(( ليل المدينة )) قصة للأديب : محمد ردمان الزرقة

الكاتب : الصحفي الصغير   المشاهدات : 530   الردود : 0    ‏2005-11-28
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-28
  1. الصحفي الصغير

    الصحفي الصغير عضو

    التسجيل :
    ‏2005-10-27
    المشاركات:
    128
    الإعجاب :
    0
    "بوابة اليمن " تمضي الأيام وانا هكذا تائه حزين ..! أبحث عن زوجة تناسبني ..تناسب قروشي القليلة التي ادخرتها بصعوبة..ولكن دون جدوى ..لقد طلبوا مني عشرات المئات من الريالات ثمنا لبناتهم ..ولكنني رفضت ..رفضت ان اشتري ..,,[​IMG]


    وفي الحقيقة انا لا اشتري ..ابحث عن فتاة تشاركني بهجة الظلمة .. وبهجة الحزن الذي يجتاحني أمسيات الليل ..وهكذا حالي ..فكل مساء أعرج على دنيا الله اتأمل الكون صامتاً حزيناً ..أمضي تحت غمدان ..واتسكع في أحياء السينما الشعبية التي ران عليها صمت الموتى ..!! لقد هجرها القهوجي .. وأختفى ضجيجي <<الدومنة>>أنصار فريد شوقي ..!أما الغسال فقد هجر الحي لا أدري إلى أين ؟ وبدت البيوت في الليل خرساء حزينة ..لا شئ فيها سوى عقود<<القمرى>>المستديرة والضوء ينعكس منها كاشعاع .. عقد لؤلؤ في رقبة جارية سوداء..!! أمضي نحو باب السلام ..أجلس مع نوبتجية مستشفى الثورة نتبادل قصبة المداعة ونتنهد..تمرق السيارات من الباب ..يخرج الطبيب الروسي..ومساعدة الطبيب اليمني .. أمضي نحو ممرات الحديقة .. أجلس على الحشائش في الظلمة أتأمل السماء المرصعة بالنجوم ..التلال السوداء ..خلف المستشفى ..صوت سيارات قادمة وصوت الباب ينفتح ..تهبط الممرضة الجميلة بردائها الابيض ..ترمقني تحت عمود النيون الأبيض ..فتبدو لثامتها البيضاء تحت عيونها السوداء كأرنبة توشك أن تفلت من يدي..!!



    أتجه اليها تلقائياً.. أتأملها ..!! تسألني وانا واقف أمامها:
    (( نعم يا صالح ماذا بك ))؟؟ أجيبها بخشونة (( أباك رحمة الله تغشاة .. كم كان يطلب ..لو كان حياَ ..؟))
    تمضي خديجة.. ترشق بكعبيها أرضية الرخام !! أتابعها بعينين زائغتين ..حين تخطوا .. برشاقة .. قلبي يتراقص على انغام دقات خطواتها .. تخطر في بالي بلقيس ..تللك الملكة القديمة حين خطت امام سليمان على عرش يشبه عرشها .. ولكني في الحقيقة لا أجد وجهاً للشبه..!! فهاهي خديجة تصعد امامي .. تصعد السلالم .. تخطو في الجناح الأوسط ، مازال قلبي يتراقص .. تهبط من جديد .. تتزايد ضربات قلبي .. فزميلها ينتظرها .. هاهي تصافحه .. أتوارى قليلاً .. أتأملها من الجهه الجانبية للباب .. يمسك يدها يمضيان متشابكي الأيدي .. تنحسر اللثمة عن أرنبة أنفها ولكنها لا تعيدها ..؟!
    يقفان فجاة ويضحكان .. صوت أخر يدعوه .. يتركها واقفة .. أتقدم منها وأقف أمامها .. صوتها يردد اسمي في استنكار ودهشة << مالك يا صالح هكذا ؟ >>
    .. ( مالي ! )
    لا أدري؟.. صوتها عذب جداَ ، أقترب منها فيجف حلقي ويحتبس الكلام في فمي (( مالي ؟ )) ..
    تتأملني خديجة في حيرة ، يجمعنا الصمت .. لكن دقات قلبي تزداد وتتوتر أعصابي ، تمضي الدقائق أسرع من الثواني نخطو معاً أنظر أليها ثم أنظر إلى السماء! الى الظلام المرصع بالنجوم ..؟؟ كأنما لأشير لها الى اشياء لا تلتفت اليها ..؟؟
    تسألني هي بألم ؟
    - ماذا تقول عن أبي يا صالح ؟
    أغمغم في سعادة أعظم من أن توصف ..
    - لا شئ رحمه الله !! كم هي جميلة رائحة البرسيم
    وصمت الليل والمدينة الخرساء حين تصمت و التلال حين يتضاعف صمتها في جوف الليل .. صوتها يدعوها .
    تقف .. تعتذر لي بعينيها !!.. كانت آمالي تتسع يوما بعد يوم .. كنت سعيداً بخديجة وبالمستشفى .. وبصمت التلال المجاورة وبالظلام ووفاة أبيها ..!! لم اكن أريد شراء جارية كما يفعلون ..!! بل كنت أفتش عن الإنسانة حين تشاركني بهجة الحزن ..

    ولقد أحسست بدفء يدها ذات ليلة. ونحن نخطوا متشابكي الأيدي .. وعبير البرسيم يتسلل إلى أنفي .. وحين دعاها الممرض وقفت وكعادتها ونظرت إلي بعينين معذبتين توشكان أن تعترفا !!.. وغمغمت وهي تستدير .. تبتعد عني
    << أبي رحنه الله .. كان قد تسلم مهري . قبل أن يموت..!! >> وتجمدت ونسيت رشاقة خطواتها ..!! مضيت عبر الممر لم أعد أستطيع ان اشم رائحة البرسيم ..وأبتعدت التلال السوداء عن عيني واختفت النجوم .. وشممت رائحة كلب ميت بجوار بيتنا المجاور لقصر غمدان .. لكنني ظللت ليلتين أشاور عقلي : هل احضر عرس خديجة وقد دعتني - ام أرفض؟؟
    وبقيت حائراً أتأمل السماء الحزينة والمدينة الصامتة .. ووجه خديجة الانسانة التي أخفت عني بهجة الليل الحزين ، والى اليوم لم اعثر على الانسانة التي تشاركني أحزاني وفي ليل المدينة النائمة وتحت السماء المرصعة بالنجوم .. لا شئ يبدد صمت الليل سوى عواء كلب .. معدتة خاوية ..؟؟

    محمد ردمان الزرقة
    ديسمبر 1970م
     

مشاركة هذه الصفحة