الإيمان في القرآن الكريم، وانفتاح آياته على الواقع المعاصر.

الكاتب : نبض عدن   المشاهدات : 418   الردود : 4    ‏2005-11-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-24
  1. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    "][GRADE="00008B FF6347 008000 4B0082 B22222"]الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

    لا نزال مع الآيات التي تناولت الذين آمنوا في القرآن الكريم، ومن ميزات هذه الآيات، أنّها تفتح لنا في واقعنا المعاصر آفاقاً في حركتنا ـ كمؤمنين ـ مع الله، ومع أنفسنا، ومع الآخرين من حولنا على المستويات كافّةً.

    تشخيص الأعداء

    يقول الله تعالى في كتابه العزيز: {يا أيُّها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوُّكُم بعد إيمانكم كافرين*وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آياتُ اللّه وفيكم رسولُهُ ومن يعتصم باللّه فقد هُديَ إلى صراطٍ مستقيم} (آل عمران/100ـ101).

    تتعرَّض هاتان الآيتان لمسألة هي من أهمّ المسائل التي يُمكن أن تعترض الإنسان المؤمن في التزاماته، وخصوصاً على المستوى الإيماني الديني؛ حيث يعرض القرآن الكريم لضرورة أن يحذر المؤمنون من كلّ المحاولات التي يقوم بها أعداء دينهم لإضلالهم عنه وحرفهم عن التزامهم، وذلك عن طريق إثارة الرواسب القديمة الكامنة في الأعماق، كالعصبيّة العائليّة والقبليّة والعشائريّة التي تجعل الأساس للعائلة والقبيلة والعشيرة، بحيث يغدو الإسلام مجرّد حالة طارئة لا تمثّل أيّة قوّة ضابطة أو محرّكة للإنسان في الاتجاه السليم.

    وربَّما نجد الكثير من نماذج صانعي الفتن في الواقع الذي يعيشه المسلمون، في ما يريد الكافرون والضالون أن يثيروه بين المسلمين من الخلافات القائمة على العصبية العائلية والقومية والإقليمية والمذهبية، فيعملون على استثارة كلّ عناصر الإثارة في الماضي والحاضر، من أجل خلق حالةٍ نفسية متوترة، توحي بالحقد، وتنذر بالشر، وتقود إلى التصادم والتنازع، في خطّةٍ خبيثةٍ تؤدي إلى تمزّق المسلمين وتفرّقهم، والوصول إلى مواقع الخطر على عزتهم وكرامتهم وأصالتهم الفكرية والاجتماعية والسياسية.

    وفي هذا الجوّ، تتحرّك الآيتان لتفتحا عيون المسلمين، في كلّ زمانٍ ومكان، على أن يحدّدوا أعداءهم في العقيدة والسياسة والاقتصاد والأمن، وفي سائر مجالات الحياة، وأن يتعرّفوا طبيعة مخطّطاتهم، وطبيعة الظروف الموضوعية المتحرّكة على الساحة، ونوعية القوى المحيطة بهم، والأساليب التي تحرّكها لتضليل المسيرة الإسلاميّة، إلى جانب معرفتهم بالأسس التي تحميهم من كلّ هذه المخططات، وذلك بتأكيد نقاط القوّة لتنميتها وتحريكها في خطّ المواجهة الصعبة، ودراسة نقاط الضَّعف لأجل السيطرة عليها، وتحويلها من موقع المعاناة إلى نقاط قوّة، سواء كانت تلك النقاط فكرية أو شعورية أو عملية، ليستطيعوا، من خلال ذلك، الانفتاح على القواعد الثابتة التي تحفظ لهم وحدتهم، وتصون لهم دينهم الحقّ، عندما يعرفون سبيل الاعتصام باللّه الذي يهديهم إلى الصراط المستقيم. وبذلك نعرف أنَّ السذاجة الفكرية، والبساطة العملية، اللتين تدفعان المسلم إلى الاستسلام لخطط العدوّ من خلال الغفلة عن طبيعته، ليستا من خُلق المسلم الذي يريده الإسلام واعياً للحقّ والفكر والطريق والمجتمع الذي من حوله، في كلّ ما لديه من سلبيات وإيجابيات.

    هذا الأمر يفترض أن يتحرك المسلمون للارتفاع، في كلّ زمن، إلى مستوى المرحلة التاريخية للأمّة، التي تفرض علينا التحرّك في خطّ الوعي الذي يرصد القوى المختلفة، لئلا يختلط علينا الأعداء بالأصدقاء، على أساس انفعالٍ طارئ، أو مشاعر حادّة، أو نظرة خاطئة في تقييم الواقع والنّاس.

    {يا أيُّها الذين آمنوا} باللّه ورسوله، فعاش الإيمان في وجدانهم فكراً وعقيدةً ومفاهيم منفتحة على اللّه والإنسان والكون والحياة، وتَحرَّك في قلوبهم عاطفةً متصلة بالمشاعر الروحية الخيّرة في حركتها في الجانب الإنساني من علاقة الإنسان المسلم بالآخرين، وانطلق في سلوكهم حركةً مستقيمةً في خطّ القيم الروحية الإنسانية على صعيد الواقع العملي في الدائرة الأخلاقية العامّة {إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب}، وهو الفريق الحاقد المعقّد، الذي يُلاحق تطوّر الدعوة الإسلامية في اتجاه شموليّتها للساحة، بالعمل على تخريب كلّ الأوضاع، وتعقيد كلّ الأعمال، وإثارة كلّ المشاكل في وجه الإسلام وأهله، ما يجعل من استجابتكم لهذا الفريق، وإطاعتكم لتوجيهاته ونصائحه، استجابةً للضلال والانحراف الذي يجرّكم إلى الابتعاد عن الصراط المستقيم، لأنَّ كلّ هدفهم في كلّ مخطّطاتهم، أن {يردُّوكُم بعد إيمانكم كافرين}، ليضعفوا الإسلام بخروج المؤمنين به من الانتماء إليه، ولينفّسوا عن عقدتهم الذاتية تجاهكم، وإن كانوا لا يواجهونكم بالدعوة إلى الكفر في البداية بشكلٍ مباشر، بل يطرحون أمامكم بعض القضايا الجانبية التي تدخل في عداد الأمور المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية والعصبيات العائلية، ما يجعلكم تأمنون الخطر على إيمانكم في البداية، ولكنّ عليكم أن تعرفوا، أنَّ ذلك يمثِّل الخطّة الدقيقة التي تتدرج في خطوطها لتأخذكم على حين غرّة، لتصل بكم في نهاية الأمر إلى الوقوع في حبائلهم، والسقوط في مخطّطاتهم، في انحرافكم عن خطّ الإيمان إلى الكفر.

    الارتباط بالأصالة والقيادة:

    ثُمَّ تأتي الآية الثانية لتثير الإنكار في صيغة الاستفهام، فتتساءل: {وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آياتُ اللّه وفيكم رسولُهُ}، لتوجّه المؤمنين إلى عدم الانفصال عن القرآن في مفاهيمه ودلائله وبراهينه وخططه للحياة، وعدم ترك الابتعاد عن الارتباط بقيادتهم الرسالية الواعية التي تفتح لهم أبواب الإيمان في ما تفتح لهم من أبواب العلم باللّه وبرسالته وشرائعه، فإنَّ ذلك هو السبيل إلى الثبات على المبدأ، والشعور بقوّة المواقف وأصالتها.

    وإذا أردنا أن نستوحي الفكرة العامّة من هذه الفقرة من الآية، فإنَّنا نلخِّص ذلك في نقطتين، تمثّلان القاعدة الثابتة الأصيلة في وسيلة المحافظة على تماسك الأمّة في عقيدتها أمام مخطّطات الأعداء، وهما: الارتباط بالفكرة من خلال مصادرها النقية الأصيلة، والارتباط بالقيادة المخلصة الرسالية في تخطيطها العملي لحركة الفكرة للحياة، لأنَّ الفكرة وحدها لا تستطيع حماية مسيرتها من الانزلاق والانحراف، بل هي بحاجة إلى قيادة تحرّك الفكرة في الخطّ السليم، كما أنَّ القيادة لا تستطيع القيام بدورها الأصيل إذا لـم تكن القاعدة سائرة في خطّ الفكرة ومؤمنة بقيمتها الفكرية والروحية في الطريق الطويل.

    الاعتصام بالله موقف:

    {ومن يعتصم باللّه}، وذلك بالتمسك بكتابه ورسوله ورسالته، والانفتاح عليه بالإخلاص والتَّقوى والاستقامة في خطّه، والوقوف بقوّة في مواجهة التحدّيات الكبرى التي تواجه قضايا المصير، من أجل ردِّ التحدّيات بمثلها، وإطلاق التحدّي في وجه الكفر والاستكبار، وهو الموقف الذي يفرضه الانتماء إلى الإسلام في الفكر والعمل، {فقد هُدِيَ إلى صراط مستقيم}، لأنَّ اللّه هو الحقّ وما يدعون من دونه الباطل، ولذلك فإنَّ الاعتصام به يشير إلى التمسك بكلّ المفاهيم التي أوحاها إلى رسوله، والسير مع كلّ الشرائع التي شرّعها للنّاس على لسانه، والتحرّك نحو كلّ الأهداف الكبيرة في الحياة التي أراد للإنسان أن يسير عليها من خلال وسائله الطاهرة النظيفة، وبذلك تستقيم للإنسان الرؤية الواضحة، والمنهج المحدّد، والهدف الكبير الذي يبدأ من اللّه وينتهي إليه، فلا يبقى لديه أيّ شك أو ريب أو انحراف، بل هو الطريق المستقيم الذي لا عِوَجَ فيه ولا التواء.

    وفي هذا الجوّ، نفهم أنَّ الاعتصام باللّه ليس كلمةً تُقال، ولكنَّه فكرٌ وخطٌّ وموقفٌ وهدفٌ يحكم حياة الإنسان في مجالاتها الفكرية والعملية؛ فإنَّ الإنسان الذي لا يعتصم باللّه، يبقى عُرضةً للانحراف، وينساق في الخطوط المتنوعة والأهواء التي يثيرها الشَّيطان وجنوده في قلب الإنسان.

    الدعاء بحُسن العاقبة:

    وفي آية أخرى، يؤكّد الله سبحانه وتعالى خطورة المواقف المضادّة التي يقفها أعداء الإسلام، وما يُمكن أن يستخدموه من أساليب ملتوية تارةً، وجذّابة أخرى، ومثيرة ثالثة، قد تؤدّي إلى الانحراف بالمسلم عن دينه، وذلك عندما يشير إلى أهمّية أن يحافظ الإنسان على إيمانه إلى آخر رمق في حياته، في إشارة منه إلى أنّ من الممكن للإيمان أن يتعرّض للهزّات والهجمات التي تضعفه، وقد تزيله من نفس الإنسان. يقول تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا اتَّقوا اللّه حقَّ تُقَاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون}(آل عمران/102)، فإنّ حركة التقوى لله، في ما تعنيه من الانضباط الواعي في خطّ أوامر الله ونواهيه، أمام حالات الاهتزاز النفسي فيما تثيره الشهوات، والضعف الرّوحي في ما تؤدّي إليه التّحدّيات، والارتباك الفكري أمام الشّبهات؛ من شأنه أن يحقّق النتيجة التي تركّز عليها الآية، وهي قوله تعالى: {ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون}.

    وهذا ما نلحظه في أدب الدعاء الإسلامي، فيما يوحيه من عمليّة التربية الواعية للإنسان المسلم، في ما هي مسألة المصير بين يدي الله عزّ وجل، وذلك عندما يؤكّد الإسلام أن يدعو المؤمن دائماً بحُسن العاقبة؛ لأنّ المستقبل المجهول، في ما يخبّئه للإنسان من ضغوطات وأوضاع وحالات مؤثّرة، قد تجعل مستقبل أمره إلى شرّ بعدما كان يتحرّك في طريق الخير والفلاح.

    أمّا كيف يتّقي الإنسان اللّه حقّ تُقاته؟ فقد جاء تفسيره في حديث الإمام جعفر الصادق(ع)، في ما رواه عنه أبو بصير، قال: «سمعت أبا عبد اللّه عن قول اللّه عزَّ وجلّ: {اتَّقوا اللّه حقَّ تُقاته} قال: يُطاع فلا يُعصى، ويذكر فلا يُنسى، ويشكر فلا يكفر»... وهذا المعنى هو التّعبير الحركي للحضور الدائم للّه في وعي الإنسان، بحيثُ لا يغيب عن خاطره في كلّ شيء يحيط به، وفي كلّ اتّجاه يتوجَّه إليه.

    إنَّها الدعوة إلى أن لا تكون التَّقوى مزاجاً طارئاً يمرّ بالحياة مروراً خفيفاً، بل تكون قاعدةً ثابتة للفكر والحياة، لتمثِّل خطّ البداية والمسار والنهاية... وهذا هو ما نستوحيه من هذا النداء الإلهي الذي يحسّ الإنسان فيه بمعنى الرحمة الذي يمتزج بأسلوب التوجيه والدعوة.

    الاعتصام بحبل الله سبيل الوحدة:

    {واعتصموا بحبل اللّه جميعاً} (آل عمران/103)، فهو في مضمونه الشامل الذي يشمل الإسلام كلّه، في مضمون الكتاب، وحركة القيادة في خططها العملية، يمثِّل العروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انقطاع، فلا بُدَّ لكم من التمسك به والارتباط به، واعتباره الخطّ الذي يتواصل به الجميع، والرابط الذي يربط بين الأفراد الذين قد يختلفون في خصوصياتهم ومواقعهم، {ولا تفرَّقوا} ليقف كلّ واحدٍ منكم في ناحية بعيدة عن الناحية التي يقف فيها الآخر، على أساس العصبية الذاتية أو العائلية أو القومية أو العرقية أو الوطنية أو الإقليمية... وغير ذلك مما يختلف عليه النَّاس في قضاياهم العامّة والخاصّة، فإنَّ التفرّق والاختلاف يؤدّيان إلى الضَّعف تارةً، وإلى السقوط أخرى، وإلى الابتعاد عن الخطّ المستقيم ثالثة.

    {واذكروا نعمة اللّه عليكم} بالإسلام الذي هداكم إليه، الذي جمعكم بعد فرقة، ووحّدكم بعد تمزّق، {إذ كنتم أعداء} لا تلتقون على موقف، ولا ترتكزون على قاعدةٍ، يحقد بعضكم على بعض، ويلعن بعضكم بعضاً {فألَّف بين قلوبكم} بما أودعه في داخلها من الإسلام المنفتح على اللّه الذي يشيع الإلفة الروحية من خلال العقيدة الواحدة والشريعة الواحدة والخطّ الواحد والهدف الواحد، {فأصبحتم بنعمته إخواناً} متراحمين، متناصحين، مجتمعين على أمرٍ واحدٍ، متحابين، خاضعين لعنوان واحد، وهو الأخوّة في اللّه التي تفتح القلوب بعضها على بعض، وتزيل الحقد والعداوة والبغضاء. {وكنتم على شفا حفرةٍ من النَّار} أي على حافة الهاوية التي تكاد أن تسقطكم في النَّار، من خلال الكفر الذي كنتم تقيمون عليه، وتتحرّكون في دائرته، وتختلفون فيما بينكم من خلال نوازعه وأوضاعه، {فأنقذكم منها} بالإسلام الذي فتح لكم أبواب الخير كلّه، وأبواب رضوانه الذي ينتهي بكم إلى الجنَّة ويُبعدكم عن النَّار، {كذلك يبيِّن اللّه لكم آياته} التي توضح لكم سبيل السّلامة في الدُّنيا والآخرة، وموارد الهلاك، لتأخذوا تلك وتتركوا هذه {لعلَّكم تهتدون} إلى الحقّ والصواب، بالمعرفة الواضحة، والحجّة القوية، والمنهج القويم.

    وقد نستوحي من كلمة «الاعتصام بحبل اللّه» وإلحاقها بكلمة {ولا تفرَّقوا}، أنَّ من الضروري للمسلمين أن يتلمّسوا الركائز التي ترتكز عليها الوحدة من خلال ما يلتقون عليه من مبادئ الإسلام ومفاهيمه العامّة، ليشعروا بالوحدة الفكرية والعملية التي تجمعهم، ويتركوا ما اختلفوا فيه من ذلك، فيرجعوا فيه إلى اللّه والرسول في ما أفاض فيه القرآن من أساليب وقواعد للحوار من أجل الوصول إلى الحقيقة، ويبتعدوا عن الاستغراق في خلافاتهم من مواقع العقدة الطائفية المشبعة بالحقد والضغينة ومختلف عوامل الإثارة... فإنَّ السير على هذا الخطّ، ينطلق من الاعتصام بحبل اللّه، الذي يجمع ولا يفرّق.

    وقد يبدو للبعض، أنَّ مفهوم «الاعتصام بحبل اللّه»، يفرض الالتقاء على المبادئ الأصيلة في الكتاب والسنّة فقط، ولا يشمل الحالات التي يشعر فيها كلّ فريق بأنَّ الفريق الآخر لا يصدُر عن الحقيقة في عقيدته وفي علمه، ما يجعل الالتقاء به ـ على هذا الصعيد ـ التقاءً مع الانحراف والضلال...

    ولكنَّنا نحسب أنَّ هذه الفكرة غير دقيقة، لأنَّ المفهوم من «الاعتصام بحبل اللّه»، هو اعتبار الكتاب أساساً للوحدة في المبادئ المتفق عليها، وفي أسلوب الوصول إلى الوفاق في المبادئ المختلف عليها، لأنَّ الرجوع إلى الكتاب، يعني الالتزام بقواعده وتشريعاته في طبيعة الفكرة وفي أسلوب الوصول إليها. وإنَّنا نعتقد أنَّ السبب في ما وصل إليه المسلمون من تناحر واختلاف وتفرّق، هو أنَّهم انطلقوا من موقع العقد الذاتية التي تتحكم بأعصابهم وانفعالاتهم، ولـم ينطلقوا في مواجهة خلافاتهم من موقع الحوار الإسلامي على هدي القرآن وطريقه...

    ما المراد بحبل الله؟

    وقد اختلف المفسِّرون في المراد بـ «حبل اللّه» على أقوال: أحدها: أنَّه القرآن، وثانيها: أنّه دين اللّه الإسلام، وثالثها: ما وراه أبان بن تغلب عن جعفر بن محمَّد الصادق(ع) قال: نحن حبل اللّه. والأولى ـ كما يقول صاحب مجمع البيان ـ «حمله على الجميع. والذي يؤيده، ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبيّ(ص)، أنَّه قال: أيُّها النّاس، إنّي قد تركت فيكم حبلين إن أخذتـم بهما لن تضلُّوا بعدي أبداً، أحدهما أكبر من الآخر؛ كتاب اللّه حبل ممدود من السَّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».

    وقد يؤيد هذا الوجه، أنَّ أهل البيت(ع) قد قالوا في كثير من رواياتهم، إنّا إذا حدّثنا حدّثنا بموافقة الكتاب، فلا تقبلوا علينا حديثاً إلاَّ ما وافق كتاب اللّه. ما يعني أنَّ كلامهم ينطلق من خلال كتاب اللّه لفظاً ومضموناً، بحيث يكون التمسك بهم من خلال الالتزام بكلامهم تمسّكاً بكتاب اللّه تعالى.

    المقارنة الدائمة بين علاقات الماضي والحاضر:

    ثمّ إنَّ الآية تدعو الذين آمنوا إلى الدخول في عملية المقارنة الواعية بين علاقات الماضي والحاضر، ليعرفوا النتائج الإيجابية والسلبية، ليعمّقوا الإيجابيات التي تفرضها العلاقات الجديدة، ويخفّفوا السلبيات المتحرّكة في حياتهم من خلال علاقات الماضي، ليكونوا على وعيٍ كامل عميق لكلّ الأساليب التي يُراد منها إثارة النوازع والعصبيات القديمة من خلال الرَّواسب الكامنة في الأعماق، مما قد يُعيد للماضي في نفوسهم ضراوته وشدّته. فإنَّ وعي الأمّة للواقع، من خلال المبادئ العامّة، يمنح التحرّك في نطاق العلاقات قوّةً كبيرةً، وامتداداً عميقاً نحو الهدف الكبير الشامل.

    وهذا ما أراد اللّه للأمّة أن تعيه جيّداً، لتفهم أنَّ الحالة الماضية كانت تضع المجتمع على حافّة الهاوية التي تشتعل وتتأجَّج بالنَّار التي تحرقهم في الدُّنيا والآخرة، وأنَّ المسيرة الجديدة في خطّة العقيدة الجديدة تعتبر عملية إنقاذ من ذلك كلّه، ليعيش النَّاس روحيّة الجنَّة في علاقاتهم ومصيرهم.

    وربَّما نستوحي من هذه الآية في واقعنا الإسلامي، الفكرة التي تدفع المسلمين إلى دراسة الواقع الممزّق الذليل الذي يجعلهم فِرَقاً متباعدة متشاحنة خاضعة لقوى الكفر والطغيان في أوضاعها الفكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة... حتّى تحوّلوا إلى لعبةٍ في يد تلك القوى في صراعاتها مع بعضها البعض، وفي تخطيطاتها لأساليب السيطرة على ثروات المسلمين ومواردهم، ما يحوّل البلاد الإسلامية إلى سوق استهلاكية لمنتوجاتها. ومن هنا، تأتي الدعوة إلى الوقوف ضدَّ أيّة نزعةٍ استقلالية في المجال السياسي أو الاقتصادي، بل في كلّ المجالات الأخرى... وقد يتّجه التخطيط إلى إثارة المشاكل الطائفية والسياسية بين المسلمين، من أجل استنـزاف طاقاتهم وتعطيل فعاليتهم، بغية إبقاء السيطرة كاملةً عليهم، من خلال حاجتهم إلى الاستعانة بهذه الجهة أو تلك في التغلب على بعضهم البعض.

    الاعتصام بالله القاعدة الصلبة:

    ربَّما يحتاج المسلمون إلى وقفة تأمّل أمام هذا الواقع كلّه، ليفكّروا في حبل اللّه الذي يجب أن يعتصموا به ويرجعوا إليه، في هذه الفوضى الفكرية والسياسية التي يعيشون فيها، ليعرفوا مواطن الوفاق فيلتقوا عليها، ويكتشفوا عناصر الخلاف فيتفاهموا عليها، ويتفهموا طبيعة الساحة التي يدور حولها الصراع من خلال الظروف الموضوعية المحيطة بها، ونوعية القوى الطاغية الكافرة المتحرّكة فيها، وعلاقتها بتفجير الواقع الإسلامي من الداخل ضدَّ المصالح الحقيقية للإسلام والمسلمين... فقد يجد المسلمون في ذلك كلّه سبيلاً للّقاء على أساس الاعتصام بحبل اللّه، وقد يقف الواعون منهم وقفة مقارنةٍ بين ماضي الإسلام وحاضره، ولكن بطريقة معكوسة، لأنَّ الآية تدفع إلى الإصرار على الإخلاص للواقع الحاضر، على أساس دراسة تجربة الماضي، بينما يفرض علينا الواقع أن نتخلَّص من واقعنا السيئ على أساس التجربة التي عاشها الإسلام في الماضي...

    إنَّ الاعتصام بحبل اللّه يمثِّل القاعدة الصلبة التي يمكن للمسلمين أن يستندوا إليها، من أجل توحيد المسيرة وتوحيد الهدف في نطاق توحيد الأمّة، وذلك في ظلّ التخطيط الواعي الذي يتجاوز السلبيات إلى الإيجابيات، ويقف مع السلبيات وقفة فكر لا وقفة عاطفة، ويعتبر أنَّ وضوح الرؤية لدى أيّة جهة لا يعني وضوحها لدى الآخرين، ما يستدعي مزيداً من الصبر والتحمّل في سبيل الوصول إلى وحدة الرؤية للأشياء وللمواقف في اتجاه وحدة الهدف الكبير، وذلك هو ما يبعدنا عن متاهات النظريات والتحليلات التي يثيرها الآخرون في أجواء غير إسلامية، مما استحدثوه واستنتجوه من تجارب ذاتية، أو أهواء منحرفة... ففي القرآن الكثير الكثير مما نستطيع أن نتعلّمه ونعمل به، وفيه الكثير الكثير مما يمكن أن يحلَّ لنا مشاكلنا الفكرية والعملية إذا أحسنّا النظرة والأسلوب في كيفية التعامل مع الأشياء من خلال الأجواء القرآنية الواقعية.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين]
    1 العودة الي حديث سماحة آية اللّه العظمى السيد محمد حسين فضل اللّه(دام ظله) حديثه عن الإيمان في القرآن الكريم، وانفتاح آياته على الواقع المعاصر[/GRADE]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-11-27
  3. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    إنَّ الاعتصام بحبل اللّه يمثِّل القاعدة الصلبة التي يمكن للمسلمين أن يستندوا إليها، من أجل توحيد المسيرة وتوحيد الهدف في نطاق توحيد الأمّة، وذلك في ظلّ التخطيط الواعي الذي يتجاوز السلبيات إلى الإيجابيات، ويقف مع السلبيات وقفة فكر لا وقفة عاطفة، ويعتبر أنَّ وضوح الرؤية لدى أيّة جهة لا يعني وضوحها لدى الآخرين، ما يستدعي مزيداً من الصبر والتحمّل في سبيل الوصول إلى وحدة الرؤية للأشياء وللمواقف في اتجاه وحدة الهدف الكبير، وذلك هو ما يبعدنا عن متاهات النظريات والتحليلات التي يثيرها الآخرون في أجواء غير إسلامية، مما استحدثوه واستنتجوه من تجارب ذاتية، أو أهواء منحرفة... ففي القرآن الكثير الكثير مما نستطيع أن نتعلّمه ونعمل به، وفيه الكثير الكثير مما يمكن أن يحلَّ لنا مشاكلنا الفكرية والعملية إذا أحسنّا النظرة والأسلوب في كيفية التعامل مع الأشياء من خلال الأجواء القرآنية الواقعية.

    وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين]
    1 العودة الي حديث سماحة آية اللّه العظمى السيد محمد حسين فضل اللّه(دام ظله) حديثه عن الإيمان في القرآن الكريم، وانفتاح آياته على الواقع المعاصر
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-12-02
  5. زين الحسن

    زين الحسن عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-11-16
    المشاركات:
    421
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك نبض عدن
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-12-04
  7. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    نجد الكثير من نماذج صانعي الفتن في الواقع الذي يعيشه المسلمون، في ما يريد الكافرون والضالون أن يثيروه بين المسلمين من الخلافات القائمة على العصبية العائلية والقومية والإقليمية والمذهبية، فيعملون على استثارة كلّ عناصر الإثارة في الماضي والحاضر، من أجل خلق حالةٍ نفسية متوترة، توحي بالحقد، وتنذر بالشر، وتقود إلى التصادم والتنازع، في خطّةٍ خبيثةٍ تؤدي إلى تمزّق المسلمين وتفرّقهم، والوصول إلى مواقع الخطر على عزتهم وكرامتهم وأصالتهم الفكرية والاجتماعية والسياسية.

    وفي هذا الجوّ، تتحرّك الآيتان لتفتحا عيون المسلمين، في كلّ زمانٍ ومكان، على أن يحدّدوا أعداءهم في العقيدة والسياسة والاقتصاد والأمن، وفي سائر مجالات الحياة، وأن يتعرّفوا طبيعة مخطّطاتهم، وطبيعة الظروف الموضوعية المتحرّكة على الساحة، ونوعية القوى المحيطة بهم، والأساليب التي تحرّكها لتضليل المسيرة الإسلاميّة، إلى جانب معرفتهم بالأسس التي تحميهم من كلّ هذه المخططات، وذلك بتأكيد نقاط القوّة لتنميتها وتحريكها في خطّ المواجهة الصعبة، ودراسة نقاط الضَّعف لأجل السيطرة عليها، وتحويلها من موقع المعاناة إلى نقاط قوّة، سواء كانت تلك النقاط فكرية أو شعورية أو عملية، ليستطيعوا، من خلال ذلك، الانفتاح على القواعد الثابتة التي تحفظ لهم وحدتهم، وتصون لهم دينهم الحقّ، عندما يعرفون سبيل الاعتصام باللّه الذي يهديهم إلى الصراط المستقيم. وبذلك نعرف أنَّ السذاجة الفكرية، والبساطة العملية، اللتين تدفعان المسلم إلى الاستسلام لخطط العدوّ من خلال الغفلة عن طبيعته، ليستا من خُلق المسلم الذي يريده الإسلام واعياً للحقّ والفكر والطريق والمجتمع الذي من حوله، في كلّ ما لديه من سلبيات وإيجابيات.

    هذا الأمر يفترض أن يتحرك المسلمون للارتفاع، في كلّ زمن، إلى مستوى المرحلة التاريخية للأمّة، التي تفرض علينا التحرّك في خطّ الوعي الذي يرصد القوى المختلفة، لئلا يختلط علينا الأعداء بالأصدقاء، على أساس انفعالٍ طارئ، أو مشاعر حادّة، أو نظرة خاطئة في تقييم الواقع والنّاس.

    {يا أيُّها الذين آمنوا} باللّه ورسوله، فعاش الإيمان في وجدانهم فكراً وعقيدةً ومفاهيم منفتحة على اللّه والإنسان والكون والحياة، وتَحرَّك في قلوبهم عاطفةً متصلة بالمشاعر الروحية الخيّرة في حركتها في الجانب الإنساني من علاقة الإنسان المسلم بالآخرين، وانطلق في سلوكهم حركةً مستقيمةً في خطّ القيم الروحية الإنسانية على صعيد الواقع العملي في الدائرة الأخلاقية العامّة {إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب}، وهو الفريق الحاقد المعقّد، الذي يُلاحق تطوّر الدعوة الإسلامية في اتجاه شموليّتها للساحة، بالعمل على تخريب كلّ الأوضاع، وتعقيد كلّ الأعمال، وإثارة كلّ المشاكل في وجه الإسلام وأهله، ما يجعل من استجابتكم لهذا الفريق، وإطاعتكم لتوجيهاته ونصائحه، استجابةً للضلال والانحراف الذي يجرّكم إلى الابتعاد عن الصراط المستقيم، لأنَّ كلّ هدفهم في كلّ مخطّطاتهم، أن {يردُّوكُم بعد إيمانكم كافرين}، ليضعفوا الإسلام بخروج المؤمنين به من الانتماء إليه، ولينفّسوا عن عقدتهم الذاتية تجاهكم، وإن كانوا لا يواجهونكم بالدعوة إلى الكفر في البداية بشكلٍ مباشر، بل يطرحون أمامكم بعض القضايا الجانبية التي تدخل في عداد الأمور المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية والعصبيات العائلية، ما يجعلكم تأمنون الخطر على إيمانكم في البداية، ولكنّ عليكم أن تعرفوا، أنَّ ذلك يمثِّل الخطّة الدقيقة التي تتدرج في خطوطها لتأخذكم على حين غرّة، لتصل بكم في نهاية الأمر إلى الوقوع في حبائلهم، والسقوط في مخطّطاتهم، في انحرافكم عن خطّ الإيمان إلى الكفر.
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2006-01-21
  9. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    ممكن المناقشة!!!!!!!!
     

مشاركة هذه الصفحة