره جواهره ويستنتج عجايبه، ويقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكّر الآخرة، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا، والاقتداء بهديه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنه من سلالة النبوّة، وطهارة أفعاله تصدع أنه من ذريّة الرسالة، نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من الأئمة وأعلامهم .. وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها وفضيلة اكتسبوها.

    واما مناقبه وصفاته فتكاد تفوت عدّ الحاصر ويحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر حتَّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى، صارت الأحكام التي لا تدرك عللها، والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها، تضاف إليه وتروى عنه.

    وقد قيل انّ كتاب الجفر الذي بالمغرب ويتوارثه بنو عبد المؤمن هو من كلامه (عليه السلام) وان في هذه لمنقبة سنيّة، ودرجة في مقام الفضائل عليّة، وهي نبذة يسيرة مما نقل عنه[12].

    وفي تهذيب الأسماء ( 631 ـ 676 هـ ) عن عمرو بن أبي المقدام قال: كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنه من سلالة النبيين[13].

    وقال ابن خلكان ( 608 ـ 681 هـ ) : جعفر الصادق ... أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية وكان من سادات أهل البيت، ولقّب بالصادق لصدقه في مقالته، وفضله أشهر من أن يذكر وله كلام في صنعة الكيميا، والزجر والفال ... ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه وجدّه وعمّ جده .. فلله درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه[14].

    وقال البخاري في فصل الخطاب ( 756 ـ 822 هـ ) : اتفقوا على جلالة الصادق (عليه السلام) وسيادته[15] .

    وقال ابن الصبّاغ المالكي (784 ـ 855 هـ ) : نقل الناس عنه من العلوم ماسارت به الركبان، وانتشر صيته وذكره في سائر البلدان، ولم ينقل من العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقل عنه من الحديث.

    وروى عنه جماعة من أعيان الاُمة.. وصّى إليه أبو جعفر(عليه السلام) بالإمامة وغيرها وصيّة ظاهرة، ونصّ عليها نصّاً جليّاً [16].








    [1] الكافي : 1 / 307 .

    [2] المصدر السابق : 306 .

    [3] تهذيب التهذيب : 2 / 104 .

    [4] تاريخ اليعقوبي : 3 / 17 .

    [5] الجرح والتعديل : 2 / 487.

    [6] الثقات : 6 / 131 .

    [7] الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1/58.

    [8] حلية الأولياء: 1/72.

    [9] الملل والنحل : 1 / 147 منشورات الشريف الرضي .

    [10] مناقب أبي حنيفة : 1 / 172 ، والتحفة الاثني عشرية : 8 .

    [11] صفوة الصفوة: 2/94.

    [12] مطالب السؤول: 2/56.

    [13] تهذيب الاسماء: 1 / 149 .

    [14] وفيات الأعيان : 1 / 327.

    [15] ينابيع المودّة : 380 ط اسلامبول.

    [16] الفصول المهمّة : 222.

    مظاهر من شخصية الإمام الصادق(عليه السلام)


    سعة علمه :

    لقد شقق الإمام الصادق (عليه السلام) العلوم بفكره الثاقب وبصره الدقيق، حتَّى ملأ الدنيا بعلومه، وهو القائل: «سلوني قبل أن تفقدوني فإنه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي»[1]. ولم يقل أحد هذه الكلمة سوى جده الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام).

    وأدلى (عليه السلام) بحديث أعرب فيه عن سعة علومه فقال: «والله إني لأعلم كتاب الله من أوله إلى آخره كأنه في كفي، فيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر ما كان، وخبر ما هو كائن، قال الله عزَّ وجلَّ: (فيه تبيان كل شيء)[2].

    وقد كان من مظاهر سعة علمه أنه قد ارتوى من بحر علومه أربعة آلاف طالب وقد أشاعوا العلم والثقافة في جميع الحواضر الإسلامية ونشروا معالم الدين وأحكام الشريعة[3].
    كرمه وجوده :

    لقد كان الإمام الصادق (عليه السلام) الجود، من أندى الناس كفاً، وكان يجود بما عنده لإنعاش الفقراء والمحرومين، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من كرمه، كان من بينها ما يلي:

    1 ـ دخل عليه أشجع السلمي فوجده عليلا، وبادر أشجع فسأل عن سبب علته، فقال (عليه السلام): تعدّ عن العلة، واذكر ما جئت له فقال:

    يخرج من جسمك السقام***كما أخرج ذل السؤال من عنقك

    وعرف الإمام حاجته فقال لغلامه: أي شيء معك؟ فقال: أربعمائة. فأمره بإعطائها له[4].

    2 ـ ودخل عليه المفضل بن رمانة وكان من ثقاة أصحابه ورواته فشكا إليه ضعف حاله، وسأله الدعاء، فقال (عليه السلام) لجاريته: هاتِ الكيس الذي وصلنا به أبو جعفر، فجاءته به، فقال له: هذا كيس فيه أربعمائة دينار فاستعن به، فقال المفضل: لا والله جُعلت فداك ما أردت هذا، ولكن أردت الدعاء، فقال(عليه السلام): لا أدع الدعاء لك[5].

    3 ـ سأله فقير فأعطاه أربعمائة درهم، فأخذها الفقير، وذهب شاكراً، فقال (عليه السلام) لخادمه: ارجعه، فقال الخادم: سئلت فأعطيت، فماذا بعد العطاء؟ قال (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خير الصدقة ما أبقت غنى»، وإنّا لم نغنه، فخذ هذا الخاتم فاعطه فقد أعطيت فيه عشرة آلاف درهم، فإذا احتاج فليبعه بهذه القيمة[6].

    4 ـ ومن بوادر جوده وسخائه وحبه للبر والمعروف أنه كانت له ضيعة قرب المدينة تسمى (رعين زياد)، فيها نخل كثير، فإذا نضج التمر أمر الوكلاء أن يثلموا في حيطانها الثلم، ليدخل الناس ويأكلوا من التمر[7].

    وكان يأمر لجيران الضيعة الذين لا يقدرون على المجي كالشيخ والعجوز والمريض لكل واحد منهم بمدّ من التمر، وما بقي منهم يأمر بحمله إلى المدينة فيفرّق أكثره على الضعفاء والمستحقين، وكانت قيمة التمر الذي تنتجه الضيعة أربعة آلاف دينار، فكان ينفق ثلاثة آلاف منها، ويبقى له ألف[8].

    5 ـ ومن بوادر كرمه أنه كان يطعم ويكسو حتَّى لم يبق لعياله شيء من كسوة أو طعام[9].

    ومن كرمه أنه مرّ به رجل، وكان (عليه السلام) يتغدّى، فلم يسلّم الرجل فدعاه الإمام إلى تناول الطعام، فأنكر عليه بعض الحاضرين، وقال له: السنة أن يسلم ثم يُدعى، وقد ترك السلام على عمد ... فقابله الإمام (عليه السلام) ببسمات مليئة بالبشر وقال له: هذا فقه عراقي، فيه بخل...[10].
    صدقاته في السر :

    أما الصدقات في السر فإنها من أفضل الأعمال وأحبها لله لأنها من الأعمال الخالصة التي لا يشوبها أي غرض من أغراض الدنيا، وقد ندب إليها أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، كما أنها كانت منهجاً لهم، فكل واحد منهم كان يعول جماعة من الفقراء وهم لا يعرفونه. وكان الإمام الصادق يقوم في غلس الليل البهيم فيأخذ جراباً فيه الخبز واللحم والدراهم فيحمله على عاتقه ويذهب به إلى أهل الحاجة من فقراء المدينة فيقسمه فيهم، وهم لا يعرفونه، وما عرفوه حتَّى مضى إلى الله تعالى فافتقدوا تلك الصلات فعلموا أنها منه [11].

    ومن صلاته السرية ما رواه إسماعيل بن جابر قائلاً: أعطاني أبو عبد الله(عليه السلام) خمسين ديناراً في صرة، وقال لي: ادفعها إلى شخص من بني هاشم، ولا تعلمه أني أعطيتك شيئاً، فأتيته ودفعتها إليه فقال لي: من أين هذه؟ فأخبرته أنها من شخص لا يقبل أن تعرفه، فقال العلوي: ما يزال هذا الرجل كل حين يبعث بمثل هذا المال، فنعيش بها إلى قابل، ولكن لا يصلني جعفر بدرهم مع كثرة ماله[12].
    تكريمه للضيوف :

    ومن بوادر كرمه وسخائه حبه للضيوف وتكريمه لهم، وقد كان يشرف على خدمة ضيوفه بنفسه، كما كان يأتيهم بأشهى الطعام وألذّه، وأوفره، ويكرر عليهم القول وقت الأكل: «أشدكم حبّاً لنا أكثركم أكلا عندنا...».

    وكان يأمر في كل يوم بوضع عشر ثبنات من الطعام يتغدى على كل ثبنة عشرة[13].
    تواضعه :

    ومن مظاهر شخصيته العظيمة نكرانه للذات وحبه للتواضع وهو سيد المسلمين، وإمام الملايين، وكان من تواضعه أنه كان يجلس على الحصير[14]، ويرفض الجلوس على الفرش الفاخرة، وكان ينكر ويشجب المتكبرين وحتّى قال ذات مرة لرجل من إحدى القبائل: «من سيد هذه القبيلة؟ فبادر الرجل قائلا: أنا، فأنكر الإمام (عليه السلام) ذلك، وقال له: لو كنت سيدهم ما قلت: أنا..»[15].

    ومن مصاديق تواضعه ونكراته للذات: أن رجلا من السواد كان يلازمه، فافتقده فسأل عنه، فبادر رجل فقال مستهيناً بمن سأل عنه: إنه نبطي... فردّ عليه الإمام قائلا: أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدم مستوون...

    فاستحيى الرجل[16].
    سمو أخلاقه :

    كان الإمام الصادق (عليه السلام) على جانب كبير من سمو الأخلاق، فقد ملك القلوب، وجذب العواطف بهذه الظاهرة الكريمة التي كانت امتداداً لأخلاق جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي سما على سائر النبيين بمعالي أخلاقه.

    وكان من مكارم أخلاق الإمام وسمو ذاته أنه كان يحسن إلى كل من أساء إليه، وقد روي أن رجلا من الحجاج توهم أن هميانه قد ضاع منه، فخرج يفتش عنه فرأى الإمام الصادق (عليه السلام) يصلي في الجامع النبوي فتعلق به، ولم يعرفه، وقال له: أنت أخذت همياني..؟.

    فقال له الإمام بعطف ورفق: ما كان فيه؟..

    قال: ألف دينار ، فأعطاه الإمام ألف دينار، ومضى الرجل إلى مكانه فوجد هميانه فعاد إلى الإمام معتذراً منه، ومعه المال فأبى الإمام قبوله وقال له: شيء خرج من يدي فلا يعود، إلي، فبهر الرجل وسأل عنه، فقيل له: هذا جعفر الصادق، وراح الرجل يقول بإعجاب: لا جرم هذا فعال أمثاله[17].

    إن شرف الإمام (عليه السلام) الذي لا حدود له هو الذي دفعه إلى تصديق الرجل ودفع المال له.

    وقال (عليه السلام): إنا أهل بيت مروءتنا العفو عمن ظلمنا[18].

    وكان يفيض بأخلاقه الندية على حضار مجلسه حتَّى قال رجل من العامة: والله ما رأيت مجلساً أنبل من مجالسته[19].
    صبره :

    ومن الصفات البارزة في الإمام (عليه السلام) الصبر وعدم الجزع على ما كان يلاقيه من عظيم المحن والخطوب، ومن مظاهر صبره أنه لما توفي ولده إسماعيل الذي كان ملأ العين في أدبه وعلمه وفضلهـ دعا (عليه السلام) جمعاً من أصحابه فقدّم لهم مائدة جعل فيها أفخر الأطعمة وأطيب الألوان، ولما فرغوا من تناول الطعام سأله بعض أصحابه، فقال له: يا سيدي لا أرى عليك أثراً من آثار الحزن على ولدك؟ فأجابه (عليه السلام): «وما لي لا أكون كما ترون، وقد جاء في خبر أصدق الصادقين ـيعني جده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ إلى أصحابه إني ميت وإياكم»[20].
    إقباله على العبادة :

    أما الإقبال على عبادة الله تعالى وطاعته فإنه من أبرز صفات الإمام، فقد كان من أعبد الناس لله في عصره، وقد أخلص في طاعته لله كأعظم ما يكون الإخلاص، وإليك صورة موجزة عن عباداته:

    أ ـ صلاته : ان الصلاة من أفضل العبادات وأهمها في الإسلام، وقد أشاد بها الإمام الصادق (عليه السلام) في كثير من أحاديثه:

    قائلاً (عليه السلام): «ما تقرب العبد إلى الله بعد المعرفة أفضل من الصلاة»[21].

    وقال (عليه السلام): «إن أفضل الأعمال عند الله يوم القيامة الصلاة، وما أحسن من عبد توضأ فأحسن الوضوء»[22].

    وقال (عليه السلام): «الصلاة قربان كل تقي»[23].

    وقال (عليه السلام): «أحب الأعمال إلى الله عزَّ وجلَّ الصلاة، وهي آخر وصايا الأنبياء، فما أحسن الرجل يغتسل أو يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يتنحى حيث لا يراه أنيس فيشرف الله عليه وهو راكع أو ساجد إن العبد إذا سجد فأطال السجود نادى إبليس: يا ويله أطاعوا وعصيت، وسجدوا وأبيت»[24].

    وقال أبو بصير: دخلت على اُم حميدة ـ زوجة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ اُعزّيها بأبي عبد الله (عليه السلام) فبكت وبكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمّد لو رأيت أبا عبد الله عند الموت لرأيت عجباً فتح عينيه ثم قال: اجمعوا كل من بيني وبينه قرابة. قالت فما تركنا أحداً إلاَّ جمعناه، فنظر إليهم ثمَّ قال: «إن شفاعتنا لا تنال مستخفاً بالصلاة»[25].

    ومن الجدير بالذكر أن الإمام (عليه السلام) لم يدع نافلة من نوافل الصلاة إلاّ أتى بها بخشوع وإقبال نحو الله.

    وكان (عليه السلام) إذا أراد التوجه إلى الصلاة اصْفَرَّ لونه، وارتعدت فرائصه خوفاً من الله تعالى ورهبة وخشية منه. وقد أثرت عنه مجموعة من الأدعية في حال وضوئه، وتوجهه إلى الصلاة وفي قنوته، وبعد الفراغ من صلاته[26].

    ب ـ صومه : انّ الصوم من العبادات المهمة في الإسلام، وذلك لما يترتب عليه من الفوائد الاجتماعية والصحية والأخلاقية، «وهو جُنّة من النار» ـ كما قال الإمام الصادق (عليه السلام) ـ[27].

    وقد حث الإمام الصادق (عليه السلام) الصائم على التحلي بالأخلاق والآداب التالية، قال (عليه السلام): «وإذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك من القبيح والحرام، ودع المراء، وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصيام، ولا تجعل يوم صومك مثل يوم فطرك سواء..»[28].

    وكان (عليه السلام) صائماً في أغلب أيامه تقرباً إلى الله تعالى. أما شهر رمضان المبارك فكان يستقبله بشوق بالغ، وقد أثرت عنه بعض الأدعية المهمة عند رؤيته لهلاله، كما أثرت عنه بعض الأدعية في سائر أيامه وفي ليالي القدر المباركة وفي يوم عيد الأضحى الأغرّ [29].

    ج ـ حجه : أما الحج فهو بالإضافة إلى قدسيته فإنه من أهم المؤتمرات السياسية التي تعقد في العالم الإسلامي، حيث تعرض فيه أهم المشاكل التي تواجه المسلمين سواء أكانت من الناحية الاقتصادية أم الاجتماعية أو المشاكل السياسية الداخلية والخارجية، مضافاً إلى أنه من أهم الروابط التي يعرف بها المسلمون بعضهم بعضاً.

    وقد حج الإمام الصادق (عليه السلام) مرات متعددة والتقى بكثير من الحجاج المسلمين، وقد كان المعلم والمرشد لهم على مسائل الحج، فقد جهد هو وأبوه الإمام محمد الباقر (عليهما السلام) على بيان أحكام الحج بشكل تفصيلي، وعنهما أخذ الرواة والفقهاء أحكام هذه الفريضة، ولولاهما لما عرفت مسائل الحج وأحكامه.

    وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يؤدي بخضوع وخشوع مراسيم الحج من الطواف، والوقوف في عرفات ومنى، وقد روى بكر بن محمد الأزدي فقال: خرجت أطوف، وإلى جنبي الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) حتَّى فرغ من طوافه ثم مال فصلى ركعتين بين ركن البيت والحجر، وسمعته يقول في أثناء سجوده: «سجد وجهي لك تعبداً ورقّـاً، لا إله إلاّ أنت حقاً حقاً، الأول قبل كلّ شيء، والآخر بعد كلّ شيء، وها أنا ذا بين يديك، ناصيتي بيدك فاغفر لي إنه لا يغفر الذنب العظيم غيرك، فاغفر لي، فإني مقرٌّ بذنوبي على نفسي، ولا يدفع الذنب العظيم غيرك»..

    ثم رفع رأسه الشريف، ووجهه كأنما غُمّس في الماء من كثرة البكاء[30].

    وروى حمّاد بن عثمان فقال: رأيت أبا عبد الله جعفر بن محمد بالموقف رافعاً يده إلى السماء.. وكان في موقف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وظاهر كفّيه إلى السماء[31].

    وكان (عليه السلام) إذا خرج من الكعبة المقدسة يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهم لا تجهد بلاءنا، ولا تشمت بنا أعداءنا، فإنك أنت الضار النافع[32].

    وروى حفص بن عمر ـ مؤذن علي بن يقطين ـ فقال: كنا نروي أنه يقف للناس في الحج سنة ( 140 هـ ) خير الناس، فحججت في تلك السنة، فإذا إسماعيل بن عبد الله بن العباس واقف فداخلنا من ذلك غم شديد، فلم نلبث، وإذا بالإمام أبي عبد الله (عليه السلام) واقف على بغلة له، فرجعت أبشّر أصحابي، وقلت: هذا خير الناس الذي كنا نرويه[33].

    وكان من أعظم الخاشعين والداعين في مواقف الحج، فقد روي أنّ سفيان الثوري قال: والله رأيت جعفر بن محمّد (عليه السلام) ولم أر حاجّاً وقف بالمشاعر، واجتهد في التضرُّع والابتهال منه، فلمّا وصل عرفات أخذ من الناس جانباً، واجتهد في الدعاء في الموقف[34].






    [1] تأريخ الإسلام للذهبي: 6/45، تذكرة الحفاظ: 1/157، تهذيب الكمال في أسماء الرجال: 5/79.

    [2] اصول الكافي : 1 / 229 .

    [3] حياة الإمام الصادق (عليه السلام)، باقر شريف القرشي: 1/62.

    [4] مناقب آل أبي طالب: 4/345، أمالي الطوسي: 1/287.

    [5] الكشي: 121.

    [6] الإمام جعفر الصادق، أحمد مغنية: 47.

    [7] الإمام جعفر الصادق: 47.

    [8] المصدر السابق .

    [9] تأريخ الإسلام: 6/45، مرآة الزمان: 6/160، تهذيب الكمال: 5/87.

    [10] حياة الإمام الصادق (عليه السلام): 1/64 عن نثر الدرر.

    [11] الإمام جعفر الصادق: 47.

    [12] مجموعة ورام: 2/82.

    [13] الإمام جعفر الصادق: 46.

    [14] النجوم الزاهرة: 5/176.

    [15] الطبقات الكبرى: 1/32.

    [16] حياة الإمام الصادق (عليه السلام): 1/66 عن مطالب السؤول.

    [17] الإمام جعفر الصادق: 48.

    [18] الخصال: 11.

    [19] اُصول الكافي: 2/657.

    [20] الإمام جعفر الصادق: 49.

    [21] مجموعة ورام : 2 / 86 .

    [22] الغايات: 71.

    [23] جمهرة الأولياء: 2/78.

    [24] وسائل الشيعة: 3/26.

    [25] المصدر السابق : 3 / 17 .

    [26] راجع الصحيفة الصادقية. وهي مجموعة الأدعية المأثورة عن الإمام الصادق(عليه السلام) .

    [27] وسائل الشيعة : 3 / 290.

    [28] مجموعة ورام : 2 / 85 .

    [29] راجع الصحيفة الصادقية.

    [30] قرب الإسناد: 28.

    [31] المصدر السابق : 31.

    [32] المصدر السابق : 3.

    [33] قرب الإسناد: 98.

    [34] حياة الإمام الصادق (عليه السلام): 1/71 نقلاً عن ضياء العالمين.
     

مشاركة هذه الصفحة