الأمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام

الكاتب : jawvi   المشاهدات : 1,108   الردود : 26    ‏2005-11-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-21
  1. jawvi

    jawvi قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-06-05
    المشاركات:
    8,781
    الإعجاب :
    0
    ليس في تاريخ هذا الشرق، الذي هو مهد النبوات من يضارع الإمام زين العابدين (عليه السلام) في ورعه وتقواه، وشدة إنابته إلى الله، اللهم إلا آباؤه الذين أضاءوا الحياة الفكرية بنور التوحيد، وواقع الإيمان.

    لقد حكت سيرة هذا الإمام العظيم سيرة الأنبياء والمرسلين، وشابههم بجميع ذاتياتهم، واتجاهاتهم، فهو كالمسيح في زهده وإنابته إلى الله، وكالنبي أيوب في بلواه وصبره، وكالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) في صدق عزيمته وسمو أخلاقه، فهو زين العابدين ولم يُمنح لأحد هذا اللقب سواه.

    وبرز الإمام زين العابدين (عليه السلام) على مسرح الحياة الإسلامية كألمع سياسي إسلامي عرفه التاريخ، فقد استطاع بمهارة فائقة أن ينهض بمهام الإمامة وإدامة نهضة أبوه الإمام الحسين (عليه السلام)، برغم ما به من قيد المرض وأسر الأمويين. لقد حقق الإمام (عليه السلام) هذه الانتصارات الباهرة من خلال خطبتين ألقاها على الجماهير الحاشدة في الكوفة وفي الشام والتي كان لها الأثر البالغ في إيقاظ الأمة وتحريرها من عوامل الخوف والإرهاب.

    لقد كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) من أقوى العوامل في تخليد الثورة الحسينية، وتفاعلها مع عواطف المجتمع وأحاسيسه، وذلك بمواقفه الرائعة التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً في دنيا الشجاعة والبطولات، وظل يلقي الأضواء على معالم الثورة الحسينية، ويبث موجاتها على امتداد الزمن والتاريخ. وكان من مظاهر تخليده للثورة الحسينية كثرة بكائه على ما حل بأبيه وأهل بيته وأصحابه من أهوال يوم الطف، وكان لهذا الأسلوب الأثر الكبير في نفوس المسلمين وفي تحرير الإنسان من الظلم والعبودية والطغيان ورفضهما.

    وكان للإمام زين العابدين (عليه السلام) الدور الكبير في إنارة الفكر الإسلامي بشتى أنواع العلوم والمعارف، وقد دعا ناشئة المسلمين إلى الإقبال على طلب العلم، وحثهم عليه، وقد نمت ببركته الشجرة العلمية المباركة التي غرسها جده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأقبل الناس بلهفة على طلب العلم ودراسته فكان حقاً من ألمع المؤسسين للكيان العلمي والحضاري في دنيا الإسلام.

    أما الثروات الفكرية والعلمية التي أثرت عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) فإنها تمثل الإبداع والانطلاق والتطور، ولم تقتصر على علم خاص، وإنما شملت الكثير من العلوم كعلم الفقه والتفسير وعلم الكلام، والفلسفة وعلوم التربية والاجتماع، وعلم الأخلاق الذي اهتم به الإمام (عليه السلام) اهتماماً بالغاً، ويعود السبب في ذلك إلى أنه رأى انهيار الأخلاق الإسلامية، وابتعاد الناس عن دينهم من جراء الحكم الأموي الذي حمل معول الهدم على جميع القيم الأخلاقية فانبرى عليه السلام إلى الإصلاح وتهذيب الأخلاق.

    إن المثل التي نشرها الإمام السجاد (عليه السلام) تبهر العقول وتدعو إلى الاعتزاز والفخر لكل مسلم بل لكل إنسان يدين للإنسانية ويخضع لمثلها وقيمها.

    ومن الحق أن يقال أن هذا الإمام الملهم العظيم ليس لطائفة خاصة من الناس، ولا لفرقة معينة من الفرق الإسلامية دون غيرها، وإنما هو للناس جميعاً على اختلاف عصورهم، بل وعلى اختلاف أفكارهم وميولهم واتجاهاتهم، فإنه سلام الله عليه يمثل القيم الإنسانية والكرامة الإنسانية، ويمثل كل ما يعتزّ به هذا الإنسان من الكمال والآداب، وسمو الأخلاق وكان المسلمون يرون في سيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام) تجسيداً حياً لقيم الإسلام وامتداداً مشرقاً لجده الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، فهو يحكيه في منهجه وسيرته ومآثره وقد ملك القلوب والعواطف بأخلاقه الرفيعة، وكانوا لا يرون غيره أهلاً لقيادتهم الروحية والزمنية، ولهذا عمدوا إلى اغتياله كما اغتالوا غيره من أئمة المسلمين، وأعلام الإسلام من الذين يشكلون خطراً عليهم.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-11-21
  3. عبدالله السقاف

    عبدالله السقاف عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-11-02
    المشاركات:
    361
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    رحم الله تعالى الامام علي بن الحسين ...

    لفت نظري امرا في الموضوع واحب ان استوضح الامر

    انت قلت :

    واقول: اذكر لنا سندا صحيحا لهذه الخطبة لنستفيد ...

    اما قولك :


    واقول : اذكر لنا موقفا واحدا لشجاعة وبطولة الامام السجاد .
    اذكر لنا انواع هذه العلوم لنستفيد ..
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-11-21
  5. jawvi

    jawvi قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-06-05
    المشاركات:
    8,781
    الإعجاب :
    0
    اخي عبد الله اليك بعض موا قفه

    الإمام السجاد (عليه السلام) وعاشوراء


    وقد جسّد الإمام زين العابدين (عليه السلام) هذا المعنى في كثرة بكائه على أبيه الإمام الحسين (عليه السلام)، وندبه إياه.

    فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: «ولقد بكى على أبيه الحسين (عليه السلام) عشرين سنة، وما وضع طعام بين يديه إلا بكى، حتى قال له مولى له: يا بن رسول الله، أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فقال له: ويحك إن يعقوب النبي (عليه السلام) كان له اثنا عشر ابنا فغيب الله عنه واحداً منهم فابيضت عيناه من كثرة بكائه عليه، وشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغم، وكان ابنه حياً في الدنيا، وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني»(1).


    وقد رووا إن الإمام السجاد (عليه السلام) بكى على مصيبة الحسين (عليه السلام) حتى خيف على عينيه، وكان (عليه السلام) إذا أخذ إناءً يشرب ماء بكى حتى يملأها دمعاً فقيل له في ذلك، فقال (عليه السلام): «كيف لا أبكي وقد منع أبي من الماء الذي كان مطلقاً للسباع والوحوش»(2).

    1ـ الخصال: ص517 باب ذكر ثلاث وعشرين خصلة من الخصال المحمودة التي وصف بها علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) ح4.

    2ـ مناقب آل أبي طالب: ج4 ص166 فصل في كرمه وصبره وبكائه (عليه السلام).
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-11-21
  7. عبدالله السقاف

    عبدالله السقاف عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-11-02
    المشاركات:
    361
    الإعجاب :
    0
    عزيزي ...
    ناخذ الموضوع نقطه نقطه

    اولا : الخطبتين هل وردتا بسند صحيح متصل عندكم ..؟؟
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-11-22
  9. jawvi

    jawvi قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-06-05
    المشاركات:
    8,781
    الإعجاب :
    0
    خلاصة الجهاد السياسي عند الاِمام السجاد عليه السلام ​


    ينبغي القول فعلاً إنّ الجهاد بالنفس هو أفضل أنواع الجهاد ، وأن الجود بالنفس هو أغلى غاية الجودِ ـ كما يقولون ـ ولكن هذه المقولات أو هذا الفهم ربما يصير كلمة حق يُراد بها باطل عند بعض الناس ، فيبخس هذا البعض على غيرهم من الناس جهادهم ( الاَكبر) وهو جهاد النفس وليس الجهاد بالنفس ـ كما نص على ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، في تعريفه للجهادين الاَصغر والاَكبر ، ويستكثرون على الذين لم يتسنّ لهم خوض المعارك ، جهادهم هذا وصبرهم وصمودهم وثباتهم على طريق الحق ، ويتهمونهم أنهم متخاذلون ناكصون منكفئون لاقدر لهم ولا قيمة ولاخلاق ، ناسين أو متناسين مثلاً أنّ كلمة حق أمام سلطان جائر هي أفضل الجهاد ، وأن الجهاد بالمال يتقدم في كثير من الاَحيان على الجهاد بالنفس في محكم كتاب الله العزيز... (1) وأن مطبات الجهاد السياسي
    ____________
    (1) ( الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله ) سورة التوبة : 9 | 20. ( لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم ) سورة التوبة : 9 | 88. ( انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم
    =



    أحياناً أصعب وأعقد من لحظات المواجهة الساخنة الواضحة مع الاَعداء ، وخاصة إذا كان رمز هذا النوع من الجهاد مطالباً بحقن دماء شيعته أو حفظ بقيتهم أو تدبير دورهم في مواجهة طاغوت لئيم لا يعرف قلبه الرحمة ولا يهمّه أن يُجهز عليهم جميعاً دون أن يرفّ له جفن إذا ماهمسوا ضده بقول أو انبروا له بفعل أو عمل...
    هذا الخانق المؤلم بين الخيارين : خيار الاستشهاد والتضحية ، أو خيار الصبر والتقية ، هو الذي وجد الاِمام السجاد نفسه مضطراً إليه بعد أن أنجاه الله تعالى من موت أكيد مع إخوته وأبناء عمومته بسبب المرض الذي أقعده عن حمل السلاح في يوم الطفوف ، وهو الخيار المرّ الذي اضطرّ عليه السلام لسلوكه لاستكمال الدور الرسالي الذي انتُدب له ـ كما مرَّ ذكره ـ.
    ولا نريد هنا تلخيص ما قدمناه في الفصل الاَوّل من بحثنا الموجز هذا حول دور الاِمام السجاد عليه السلام ، في ترسيخ القيم وكشف الشرعية المزيّفة لاَدعياء الدين وفضح مدّعياتهم ، وسعيه الحثيث لتشكيل الجماعة الصالحة التي أخذت على عاتقها إتمام المهمة الرسالية التي لابدّ من وجود حيّ لاِتمامها أو مواصلتها...
    نعم ، إنّ دين الله يمكن أن ينهض به المعارض الشريف حتى لو لم يستلم سلطة أو يستلم حكماً ، مادام قد فهم دوره وأتقن أداءه وأجاد تأديته ، وربما يكون هذا الدور قد فهم من قراءة فصول هذا الكتاب وبعض
    ____________
    =
    في سبيل الله ) سورة التوبة : 9 | 41. ( إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ) سورة الاَنفال : 7 | 72.


    إشاراته وتلميحاته وإثاراته.
    وإذا أردنا أن نضيف شيئاً جديداً ، فإنّه لا يعدو أكثر من قراءة شبه متأنية لبعض مواقف الاِمام السجاد عليه السلام من الظالمين وأعوانهم ، وكذلك مواقفه من بعض الحركات الشيعية التي تفجّرت في زمانه ، وكيف انتقل من مرحلة التقية المؤلمة إلى مرحلة المواجهة الساخنة ، لا سيّما بعد أن استنفذ دوره التبليغي الصامت ، وارتأى أنّه لابدّ أن ينتقل من المرحلة السلبية السرية الصامتة إلى مرحلة الاِعلان الاقتحامي الواضح ، خاصة وإنّه أدرك أن خصومه قاتلوه لا محالة ، وأنهم لم يعودوا يستطيعون الصبر عليه ، والتغاضي عن دوره في تأليب الاُمّة ضدهم وتحشيد غضبها وإثارة سخطها.

    خيمة خارج المدينة :
    لعلّ أول موقف سياسي حكيم كان على الاِمام عليه السلام أن يتخذه بعد عودته إلى المدينة ، وبعد أيام من مشاعر الحداد والنحيب التي أجّجها في نفوس أهلها ، والتي قدّر عليه السلام أنّها لم تتعدّ أن تكون حالات عاطفية صادقة ، تفجّرت بسبب شعورهم بالاِثم جرّاء عدم خروجهم مع الحسين عليه السلام ونصرته أولاً ، وفجيعتهم بمصرع ابن بنت نبيهم ثانياً ، هو أن ينأى بعيداً عن الناس الذين أدرك ضعفهم وخواءهم في لحظات المواجهة الساخنة مع الاَعداء ، فاتخذ خيمةً في البادية ، واستظلّ ببيتٍ من بيوت الشعر في فيافيها مع مجموعةٍ من عياله وأهل بيته وخلص شيعته .




    نعم ، اتخذ الاِمام السجاد عليه السلام هذا الموقف ليعمّق الشعور بالذنب لدى أهل المدينة الذين خذلوا أباه ، واكتفوا بالبكاء أو التباكي معه حين عودته أولاً ، ولكي يتحاشى الاصطدام بالحكّام الاَمويين الذين سيستهدفونه حتماً إذا أحسوا منه أي بادرةٍ أو همسةٍ للتحريض ضد حكمهم ثانياً ، ( فبقي خارج المدينة من سنة 61 هـ إلى نهاية سنة 63 هـ وكان يسير من البادية بمقامه إلى العراق زائراً لاَبيه وجده عليهما السلام ولا يُشعر بذلك من فعله ) (1) .
    وفعلاً ، وحين أحسّ الاَمويون بتململ أهل المدينة جاءت واقعة الحرّة المعروفة التي استباح فيها مسلم بن عقبة هذه المدينة ، وأباح فيها القتل والسبي والاعتداء الوحشي ، وكأن أول ( قصاص ) غيبي حلّ بأهلها الذين لم يفعلوا شيئاً حين توديع الحسين عليه السلام ، إلاّ أن رمقوه بعيون منكسرة وقلوب متألمة لا تغني ساعة الموت عن الحق شيئاً ، قد جاء على يدي من سُمّي ( مُسرف بن عقبة ) هذا أو ( مجرم بن عقبة ) ، ويؤكد الشيخ المفيد في إرشاده ، أنّ مسرف بن عقبة هذا كان في بدايته لا يريد إلاّ قتل علي بن الحسين عليه السلام ، وحين لم يجد لقتله حجّة ، اكتفى أن أباح المدينة ثلاثة أيام بأمر يزيد ، وقد انفضّت فيها ألف عذراء ، وولد مئات الاَبناء لا يُعرف آباؤهم ، وكان من بينهن بنات ونساء صحابة... (2).
    نعم ، اتخذ الاِمام السجاد عليه السلام تلك الخيمة النائية مأوىً له ، ولم يجد
    ____________
    (1) راجع فرحة الغري| ابن طاووس : 43. والاِمام زين العابدين| المقرم : 42.
    (2) راجع : دلائل البيهقي 6 : 475. والارشاد| المفيد : 292. ويقول اليعقوبي في تاريخه : إنّ هذا المجرم ( أباح حرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ولدت الاَبكار لا يُعرف من أولدهنّ ) تاريخ اليعقوبي 2 : 250.
    ===============

    ( 107 )

    هذا ( المسرف ) سبباً للاِجهاز على الاِمام عليه السلام وأهل بيته ، بل صار الاِمام ملاذاً لمن التحق به من المؤمنين هرباً من ( إسراف ) الجيش الاَموي ووحشيته وبربريته. وكان ممن لاذ به من الاَمويين عائلة مروان بن الحكم وزوجته عائشة بنت عثمان بن عفان ـ كما مرَّ ذكره ـ وأكثر من أربعمائة مُنافية ( من آل عبد مناف ) كان عليه السلام يعولهُنّ إلى أن تفرّق الجيش... (1).
    وهذا يعني أنّ الاِمام السجاد عليه السلام أيقن أن أهل المدينة كانوا لا يحملون تجاهه إلاّ عواطف مفجوعة وشعور عميق بالذنب إن لم نقل مواساة كاذبة يمكن أن تتبدد في أول لحظة من لحظات الخطر أو المواجهة مع الموت ، كما حصل مع أبيه عليه السلام حين كانت قلوب الناس معه وسيوفهم عليه...
    ولذلك حين جاؤوه مبايعين يقولون : ( ... فمرنا بأمرك ، فإنّا حرب لحربك ، وسلمٌ لسلمك ) وغير ذلك ، قال لهم : « هيهات .. ومسألتي ألاّ تكونوا لنا ولا علينا .. » وأخذ عليهم عهداً أن يأخذوا جانب الحياد فقط...(2) .

    الموقف من الحركات الثورية :
    من هذا المكان النائي ، ومن هذه العزلة الهادفة ، راح الاِمام السجاد عليه السلام يبني الجماعة الصالحة ، ويرصد عن كثب أنباء الطلائع التي كانت تخرج بين فترة وأُخرى لتقويض الحكم الاَموي ومناجزة الطغاة من ولاتهم وكشف
    ____________
    (1) أيام العرب في الاِسلام : 424 هامش رقم (1).
    (2) راجع : الاحتجاج| الطبرسي : 306. واللهوف| ابن طاووس : 6 ، 67.


    زيفهم ، لا سيّما تلك الثورات التي رفعت شعارات الثأر للاِمام الحسين عليه السلام ، وإن كان بقي بعيداً عن بعضها ؛ إذ لم يرد عليه السلام أن يتحمّل مسؤولية الدماء التي ستُراق فيها بغير حق أولاً ، ولعدم تنسيق رجالها معه ثانياً ، وعدم وضوح منطلقاتها وأهدافها ، والتمثيل الذي ينفَّذ بقتلاها ثالثاً ورابعاً...
    ولعلّ ثورة التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي ، وكذلك ثورة المختار ، كانتا أبرز الاَمثلة على تعضيد الاِمام سرّاً لمثل هذه الحركات ، ولو بدرجة من الدرجات ، رغم أنّه لم يعلن ارتباطه المباشر معها ، ولكنه ترك الاَمر لعمّه محمد بن الحنفية لكي يتعامل مع روادها بحكمة ودقّة ، مشيراً إليه باختصار : « يا عم ، لو أن عبداً تعصّب لنا أهل البيت ، لوجب على الناس مؤازرته ، وقد أوليتُك هذا الأمر ، فأصنع ما شئت .. » (1).
    ويُشير العديد من المؤرخين أنّه ( لما أرسل المختار برؤوس قتلة الاِمام الحسين عليه السلام وأولاده وأصحابه إلى الاِمام ، خرّ الاِمام ساجداً ودعا له وجزّاه خيراً ) (2) .
    أما ما ينقله بعض المؤرخين من سلبية موقف الاِمام السجاد من المختار وثورته فإنّه يمكن أن يُقرأ من ثلاثة أبعاد :
    الاَول : هو محاولة هؤلاء المؤرخين تشويه تلك الثورة التي أدخلت السرور على بنات المصطفى ونساء الرسالة (3) ، وإن جنحت في بعض
    ____________
    (1) المختار الثقفي| أحمد الدجيلي : 59. وراجع : مناقب آل أبي طالب 4 : 157.
    (2) رجال الكشي : 125 ـ 127. وشرح الاَخبار 3 : 270. وتاريخ اليعقوبي 2 : 259.
    (3) جاء في تاريخ اليعقوبي 2 : 259 ما نصّه : ( وروى بعضهم أن علي بن الحسين لم يُرَ ضاحكاً
    =



    مقاطعها انفعالاً وشططاً.
    الثاني : هو قيام الاِمام السجاد عليه السلام بأداء دور كان لابدّ له أن يؤديه ، لكي يُبعد عن أذهان الاَمويين المتربصين به ارتباطه بهذا الثائر العظيم ، وبالتالي تبرير استهدافه وقتله من قبلهم ، أو السماح لهم بتسويغ هذا الفعل ، أي منحهم التبرير لذلك ، قبل إتمام أهدافه واستكمال المهمة التي يريد أن يأتي إلى آخر مشوارها أو آخر شوطٍ فيها.
    الثالث : عدم تحمّله عليه السلام مسؤولية الاِسراف في القتل الذي يُرافق الثورات الانتقامية أو الثأرية عادةً ، وخاصة تلك البعيدة عنه ، والتي لم ينسّق رجالها معه لا في الاِعداد ولا في التنفيذ...
    ومن هنا كان موقفه المعروف من المختار حين جزّاه خيراً من جهة ، ولكنه رفض استلام أمواله أو قبول بيعته من جهة اُخرى ، كما تقول الروايات التاريخية .. (1).
    وهذا ما أراد تثبيته فعلاً من مواقف في ثورات اُخرى ، كان لا ينبغي أن تحسب عليه مقاطع الحرق والتعذيب وقطع الرؤوس والتمثيل بالاَجساد والشماتة ، وما إلى ذلك.
    ____________
    =
    يوماً قط منذ قُتل أبوه إلاّ في ذلك اليوم ، وأنّه كان له إبل تحمل الفاكهة من الشام ، فلما أتى برأس عبيدالله بن زياد أمر بتلك الفاكهة ، ففرّقت في أهل المدينة ، وامتشطت نساء رسول الله واختضبن ، وما امتشطت امرأة ولا اختضبت منذ قتل الحسين بن علي ... ) ويضيف المصدر نفسه في نفس الصفحة : ( أنّ المختار تتبع قتلة الحسين ، فقتل منهم خلقاً عظيماً ، حتى لم يبقَ منهم أحد ، وقُتل عمر بن سعد وغيره ، وحُرّق بالنار ، وعذّب بأصناف العذاب .. ).
    (1) مناقب آل أبي طالب 4 : 157. ومروج الذهب 3 : 83. ورجال الكشي : 126 رقم 200.


    الموقف من الظالمين :
    موقفه من عبدالملك وهشام :
    بعد أن رسّخ الاِمام السجاد عليه السلام موقعه في قاعدته الشعبية ، وبعد أن عُرف إماماً عادلاً ورعاً تقياً نقياً ، يعرف الدين وحدوده ، وأصوله وفروعه ، ويقف وجهاً لوجه لمقارعة مغتصبي الخلافة والولاية والاِمامة من الاَمويين وأزلامهم.. وحين شعر أنّهم سيقتلونه لا محالة ، إثر اتساع قاعدته وشهرته وظهور أمره ، صار لزاماً عليه أن يُشهر عداءه و ( يُظهر علمه ) في مقارعتهم ومواجهتهم وكشف زيفهم وأحابيلهم.. وبكلمة اُخرى ، يقلّص دائرة التقيّة التي اتّسعت له سنين طويلة للامتداد اُفقاً وعمقاً في الوسط الجماهيري ، ولم يبق أمامه إلاّ اقتحام المحظور والمتهيب والمسكوت عنه في هذا الوسط المهزوم المغلوب على أمره ، المضلّل بالخطاب الاِعلامي الاَموي الموجّه الضاغط...
    رأى الاِمام عليه السلام أن الخطوة الاُولى التي عليه تقحّمها رغم وعورتها وخطورتها هو كسر هيبة الحكام الاَمويين وتهشيم هالتهم التي صنعوها بشراستهم وفرعونيتهم ودعاواهم العريضة بالانتساب إلى الاِسلام ونبي الاِسلام...
    فقد روي أن عبدالملك بن مروان كان يطوف بالبيت العتيق ، وعلي بن الحسين يطوف أمامه غير ملتفت إليه ، أو لا يلتفت إليه. فقال عبد الملك من هذا الذي يطوف بين أيدينا ؟ ولا يلتفت إلينا ؟ فقيل له : إنّه علي بن الحسين.
    فجلس عبدالملك مكانه غاضباً وقال : ردّوه إليَّ فردّوه ، فقال له : يا




    علي بن الحسين ، إنّي لستُ قاتل أبيك ! فما يمنعك من السير إلينا ؟ !
    فأجابه عليه السلام : « إنّ قاتل أبي أفسد ـ بما فعله ـ دنياه عليه ، وأفسد أبي عليه آخرته. فإن أحببت أن تكون هو فكن.. » (1).
    ويبدو من هذه السطور أن الاِمام كان مقاطعاً عبدالملك ، أو أن مقاطعته ليست مجرّد عزلة أو مقاطعة عابرة ، وإنّما مقصودة ومتعمّدة ، وتعبّر عن موقف سياسي وإعراض متعمّد مع سبق الاِصرار ، ولعلّها أظهر أشكال الجهاد السياسي واتخاذ الموقف السياسي في حدود المعروف أو المسموح به في ذلك العهد...
    كما أن قول عبدالملك : ( إنّي لست قاتل أبيك ) يتضمّن الغلظة ويوحي بالتهديد والتوّعد والاِرهاب. فيما كان ردّ الاِمام : « إن أحببت أن تكون هو فكن » يعبّر عن تحدٍّ سافر لسلطة خليفة متجبّر لا يمنعه فعل أي شيء ، بما في ذلك القتل وسفك الدم ، وفي ذلك دليل قاطع على أنّ الاِمام عليه السلام لم يكن في هذه المرحلة ذلك الوديع الموادع ، المنعزل عن الدنيا ، المشغول بالدعاء والعبادة ، البكّاء الحزين ، وإنّما المواجه ، المنازل ، الشديد ، القاطع ، المقاطع ، المتحدي ، العنيف الذي لا يخشى الاِرهاب ولا يرهبه استخدام الطغاة عصاهم الغليظة ، أو تلويحهم بهراوات الاِهانة أو التصفية أو الموت...
    وهكذا كان موقفه عليه السلام مع عبدالملك هذا في قصة سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الموجود عنده ، والذي حاول عبدالملك استفزاز الاِمام عليه السلام بطلب ذلك السيف أو استيهابه منه أو أخذه منه ، لما فيه من رمزية يمكن
    ____________
    (1) بحار الاَنوار 46 : 120. وإثبات الهداة | الحر العاملي 3 : 15.



    أن يوظّفها الحاكم الظالم إلى شرعيته المزيفة ، فأبى الاِمام عليه السلام إعطاء السيف ، فكتب إليه عبدالملك يهدّده بأن يقطع رزقه من بيت المال... فأجاب الاِمام عليه السلام : « أما بعد.. فإنّ الله تعالى ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون ، والرزق من حيث لا يحتسبون ، وقال جلّ ذكره : ( إن الله لا يحبُّ كل خوّان كفور ) ، ثم قال : فاُنظر أيّنا أولى بهذه الآية ؟ » (1).
    ويظهر من رفض الاِمام إعطاء السيف ، وتوظيفه لهذه الآية الكريمة ، وقوله : ( أيّنا أولى بها ) ! واستصغاره لتهديد الخليفة بقطع رزقه من بيت المال واستهانته بطلبه ، أن القطيعة بالغ حدّها بين الطرفين ، وأن المواجهة في أقصاها ، وأن كلمة الحجاج الثقفي الذي كتب إلى عبدالملك ما نصه ( إنّ أردت أن يثبت ملكك ، فاقتل علي بن الحسين ) (2) ، إنّما تعبّر تعبيراً دقيقاً هي الاُخرى ، عن شدّة المواجهة وعمق الاَزمة وخطورة الموقف.
    كان هذا إذن موقف الاِمام عليه السلام مع عبدالملك بن مروان أو بعض مواقفه ، وهكذا كان موقفه عليه السلام مع هشام بن عبدالملك ، في قضية الحجر الاَسود المارّة الذكر ، وكيف أن الاَمويين سجنوا الفرزدق على قصيدة شعرية اعتبروها إهانة لمقام الخلافة ، فيما سارع الاِمام السجاد عليه السلام للاتصال بالفرزدق وهو في السجن ، ووصله بشيء رمزي من المال تعضيداً له على موقفه ، ومكافأة لموقفه الشجاع ذاك ، وتعبيراً عن مواساةٍ واضحة المقاصد والاَهداف في العرف السياسي السائد...
    ____________
    (1) اُنظر المناقب | ابن شهرآشوب 4 : 302. وبحار الاَنوار 46 : 95. والآية من سورة الحج22 | 38.
    (2) بحار الاَنوار 46 : 28 .


    الموقف من أعوان الظلمة :
    إن الطواغيت ليس بإمكانهم الوصول إلى مآربهم إذا لم يجدوا أعواناً لهم يعينونهم على ما يقومون به من مظالم ومآثم... ولعلَّ من السذاجة بمكان إلقاء اللوم على عاتق شخص واحد توضع على مشجبه أو شماعته كل الجرائم والجنايات التي ترتكب بحق الاُمم والشعوب ، وإغضاء الطرف عن الدائرة المحيطة به ، الملتفة حوله ، بدءاً بولاته وقادته العسكريين ، مروراً بإعلامييه وأبواقه وفقهائه ووعاظ سلطته ، وانتهاءً بهذا المطرب أو ذاك الشاعر اللذين لا ينفكان ينشدان لنظامه الظالم ويروّجان له ويخففان جرائمه ويأخذان على أيدي من يحاول التعريض به أو الحديث عن جرائمه...
    ولعلّ الزيارة الشهيرة المعروفة بزيارة « عرفة » الخاصّة بالاِمام الحسين عليه السلام التي جاء نصّها : « ... فلعن الله أمةً قتلتك ، ولعن الله أمةً ظلمتك ، ولعن الله أمةً سمعت بذلك فرضت به .. » تعبّر بشكل واضح وصريح عن هذه النقطة المهمة ، أي على ضرورة تحميل الاُمّة مسؤولية حرب الحسين عليه السلام ومناهضته وتكثير سواد خصومه.
    هذا الخيط الرابط بين الطاغية وبين أعوانه ، استطاع الاِمام السجاد عليه السلام تشخيصه بدقّة ، وتأكيده والطرق عليه... أي إن موالاة الجائر تعتبر كبيرة من الكبائر لما تنطوي عليه من تمكين واضح له لدرس الحق وإحياء الباطل وإظهار الظلم والجور ، وإبطال الكتب ، وقتل الاَنبياء والمؤمنين ، وهدم المساجد وتبديل السُنّة وتغيير شرائع الله وتعاليم دينه..
    فكانت الخطوة الثانية هي : تنبيه الاَمّة على أنّ أيّ تعامل مع الحكام




    وأية مساعدة لهم ، حتّى في أبسط الاَمور وأدنى الاَشياء يعتبر تقويةً لحكومتهم ، ومشاركةً لهم في جناياتهم لاَنّ تقديم أيّ خدمةٍ لهم وإن كانت ضئيلة جدّاً يكون ـ بقدره ـ تمكيناً ومعاضدةً لهم ، فراح عليه السلام يؤكد على *** ( من لاق لهم دواة ، أو قطّ لهم قلماً ، أو خاط لهم ثوباً ، أو ناولهم عصاً ) ، بل حرّم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم (1).
    اعتمد الاِمام السجاد عليه السلام هذه القاعدة الاِسلامية ، وجعلها ركيزة مهمة في مقاومة النظام الفاسد ، وحاول تجريده من سلاح الوعّاظ المحيطين به ، أو عصابات المتزلّفين المتملّقين الذين تمرّر السلطة الظالمة مشاريعها من خلال ملقهم وتزلّفهم وتلميعهم لاجراءات هذه السلطة لدى العوام والسذّج والبسطاء...
    وكان الاِمام السجاد كثيراً ما يقول : « العامل بالظلم والمعين له ، والراضي به شركاء ثلاثة » (2).
    وكان عليه السلام يحذّر الناس من التورّط في أعمال الظلمة ، ولو بتكثير سوادهم والتواجد في مجالسهم ومصاحبتهم ، لاَنّ الظالم لايريد من الصالح فعلاً الاستفادة من صلاحه أو الاقتداء به ، وإنّما يحاول توريطه في جرائمه وآثامه أو توظيفه لتحقيق مفاسده ومشاريعه.. فكان عليه السلام يقول « ... ولا يقول رجل في رجل من الخير مالا يعلم ، إلاّ أوشك أن يقول فيه من الشرّ مالا يعلم ، ولا اصطحب اثنان على غير طاعة الله إلاّ أوشك أن يتفرّقا على
    ____________
    (1) تحف العقول : 332.
    (2) راجع : بلاغة علي بن الحسين عن الاثني عشرية | العاملي : 224.


    غير طاعة الله... » (1).
    قد يتصوّر بعض الناس من ذوي المكانة في المجتمع أنّ اصطحاب أولئك الحكّام الظالمين لا يضرّ شيئاً ، وإنّما يفيد خدمة أو تقديم خدمة للطرفين : للظالم بتخفيف ظلمه والحدّ من سُعاره ، ولاَعوان الصالح وأصحابه ليكفيهم شرّه ويدفع عنهم وعن إخوانهم ضرره ، وما دروا ، أو غاب عنهم ، خبث الظالم باستغلال صلاحهم وأسمائهم وسمعتهم في تنفيذ ما لا يرضي الله ، وتمريره على البسطاء من الناس والتغرير بهم... وربما راحوا يستعملون كلمات الملاطفة والتبجيل المقنّع لهذا الظالم أو ذاك ، متوهّمين أن في بعض ذلك تصحيحاً لتصرفاته وتقليص هوسه ، متناسين براءة الناس وانخداعهم به عبر إسباغ الشرعية على أفعاله من قبل هؤلاء وذلك بالتقرّب إليه أو القرب منه ، وما يجرّ ذلك من ارتجاج قيم ونسف مقاييس واهتزاز ثوابت ومعايير.
    ولعلّ أكثر مواقف الاِمام عليه السلام وضوحاً في مساعيه لسلخ الوعّاظ عن حاشية الحاكم الظالم هو موقفه عليه السلام من الزهري الذي أكسبه الاَمويون شهرة عظيمة ، وروّجوا له كثيراً ، حيث شدّد هو والعلماء الصالحون النكير عليه لقربه من بني أمية والسكوت عن جرائمهم وشنائعهم ، ففيما كان هو يبرّر صحبته لهم بقوله : ( أنا شريك في خيرهم دون شرهم ). كان العلماء يردّون عليه بقولهم : ( ألا ترى ماهم فيه فتسكت ؟! ) (2). فيسكت ولا يحير جواباً.
    ____________
    (1) تاريخ دمشق ( الحديث 128 ) ومختصره لابن منظور 17 : 24.
    (2) لاحظ وفيات الاَعيان| ابن خلّكان 3 : 371.


    ومن حوارات الاِمام الساخنة مع بعض أعوان الظلمة ردّه على الزهري هذا الذي قال للاِمام يوماً : ( كان معاوية يُسكته الحلم ، ويُنطقه العلم ) !! فقال الاِمام : « كذبت يا زهري ، كان يُسكته الحصر ، وينطقه البطَر » (1).
    وأكثر من ذلك تقريعه الزهري وعروة بن الزبير وهما جالسان في مسجد المدينة ينالان من الاِمام علي عليه السلام ، فبلغه ذلك ، فجاء حتى وقف عليهما ، فقال : « أما أنت يا عروة فإنّ أبي حاكم أباك الى الله ، فحكم لاَبي على أبيك ! وأما أنت يا زهري فلو كنت بمكة لاَريتك كِيرَ أبيك » (2).
    ولنا مع الزهري هذا وموقف الاِمام منه ، الجولة الاَخيرة في هذا البحث الموجز المقتضب.. فإلى حين يأتي هذا المشوار ، وما أخفاه أو يخفيه في سطوره وكلماته ودقّة معانيه وعباراته... نقف عند كلمات الاِمام السجاد عليه السلام التي يوجهها من محرابه دروساً يستنير بها المظلومون ، وسهاماً في نحور الظالمين.
    « اللهمّ إنّ الظَلَمة جحدوا آياتك ، وكفروا بكتابك ، وكذّبوا رسلك واستنكفوا عن عبادتك ، ورغبوا عن ملّة خليلك ، وبدّلوا ما جاء به رسولك ، وشرّعوا غير دينك ، واقتدوا بغير هداك ، واستنّوا بغير سنّتك ، وتعدّوا حدودك ، وتعاونوا على إطفاء نورك ، وصدّوا عن سبيلك ، وكفروا نعماءك ، ولم يذكروا آلاءك ، وأمنوا مكرك ، وقست قلوبهم عن ذكرك ، واجترأوا على معصيتك ، ولم يخافوا مقتك ، ولم يحذروا بأسك واغترّوا بنعمتك... » .
    ويواصل عليه السلام بيانه السياسي العبادي الغاضب هذا ، مستنهضاً متمرداً
    ____________
    (1) الاعتصام 2 : 257. ونزهة الناظر : 43.
    (2) شرح نهج البلاغة 4 : 102.


    ثائراً ليقول :
    « اللهمّ إنّهم اتخذوا دينك دغلاً ، ومالك دولاً ، وعبادك خولاً... اللهمّ افتِتْ أعضادهم واقهر جبابرتهم ، واجعل الدائرة عليهم ، وأقضض بنيانهم ، وخالف بين كلمتهم ، وفرّق جمعهم ، وشتّت شملهم ، واجعل بأسهم بينهم ، وابعث عليهم عذاباً من فوقهم ، ومن تحت أرجلهم ، واسفك بأيدي المؤمنين دماءهم ، وأورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم... » .
    إلى أن يقول عليه السلام شارحاً ، موضّحاً ، مفصّلاً :
    « اللهمّ إنّهم اشتروا بآياتك ثمناً قليلاً ، وعتوا عتوّاً كبيراً... اللهمّ إنّهم أضاعوا الصلوات واتّبعوا الشهوات.. اللهمّ ضلّل أعمالهم ، واقطع رجاءهم ، وادْحَضْ حجتهم ، واستدرجهم من حيث لا يعلمون ، وآتهم بالعذاب من حيث لا يشعرون ، وأنزل بساحتهم ما يحذرون ، وحاسبهم حساباً شديداً ، وعذّبهم عذاباً نكراً ، واجعل عاقبة أمرهم خُسراً... » (1).
    وهكذا ، في كلِّ كلمة ثورة ، وفي كلِّ عبارة لوحة ، وفي كلِّ جملة بيان وإيضاح للثوار والاَحرار والشرفاء.
    وليس كما تقول تلك الكاتبة الجامعية التي أكّدت : « أنّ الشيعة بمصرع الحسين افتقدت الزعيم الذي يكون محوراً لجماعتهم وتنظيمهم والذي يقودهم إلى تحقيق تعاليمهم ومبادئهم ، وانصرف الاِمام علي زين العابدين عن السياسة إلى الدين وعبادة الله عزَّ وجلّ وأصبح للشيعة زعيماً روحياً ولكنه لم يكن الثائر السياسي الذي يتزعم جماعة الشيعة.. »
    ____________
    (1) الاقبال | السيد بن طاووس : 45. والصحيفة الخامسة السجادية : 405.


    إلى أن تقول : « وحاول المختار بن أبي عبيدة الثقفي أن ينتزع علياً من حياة التعبّد والاشتغال بالعلم إلى ميادين السياسة دون جدوى... » (1).

    كتاب الاِمام السجاد عليه السلام إلى الزهري :
    حين أوغل الزهري في دائرة الحكم الاَموي الغاشم ، والتحق ببلاط السلطة بالكامل ، وحين لم يبق أمام الاِمام بدّ من كشف الزيف في هذه المواقف ونفاقيتها ونفعيتها ، ورغم ماقد يكلفه هذا الكشف من ضريبة ربما تكون باهضة.. إلاّ أن الاِمام كتب إلى الزهري كتاباً ضمّنه أدّق الخيوط سياسةً وعمقاً ، ورواه العامة والخاصة ، ونقله العديد من المؤرخين وكتّاب السير بفروق بسيطة.
    قال الغزالي ما نصه : ( إنّ هذه الرسالة كُتبت إلى الزهري لما خالط السلطان ) (2) ، كما رواها ابن شعبة (3) وآخرون.. وفيما يلي بعض نصوص هذه الوثيقة السياسية السجادية التاريخية الدقيقة ، نتركها بلا تعليق أولاً ، ثم نتبعها بشيء من التعليق فيما بعد :
    « ... أما بعد.. كفانا الله وإياك من الفتن ، ورحمك من النار ، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك ، فقد أثقلتك نعم الله بما أصحَّ من بدنك ، وأطال من عمرك ، وقامت عليك حججه الله بما حمّلك من كتابه ، وفقّهك من دينه ، وعرّفك من سُنّة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فرضي لك في
    ____________
    (1) د. سميرة الليثي | جهاد الشيعة : 29.
    (2) إحياء علوم الدين | الغزالي 2 : 143. والمحجة البيضاء في إحياء الاَحياء 3 : 260.
    (3) تحف العقول : 274. والمحجة البيضاء 3 : 260.


    كلِّ نعمة أنعم بها عليك ، وفي كلِّ حجّة احتج بها عليك..
    فانظر أي رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله ! فسألك عن نعمه عليك ، كيف رعيتها ؟ وعن حججه عليك ، كيف قضيتها ؟!
    ولا تحسبنَّ الله قابلاً منك بالتعذير ، ولا راضياً منك بالتقصير ! هيهات.. هيهات ! ليس كذلك إنّه أخذ على العلماء في كتابه إذ قال : ( لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) (1).
    واعلم أن أدنى ما كتمت ، وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم ، وسهلت له طريق الغيّ بدنوّك منه حين دنوت ، وإجابتك له حين دُعيت.
    فما أخوفني أن تبوء بإثمك غداً مع الخونة ، وأن تُسأل عما أخذتَ بإعانتك على ظلم الظلمة ! إنّك أخذتَ ماليس لك ممن أعطاك ، ودنوت ممن لم يردّ على أحد حقاً ، ولم تردّ باطلاً حين أدناك ، وأحببت من حادّ الله... » .
    ثم يتساءل الاِمام السجاد عليه السلام مستنكراً مستفهماً دقيقاً حين يقول « أوليس بدعائهم إياك حين دعوك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم ، وسلّماً إلى ضلالتهم.. » لاحظ... ويواصل عليه السلام رسالته هذه قائلاً : « داعياً إلى غيّهم ، سالكاً سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم..
    فما أقلَّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك ، وما أيسر ما عمّروا لك ! فكيف ماخرّبوا عليك ، فانظر لنفسك ، فإنّه لا ينظر إليها غيرك وحاسبها
    ____________
    (1) سورة آل عمران : 3 | 187.


    حساب رجل مسؤول ... انظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً ؟
    فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه : ( فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب ، يأخذون عرض هذا الاَدنى ويقولون سيغفر لنا ) (1) !
    بعدها يروح الاِمام السجاد عليه السلام يحذّره الله والآخرة ، ويذكّره بما ينبغي أن يتذّكره ، أو يذكّر به فيقول : « إنّك لست في دار مقام ، أنت في دار قد آذنت برحيل ... طوبى لمن كان في الدنيا على وجل ، يا بؤس من يموت وتبقى ذنوبه من بعده . إحذر فقد نُبئت ، وبادر فقد اُجّلت . إنّك تُعامل من لايجهل ، وإن الذي يحفظ عليك لا يغفل . تجهّز فقد دنا منك سفر بعيد ، وداو دينك فقد دخله سقم شديد ...
    ولا تحسب أني أردتُ توبيخك وتعنيفك وتعييرك ، لكني أردت أن يُنعش الله ما فات من رأيك ، ويردّ إليك ما عزب من دينك ، وذكرت قول الله تعالى : ( وذكّر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين ).
    أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك ، وبقيت بعدهم كقرن أعضب.. اُنظر : هل إبتلوا بمثل ما ابتُليت به ؟ أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه ؟ أم هل تراهم ذكرتَ خيراً أهملوه ؟ وعلمت شيئاً جهلوه ؟
    بل حظيت بما حلَّ من حالك في صدور العامّة ، وكلفهم بك ، إذ صاروا يقتدون برأيك ، ويعملون بأمرك ، إن أحللت أحلّوا ، وإن حرّمت حرّموا ، وليس ذلك عندك ، ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك ذهاب علمائهم ، وغلبة الجهل عليك وعليهم ، وحبّ الرئاسة ، وطلب الدنيا منك
    ____________
    (1) سورة آل عمران : 3 | 168.


    ومنهم .
    أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة ؟ وما الناس فيه من البلاء والفتنة؟ ! قد ابتليتهم ، وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا ، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت ، أو يدركوا به مثل الذي أدركت ، فوقعوا منك في بحر لا يُدرك عمقه وفي بلاء لا يقدر قدره ، فالله لنا ولك ، وهو المستعان... » .
    بعد ذلك يروح الاِمام السجاد محذّراً منذراً ، مذكّراً منبّهاً ، ينتقل من الدنيا إلى الآخرة ومن الاَرض إلى السماء ، ومن الغيب إلى الواقع ومن الواقع إلى الغيب ، لا تفوته إشارة إلاّ لمّح لها ولا يترك فراغاً إلاّ ملأه ، فيقول : « أما بعد ... فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلتحق بالصالحين الذين دُفنوا في أسمالهم ، لاصقةً بطونهم بظهورهم ، ليس بينهم وبين الله حجاب ، ولا تفتنهم الدنيا ولا يُفتنون بها.
    فإن كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ ، مع كبر سنّك ورسوخ علمك ، وحضور أجلك ، فكيف يسلم الحدث في سنّه ؟ الجاهل في علمه ؟ المأفون في رأيه ؟ المدخول في عقله ؟ ! ... على من المعوّل ؟ وعند من المستعتب ؟ نشكو إلى الله بثّنا ، وما نرى فيك ! ونحتسب عند الله مصيبتنا بك...
    فاُنظر : كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً.. ! وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلاً ! وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيراً !! وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك ان تكون منه قريباً ذليلاً !!
    مالك لا تنتبه من نعستك ؟ وتستقيل من عثرتك ؟ فتقول : والله ما قمت لله




    مقاماً واحداً أحييت به له ديناً ! أو أمّتُ له فيه باطلاً ! ! أفهذا شكرك من استحملك ؟ ! ما أخوفني أن تكون كما قال الله تعالى في كتابه : ( أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّاً ) (1)استحملك كتابه ، واستودعك علمه ، فأضعتهما ! فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به ! والسلام... (2) .
    وهكذا يتّضح من سطور هذه الرسالة وحروفها وكلماتها ، أنّ الاِمام السجاد عليه السلام دخل في مواجهة مكشوفة مع السلطة الحاكمة ، عبر تنديده العلني هذا بأحد رموزها ، المقربين من بلاطها ، أي عبر تحذيره وإنذاره وتوبيخه وتأنيبه له : « مالك لا تنتبه من نعستك ؟ ولا تستقيل من عثرتك؟ » ... « أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة ؟ وما الناس فيه من البلاء والفتنة ؟ » .
    إذن ، وبايجاز جليّ وواضح ، وكلمات ساطعة صادحة ، كشف الاِمام ، من خلال هذه الرسالة ، كل الخيوط المخفية التي يتستر بها وعّاظ السلاطين عادة ، للتعتيم على نفعيتهم ووصوليتهم ولصوصيتهم (3) .
    ____________
    (1) سورة مريم : 19| 59.
    (2) وردت الرسالة في تحف العقول : 274 ـ 277. ورواها الحائري في بلاغة علي بن الحسين عليه السلام : 122 ـ 126. ورواها المقرّم في الاِمام زين العابدين : 154 ـ 159. ورواها الغزالي في إحياء علوم الدين 2 : 143.
    (3) جاء في كتاب « الكشكول » المعروف لبهاء الدين العاملي ما نصه : ( إذا رأيت العالم يلازم السلطان فاعلم أنه لص. وإياك أن تُخدع بما يقال إنّه يردّ مظلمة أو يدافع عن مظلوم ، فان هذه خدعة ابليس اتخذها فخّاً والعلماء سلّما ً) راجع كتاب الفقيه والسلطان | د. وجيه كوثراني : 155 .


    « لقد سهّلت له طريق الغيّ بدنوّك منه ، وأنك سوف تُسأل عمّا أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة.. » الذين « جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم ، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلّماً إلى ضلالتهم » ! وغير ذلك مما يعدّ وثيقة سياسية دقيقة جداً ومعبّرة جداً لكلِّ من يحاول تبرير قربه من الظلمة أو إدعائه إصلاحهم بوعظه وإرشاده ونصائحه...
    ولعلّ الموقف من أعوان الظلمة هذا هو أدّق الخيوط في نسيج التعامل السياسي الذي ينبغي غزله أو السير فيه بدّقة وحذر متناهيين...
    ولذلك نرى الاِمام يدعو لاَهل الثغور في دعائه المعروف « دعاء الثغور » تارة ، قبال عدوّ مشترك تنكمش لتحدّيه الجزئيات أمام الكليات ، فيما نراه يندّد بحكام الثغور وأعوانهم وظلمهم وتعسفهم تارة اُخرى في الدائرة الاَضيق ، أو ما يُسمى في المصطلح الحديث « النقد داخل البيت » وبهذا الاسلوب المندد المقرع : « والله ما قمت له مقاماً واحداً أحييت به له ديناً ، أو أمتّ له فيه باطلاً » !
    فمن هذه المداخلات ، إذن ، ومن هذه الخيوط الدقيقة تجب دراسة الاِمام السجاد وقراءة مواقفه قبل الحكم له أو عليه عليه السلام . ومن هذه القراءة يمكن أن تُفهم منطلقات الاِمام وأهدافه في سكوته أو كلامه ، وفي عزلته أو تصديه وفي صمته أو ثورته ، لاسيّما وهو القائل في ردّه على من يقول( إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب ) .. « لكلِّ واحد منهما آفات ، وإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت » وأضاف : « لاَنّ الله عزَّ وجلّ ، ما بعث الاَنبياء ، والاَوصياء بالسكوت ، وإنما بعثهم بالكلام ، ولا استُحقت الجنة بالسكوت.. ولا استُوجبت ولاية الله بالسكوت ، ولا توقيت النار بالسكوت ! » .



    وأكثر من ذلك : « إنّك تصف فضل السكوت بالكلام ، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت.. » (1) وتلك هي الحكمة البالغة والبيان البليغ..
    فسلام على الاِمام السجاد ساكتاً ومتكلماً ، وسلام عليه معتزلاً ومتصدياً ، وسلام عليه داعياً لاَهل الثغور ومندداً بظلمهم وجورهم وتعسفهم ، وسلام عليه مصفحاً متغافلاً عن عبد من عبيدالله سبَّه وشتمه ، ومعنّفاً مقرّعاً لواعظ من وعّاظ السلاطين جعل من نفسه جسراً لبلايا سلاطينه ، وسلّماً لضلالهم وغواياتهم ...
    ____________
    (1) الإحتجاج | الطبرسي : 315 .
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-11-22
  11. jawvi

    jawvi قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-06-05
    المشاركات:
    8,781
    الإعجاب :
    0
    الإمام علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) ​





    • جده: أمير المؤمنين (عليه السلام).

    • أبوه: الحسين الشهيد.

    • أمه: شاه زنان ـ أي ملكة النساء ـ بنت يزد جرد بن شهريار بن كسرى ـ ملك الفرس ـ سماها أمير المؤمنين (عليه السلام) (مريم) وقيل (فاطمة) وكانت تدعى (سيدة النساء).

    • أخوته: علي الأكبر، عبد الله الرضيع ـ الشهيدان في كربلاء ـ جعفر (توفي في حياة أبيه (عليه السلام)).

    • أخواته: سكينة، فاطمة، رقية.

    • ولادته: ولد في المدينة يوم الجمعة خامس شعبان سنة 38.

    • كنيته: أبو محمد.

    • ألقابه: زين العابدين، سيد الساجدين، سيد العابدين، الزكي، الأمين، ذو الثفنات.

    • شهد مأساة كربلاء، وواكب مسير العائلة بعد الفاجعة إلى الكوفة، ومنها إلى الشام.

    • أشهر زوجاته: فاطمة بنت الإمام الحسن السبط.

    • أولاده: محمد (أبو جعفر الباقر (عليه السلام)) عبد الله، الحسن، الحسين، زيد، عمر، الحسين الأصغر، عبد الرحمن، سليمان، علي، محمد الأصغر.

    • بناته: خديجة، أم كلثوم، فاطمة، عليّة.

    • نقش خاتمه: وما توفيقي إلا بالله.

    • شاعره: الفرزدق، كثير عزة.

    • بوابه: أبو جبلة، أبو خالد الكابلي، يحيى المطعمي.

    • كانت إقامته (عليه السلام) في المدينة، وكان فيها المفزع للمهمات، يفي على الأمة علماً وسخاءً.

    • إمامته: عاش بعد أبيه الحسين سنة، وهي مدة إمامته (عليه السلام).

    • ملوك عصره: يزيد بن معاوية، معاوية بن يزيد، مروان بن الحكم، عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك.

    • آثاره: الصحيفة السجادية، رسالة الحقوق.

    • سمه الوليد بن عبد الملك بن مروان.

    • وفاته: في الخامس والعشرين من المحرم سنة 95.

    • قبره: دفن في البقيع مع عمه الحسن (عليه السلام).

    • هدم قبره: في الثامن من شوال سنة 1344هـ هدم الوهابيون قبره، وقبور بقية الأئمة (عليهم السلام).
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-11-22
  13. jawvi

    jawvi قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-06-05
    المشاركات:
    8,781
    الإعجاب :
    0
    نعم وردتا عندنا بسند صحيح

    واليك نص الخطبتين ومصا درهن




    خطبه​


    كافأ الله بني أمية وبني العباس على عتوهم وتجبّرهم وظلمهم لأهل البيت (عليهم السلام)، وتضييقهم عليهم، ولم تكن هذه الإساءة لأشخاص الأئمة (عليهم السلام) فحسب، بل هي في الواقع لمجموع الأمة الإسلامية إذ حرموها من توجيهاتهم وإرشاداتهم (عليهم الصلاة والسلام)، وحالوا بينهم وبين القيام بمهامهم التي خصهم الله بها، وندبهم إليها، فكانوا (عليهم السلام) يتكتمون في تعاليمهم، ويتخفون بدروسهم، ويتقون بأمرهم، ولكن لله فيهم عناية في نشر هذه التعاليم بين الناس.

    وموضوع الخطب يحتاج إلى حرية في التصرف والعمل، وهذا مما حرموا منه (عليهم السلام)، ولكن وردت لبعضهم (عليهم السلام) خطب قليلة في مناسبات معينة، وفي هذا الفصل مما ورد للإمام زين العابدين (عليه السلام) من خطب:

    1ـ من خطبة له (عليه السلام) في الكوفة​


    وبعد أن خطبت أم كلثوم (عليها السلام) أومأ زين العابدين (عليه السلام) إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا، فقام قائماً فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي وصلى عليه، ثم قال:

    أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من انتهك حريمه، وسلب نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبراً وكفى بذلك فخراً؛ أيها الناس ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة ثم قاتلتموه وخذلتموه، فتباً لكم لما قدمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي.

    فارتفعت أصوات الناس بالبكاء من كل ناحية ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون.

    فقال (عليه السلام): رحم الله امرئً قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته، فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة.

    فقالوا: بأجمعهم: نحن كلنا يا بن رسول الله سامعون مطيعون، حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذ ترتك وترتنا مما ظلمك وظلمنا.

    فقال (عليه السلام): هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل؟ كلا ورب الراقصات إلى منى، فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي بالأمس وأهل بيته ومن معه، ولم ينسني ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي، ووجده بين لهازمي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري، ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا.
    ثم انشد (عليه السلام):

    قد كان خيراً من حسين وأكرما

    أصـــيب حسين كان ذلك أعظما

    جــــزاء الــذي أرداه نار جهنما

    لا غرو إن قتل الحسـين وشيخه

    ولا تفرحوا يا أهل كوفان بالذي

    قتيل بشط النهر روحي فــــداؤه

    (بحار الأنوار 10/225)



    2ـ من خطبة له (عليه السلام) بالشام​


    وأمر يزيد بمنبر وخطيب أن يصعد المنبر فيذم الحسين وأباه (صلوات الله عليهما)، فصعد الخطيب المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم بالغ في ذم أمير المؤمنين والحسين الشهيد، وأطنب في مدح معاوية ويزيد، فذكرهما بكل جميل. فصاح به علي بن الحسين (عليهما السلام):

    ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار.

    ثم قال: يا يزيد أتأذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا، ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب، فأبى يزيد عليه ذلك، فقال الناس: يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر، فلعلنا نسمع منه شيئاً.

    فقال: إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان.

    فقيل له: وما قدر ما يحسن هذا؟

    فقال: إنه من أهل بيت زقوا العلم زقاً، فلم يزالوا به حتى أذن له فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى علي، ثم خطب خطبة أبكى فيها العيون وأوجل منها القلوب، ثم قال:

    أيها الناس: أعطينا ستاً وفضلنا بسبع، أعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منّا النبي المختار محمداً (صلّى الله عليه وآله) ومنّا الصديق، ومنّا الطيار، ومنّا أسد الله وأسد رسوله، ومنا سيدة نساء العالمين، ومنّا سبطا هذه الأمة، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي.

    أيها الناس: أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبّى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السما، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أن ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسيفين وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين، رسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين، وأول السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين وناصر دين الله، وولي أمر الله، ولسان حكمة الله، وعيبة علمه، سمح سخي، بهلول زكي، أبطحي رضي، مقدام همام، صابر صوّام، مهذب قوّام، قاطع الأصلاب، ومفرّق الأحزاب، أربطهم عناناً، وأثبتهم جناناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة، وقربت الأعنة، طحن الرحى، ويذروهم ذرو الرياح الهشيم، ليث الحجاز، وكبش العراق، مكي مدني، حنيفي عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين الحسن والحسين، ذاك جدي علي بن أبي طالب (عليه السلام).

    ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء.

    فلم يزل يقول: أنا أنا، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام، فلما قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، قال علي (عليه السلام): لا شيء أكبر من الله.

    فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال علي بن الحسين: شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي.

    فلما قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله، التفت من فوق المنبر إلى يزيد فقال: محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته؟ (أعيان الشيعة 4ق1/433)



    3ـ من خطبة له (عليه السلام) في المدينة

    لما أقبل زين العبدين (عليه السلام) إلى المدينة بعد وقعة كربلاء، وخرج أهلها لاستقباله وهم في كباء وعويل، فأومأ إلى الناس بالسكوت وقال:

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بعُد فارتفع في السماوات العلا، وقرُب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصاب.

    أيها الناس: إن الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب وثلمة في الإسلام عظيمة، قتل أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) وعترته، وسبيت نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان، من فوق عامل السنان، وهذه الرزية لا مثلها رزية.

    أيّها الناس: فأيّ رجالات منكم يسرون بعد قتله، أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أية عين منكم تحبس دمعها، أو تضن عن انهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقربون، وأهل السماوات أجمعون.

    أيها الناس: أي قلب لا ينصدع لقتله، أم أي فؤاد لا يحن، وأي سمع لا يصم، أصبحنا مشردين مطرودين مذودين شاسعين عن الأمصار، كأنا أولاد ترك وكابل، من غير جرم أجرمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إن هذا إلا اختلاق، والله لو أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصية بنا لما زادوا على ما فعلوا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها وأفجعها، وأوجعها وأكضّها وأفظعها وأمرّها، فعند الله نحتسب مصابنا، وما بلغ بنا فإنه عزيز ذو انتقام؟

    فقام إليه صوحان بن صعصعة بن صوحان وكان زمِناً، واعتذر إليه بما هو مبتلى به من زمانة رجليه، فقبل (عليه السلام) عذره، وأحسن الظن به وشكره، وترحم على أبيه، ثم دخل المدينة بأهله وحرمه. (زين العابدين، للمقرم: 360)



    وصاياه

    ومن الوسائل التي اتبعها أئمتنا (عليهم السلام) للنهوض بالمجتمع هي وصاياهم الكثيرة، الحافلة بالإرشاد والتوجيه للأمة، ولو جمعت هذه الوصايا في مصنف مستقل لسدت فراغاً كبيراً في المكتبة الأخلاقية، لما احتوته من نصائح وحكم ودعوة إلى الخير والفضيلة.

    وفي هذه الصفحات بعض ما ورد من وصايا الإمام علي بن الحسين (عليهما السلام):



    1ـ من وصية له (عليه السلام) لابنه الإمام الباقر (عليه السلام):

    يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق.

    فقال: يا أبت من هم عرّفنيهم؟

    قال: إياك ومصاحبة الكذاب، فإنه بمنزلة السراب، يقرّب البعيد، ويبعّد لك القريب، وإياك ومصاحبة الفاسق، فإنه بائعك بأكلة أو أقل من ذلك، وإياك ومصاحبة البخيل، فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه؛ وإياك ومصاحبة الأحمق، فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصاحبة القاطع لرحمه فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله عز وجل في ثلاثة مواضع، قال الله عز وجل: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ أنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) وقال عز وجل: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) وقال في البقرة: (يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). (أصول الكافي 2/641، صفة الصفوة 2/56 بلفظ مقارب)



    2ـ من وصية له (عليه السلام) لبعض أصحابه:

    قال أبو حمزة الثمالي: كان علي بن الحسين يقول لأصحابه:

    أحبكم إلى الله أحسنكم عملاً، وإن أعظمكم عند الله عملاً أعظمكم فيما عند الله رغبة، وإن أنجاكم من عذاب الله أشدكم خشية لله، وإن أقربكم من الله أوسعكم خلقاً، وإنّ أرضاكم عند الله أسبغكم على عياله، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم لله تعالى. (زين العابدين، للمقرم: 141)



    3ـ من وصية له (عليه السلام) أوصى بها الزهري:

    قال الإمام الباقر (عليه السلام): دخل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري على علي بن الحسين (عليه السلام) وهو كئيب حزين، فقال له: ما لك مغموماً؟

    قال: يا بن رسول الله هموم وغموم تتوالى عليّ لما امتحنت به من جهة حُسّاد نعمي، والطامعين فيّ، وممن أرجوه، وممن أحسنت إليه فيخلف ظني.

    فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): احفظ عليك لسانك تملك به إخوانك.

    فقال الزهري: يا بن رسول الله إنّي أحسن إليهم بما يبدر من كلامي.

    فقال (عليه السلام): هيهات هيهات، إياك أن تعجب من نفسك بذلك، وإياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل ما تسمعه شرّاً يمكنك أن توسعه عذراً.

    ثم قال: يا زهري من لم يكن عقله من أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما فيه، يا زهري أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك، فتجعل كبيرهم بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك، وتجعل تربك منهم بمنزلة أخيك فأيّ هؤلاء تحب أن تظلم، وأيّ هؤلاء تحب أن تدعو عليه، وأيّ هؤلاء تحب أن تهتك ستره، وإن عرض لك إبليس لعنه الله بأن لك فضلاً على أحد من أهل القبلة، فانظر إن كان أكبر منك فقل: قد سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإن كان أصغر منك فقل: قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وإن كان تربك فقل: أنا على يقين من ذنبي ومن شك من أمره، فما لي أدع يقيني لشكي، وإن رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك، فقل: هذا فضل أخذوا به، وإن رأيت منهم جفاءً وانقباضاً فقل: هذا الذنب أحدثته، فإنّك إن فعلت ذلك سهل الله عليك عيشك، وكثُر أصدقاؤك، وقلّ أعداؤك، وفرحت بما يكون من برهم، ولم تأسف على ما يكون من جفائهم.

    واعلم أن أكرم الناس على الناس من كان خيره عليهم فائضاً، وكان عنهم مستغنياً متعففاً، وأكرم الناس بعده عليهم من كان متعففاً وإن كان إليهم محتاجاً، فإنما أهل الدنيا يتعقبون الأموال، فمن لم يزدحمهم فيما يتبقونه كرم عليهم، ومن لم يزاحمهم فيها ومكنهم من بعضها كان أعز وأكرم. (الاحتجاج 2/52)



    4ـ من وصية له (عليه السلام) لأصحابه:

    عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين (عليهما السلام) لأصحابه:

    أوصيكم إخواني بالدار الآخرة ولا أوصيكم بدار الدنيا فإنكم عليها حريصون، وبها متمسكون، أما بلغكم ما قال عيسى بن مريم (عليه السلام) للحورايين؟ فإنه قال: الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تعمّروها. وقال: أيكم يبني على موج البحر داراً، تلكم دار الدنيا فلا تتخذوها قراراً. (زين العابدين، للمقرم: 176)



    5ـ قال الإمام الباقر (عليه السلام): كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول لولده:

    اتقوا الكذب، الصغير منه والكبير، في كل جدٍّ وهزل، فإن الرجل إذا كذب في الصغير اجترأ على الكبير؛ أما علمتم أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: لا يزال العبد يصدق حتى يكتبه الله عز وجل صادقاً، ولا يزال العبد يكذب حتى يكتبه الله كاذباً. (إرشاد القلوب 1/178)



    6ـ وصيته (عليه السلام) لسائر أصحابه وشيعته، وتذكيره إياهم كل يوم جمعة:

    أيها الناس: اتقوا الله واعلموا أنكم إليه راجعون، فتجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء، تودّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ويحذركم الله نفسه؛ ويحك يا بن آدم الغافل وليس مغفولاً عنه إنّ أجلك أسرع شيء إليك قد أقبل نحوك حثيثاً يطلبك، ويوشك أن يدركك، فكأن قد أوفيت أجلك وقد قبض الملك روحك، وصُيّرت إلى قبرك وحيداً، فردّ عليك روحك واقتحم عليك ملكاك منكر ونكير لمساءلتك، وشديد امتحانك، ألا وإن أول ما يسألانك عن ربك الذي كنت تعبده، وعن نبيك الذي أُرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تُدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، وعن عمرك فيما أفنيت، وعن مالك من أين اكتسبته وفيما أنفقته فخذ حذرك، وانظر لنفسك، وأعدّ الجواب قبل الامتحان والمساءلة والاختبار، فإن تك مؤمناً عارفاً بدينك، متبعاً للصادقين، موالياً لأولياء الله، لقّاك الله حجتك، وأنطق لسانك بالصواب فأحسنت الجواب، وبشرت بالجنة والرضوان من الله، واستقبلتك الملائكة بالرَوح والريحان، وإن لم تكن كذلك تلجلج لسانك، ودُحضت حجتك، وعييت عن الجواب، وبُشرت بالنار، واستقبلتك ملائكة العذاب بنُزُلٍ من حميم، وتصلية جحيم.

    واعلم يا بن آدم أن ما وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب، يوم القيامة، ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود، يجمع الله فيه الأولين والآخرين يوم ينفخ في الصور، ويبعثر فيه القبور، وذلك يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ذلك يوم لا تقال فيه عثرة، ولا تؤخذ من أحد فِدية، ولا تُقبل من أحد معذرة، ولا لأحد فيه مستقبل توبة، ليس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيئات، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من خير وجده، ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرة من شر وجده.

    فأحذروا أيها الناس من الذنوب ما قد نهاكم الله عنها وحذركموها في الكتاب الصادق، والبيان الناطق، ولا تأمنوا مكر الله وتدميره عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللذات في هذه الدنيا، فإن الله يقول: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) وأشعروا قلوبكم خوف الله، وتذكروا ما وعدكم في مرجعكم إليه من حسن ثوابه كما قد خوّفكم من شديد عقابه، فإنه من خاف شيئاً حذره، ومن حذر شيئاً تركه، ولا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الحياة الدنيا الذين مكروا السيئات وقد قال الله تعالى: (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ) أو يأخذهم على تخوف، فأحذروا ما حذركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه، ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما توعّد به القوم الظالمين في كتابه، فقد وعظم الله بغيركم، وإنّ السعيد من وعظ بغيره، ولقد أسمعكم الله في كتابه ما فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال: (وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً ءَاخَرِينَ) وقال: (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ) يعني يهربون. قال: (لاَ تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ) فلما أتاهم العذاب (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) فإن قلتم أيها الناس إن الله إنما عنى بهذا أهل الشرك، فكيف ذاك وهو يقول: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) اعلموا عباد الله أن أهل الشرك لا تنصب لهم الموازين، ولا تنشر لهم الدواوين وإنما يحشرون إلى جهنم زمراً، وإنما تنصب الموازين، وتنشر الدواوين لأهل الإسلام فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن الله لم يحب زهرة الدنيا لأحد من أوليائه، ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها، وظاهر بهجتها، فإنّما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملاً لآخرته، وأيم الله لقد ضربت لكم فيه الأمثال، وصرفت الآيات لقوم يعقلون، فكونوا أيها المؤمنون من القوم الذين يعقلون ولا قوة إلا بالله، وازهدوا فيما زهدكم الله فيه من عاجل الدنيا، فإنّ الله يقول وقوله الحق: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون، ولا تركنوا إلى الدنيا فإن الله قال لمحمد (صلّى الله عليه وآله): (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ولا تركنوا إلى هذه الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار، ومنزل استيطان، فإنها دار قلعة، ومنزل بلغة، ودار عمل، فتزوّدوا الأعمال الصالحة قبل تفرق أيامها، وقبل الإذن من الله في خرابها، فكأن قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها وهو ولي ميراثها.

    وأسأل الله لنا ولكم العون على تزود التقوى والزهد في الدنيا، جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل هذه الحياة الدنيا، الراغبين في آجل ثواب الآخرة، فإنما نحن له وبه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. (تحف العقول 182)


    رسائله​


    حياة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كلها دعوة إلى الله تعالى، وإعلاء لكلمته، وإشادة بأمره؛ فكانوا يتوسلون بكل السبل والوسائل لإرشاد الأمة وتوجيهها الوجهة الصحيحة، وكانت رسائلهم الخاصة هي بعض هذه الوسائل التي كانوا يستخدمونها للإرشاد والتبليغ.

    إن من يتصفح هذه الرسائل يجدها طافحة بالتعاليم الإسلامية، مملوءة بالمواعظ والحكم والأخلاق.

    نذكر بعض ما ورد من كتب الإمام زين العابدين (عليه السلام):



    1ـ من كتاب له (عليه السلام) إلى عبد الملك بن مروان جواباً عن كتاب كتبه إليه:

    أما بعد، فقد بلغني كتابك تعنفني بتزويجي مولاتي، وتزعم أنّه كان في نساء قريش من أمجد به في الصهر، واستنجبه في الولد، وأنّه ليس فوق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مرتقى في مجد، ولا مستزاداً في كرم، وإنما كانت ملك يميني خرجت مني بأمر إرادة الله عز وجل التمست فيه ثوابه، ثم ارتجعتها على سنته، ومن كان زكياً في دين الله فليس يخل به شيء من أمره، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، وتمم به النقيصة، وأذهب اللوم، فلا لوم على امرئ مسلم، إنما اللوم لوم الجاهلية والسلام.

    فلما قرأ عبد الملك الكتاب رمى به إلى ابنه سليمان فقرأه ثم قال: يا أمير المؤمنين: لشد ما فخر عليك علي بن الحسين.

    قال عبد الملك: لا تقل ذلك يا بني، فإنها ألسن بني هاشم، وإن علي بن الحسين يا بني يرتفع من حيث يتضع الناس.

    ثم التفت عبد الملك لجلسائه فقال: أخبروني عن رجل إذا أتى ما يضع الناس لم يزده إلا شرفاً.

    قالوا: ذاك أمير المؤمنين.

    قال: لا والله.

    قالوا: ما نعرف إلا أمير المؤمنين.

    فقال عبد الملك: فلا والله، ما هو بأمير المؤمنين، ولكنه علي بن الحسين. (زين العابدين، لسيد الأهل ص60)



    2ـ بلغ عبد الملك أن سف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عند علي بن الحسين فبعث يستوهبه منه ويسأله الحاجة، فأبى عليه، فكتب إليه عبد الملك يهدده، وأنّه يقطع رزقه من بيت المال.

    فأجابه (عليه السلام): أما بعد، فإن الله ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون. والرزق من حيث لا يحتسبون وقال جل ذكره: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) فانظر أيّنا أولى بهذه الآية. (بحار الأنوار 11/27، أعيان الشيعة 4/481)



    3ـ من كتاب له (عليه السلام) إلى محمد بن مسلم الزهري يعظه به:

    كفانا الله وإياك من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال لمن عرفك بها أن يرحمك، فقد أثقلتك نِعَم الله بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك، وقامت عليك حجج الله بما حمّلك من كتابه، وفقهك فيه من دينه، وعرّفك من سنة نبيه محمد (صلّى الله عليه وآله)، فرض لك في كل نعمة أنعم بها عليك، وفي كل حجة احتج بها عليك الفرض فما قضى إلا ابتلى شكرك في ذلك، وأبدى فيه فضله عليك فقال: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).

    فانظر أيّ رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله فسألك عن نعمه عليك كيف رعيتها، وعن حججه عليك كيف قضيتها، ولا تحسبن الله قابلاً منك بالتعذير، ولا راضياً منك بالتقصير، هيهات هيهات ليس كذلك، أخذ على العلماء في كتابه إذ قال: (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ).

    واعلم أن أدنى ما كتمت، وأخفّ ما احتملت أن آنست وحشة الظالم وسهلت له طريق الغي بدونك منه حين دنوت، وإجابتك له حين دعيت، فما أخوفني أن تكون تبوء بإثمك غداً مع الخونة، وأن تسأل عما أخذت بإعانتك على ظلم الظلمة؛ وأحببت من حادّ الله؛ أوَليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطباً أداروا بك رحى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسلماً إلى ضلالتهم، داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم، فلم يبلغ أخصّ وزرائهم، ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم، واختلاف الخاصة والعامة إليهم، فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، وما أيسر ما عمروا لك، فكيف ما خربوا عليك، فانظر لنفسك فإنه لا ينظر لها غيرك، وحاسبها حساب رجل مسؤول.

    وانظر كيف شكرك لمن غذّاك بنعمه صغيراً وكبيراً، فما أخوفني أن تكون كما قال الله في كتابه: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا).

    إنك لست في دار مقام، أنت في دار قد آذنت برحيل، فما بقاء المرء بعد قرنائه؛ طوبى لمن كان في الدنيا على وجل، يا بؤس لمن يموت وتبقى ذنوبه من بعده.

    أحذر فقد نبئت، وبادر فقد أجلت، إنك تعامل من لا يجهل، وإنّ الذي يحفظ عليك لا يغفل، تجهز فقد دنا منك سفر بعيد، وداو ذنبك فقد دخله سقم شديد، ولا تحسب أنّي أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك، لكني أردت أن ينعش الله ما فات من رأيك، ويرد إليك ما عزب من دينك، وذكرت قول الله تعالى في كتابه: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ).

    أغفلت ذكر من مضى من أسنانك وأقرانك، وبقيت بعدهم كقرن أعضب؛ انظر هل ابتلوا بمثل ما ابتليت، أم هل وقعوا في مثل ما وقعت فيه، أم هل تراهم ذكرت خيراً علموه، وعلمت شيئاً جهلوه، بل حظيت بما حلّ من حالك في صدور العامة وكلفهم بك، إذ صاروا يقتدون برأيك، ويعملون بأمرك إن أحللت أحلّوا، وإن حرّمت حرّموا وليس ذلك عندك ولكن أظهرهم عليك رغبتهم فيما لديك، ذهاب علمائهم وغلبة الجهل عليك وعليهم، وحب الرئاسة، وطلب الدنيا منك ومنهم، أما ترى ما أنت فيه من الجهل والغرّة وما الناس فيه من البلاء والفتنة، قد ابتليتهم وفتنتهم بالشغل عن مكاسبهم مما رأوا، فتاقت نفوسهم إلى أن يبلغوا من العلم ما بلغت، أو يدركوا به مثل الذي أدركت، فوقعوا منك في بحر لا يدرك عمقه، وفي بلاء لا يقدر قدره، فالله لنا ولك وهو المستعان.

    أما بعد فأعرض عن كل ما أنت فيه حتى تلحق بالصالحين الذي دفنوا في أسمالهم لاصقة بطونهم بظهورهم، ليس بينهم وبين الله حجاب، ولا تفتنهم الدنيا ولا يفتنون بها، رغبوا فطلبوا، فما لبثوا أن لحقوا، فإذا كانت الدنيا تبلغ من مثلك هذا المبلغ مع كبر سنك، ورسوخ علمك، وحضور أجلك، فكيف يسلم الحدث في سنه، الجاهل في علمه، المأفون في رأيه، المدخول في عقله؛ إنا لله وإنا إليه راجعون، على من المعوّل، وعند من المستعتب؟ نشكو إلى الله بثّنا وما نرى فيك، ونحتسب عند الله مصيبتنا بك.

    فانظر كيف شكرك لمن غذاك بنعمه صغيراً وكبيراً وكيف إعظامك لمن جعلك بدينه في الناس جميلاً، وكيف صيانتك لكسوة من جعلك بكسوته في الناس ستيراً، وكيف قربك أو بعدك ممن أمرك أن تكون منه قريباً ذليلاً، ما لك لا تنتبه من نعستك، وتستقيل من عثرتك فتقول: (والله ما قمت لله مقاماً واحداً أحييت به له ديناً، أو أمتّ له فيه باطلاً) فهذا شكرك من استحملك وما أخوفني أن تكون كمن قال الله تعالى في كتابه: (أَضَاعُوا الصَّلاَةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) ما استحملك كتابه، واستودعك علمه فأضعتها، فنحمد الله الذي عافانا مما ابتلاك به والسلام. (تحف العقول: 200)



    حكمه

    ومن الوسائل التي اتبعها أئمتنا (عليهم الصلاة والسلام) للإرشاد هي أن ينثروا كلامهم على الناس بما يحويه من الحكم والمواعظ والآداب، الأخلاق، في أقصر عبارة، وأجمل تعبير، تعيها القلوب، وترددها الألسن، ويأخذها أصحابهم للعمل والتطبيق؛ وفي بطون الكتب آلاف الكلمات لهم (عليهم السلام)، حتى أن بعضهم جمع للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ألفي كلمة في كتاب مستقل.

    نذكر في هذا الفصل بعض ما ورد من كلمات الإمام علي بن الحسين (عليه السلام).


    1ـ قال (عليه السلام): التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كالنابذ لكتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقي تقاة. قيل له: وما يتقي تقاة؟

    قال: يخاف جباراً عنيداً أن يفرط عليه أو أن يطغى. (تذكرة الخواص: 185)

    2ـ قال (عليه السلام): لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل؟

    3ـ وقال (عليه السلام): أبغض الناس إلى الله من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله.

    4ـ وقال (عليه السلام): كم من مفتون بحسن القول فيه، وكم من مغرور بحسن الستر عليه، وكم من مستدرج بالإحسان إليه. (الإمام علي، لمغنية: 219)

    5ـ وقال (عليه السلام): كمال دين المسلم تركه الكلام فيما لا يعنيه، وقلة مرائه وحلمه وصبره وحسن خلقه.

    6ـ وقال (عليه السلام): ثلاث منجاة للمؤمن: كف لسانه عن الناس باغتيابهم، واشتغاله بنفسه بما ينفعه لآخرته ودنياه، وطول البكاء على خطيئته.

    7ـ وقال (عليه السلام): ما من شيء أحب إلى الله بعد معرفة النفس من عفة البطن والفرج.

    8ـ وقال (عليه السلام): استح من الله لقربه منك.

    9ـ وقال (عليه السلام): إياك والغيبة، فإنها إدام كلاب النار.

    10ـ وقال (عليه السلام): ما يوضع في ميزان امرئ يوم القيامة أفضل من حسن الخلق. (زين العابدين، للمقرم: 216-220)

    11ـ وقال (عليه السلام): من بات شبعان وبحضرته مؤمن جائع طاوٍ قال الله تبارك وتعالى: ملائكتي اشهدوا على هذا العبد أنّي أمرته فعصاني وأطاع غيري، فوكلته إلى عمله، وعزتي وجلالي لا غفرت له أبداً. (زين العابدين، للمقرم: 64)

    12ـ وقال (عليه السلام): الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين. (أعيان الشيعة 4ق1/527)

    13ـ وقال (عليه السلام): عجبت للمتكبر الفخور الذي كان بالأمس نطفة، وهو غداً جيفة، وعجبت كل العجب لمن شك في الله وهو يرى خلقه، وعجبت كل العجب لمن أنكر النشأة الأخرى وهو يرى النشأة الأولى، وعجبت كل العجب لمن عمل لدار الفناء وترك العمل لدار البقاء.

    14ـ وقال (عليه السلام): إنّما التوبة العمل والرجوع عن الأمر، وليست التوبة بالكلام. (كشف الغمة: 199، 206)

    15ـ وقال (عليه السلام): إن الله أخفى أربعة في أربعة: أخفى رضاه في طاعته، فلا تستصغرن شيئاً من طاعته فربما وافق رضاه وأنت لا تعلم، وأخفى سخطه في معصيته فلا تستصغرن شيئاً من معصيته فربما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم، وأخفى إجابته في دعوته فلا تستصغرن شيئاً من دعائه فربما وافق إجابته وأنت لا تعلم، وأخفى وليه في عباده فلا تستصغرن، عبداً من عبيد الله فربما يكون وليه وأنت لا تعلم.

    16ـ ورأى (عليه السلام): إنساناً قد برأ من المرض فقال له: يهنئك الطهور من الذنوب، إن الله قد ذكرك فاذكره، وأقالك فاشكره.

    17ـ وقال (عليه السلام): من أطعم مؤمناً حتى يشبعه لم يدر أحد من خلقه الله ما له من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا الله رب العالمين. ثم قال: من موجبات المغفرة: إطعام المسلم السغبان، ثم تلا قوله تعالى: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة)ٍ. (زين العابدين، للمقرم: 191، 196، 197)

    18ـ وقال (عليه السلام): أربع من كنّ فيه كمل إسلامه، ومحصت عنه ذنوبه، ولقي ربه عز وجل وهو عنه راض: من وفى لله عز وجل بما يجعل على نفسه للناس، وصدق لسانه مع الناس، واستحيى من كل قبيح عند الله وعن الناس، وحسن خلقه مع أهله.

    19ـ وقال (عليه السلام): القول الحسن يثري المال، وينمي الرزق، وينسأ في الأجل، ويحبّب إلى الأهل، ويدخل الجنة. (الخصال: 222 و290 و317)

    20ـ وقال (عليه السلام): ضمنت علي ربي عز وجل أن لا يسأل أحد من غير حاجة إلا اضطرته المسألة يوماً إلى أن يسأل من حاجة. (من لا يحضره الفقيه 2/40)
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-11-22
  15. عبدالله السقاف

    عبدالله السقاف عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-11-02
    المشاركات:
    361
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم
    عزيزي انا لم اطلب منك نص الخطبة او مصادر لها

    انا طلبت تحديدا سندا صحيحا متصلا لها ..
    هل لديك ؟؟
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-11-22
  17. jawvi

    jawvi قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2005-06-05
    المشاركات:
    8,781
    الإعجاب :
    0
    اخي السقاف ما عهدنا بيت السقاف الا مثقفين ومستنيرين وهم سا ده افا ضل ومحبين لأهل البيتاما نت فشاذ عنهم والشاذ لا يقاس عليه ولا تزيد الر فاس قد كتب الله عليكم الشقاوه والعناد انت واخونا الخطاب والله واحلف بالله لو يجي الله ومحمد وعلي يقنعكم ويجيب ادله وسند متصل بالله ما من اقتنعتوا فقط تشتي تتعبني اجلس اكتب لك وان اعطيتك السند ما بش فا يده فقد كسره راش كما قد العقل وها بي ويحمل افكار تكفيريه وجمود فكري فهو اشد قساوه من الحجاره وانما تعب بالفا ضي وانا اعرف ما تقتنع اقرأ المصا در وستجد السند يا حمود فالخطبيه مو جوده في جميع كتب التار يخ عند السنه والشيعه وغيرهم

    وانا انصحك لا تفكر انك محا ور او فاهم انت والخطاب فقط مضيعه وقت اقضي معا كم لأن ابو خطاب سألني نفس السؤال وتانت تقلده في مو ضوع فأجبت علي سؤاله واتيت له بالمصا در ولم يقتنه ويتهرب من الا عتراف بالحقيقه والتمسخر بالا خرين
    فروح اللعب لك زرقيف انت والخطاب او العبو حبس امان احسن لكم من العناد وضياع الو قت في الفا ضي
    لاهمكم ان تتعلموا او تستفيدوا او غير ذلك وانما همكم العناد واللئامه وممسخره بالا خرين وتكفيرهم وانتم اضر علي امت محمد من ابليس لأنكم تحبون وتمدحون اشخاص امو يه اخبث من ابليس مثلا فل نأ خذ يزيدا شارب الخمر وقاتل الحسين وكان يلعب مع القرود
    فما ذا اتو قع من شيعه يزيد الا الكفر والعناد ونكار التا ريخ
    ولا تزيد الر فاس والكلام الفا ضي والا سئله العو جأ
    من خطبة له (عليه السلام) في الكوفة



    وبعد أن خطبت أم كلثوم (عليها السلام) أومأ زين العابدين (عليه السلام) إلى الناس أن اسكتوا فسكتوا، فقام قائماً فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي وصلى عليه، ثم قال:

    أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من انتهك حريمه، وسلب نعيمه، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن من قتل صبراً وكفى بذلك فخراً؛ أيها الناس ناشدتكم بالله هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة ثم قاتلتموه وخذلتموه، فتباً لكم لما قدمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم، بأية عين تنظرون إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذ يقول لكم: قتلتم عترتي، وانتهكتم حرمتي، فلستم من أمتي.

    فارتفعت أصوات الناس بالبكاء من كل ناحية ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون.

    فقال (عليه السلام): رحم الله امرئً قبل نصيحتي، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته، فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة.

    فقالوا: بأجمعهم: نحن كلنا يا بن رسول الله سامعون مطيعون، حافظون لذمامك، غير زاهدين فيك، ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله، فإنا حرب لحربك، وسلم لسلمك، لنأخذ ترتك وترتنا مما ظلمك وظلمنا.

    فقال (عليه السلام): هيهات هيهات أيها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل؟ كلا ورب الراقصات إلى منى، فإن الجرح لما يندمل، قتل أبي بالأمس وأهل بيته ومن معه، ولم ينسني ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي، ووجده بين لهازمي، ومرارته بين حناجري وحلقي، وغصصه تجري في فراش صدري، ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا.
    ثم انشد (عليه السلام):


    قد كان خيراً من حسين وأكرما

    أصـــيب حسين كان ذلك أعظما

    جــــزاء الــذي أرداه نار جهنما

    لا غرو إن قتل الحسـين وشيخه

    ولا تفرحوا يا أهل كوفان بالذي

    قتيل بشط النهر روحي فــــداؤه


    (بحار الأنوار 10/225)




    2ـ من خطبة له (عليه السلام) بالشام



    وأمر يزيد بمنبر وخطيب أن يصعد المنبر فيذم الحسين وأباه (صلوات الله عليهما)، فصعد الخطيب المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم بالغ في ذم أمير المؤمنين والحسين الشهيد، وأطنب في مدح معاوية ويزيد، فذكرهما بكل جميل. فصاح به علي بن الحسين (عليهما السلام):

    ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فتبوأ مقعدك من النار.

    ثم قال: يا يزيد أتأذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا، ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب، فأبى يزيد عليه ذلك، فقال الناس: يا أمير المؤمنين ائذن له فليصعد المنبر، فلعلنا نسمع منه شيئاً.

    فقال: إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان.

    فقيل له: وما قدر ما يحسن هذا؟

    فقال: إنه من أهل بيت زقوا العلم زقاً، فلم يزالوا به حتى أذن له فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى علي، ثم خطب خطبة أبكى فيها العيون وأوجل منها القلوب، ثم قال:

    أيها الناس: أعطينا ستاً وفضلنا بسبع، أعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفضلنا بأن منّا النبي المختار محمداً (صلّى الله عليه وآله) ومنّا الصديق، ومنّا الطيار، ومنّا أسد الله وأسد رسوله، ومنا سيدة نساء العالمين، ومنّا سبطا هذه الأمة، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي.

    أيها الناس: أنا ابن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبّى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السما، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أن ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بسيفين وطعن برمحين، وهاجر الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين وزين العابدين، وتاج البكائين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل ياسين، رسول رب العالمين، أنا ابن المؤيد بجبرئيل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين، وأول السابقين، وقاصم المعتدين، ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين وناصر دين الله، وولي أمر الله، ولسان حكمة الله، وعيبة علمه، سمح سخي، بهلول زكي، أبطحي رضي، مقدام همام، صابر صوّام، مهذب قوّام، قاطع الأصلاب، ومفرّق الأحزاب، أربطهم عناناً، وأثبتهم جناناً، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم شكيمة، أسد باسل يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة، وقربت الأعنة، طحن الرحى، ويذروهم ذرو الرياح الهشيم، ليث الحجاز، وكبش العراق، مكي مدني، حنيفي عقبي، بدري أحدي، شجري مهاجري، من العرب سيدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، وأبو السبطين الحسن والحسين، ذاك جدي علي بن أبي طالب (عليه السلام).

    ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء.

    فلم يزل يقول: أنا أنا، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب، وخشي يزيد أن تكون فتنة، فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام، فلما قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، قال علي (عليه السلام): لا شيء أكبر من الله.

    فلما قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال علي بن الحسين: شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي.

    فلما قال المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله، التفت من فوق المنبر إلى يزيد فقال: محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد؟ فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عترته؟ (أعيان الشيعة 4ق1/433)

    3ـ من خطبة له (عليه السلام) في المدينة

    لما أقبل زين العبدين (عليه السلام) إلى المدينة بعد وقعة كربلاء، وخرج أهلها لاستقباله وهم في كباء وعويل، فأومأ إلى الناس بالسكوت وقال:

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بعُد فارتفع في السماوات العلا، وقرُب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصاب.

    أيها الناس: إن الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب وثلمة في الإسلام عظيمة، قتل أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) وعترته، وسبيت نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان، من فوق عامل السنان، وهذه الرزية لا مثلها رزية.

    أيّها الناس: فأيّ رجالات منكم يسرون بعد قتله، أم أي فؤاد لا يحزن من أجله، أم أية عين منكم تحبس دمعها، أو تضن عن انهمالها، فلقد بكت السبع الشداد لقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض بأرجائها والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقربون، وأهل السماوات أجمعون.

    أيها الناس: أي قلب لا ينصدع لقتله، أم أي فؤاد لا يحن، وأي سمع لا يصم، أصبحنا مشردين مطرودين مذودين شاسعين عن الأمصار، كأنا أولاد ترك وكابل، من غير جرم أجرمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إن هذا إلا اختلاق، والله لو أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصية بنا لما زادوا على ما فعلوا، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها وأفجعها، وأوجعها وأكضّها وأفظعها وأمرّها، فعند الله نحتسب مصابنا، وما بلغ بنا فإنه عزيز ذو انتقام؟

    فقام إليه صوحان بن صعصعة بن صوحان وكان زمِناً، واعتذر إليه بما هو مبتلى به من زمانة رجليه، فقبل (عليه السلام) عذره، وأحسن الظن به وشكره، وترحم على أبيه، ثم دخل المدينة بأهله وحرمه. (زين العابدين، للمقرم: 360)
    [​IMG]
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-11-22
  19. عبدالله السقاف

    عبدالله السقاف عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2005-11-02
    المشاركات:
    361
    الإعجاب :
    0
    عزيزي هديء من روعك
    فحين تغضب يحصل من غضبك اخطاء في الكتابة

    انا سالت عن سند صحيح للخطبة فهل هذا الطلب فيه رفاس ؟؟

    عزيزي انت لست امام دراويش في حسينيه حتى تقول لهم ما تريد دون ان يستفهموا .
     

مشاركة هذه الصفحة