قمة عالمية لتجارة الحرية وصراع المعلومات‏!‏

الكاتب : ابــو الـخيــر   المشاهدات : 397   الردود : 0    ‏2005-11-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-23
  1. ابــو الـخيــر

    ابــو الـخيــر قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-10-21
    المشاركات:
    3,549
    الإعجاب :
    0
    قمة عالمية لتجارة الحرية وصراع المعلومات‏!‏
    بقلم صلاح الدين حافظ

    **‏ تونس‏:‏ حضرنا قبل أيام انعقاد القمة العالمية لمجتمع المعلومات‏,‏ التي استضافتها تونس الخضراء‏..‏ وكما توقعنا فقد تحولت أيام القمة إلي ساحة جديدة للصراع الدولي المحتدم‏,‏ خصوصا فيما يتعلق بالمعلومات التي أصبحت سر التقدم في هذا العصر‏..‏

    فهذه ساحة صراع بين الانسان والتكنولوجيا‏,‏ بين العقل البشري والعقل الالكتروني‏,‏ صراع بين العلم الحديث والجهل المقيم‏,‏ بين التقدم والتخلف‏,‏ بل بين الأغنياء المتقدمين والفقراء المتخلفين‏,‏ بين الحكومات ومنظمات المجتمع المدني‏,‏ ثم هو صراع بين الولايات المتحدة الأمريكية المهيمنة علي تكنولوجيا المعلومات والاتصال والاعلام‏,‏ وبين باقي دول العالم الأكثر تخلفا في هذا المجال الحيوي‏,‏ إنه إذن صراع الحاضر والمستقبل علي كل المستويات وفي كل المجالات‏..‏

    لذلك لم يكن غريبا أن تضم هذه القمة أضخم تجمع دولي في مكان واحد‏,‏ يشمل نحو‏25‏ ألف مشارك مابين ممثلي‏173‏ دولة ومئات من المنظمات الأهلية وغير الحكومية‏,‏ فضلا عن جيش من التونسيين الذين تفوقوا حقا في دقة التنظيم وصرامة الاجراءات الأمنية‏,‏ مما أضاف انجازا لرصيد هذه الدولة الشقيقة الصغيرة المساحة المحدودة السكان نحو تسعة ملايين مواطن الشديدة الطموح‏..‏

    ولكي تستضيف تونس هذه القمة العالمية‏,‏ فرضت عليها الأمم المتحدة مجموعة من الالتزامات منذ قمة جنيف للمعلومات عام‏2003,‏ أهمها اتخاذ اصلاحات سياسية واسعة خصوصا فيما يتعلق باطلاق الحريات العامة واحترام حقوق الانسان وحرية الصحافة والرأي والتعبير‏,‏ وذلك لكي تكون المكان المناسب لانعقاد مثل هذه القمة ذات الأهمية العظمي‏,‏ خصوصا أن العالم الأول الأوروبي الأمريكي دائما مايعتبر ان دول الجنوب‏,‏ وفي مقدمتها الدول العربية والأفريقية غير مؤهلة لذلك‏!‏

    وأظن أنه رغم الحضور الرسمي أكثر من خمسين رئيس دولة وحكومة والحضور الأهلي المكثف‏,‏ إلا أن سبعة من الناشطين السياسيين في تونس‏,‏ لفتوا أنظار الجميع‏,‏ حين ظلوا طوال أيام القمة في حالة إضراب عن الطعام تحت عنوان الجوع ولا الخضوع‏,‏ وهو عنوان أرادوا به تلخيص الموقف الرسمي التونسي‏,‏ متهمين إياه بأنه لم يوفر الشروط الرئيسية لانعقاد القمة باجراء اصلاحات سياسية كما كان متفقا عليه‏,‏ وهاهي الأحزاب السياسية المعارضة وعديد من الناشطين الحقوقيين والصحفيين المختلفين يبلغون ممثلي العالم بأن الأوضاع السياسية في تونس لاتزال علي ماهي عليه‏..‏

    لذلك لم يكن غريبا أن يحتج الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وبعض المنظمات الدولية علي هذه الأوضاع‏,‏ بل هذا مادفع كوفي أنان السكرتير العام للأمم المتحدة إلي التصريح علانية بعد حضوره للقمة‏,‏ بأنه ناقش مع الرئيس التونسي قضية التضييق علي الحريات خصوصا حرية الرأي والتعبير في وقت تستضيف فيه تونس قمة المعلومات التي جوهرها حرية الرأي والتعبير‏!!.‏

    والحقيقة أن تونس لم تشذ كثيرا عن الطباع الرسمية العربية‏,‏ ولم تخالف أعراف قبيلة الأنظمة الحاكمة‏,‏ وازدواجية المعايير التي تطبقها علينا نحن الشعوب‏,‏ فهي تتحدث إلي العالم الخارجي بلسان حلو وكلام منمق عن الديمقراطية التي تؤمن بها‏,‏ وحقوق الانسان التي تحترمها والحريات التي تصونها ليل نهار لتتمتع بها الشعوب‏,‏ لكنها حين تأتي إلي حديث الداخل فهي غالبا ماتفعل العكس‏,‏ اللهم إلا عبر صراخ ميكروفونات الدعاية الفجة‏,‏ وتلفت في كل اتجاه عربي تجد مالايسرك من كبت وقهر سياسي واجتماعي وثقافي‏,‏ لكن إياك إياك أن تشكو أو تتوجع‏..‏ فأنت أدري بالعقاب‏!‏

    ومن سوء حظ هذا السلوك المزدوج‏,‏ أن ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال‏,‏ قد كسرت أسوار السرية وفضحت أمام الجميع كل ما هو مخبأ‏,‏ ولم يعد العالم يصدق الدعايات الفجة‏,‏ لأن الحقائق تتدفق والمعلومات تنساب من كل اتجاه وفي كل اتجاه‏,‏ بفضل هذه الثورة الغلابة وامكاناتها التكنولوجية المبهرة‏,‏ وفي مقدمتها الفضائيات وشبكة الانترنت العملاقة‏,‏ ومنها إلي الصحف والاذاعات ووسائل الإعلام التقليدية الأخري التي تتكاثر بسرعة فائقة‏..‏

    وملخص ذلك أن الفرز صار واضحا للعيان‏,‏ النظام الديمقراطي معروف‏,‏ والنظام الديكتاتوري مكشوف‏,‏ واللعب عي الحبال مفضوح‏..‏

    حين نعود الي صلب جدول أعمال القمة ومداولاتها‏,‏ نجد أن موضوعين رئيسيين تصدرا الاهتمام‏,‏ هما أولا سد الفجوة الرقمية بين دول الشمال المتقدمة ودول الجنوب المتخلفة‏,‏ وثانيا كسر احتكار الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة الانترنت والتحكم فيها دون شريك أو منافس‏..‏

    والحقيقة أن مناقشات القمة علي مدي ثلاثة أيام سبقتها سنتان من التحضير والاعداد‏,‏ لم توفر عناصر النجاح أمام هذين الموضوعين‏,‏ مع التقدير الكامل لما أصدرته القمة في ختام أعمالها من أجندة والتزامات قمة تونس‏..‏

    إذ أن سد الفجوة الرقمية ـ التكنولوجية ـ بين المتقدمين الشماليين والمتخلفين الجنوبيين من أمثالنا‏,‏ دونها الموت‏,‏ فلا الشمال سيسمح بالتنازل عن تقدمه المتزايد ورفاهيته الخيالية‏,‏ ولانحن نستطيع التخلص من فقرنا وجهلنا وفساد نظمنا واستبدادها‏,‏ التي تفضل الجهل علي العلم والغيبوبة علي الصحوة‏,‏ وكل ما أسفرت عنه القمة في هذا المجال ـ مجال سد الفجوة ـ هو وعود متكررة بأن تقدم دول الشمال المنح والمساعدات وليس الالتزامات للدول الفقيرة‏!!‏

    أما موضوع فك الاحتكار الامريكي للانترنت فهذا من سابع المستحيلات‏,‏ ليس فقط لأن امريكا لن ولم تسمح بفتح هذا الموضوع بجدية‏,‏ ولكن لأن الآخرين أيضا‏,‏ بمن فيهم الاوروبيون واليابانيون المتقدمون مازالوا عاجزين عن فهم هذا اللغز وفك شفرته المعقدة‏,‏ برغم أنهم شركاء في استخدام شبكاته والاستفادة من مميزاته والتحكم في بعض مساراته‏..‏

    وفي الموضوعين اللذين طرحا علي قمة تونس‏,‏ نكتشف أن ازدواجية المعايير ظلت هي الحاكمة‏,‏ فالغرب المتقدم أو الشمال الغني يعير الجنوب المتخلف بتخلفه وجهله‏,‏ ويطالبه باعتناق الحرية مبدأ‏,‏ حرية القول والفعل والعمل والايمان وفق القيم المتحضرة‏,‏ لكن هذا الشمال أو الغرب‏,‏ هو نفسه الذي يحتكر مصادر القوة والعلم والتنمية والمعرفة‏,‏ وهو الذي يستغل تخلف المتخلفين ليزدادوا فقرا وجهلا‏,‏ ويزداد هو ثراء وتقدما‏,‏ وآخر الأدلة هو ما شهدته قاعات قمة المعلومات في تونس بندواتها العديدة‏!!‏

    وبقدر مسئولية الغرب المتقدم عن تخلفنا بسبب النهب الاستعماري مثلا بقدر مسئوليتنا نحن عما نعانيه ونكابده‏,‏ واقرأ إن شئت بعضا من التقارير الثلاثة للتنمية في العالم العربي‏,‏ تكتشف أن الفجوة ليست فقط فجوة رقمية وتكنولوجية كما شاع في قمة المعلومات بتونس‏,‏ لكنها فجوات عدة‏,‏ فجوة التنمية‏,‏ وفجوة الحرية‏,‏ وفجوة المعرفة‏,‏ وهي معا كل متكامل‏,‏ تسألنا شعوبنا عنها وتحاسبنا عليها‏,‏ لماذا نحن علي هذا القدر من التخلف والجهل والاستبداد‏,‏ ولماذا خضعنا لها وخنعنا أمامها‏!!‏

    قضيتنا الأساسية‏,‏ ليست فقط كفالة انسياب المعلومات للمواطنين واستخدام الانترنت بحرية في بلادنا‏,‏ والغاء الرقابة الحكومية الخبيثة عليها وهذا هدف مهم للغاية‏,‏ ولكن قضيتنا الأصل والأساس تكمن في شيوع الفقر والبطالة وتدني المستوي الاجتماعي الاقتصادي‏,‏ وفي الأمية الأبجدية والتكنولوجية‏,‏ وفي مصادرة الحريات العامة والتحكم في حرية الصحافة والرأي والتعبير‏,‏ وفي تخلف البرامج التعليمية والاعلامية والثقافية‏,‏ وفي عبادة الحكام وتقديس كرسي السلطان‏,‏ وأخيرا في مواجهة الاحتكار الدولي للعلم والمعرفة‏..‏

    فهل نبذل مجهودا جادا لمواجهة هذه القضايا المحورية وسد فجواتها الرهيبة‏,‏ باتباع العلم والعقل‏,‏ والتنمية والحرية‏,‏ والعدالة والمساواة‏..‏ أم نعقد المقارنات‏!!‏

    صحيح أن‏20%‏ من سكان العالم يتمتعون بنحو‏80%‏ من ثرواته‏,‏ وأن‏15%‏ من سكان العالم يسيطرون علي‏85%‏ من استخدامات الانترنت مثلا‏,‏ عنوانا للتقدم والمعرفة‏..‏ لكن الصحيح أيضا أن العرب الذين يشكلون‏5%‏ من سكان العالم‏,‏ لاتصل نسبة مستخدمي الانترنت بينهم إلي نسبة خمسة من عشرة في الألف في معظم الدول العربية‏,‏ قد ترتفع إلي‏5%‏ في دولة واحدة أو دولتين علي الأكثر‏,‏ عنوانا لفجوة التخلف والجهل‏!!‏

    وهذا يدفعنا إلي سؤال محوري آخر‏..‏ هو كم ينفق العرب علي البحث العلمي‏,‏ الذي هو مفتاح التقدم‏..‏ إنهم ينفقون‏0,2‏ في المائة من الدخل القومي‏,‏ وللمقارنة فقط‏,‏ فإن اسرائيل تحتل المرتبة الرابعة عالميا بعد اليابان وامريكا وفنلندا في استيعاب منجزات التطور التكنولوجي‏,‏ وهي الثانية بعد امريكا عالميا في الانفاق علي الأبحاث العلمية وانجازها والاستفادة منها ولكم أن تتخيلوا‏..‏ وتقارنوا‏!!!‏

    شيء مذهل أن تتجول في قاعات قمة المعلومات بتونس‏,‏ تستمع إلي المناقشات الساخنة التي إن كان موضوعها علميا وتكنولوجيا‏,‏ فإن سياقها العام سياسي وفكري بحت‏,‏ وشيء بديع أن تزور أجنحة المعرض المصاحب‏,‏ وقد عرضت به‏373‏ شركة عالمية أحدث منتجاتها الخاصة بالمعلومات والاتصال والاعلام‏,‏ فتري عجبا بل سحرا‏...‏ يطلق العقل نحو الخيال البعيد‏,‏ ويطلق الروح نحو الحرية المفتقدة في دواخلنا‏,‏ حتي في ساحة عالمية كهذه تزدحم بتجارة الحرية والمعرفة‏...‏

    شيء موجع أن تعود آخر النهار بعد طول تجوال بقلب كسير وعقل متعب‏,‏ حين تضطر أن تعقد المقارنات‏..‏ أين نحن من هؤلاء‏,‏ ومتي وكيف ولماذا‏!!!‏

    **‏ خير الكلام‏:‏ يقول المتنبي‏:‏
    تصفو الحياة لجاهل أو غافل
    عما مضي فيها وما يتوقع
     

مشاركة هذه الصفحة