دراسة تكشف حقائق مغيبة الجمهورية أم الملكية.. وقيمة الحكم بينهما

الكاتب : ولــ الحسن ــد   المشاهدات : 466   الردود : 1    ‏2005-11-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-24
  1. ولــ الحسن ــد

    ولــ الحسن ــد عضو

    التسجيل :
    ‏2005-08-20
    المشاركات:
    38
    الإعجاب :
    0
    دراسة تكشف حقائق مغيبة..أسباب حماس السلطة لشكل الحكم (الجمهوري) وتشويهها لشكله
    التاريخ: الخميس 17 نوفمبر 2005



    د. سعـودي علي عبيد

    (إنَّ السلطة بلا عدالة، هي سرقة كبرى) «سانت أوغسطين»

    يحرص القائمون على النظام السياسي في بلادنا،إلى حدِّ الهوس على التمسك بالشكل الجمهوري للحكم والإطراء عليه، ولعن الشكل الملكي للحكم والصاق مختلف الألفاظ القذرة به. وفي هذين الموقفين المتضادين،لا يهتم المستفيدون من النظام السياسي الحالي بجوهر شكلي الحكم(الجمهوري والملكي)، ويقتصر الاهتمام بالمظهر الخارجي لهما فقط.




    وقبل الخوض في هذا الموضوع، أريد أن أنبه القارئ الكريم، أن مهمتي هنا لا تذهب إلى المفاضلة بين شكلي الحكم هذين، أو حتى التشيُّع لأحدهما على حساب الآخر، ولكن هدفي من بحث هذه المسألة هو تفنيد وكشف الأسباب الحقيقية لموقف السلطة الحاكمة، المتمثل في حماسها للجمهورية، وتشويهها للملكية، أي نظام الإمامة.

    وللوصول إلى هدفنا المحدد أعلاه، يتطلب الإجابة على التساؤلات الآتية:

    1- ما هو مفهوم كل من التقدم والتخلف كحالة تاريخية ونسبية،وعلاقتهما بنظامي الحكم المذكورين؟

    2- ما هي درجة انسجام كل من شكلي الحكم (الجمهوري والملكي) مع جوهـرهما ومضمونهما؟

    3- ما هي درجة تحقيق كلّ من نظامي الحكم (الملكي والجمهوري) لأهدافهما ومبادئهما المعلنة؟

    4- ما هي الأهداف المعلنة وغير المعلنة لسلوك سلطة النظام السياسي الحالي في تشويه نظام الإمامة؟

    وقبل أنْ نخوض في الإجابة على التساؤلات المطروحة، ينبغي الالتفات إلى حقيقة جوهرية وأساسية ترتبط بأولئك الذين يحق لهم الإنشداد باتجاه أحد هذين النظامين (الملكية أو الجمهورية) وفق معايير مختلفة،مثل المصالح المتحققة لهما من أحد هذين الحكمين. فمثلاً الذين افتقدوا مصالحهم بذهاب حكم الإمامة، ولم تُعوَّض تلك المصالح من الحكم الجمهوري الجديد، سيظلون متشيَّعين للحكم الأول، وساخطين على الحكم الجديد، والعكس صحيح. كما أنَّ الانشداد إلى أحد هذين الحكمين مرتهن بالجانب العقائدي الصرف، بغض النظر عن تحقق أية مصالح مباشرة.. وقد يكون هذا الانشداد إلى أحد شكلي الحكم المذكورين نابعاً من حالة الإعجاب فقط , باتجاه حكم الإمامة (الملكي) والنفور من الحكم الجمهوري، أو العكس.

    وإذا استخدمنا لغة الإحصاء والأرقام، سنجد أنَّ عمر ثورة 26سبتمبر التي قامت في العام 1962م يكون حتى العام 2004م هو 42 عاماً. ويعني ذلك أنَّ الأشخاص الذين يقعون في الشرائح العمرية(صفر حتى 42 سنة)، غير مؤهلين لإعطاء حكم وتقييم موضوعيين وواقعيين، باتجاه شكلي الحكم الخاضعين للدراسة. ويعود السبب ببساطة إلى أنَّ هؤلاء لم يعيشوا إلاَّ شكل الحكم الجمهوري. ولذلك فهم قادرون على تقييم هذا الحكم بالإيجاب أو السلب بموجب الحالات الثلاث التي ذكرناها سابقاً (المصالح أو العقائدية أو الإعجاب). أما حكمهم وتقييمهم لحكم الإمامة، فلن يكونا مفيدين أو ذا قيمة. والسبب ببساطة هو أنَّ هذه الفئات(صفرــ 42سنة) لم تكن موجودة عند سقوط حكم الإمامة، بفعل ثورة 26سبتمبر 1962م.

    وبالاستناد إلى مصدر إحصائي رسمي، وهو كتاب الإحصاء السنوي لعام 2003م، فإنَّ هؤلاء الأفراد المنتمين إلى الفئات العمرية(صفرــ 42 سنة) يمثلون الآن نحو (17,5) مليون نسمة.

    وإذا أضفنا لهم فئة عمرية أخرى، وهم الذين لم تتجاوز أعمارهم العاشرة عند سقوط حكم الإمامة وقيام الجمهورية في 26 سبتمبر 1962م، أي أولئك الواقعين في الفئة العمرية (43 - 52 سنة)، فإنهم سيشكلون بحسب المصدر الإحصائي ذاته نحو (1,3) مليون نسمة.. وبعملية جمع الفئات العمرية المذكورة (صفر-52 سنة) فإنهم سيشكلون نحو (18،8) مليون نسمة. وبذلك سنصل إلى حقيقة جليَّة، وهي أنَّ مَنْ شاهد وأدرك واقعة سقوط حكم الإمامة لم يتبقى منهم سوى (1،6) مليون نسمة فـقـط، وهو رقم جد ضئيل، ناهيك عن أنَّ هذا العدد يشتمل على أولئك الأشخاص الذين كانوا حينئذٍ صغاراً دون الخامسة عشر، مع الأخذ بعين الاعتبار نسبة الأمية العالية وانخفاض مستوى التعليم. أضف إلى ذلك أنَّ الإحصاءات السكانية المعطاة تخص شطري اليمن (جنوباً وشمالاً)، علماً أنَّ الإمامة كانت حاكمة في الشمال. والمعنى واضح لكلِّ ذي بصر وبصيرة.

    وإذا انتقلنا إلى الإجابة على التساؤلات المطروحة آنفاً، فماذا عسانا أنْ نقول؟

    أولاً: ما هو مفهومنا لكلٍّ من التخلف والتقدم، وما علاقتهما بنظامي الحكم المذكورين؟

    بداية يجب الإقرار بأنَّ التخلف والتقدم (سياسياً أو اقتصادياً أو ثقافياً أو غيره)، هما مفهومان تاريخيان باعتبارهما ظاهرتين اجتماعيتين، كما هي حال كلّ الظاهرات الاجتماعية التي تخضع لقانون التطور عند نشأتها وتغيرها واضمحلالها. ولأنهما مفهومان تاريخيان، فهما نسبيان وليس مطلقين. بمعنى أن ما نراه متخلفاً، قد يراه الآخرون متطوراً أو متقدماً، والعكس صحيح. وما كنا نراه متخلفاً في الماضي البعيد، قد نراه متقدماً في الوقت الراهن. يعني أنَّ الأمر هنا في مجمله نسبي، إذا نُظر إليه من أشخاص مختلـفين، وزوايا مختلفة، وأزمنة متباعدة.

    وعلى هذا الأساس، فمن غير المنصف أنْ تتم المقارنة بين ما نحن فيه الآن، أي في عهد الجمهورية، وبعد 42 عاماً، وبين ما كان فيه أولئك الناس في عهد الإمامة، أي قبل 42 عاماً. و الصحيح هو أنْ نقارن بين أشياء متجاورة في الزمن، أو متشابهة في الشكل والمضمون، كالمقارنة بين نظام الإمامة ونظام المملكة العربية السعودية عشية سقوط الأول، مع علمنا بتفاوت الموارد الاقتصادية لصالح الثاني. كما أنه من الصحيح كذلك أنْ نقارن واقع نظام الجمهورية اليمنية (الحكم الجمهوري) حالياً، مع الأنظمة المجاورة له، مثل المملكة العربية السعودية والبلدان الخليجية، مع علمنا بأنَّ جميع هذه البلدان متقاربة من حيث مواردها الاقتصادية. ومع ذلك نجد أنَّ استفادة المجتمع من موارده الاقتصادية في الجمهورية اليمنية محدودة، بينما نجد الاستفادة في البلدان الأخرى ملموسة. والسبب يعود في الأساس إلى عبث السلطة الحاكمة بهذه الموارد لصالحها الخاص.

    وبهدف إخفاء نظامنا السياسي الحالي لهذه الحقيقة، نراه يستميت كثيراً، ويقـف مطولاً عند المقارنة بين واقع حالنا في الجمهورية اليمنية مع واقع الحال في «المملكة اليمنية المتوكلية»، برغم أنَّ الزمن الفاصل بين الحكمين يقدر بنحو 42 عاماً. كما أنَّ المتوافر اليوم من الموارد الاقتصادية، لا يمكن مقارنتها بذلك العهد. ولذلك فإنَّ المقارنة التي يعقدها القائمون على النظام السياسي الحالي، تمثِّل حالة خداع وتضليل فاشلين للمجتمع لواقعهم السيئ المعاش، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

    ولذا فإنه من المفيد والواقعي محاكمة مفهومي «التخلف» و«التقدم» بالارتباط بالحالة التاريخية، والإمكانات الاقتصادية المتوافرة لكلٍّ من النظامين الخاضعين للدراسة (الإمامة و الجمهوري)، وفي الزمن الخاص بهما.

    ثانياً: ما مدى انسجام كلٌّ من شكلي الحكم (الإمامة والجمهوري) مع جوهرهما أو مضمونهما؟

    إذا عدنا إلى التاريخ غير المختلف عليه، نجد أنَّ حكم الإمامة يعود تأسيسه إلى محمد بن يحيى بن محمد بن حميد الدين (1839 ـ 1904م)، وهو بحسب الموسوعة اليمنية (حفيد من الجيل الثامن من فروع أئمة بيت القاسم بن محمد)، وهو والد ومؤسس حكم بيت حميد الدين. وهو الذي أعلن الثورة على الأتراك، وقاد حرب عصابات عليهم، وتمكن من الاستيلاء على كثير من الحاميات التركية في المناطق الشمالية، التي كونت فيما بعد المملكة اليمنية المتوكلية.

    أما الإمام يحيى بن محمد بن يحيى حميد الدين (1869 - 1948م)، فهو ملك اليمن، وهو الإمام المتوكل على الله . وبحسب الموسوعة ذاتها، فقد شارك والده في قيادة الثورة على الأتراك، وبويع بالإمامة بعد وفاة أبيه المنصور في أبريل 1904م. وقد أسرع إلى إعلان الثورة على الأتراك، وحاصر صنعاء . وقد عـقـد (صلح دعَّان) مع الأتراك، الذي بموجبه خرج الأتراك من اليمن (المناطق الشمالية) في عام 1911م. وقد تولى الحكم بعده، ابنه الإمام الناصر لدين الله أحمد بن يحيى بن محمد بن يحيى حميد الدين (1895- 1962م)، عقب مقتل والده (الإمام يحيى حميد الدين) في 17 فبراير 1948م، إثر قيام ما أُطلق عليها بالثورة الدستورية. وقد توفي الإمام أحمد في 19 سبتمبر 1962م، وخلفه ولده الإمام البدر في الحكم لمدة أسبوع فـقط، حيث أُطيح به بواسطة انقلاب عسكري في 26 سبتمبر 1962م . وقد تمكَّـن من الخروج إلى خارج حدود البلاد.

    مما تقدم يمكننا استخلاص الحقائق الآتية:

    1- إنَّ جذور آل حميد الدين قوية بالواقع الاجتماعي الذي وجدت وعاشت فيه (المناطق الشمالية). وقد امتلكت شخصياتها الأساسية، سماتها الكاريزمية (الزعامة) دينياً وعسكرياً وسياسياً.

    2- يجب التذكير بأنَّ خروج الاستعمار التركي من المناطق الشمالية، قد تمَّ أساساً بفعل المقاومة المسلحة التي قامت هناك بقيادة آل حميد الدين.

    3- إنَّ المقاومة العسكرية التي قادها آل حميد الدين ضد الأتراك، هي في المقام الأول عمل سياسي، يحمل في مضمونه هدفاً استراتيجياً كبيراً، تحدد في حينه بتحرير البلاد من الوجود التركي، ومن اجل قيام كيان وطني. أي تكوين دولة يمنية مستقلة.

    4- إنَّ حكم الإمامة في كل مراحله، كان وطنياً وغير مستعد للتنازل عن أية مساحة مما كان يعتبره اليمن الطبيعية من وجهة نظره، أكان عن مناطق (عسير ونجران وجيزان) التي احتلتها السعودية في حرب عام 1934م، أو مناطق الجنوب الواقعة تحت الحكم البريطاني . وحتى عندما لجأ الإمام محمد البدر إلى السعودية بفعل انقلاب سبتمبر 1962م، فإنه لم يقبل عرض السعوديين بتقديم الدعم له، وإعادة عرشه له مقابل التنازل عن تلك المناطق المذكورة سابقاً.

    5- إن نعت حكم الإمامة بالانعزالية عن العالم الخارجي، قولٌ يفتقـر إلى الحكمة والواقعية، وهذه هي الأسباب:

    - إن هذا الحكم يصدر منا نحن الذين نعيش في عالم مترابط، بينما نظام الإمامة وجد في مجمله في زمن يتسم بالانعزالية والرتابة في العلاقات الدولية أحياناً، والصراع بين القوى الدولية الكبرى، وتقاسم الدول الصغرى فيما بينها أحياناً أخرى. ومعلوم أن النظام إلامامي كان ينزع إلى الاستقلالية في الغالب.

    - ومع ذلك، فقد كانت لذلك الحكم تجارب مهمة في إطار العلاقات الإقليمية والدولية، مثل توقيع الإمام أحمد مع الرئيس جمال عبد الناصر والملك سعود في 28 أبريل 1956م (ميثاق جده) كحلف ثلاثي ضد (حلف بغداد) الاستعماري . ويعتبر ذلك خطوة جريئة ومتقدمة من نظام الإمامة بمقياس ذلك الزمن. كما أقام ذلك الحكم علاقات دبلوماسية مع العديد من الدول الاشتراكية، مثل الاتحاد السوفيتي والصين وغيرهما من بلدان الكتلة الاشتراكية. وفي 17رمضان 1375هـ / 1958م التحق الإمام أحمد بالوحدة المصرية السورية، عندما وقع ابنه محمد البدر ميثاق الاتحاد الثلاثي، الذي ما لبث أنْ حُـلَّ في 27 ديسمبر 1961م إثر أرجوزة الإمام أحمد الشهيرة ضد الاشتراكية.

    6- نستخلص من كلِّ ما تقدم، أنَّ الإمامة كنظام سياسي كان على المستوى العام والخاص منسجماً مع جوهره ومضمونه. فشرعية الكيان السياسي (الدولة) هنا، تأسست بفعـل مواهب وإبداعات وتضحيات أسرة آل حميد، حيث تولَّد كيان المملكة اليمنية المتوكلية بفعل المقاومة الشعـبية الباسلة للوجود التركي، وانهزام الأتراك وخروجهم من المنطقة. كما تأكدت هذه الشرعية من خلال أسلوب المبايعة من أغلبية المواطنين، الممثلين بوساطة النخب الدينية والقبلية، وهو يماثل أسلوب الانتخابات حالياً، أو ما يطلق عليه بالشورى. أضف إلى ذلك أنَّ شكل الأنظمة الجمهوريةٍ لم يكن معروفاً حينئذٍ.

    وتأسيساً على ذلك فإنَّ نشوء كيان ملكي وراثي، يعد منسجماً مع قانون التطور وقتها. ومعلوم أنَّ حكم الإمامة قد ارتكز أساساً على الإيديولوجية الدينية، حيث استمد مجمل تشريعاته الدينية والدنيوية من العقيدة الإسلامية.

    وإذا انتقلنا إلى النظام الجمهوري وشرعيته في الحكم، فإنَّ الوقائع تفشي بما يلي:

    1- معلوم بأنَّ الحكم الجمهوري قد نشأ بفعل انقلاب عسكري، نفذه مجموعة من ضبَّاط الجيش الإمامي. وهناك تباينات كثيرة بصدد الهوية السياسية والفكرية لأولئك الضبَّاط. وقد ذهبت العملية إلى حدِّ التشكيك بتلك الهوية. والذي رسَّخ من تلك الشكوك، انفلاش تنظيم الضبَّاط الأحرار بعد فترة قصيرة جداّ من قيام انقلابهم العسكري، واغتيال ما يعتقد أنهم الرموز القيادية لذلك التنظيم. ومقابل ما هو متوافر لدينا من تراثٍ مكتوب عن حكم الإمامة، فإنَّ ما هو متوافر لدينا عن حركة انقلاب 26 سبتمبر، وتنظيم الضبَّاط الأحرار)، ليس سوى مجموعة الأحاديث الصحفية والإذاعية من أولئك الذين قيل أن لهم علاقة بذلك التنظيم، أو بما حدث في يوم 26 سبتمبر 1962م، أو في اللحظات التي سبقته أو تلته بلحظات.

    2- إنَّ الشرعية السياسية والقانونية والشعـبية للحكم الجديد (الجمهوري)، قد واجهت مقاومة كبيرة منذ اللحظات الأولى لبزوغه، كادت أنْ تؤدي إلى سقوطه مباشرة، وعودة نظام الإمامة لولا التدخل العسكري المباشر من مصر. وبرغم الوجود المصري الكثيف في اليمن، إلاَّ أنَّ سيطرة وسيادة الحكم لم يشمل كلَّ تراب ما كان يُطلق عليه بـ (الجمهورية العربية اليمنية)، أي أنَّ كيان الدولة الجديد كان موزعاً بين النظامين الملكي (الإمامة) والجمهوري، تراباً وشعباً وإرادةً. وما يُحكى عن سنوات الوجود العسكري المصري يمثل حالة بشعة . وقد استمر الوضع على حاله حتى المصالحة الوطنية بين الملكيين والجمهوريين. وبعكس ذلك فإنَّ شرعية نظام الإمامة لم تقابل هذه المعضلة، على الأقـل عند نشوئه. كما كانت شعبية نظام الإمامة غير مشكوك فيها، وقد برهنت أحداث 1948م و 1955م على صحة ذلك، حيث كانت الحركة الشعبية أحد العوامل الرئيسة لفشل ذلكما الانقلابين ضد حكم الإمامة.

    3- عرفنا أنَّ حكم الإمامة كان صلباً بصدد السيادة الوطنية. فكان يرفض التنازل عـن أية مساحة من التراب الوطني. أما الحكم الجمهوري فقد وضع هذه السيادة على طاولة المساومة . وإذا كان القاضي عبدالله الحجري (رئيس وزراء أسبق في نظام الجمهورية العربية اليمنية)، قد فقد حياته عندما تجرأ فقط على تجديد العمل باتفاقية 1934م بين اليمن والسعودية فيما يخص المناطق الثلاث المحتلة، فإنَّ السلطة الحالية للـنظام الجـمهوري، قد أقدمت على التنازل الكلي عن هذه المناطق لصالح المملكة، بالإضافة إلى منطقة الربع الخالي الواسعة والغـنية، وذلك بمـوجب اتفـاقية الترسيم بين البلدين في(12/6/2000م)، كما تم التنازل عـن بعض جزر حنيش لصالح إريتريا بموجب حكم المحكمة الدولية، برغم أنَّ هذه الجزر قد اُحتلت عسكرياً من قبل إريتريا.

    4- عرفنا أنَّ نظام الإمامة باعتباره حكماً ملكياً، كان منسجماً تماماً مع مضمونه من حيث تمسكـه بأسلوب التوريث. إلاَّ أنَّ المسألة تختلف جذرياً بالنسبة للحكم الجمهوري. والقصة تبدأ من إدعاء الذين يدعون الانتماء إلى النظام الجديد، بأنهم جاءوا من الشعب، وأنهم يحكمون باسمه ومن أجله. ولكـن تاريخ الحكم الجمهوري منذ اليوم الأول في 26 سبتمبر 1962م وحتى اللحظة، قد بينت درجة الانفصام لهذا الحكم مع مضمونه، باعتباره (حكماً شعبياً وديمقراطياً). ويمكن توضيح ذلك من خلال الآتي:

    * بعد قيام الحكم الجمهوري (الجمهورية العربية اليمنية) في سبتمبر 1962م، برزت تيارات سياسية وحزبية ذات رؤى أيديولوجية وفكرية مختلفة (حركة القوميين العرب والبعـثيين والناصريين والشيوعيين والتيار الإسلامي). وكانت هذه التيارات تستمد وجودها وتأثيرها وقوتها من قواعدها التنظيمية والشعبية في المؤسسة العسكرية وقطاعي الطلاب والمثقفين، وخاصة العائدين من بعض البلدان العربية (مصر وسوريا والعراق).

    ولسنا الآن بصدد كتابة تاريخ الحركة السياسية في الجمهورية العربية اليمنية،لأنَّ ذلك يقع خارج نطاق موضوعنا هذا. ولكن من الضروري التأكيد بأنَّ الممارسة السياسية لهذه الأحزاب المذكورة، لم تكن مقننة أو شرعية. بمعنى أنها لا تخضع لقانون الأحزاب مثلاً، لعدم وجود مثل هذا القانون. وقد استمرت الوضعية حتى قيام دولة الجمهورية اليمنية في مايو 1990م..

    وبسبب الحالة الاستبدادية للحكم الجمهوري والافتقار للقانون، فقد تعرضت الحركة السياسية المعارضة لأنواع مختلفة من القمع والاضطهاد (اعتقالات، سجن، تعذيب، تصفيات جسدية، محاكمات صورية، إعدا مات). وقد تمَّ كلُّ ذلك خارج نطاق القانون. ومرة أخرى لسنا هنا بصدد تقديم جرد مفصل بكلِّ حالات القمع تلك. وهي بلا شك كثيرة ومأساوية. كما لا ننسى بأنَّ المحسوبين على حكم الإمامة، قد تعرضوا لأقسى أنواع الظلم والقهر من الحكم الجمهوري، منذ مجيئه وحتى اللحظة. ومع أنَّ اتفاقية الوحدة قد أكدت على أنَّ الوحدة تجبُّ ما قبلها، وتغفر كلَّ الأخطاء السياسية السابقة لها، إلاَّ أنَّ هذا العفو أو الغفران لم يشمل سوى السلاطين (حكام الجنوب سابقاً)، وبقي المحسوبون على الملكيين (حكام الشمال سابقاً) مستثنين من العفو. ليس كذلك فحسب، بل وازداد تعنت السلطة ضدهم. وفي الوقت الذي استرجع السلاطين أملاكهم في الجنوب، فإنَّ الملكيين لم يتمكنوا من استعادة أملاكهم المصادرة والمؤممة، ولم يستعيدوا حتى حريتهم التي وهبها الله لهم. والسبب واضح لكلِّ من يملك قدراً متواضعاً من الفهم. ومعلوم بانَّ هناك فرقاً شاسعاً بين التاريخين السياسيين لكلِّ من الملكيين والسلاطين. فالملكيون كانوا أسياد وطن، أما الآخرون فكانوا بائعي وطن. والتاريخ الحديث لليمن شاهد على ذلك.

    * منذ قيام الحكم الجمهوري (سبتمبر 1962م) حتى قيام الوحدة (مايو1990م)، كان هذا الحكم ممثلاً بالجمهورية العربية اليمنية موجوداً خارج القانون أو بدونه. وطوال الفترة قيد الدراسة شهد الحكم أنواعاً مختلفة من الدساتير، مثل الإعلانات الدستورية والدستور المؤقت والدستور الدائم. كما افتقر للقوانين الخاصة بتنظيم الحياة السياسية وكذا القوانين التي تنظم السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وتحدد العلاقة بينها. وقد أفرزت هذه الوضعية نتائج سلبية على الحقوق السياسية للمواطنين. فعدم استقلالية القضاء في كل الأحوال، وعدم وجود مؤسسات قضائية في أكثر الأحيان، أدى إلى فقدان الكثير من المواطنين لأرواحهم، كما قُيدت حرية الكثيرين بدخولهم السجون دون محاكمات، أو أنها كانت صورية. وكان الملكيون والمحسوبون عليهم أكثر من تعرضوا لمثل تلك المأساة . ومن المؤسف له أنهم ما زالوا يعانون.

    * وبالارتباط بادعاء الحكم الجمهوري بأنه من الشعب، ومن أجل الشعب، فكان حريِّاً به أنْ يطلق العنان للشعب ممارسة حقوقه السياسية والديمقراطية. ومن التجربة والممارسة الملموستين للحكم الجمهوري، فإنَّ نظام الجمهورية العربية اليمنية ومنذ قيامه وحتى عشية قيام دولة الوحدة، لم يعرف خبرة الممارسة النيابية ممثلة بالانتخابات البرلمانية أو المحليات أو انتخاب رئيس الدولة إلا في العام (1988م).. فجميع الرموز التي تولت رئاسة الدولة منذ (انقلاب سبتمبر 1962م)، وصلت إلى السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية الدموية وغير الدموية.. إلاَّ أنَّ مضمونها واحد، وهي أنها غير ديمقراطية. أي أنها لم تعبِّر عن الإرادة الشعبية.

    * وبالارتباط بادعاء الحكم الجمهوري بأنه من الشعب، ومن أجـل الشعب، فكان حرياً بهذا الحكم أنْ يتخلص من أسلوب احتكار السلطة، وتكريس أسلوب التداول السلمي للسلطة.إلاَّ أنه على امتداد التجربة التاريخية للحكم الجمهوري منذ سبتمبر 1962م وحتى اللحظة، لم نشاهد سوى سلطات استبدادية متعاقبة. كما زاد الطين بلة حرص السلطة الحاكمة حالياً، تهيئة الظروف كافة باتجاه تحويل الحكم إلى جمهورية وراثية.
    منقول من صحيفة الوسط
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-11-24
  3. ولــ الحسن ــد

    ولــ الحسن ــد عضو

    التسجيل :
    ‏2005-08-20
    المشاركات:
    38
    الإعجاب :
    0
    دراسة تكشف حقائق مغيبة الجمهورية أم الملكية.. وقيمة الحكم بينهما

    (الحلقة الثانية)
    التاريخ: الأربعاء 23 نوفمبر 2005



    د. سعـودي علي عبيد

    (إن السلطة بلا عدالة، هي سرقة كبرى) سانت أوغيس

    يحرص القائمون على النظام السياسي في بلادنا،إلى حدِّ الهوس على التمسك بالشكل الجمهوري للحكم والإطراء عليه، ولعن الشكل الملكي للحكم والصاق مختلف الألفاظ القذرة به. وفي هذين الموقفين المتضادين،لا يهتم المستفيدون من النظام السياسي الحالي بجوهر شكلي الحكم(الجمهوري والملكي)، ويقتصر الاهتمام بالمظهر الخارجي لهما فقط.

    وقبل الخوض في هذا الموضوع، أريد أن أنبه القارئ الكريم، أن مهمتي هنا لا تذهب إلى المفاضلة بين شكلي الحكم هذين، أو حتى التشيُّع لأحدهما على حساب الآءخر، ولكن هدفي من بحث هذه المسألة هو تفنيد وكشف الأسباب الحقيقية لموقف السلطة الحاكمة، المتمثل في حماسها للجمهورية، وتشويهها للملكية، أي نظام الإمامة.




    وتلخيصاً لما سبق، نجد أنَّ الحكم الجمهوري ومنذ قيامه، لم يكن في أية لحظة منسجماً مع مضمونه وجوهره. أي أنه لم يكن ديمقراطياً، ولم يكن من الشعب ولا من أجله، بل كان استبدادياً على طول الخط، وفوق ذلك كله فهو ينزع نحو توريث الحكم.

    ثالثاً: ما هو مستوى تحقيق نظامي الحكم (الملكي والجمهوري) لأهدافهما المعـلنة؟

    من المؤكد بأنَّ نظامي الإمامة والجمهورية كانا قبل تحققهما على الواقع، بمثابة مشروعين للحكم. وقد تمثَّل المشروع الأول في ثورة آل حميد الدين ضد الوجود التركي في المناطق الشمالية من اليمن. أما المشروع الثاني فتمثَّل في انقلاب الضبَّاط الأحرار ضد حكم الإمامة في المناطق الشمالية ذاتها. ومن المؤكد أيضاً بأنَّ لكلِّ ثورة من هاتين الثورتين المذكورتين أهدافاً محددة،يتم التعبير عنها بوسائل مختلفة.

    وفيما يختص بأهداف ثورة الإمامة ضد الاستعمار التركي، فإنَّ الوقائع التاريخية تبرز لنا تواضع تلك الأهداف المعلنة من قادة تلك الثورة، أي أُسرة آل حميد الدين. حيث يمكننا حصر تلك الأهداف على النحو الآتي:

    1- تحرير المناطق التي كانت خاضعة للسيطرة التركية، أي الحصول على الاستقلال الوطني.

    2- إقامة حكم وطني بدلاً من الحكم الأجنبي.

    3- تأسيس حكم ملكي وراثي لأسرة أل حميد الدين، يستند على الأيديولوجية الدينية المؤسسة على المذهب الزيدي.

    ومع أننا لسنا في حالة كشف حساب لحكم الإمامة حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م، إلاَّ أنَّ ضرورة الدراسة تتطلب وضع مجموعة من الملاحظات الهامة، فيما يخص هذه المسألة:

    1- من الواضح بأنَّ الثورات التي حدثت بداية القرن العشرين، كانت في الأساس محصورة في أهداف سياسية، ولم تحمل في أحشائها أهدافاً اجتماعية واقتصادية ذات أهمية، كما تبلورت لاحقاً، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. ولذلك لا غرو إذا قلنا إنَّ ثورة الإمامة قد حققت هدفها الرئيس الذي رسمته لنفسها، المتمثل في إقامة كيان سياسي، أي دولة وطنية.

    2- كما أنَّ النظم الجمهورية لم تكن مشاعة حينها، ولذلك ليس مستغرباً ولا ابتداعاً أنْ يقوم كيان المملكة اليمنية المتوكلية على الأراضي المحررة من الاستعمار التركي، وهي نتيجة لا تتعارض مع منطق التطورات التاريخية حينئذٍ . وتتأكد لنا هذه الحقيقة، عندما نتذكر أنَّ الحركات السياسية اللاحقة المناوئة لحكم الإمامة، كان أقصى ما طالبت به هو وضع دستور للبلاد، وليس تغيير شكل الحكم من الملكية إلى الجمهورية.

    أما فيما يخص أهداف ثورة 26 سبتمبر، فالمسألة تظهر مختلفة تماماً. ويكمن وجه الاختلاف أولاً وقبل كلّ شيء من حيث المدلول اللغوي لمفهوم «الثورة» التي تعني أنها «تغيير أساسي في الأوضاع السياسية والاجتماعية، يقوم به الشعب في دولة ما». وفي هذا السياق لخص قادة هذه الثورة أهدافها بما أُطلق عليها منذ الأيام الأولى لهذه الثورة بـ«الأهداف الستة للثورة» والتي حرصت كل السلطات المتعاقبة على الحكم في الجمهورية العربية اليمنية بتثبيتها في أعلى ترويسة صحفها الحكومية، وما زالت كذلك برغم مرور أكثر من 42 عاماً على ذلك اليوم. وبرغم عملية التزوير التي تعرضت لها هذه الأهداف الستة. وهذا ما سيتضح لنا لاحقاً.

    وقبل الانتقال إلى معرفة الكيفية والدرجة التي تحققـت بهما هذه الأهداف على مدى 42 عاماً، هو عمر هذه الثورة، نجد أنه من الضروري تذكير القارئ الكريم بهذه الأهداف الستة:

    1- التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات.

    2- بناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكتسباتها.

    3- رفع مستوى الشعب اقتصادياً واجتماعياًُ وسياسياً وثقافياً.

    4- إنشاء مجتمع ديمقراطي تعاوني عادل مستمد أنظمته من روح الإسلام الحنيف.

    5- العمل على تحقيق الوحدة في نطاق الوحدة العربية الشاملة.

    6- احترام مواثيق الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، والتمسك بمبدأ الحياد الإيجابي وعدم الانحياز، والعمل على إقرار السلام العالمي، وتدعيم مبدأ التعايش السلمي بين الأمم.

    وبعد أنْ تعرفنا على الأهداف، لنرى كيف تحققت هذه الأهداف في الواقع؟



    الهدف الأول:

    بالنسبة لهذا الهدف نجد الآتي:

    1- صحيح أنه بقيام انقلاب 26سبتمبر، يكون الشعب قد تخلص من استبداد، ولكن الأفضع والأدهى أنه قد تم

    رؤساء المرحلة الأولى لم يجيروا السلطة لصالحهم ولأفراد أسرهم ولم يستحوذوا على أموال الدولة...



    التخلص من استبداد مبسَّط إلى استبداد مركَّب. أي الانتقال من استبداد حاكم أوحد هو الإمام، الذي كان يمسك بمقود الإدارتين المدنية والدينية،إلى استبداد أسرة استطاعت أنْ تغتصب وتتملك وتستحوذ على ثروة البلاد ومقاليد الحكم كافة.

    2- وصحيح أننا في الجنوب قد تخلصنا من استعمار خارجي، ولكننا وقعنا في براثن استعمار داخلي أقسى وأشرس.

    3- وصحيح أنه في مكان المملكة اليمنية المتوكلية، تم إقامة الجمهورية العربية اليمنية. ولكن من المؤسف أنَّ هذا الحكم الجمهوري لم يكن عادلاً منذ لحظة قيامه حتى اليوم. وإذا تركنا كلَّ أنواع الظلم التي مارسها النظام الجمهوري على هذا الشعب، وركزنا فقط على المعارك العسكرية العنيفة التي خاضها هذا النظام ضد هذا الشعب بدءاً مما أُطلق عليها حرب الجمهورية ضد الملكيين، ومروراً بالحملات العسكرية التدميرية ضد مواطني ومناوئي السلطة في المناطق الوسطى في الشمال في سبعينيات القرن الماضي، وكذا حرب الاستيلاء على الجنوب في صيف 1994م، وانتهاءً بحرب السلطة ضد مواطني صعدة، فإنه يحق لنا أنْ نتصور حجم الضحايا البشرية الناتجة عن كل هذه الأحداث، ناهيك عن الآثار المادية والنفسية.

    4- وفيما يخص هدف إزالة الفوارق والتمايزات بين الطبقات، فإنَّ الواقع الراهـن يدحض ذلك بقوة، فهناك في المملكة اليمنية المتوكلية لم تكن الفوارق والتمايزات الطبقية ذات الطابع الاقتصادي واضحة، إلاَّ في حدودها الضيقة. ويرجع ذلك إلى مجموعة من الأسباب والعوامل، أهمها: ضعف الموارد الاقتصادية للدولة والمجتمع، والضعف الكبير للادخار العام والخاص، مما يعني انعدام الاستثمار بنوعيه العام والخاص والداخلي والخارجي، والذي يعني في المحصلة الأخيرة عدم وجود تنمية اقتصادية واجتماعية. كما أنَّ الاقتصاد كان قائماً على الزراعة في حالتها المتخلفة.

    ومعلوم أنَّ الإمام لم يكن يفرِّق بين مال الدولة وماله الخاص، إلاَّ أنه في الوقـت ذاته لم يعمل على الاستحواذ على مال الدولة لصالحه الشخصي ولعائلته. والدليل على ذلك أنَّ النظام الجديد (الجمهوري) لم يجد أموالاً مودعة في البنوك الأجنبية لصالح أسرة آل حميد الدين بعد سقوط نظامهم. ومع كلِّ ما يقوله مناوئو نظام الإمامة حول مساوئ هذا النظام، إلاَّ أنهم لا يستطيعون أنْ ينكروا السلوك الإيجابي لهذا الإمام أو ذاك تجاه أولئك المتلاعبين بمال المسلمين، بحسب منطق أولئك الأئمة، حتى لو كان بينهم واحد من سيوف الإسلام (= أبناء الإمام).

    وفي السياق نفسه، كيف نرى الفوارق والتمايزات الطبقية في العهد الجمهوري؟

    يمكننا القـول بأنَّ هذه العملية، قد مرت بثلاث مراحل. اثنتان منها أساسيتان:

    الأولى: وهي أساسية، وتمتد من الأيام الأولى لقيام الجمهورية حتى نهاية حكم الشهيد إبراهيم الحمدي. وفيها، فإنَّ المجتمع لم يختلف كثيراً عـن المجتمع السابق (مجتمع الإمامة) من حيث تركيبته والموارد المتراكمة، وبالتالي توزُّع هذه الموارد بين الفئات الاجتماعية (الطبقية)، وحتى الرؤساء المتعاقبين على حكم تلك الفترة أو العناصر الرئيسة المرتبطة بهم، لم نجد أنها استحوذت على مقدرات البلد وخيراته. ولم يمتلكوا قصوراً خاصة بحكم مواقعهم الهامة تلك.

    الثانية: وهي الفترة التي حكم فيها الرئيس أحمد الغشمي، وهي مرحلة غير أساسية، بسبب قصر حكمه، ولأنها لم تُختبر على صعيد هذه المسألة. ولهذا السبب يمكننا أنْ نتجاوزها إلى ما بعدها.

    الثالثة: وهي المرحلة الأساسية الثانية، وهي المرحلة الحالية، والتي تبدأ باستيلاء على عبدالله صالح على الحكم في 17 يوليو 1978م. وهي مرحلة بشعة بكلِّ المقاييس فيما يخص هذه المسألة (الفوارق والتمايزات الطبقية). ومع أنَّ القارئ لا يحتاج إلى من يدله على هذه الحقيقة، إلاَّ أنَّ مقتضيات البحث تتطلب تناول المسألة:

    1- في المرحلة الأولى، لم يعمل كلٌّ من الرؤساء الثلاثة (السلال والإرياني والحمدي) على تحويل السلطة إلى مِلكية شخصية،أي ما يُطلق عليها بشخصنة السلطة، بل كان كلُّ واحدٍ منهم مشغولاً بمجموعة هائلة من المشكلات التي تواجه فترة حكمه. أما اليوم في ظل سلطة علي عبدالله صالح، فإنَّ كلَّ شيء في هذه الدولة قد تمَّ تحويله إلى ملكية خاصة له ولأسرته، بما فيها نحن المواطنين.

    2- وفي المرحلة الأولى، لم نلاحظ أنّ الرؤساء الثلاثة قد جيروا السلطة لصالحهم ولأفراد أسرهم، أو أنهم استحوذوا على أموال الدولة. وبعكس ذلك تماماً، نجد أنَّ ما يحدث اليوم في المرحلة الثالثة، يتسم بالشناعة والفظاعة . فقد توفي السلال والإرياني والحمدي، ولم يتركوا قصوراً بأسمائهم، أما علي عبدالله صالح فقد امتلك القصور الفخمة في كلِّ مكان على امتداد الجمهورية، ناهيك عن الفـلل المحشورة في الشوارع والحارات والمجمعات السكـنية. وناهيك كذلك عن القصور التي يمتلكها أفراد أسرته وحاشيته. ومن المؤكـد بأنَّ كلَّ ما ذكرناه هو من مال الدولة وثروات المجتمع، ولأنَّ رئيس الدولة ببساطة، وبحسب المفهوم العلمي للدولة هو أحد موظفي هذه الدولة، وعلى هذا الأساس فهو يتحصل على مرتب محدد.

    لم نسمع أنَّ الرؤساء الثلاثة قد سهلّوا لأنفسهم أو لأفراد أسرهم، الاستحواذ على مؤسسات الدولة أو الحصول على مقاولات أو تأسيس شركات. أما ما نراه اليوم فهي الفظاعة والفساد في أسوأ درجاتهما، حيث تحولت الدولة إلى شركة أو مؤسسة خاصة للرئيس وأسرته. والشواهد على ذلك كثيرة جداً، وأبسطها: مؤسسات الاتصالات، وشركات الاستيراد والتصدير، والمؤسسات المتخصصة بشراء وحلج وتصدير القطن، برغم وجود مؤسسة حكومية متخصصة بذلك، هي «هيئة تطوير دلتا أبين» ومثلها في دلتا تبن. أضف إلى ذلك الشركات العاملة في مجال النفـط والغاز، كما لا ننسى تلك المزارع الحديثة التي تم الاستيلاء عليها في زبيد وأبين. وهذا ليس سوى غيض من فيض.

    كما لا نستطيع أنْ ننكر أن هناك فساداً في المرحلة الأولى. ولكنه فساد متوارث، كانت السلطات المتعاقبة على تلك المرحلة تحاول أنْ تحد من آثاره على أقل تقدير. أضف إلى ذلك أنَّ الرؤساء الثلاثة(السلال والإرياني والحمدي) كانوا بمنأى عن ذلك الفساد، وكانوا نظيفي الأيادي والذمة. وتوفاهم الله وهم كذلك. أما واقع الفساد في المرحلة الثالثة(مرحلة علي عبدالله صالح)، فالحالة معقدة للغاية. فالسلطة الحالية هي التي تعمل على إنتاج الفساد وإعادة إنتاجه في كلِّ لحظة . فالفساد بنوعيه: السياسي والإداري متغلغـل في كلِّ مفاصل الحياة والمجتمع. والسلطة فاسدة من أعلى مرتبة حتى أسفلها. كما أنَّ الفساد قد طال كلَّ مؤسسات الدولة، بما في ذلك مؤسسة القضاء.

    وبفعل عوامل كثيرة، مثل فساد النظام السياسي وسوء استخدام السلطة والاستحواذ على ثروات البلاد بطرق غير مشروعة، وتحويل السلطة إلى ملكية خاصة، صارت الفوارق والتمايزات الطبقية كبيرة وواسعة أفقياً ورأسياً، وصارت هناك حفنة صغيرة من الأثرياء وأكثرية ساحقة من الفقراء.



    السلطة في المرحلة الثالثة تعمل على انتاج الفساد بنوعيه السياسي والاداري وتعمل على انتاجه في كل لحظة...



    وبصدد هذه المسألة، فقد تحدثت الكثير من الدراسات عن واقع الفقر في الجمهورية اليمنية، واتساع الهوة في المجتمع. فبالعودة إلى مسحي ميزانية الأسرة لعامي 1992م و1998م، فقد تبين أنَّ نسبة الذين يعانون من الفقر الحاد(فقر الغذاء) قد ازدادت من 9% من إجمالي سكان عام 1992م إلى 17,5% في عام 1998م. وتبدو

    الصورة أكثر قتامة إذا استخدمنا مقياس الفقر المطلق(خط الفقر الأعلى أو الفقر البشري)، حيث ارتفعت هذه النسبة من 19% إلى 41,8% للفترة نفسها. ومن المعلوم أنَّ هذه النسب تعكس خطورة أوضاع معيشة حوالي 6,9 مليون مواطن يعانون من الفقر وأبعاده المختلفة. كما تبين أنَّ أكثر من 80% من الفقراء يتمركزون في الريف، و19,9% في الحضر، وذلك نظراً لأنَّ سكان الريف يمثلون نحو أكثر من 70% من إجمالي عدد سكان الجمهورية. كما تبين أنَّ نسبة الأسر الفقيرة فـقـراً حاداً، التي ترأسها امرأة تـبلغ نحـو 30,7%، مقابل 24,1% للأسر التي يكون فيها ربُّ الأسرة ذكراً. أما فيما يخص نسبة الفقر البشري فهي 34% للأسر التي يكون فيها ربُّ الأسرة أنثى، مقابل 32,2% للأسر التي يعولها ذكور.

    كما تزداد الفوارق والتمايزات الطبقية اتساعاً، عندما نجد أنَّ 20% من سكان الجمهورية، وهم الأقل دخلاً، تحصل

    فقط على 6% من إجمالي الدخل على مستوى الجمهورية، بينما يستحوذ 20% من سكان الجمهورية، وهم الأكثر دخلاً على حوالي 49% من إجمالي الدخل على مستوى الجمهورية . كما توضح هذه المؤشرات الإحصائية أنَّ 50% من الأفراد الأقل دخلاً تحصل على 22,5% من الـدخل، بينما تستحوذ الـ 50% الأخرى من السكان على 77,5% من إجمالي الدخل في الجمهورية.



    الهدف الثاني:

    وبالنسبة للهدف الثاني الخاص (ببناء جيش وطني قوي لحماية البلاد وحراسة الثورة ومكتسباتها)، فإنَّ الواقع يظهر لنا أنَّ هذه المؤسسة ومنذ قيام الثورة في 26 سبتمبر 1962م، قد اتسمت بعدد من الصفات، وهي:

    1- لم يكن جيش النظام الجمهوري قوياً في أي يوم، والدليل على ذلك بكلِّ بساطة عدم قدرته على الدفاع عن الثورة والنظام الجديد. فقد ظل يحارب لسنوات طويلة بالتعاون مع القوات المصرية ضد الملكيين. والفضيحة الكبرى تكمن في وصول الملكيين إلى أبواب صنعاء ومحاصرتها في عام 1968م، وعندما تمَّ فك ذلك الحصار، لم يكن ذلك عائداً إلى قدرة جيش الجمهورية، بل بفعل المقاومة الشعبية. كما لم ينقذ الجمهورية من السقوط إلاَّ التصالح مع الحكومة السعودية وبعض الملكيين. كما أنَّ هذا الجيش لم يثبت جدارته أمام الاعتداءات الخارجية على السيادة الوطنية. وقد هُـزم في معركة بسيطة مع جيش دولة صغيرة وحديثة التكوين، هي إريتريا، عندما استطاعت قوات قليلة العدد من هزيمة جيشنا المدعَّـم بالصواريخ بعيدة المدى، واحتلال جزر حنيش في عام 1995م وفضـلَّت السلطة الذهاب إلى التحكيم الدولي، لكي تحصل على اليسير مما سُلـب من أراضينا.

    2- ومقابل هذا الضعف والفشل، فقد تضخمت هذه المؤسسة العسكرية عددياً، مع أنّ هذا التضخم لا يتناسب مع الأداء الوظيفي الضعيف. كما أننا نشاهد اليوم مؤسسات عسكرية أخرى، كالقوات الخاصة والحرس الجمهوري والأمن المركزي، وقد حُـددت لها وظيفة أساسية، هي حراسة النظام السياسي الحالي من أي تهديد داخلي،بهدف إطالة عمر النظام قدر الإمكان. كما أنّ وجود هذه المؤسسات العسكرية الثلاث، يدلُّ بشكل قاطع على فقدان ثقة الحاكم بالجيش الجمهوري الوطني.

    3- لقد تحولت كلَّ هذه المؤسسات العسكرية (الجيش وملحقاته المذكورة) من مؤسسات وطنية دفاعية، إلى مؤسسات استنزافية لجزء أساسي من الدخـل القومي، حيث شكَّـلت النفقات العسكرية نحو29% من النفقات العامة .

    4- ومثل كلّ شئ في هذا الوطن المستباح، فقد صارت المؤسسات العسكرية والأمنية وفي مقدمتها الجيش الجمهوري ملكية خاصة للحاكم وأسرته.

    5- إنَّ المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية ومجلس الأمن القومي، جميعها صارت لها وظيفة استثنائية واحدة فقط، هي حماية الحاكم من شعبه عوضاً عـن (حماية البلاد وحراسة الثورة ومكتسباتها)، وسبب ذلك أنه لم تعد هناك ثورة ولا توجد ثمة مكتسبات في الأصل.



    رؤساء المرحلة الأولى لم يجيروا السلطة لصالحهم ولأفراد أسرهم ولم يستحوذوا على أموال الدولة...









    أتى هذا المقال من صحيفة الوسط اليمنية
     

مشاركة هذه الصفحة