حكايات الزن والهايكو

الكاتب : ابــو الـخيــر   المشاهدات : 540   الردود : 0    ‏2005-11-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-21
  1. ابــو الـخيــر

    ابــو الـخيــر قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2005-10-21
    المشاركات:
    3,549
    الإعجاب :
    0
    حكايات الزن والهايكو

    عرض/ابراهيم غرايبة
    يعرض هذا الكتاب فلسفة التأمل العميق من خلال حكايات وقصص وخواطر وقصائد عن الطبيعة وانطباعات حولها ، ويعرف مذهب الزن بأنه فلسفة أو مذهب اللاشيء ، وهو سلوك ذهني وطريقة مختلفة لإدراك الواقع ، وهو رؤية الشيء مجرداً من دون معرفة ذهنية قبلية وبلا تشويش انفعالي ، وهو مذهب ظهر وانتشر في الصين والهند واليابان .

    حكايات الزن
    يعرض الكتاب في هذا الجزء 12 حكاية مليئة بالعِبر والنصائح التي تخلص إليها القصة، وقد يكون من الصعب عرضها هنا أو استيعابها دون مساس بفكرة القصة ومسارها، ولكن القصص والحكايات مصممة لتوصلك الى الحكمة المقصودة، مثل قول زني كوشو «اجلس بصمت، لا تفعل شيئاً، الربيع آت، والعشب ينمو بمفرده» أو قول ومن كوان «في الربيع زهور، وفي الخريف قمر، وفي الصيف نسيم منعش، وفي الشتاء الثلج، اذا لم يكن ذهنك مثقلاً بخليط تافه تنفتح الحياة أمامك رائعة» .
    يعود مذهب الزن الى الراهب الهندي دهيانا أو بوديدارما الذي ظهر في الصين في القرن السادس الميلادي ( 725 م ) ووفد على الامبراطور الصيني/ ليانغ ووتي الذي كان رجلاً متقشفاً ونزيهاً وبوذياً مخلصاً ، وكان يخطط لأن يكون راهباً .
    سأل الأمبراطور الراهب : لقد بنيت المعابد ونسخت النصوص المقدسة وساعدت الرهبان ، فبرأيك بماذا أنا ذو فضل ؟!
    أجاب بوديدارما : ليس لك فضل ، لأن العمل الذي يستحق التقدير حقاً مفعم بالحكمة الصافية.
    وغادر الراهب الى شمال الصين واعتكف في دير شاو لين، واشتهر بأنه لخص وبسط تعاليم البوذية في حكم وقصص وحكايات، ومن أقواله وحكمه المأثورة : الحكماء لا يدخرون أجسادهم ولا ثرواتهم ، ولا يملّون أبداً من السخاء ، ولا تخدعهم المظاهر ، ولا ينتفعون بالفضائل التي يمارسونها ، ولا ينسبون الفضل الى أنفسهم ، ويحبون كل المخلوقات.
    وفي القرن الثاني عشر انتقلت حكم الزن «تشان» الى اليابان على يد راهب اسمه أيساي وانتشرت هناك باسم زن .
    لماذا يعيش الساموراي محارباً وراهباً يحمي الحيوانات ويعتني بالحشرات ؟
    لأن أحد السامواري اصطاد ذكراً من البط البري ليطعم أهله ولكن أنثاه ظلت تحوم وتصفق بجناحيها متحدية الموت والخطر.
    لتدرك الحكمة في الطبيعة وتستطيع الهدوء أنظر الى الفيل الذي يروض بالوتد والحبل ثم يفك وثاقه ويمضي حراً طليقاً يساعد الناس ، فخذ نفساً عميقاً وازفر ، ان حياتك هي هذه الأنفاس ، وأنت هذا النفس الذاهب الآتي والصاعد والنازل ، بلا توقف ، ودون زمام .
    فانظر بصبر وهدوء ، ولا تحكم ولا تغضب ، وتأمل أفكارك بنظرة من الداخل ، ودع ثورات الغضب والملل تتبدد مثل دخان ، ثم انظر من جديد الى تنفّسك يجيء ويروح .
    جاء الحاكم الى معلم الزن لينصحه ، وأرسل من موكبه المهيب حاجبه مع بطاقة مزينة تصف ألقابه وهيئته ، فقال المعلم للحاجب : ليس لدي شيء أقوله لهذا الرجل ، وعاد الحاجب يرتجف من الخوف ، ولكن الحاكم فهم قصد المعلم ، فأرسل بطاقة عليها اسمه فقط ، فاستقبله المعلم لأنك عندما تتخلص من الشيء الصغير الذي يسمونه «أنا» تصبح العالم الفسيح .
    كم مرة غضبت وندمت ؟ وكم مرة غضبت ثم تتبين أنك تغضب في الاتجاه الخاطئ يقابلك زورق متجه نحو زورقك بتهور ، فتشتم النوتي الذي يسوقه وتغضب ، ثم تكتشف أنه يخلو من الناس ويسير وحده ، فعلى من تغضب ؟ ولماذا تغضب وبوسع القاربين أن يسيرا معاً في النهر ؟!
    « كل شقاء الناس مصدره أنهم لا يعيشون في العالم ، ولكن في عالمهم »
    فكان الشاب يطيل النظر في المرآة يحسب أنه يرى صورة أبيه ، وزوجته تنظر في المرآة بغضب الى المرأة التي يحبها زوجها خلسة ، وحين احتكما الى راهبة قالت عن المرآة انها راهبة .
    يكفي قدر ضئيل من التفكير السليم لتبديد الوهم والتخلص من مدعي العلم والمعرفة المزيفين ، مثل ذلك الشاب الذي كان يحاصره شبح بالمعرفة والأخبار حتى سأله يوماً بنصيحة من معلم الزن : كم في قبضتي من الحنطة ؟
    ما الخلود ؟ فالمنتهى هو اللامنتهى ، واللامنتهى هو المنتهى ، والحاضر هو الأزل ، هذا ما وجده الرجل الصالح الذي وفد على الراهب ريوكان يطلب منه أن يساعده ليحقق أمنية الخلود ، فقال له الراهب : تحتاج الى سنوات من التنسك والزهد قبل أن تقدم أمنيتك فتستجاب ، وبعد سنوات من التأمل وعمل الخير في قمة الجبل ، وفي الليلة المخصصة لحفل استجابة الأماني عدل الرجل عن طلبه ، وقال : لم أعد أفهم لماذا طلبت الخلود .
    الصمت ، وسيلة لمعرفة الحقيقة ، والحكمة سر ما إن يلامسه الفكر حتى يتوارى ، فقد كان راهبان يتجادلان طويلا ً، أيهما الذي يتحرك ؟ الراية أم الهواء ، فقال لهما المعلم : لا الراية ولا الهواء ، ذهنكما هو الذي يتحرك .
    « من يملك أن يميّز بين الراهب والأمير والصعلوك ، والأسد والدودة الصغيرة ، الحرية الكاملة لمن لا يرغب في شيء ، ولا يملك شيئاً »
    قد تبدو حكمة جميلة ، ولكنها ربما تكون مختلفة حين تكون خاتمة لقصة عن الامبراطور الشيخ الذي لم ينجب ولداً ، فلجأ الى راهب في قمة الجبل ، وجلس يتأمل هدوءه وحياته ، وأعجب به كثيراً ، فخطرت له فكرة ، لماذا لايكون هذا الراهب خليفته في الملك بما أنه ليس له ولد ، وربما لن يكون ابنه ان وهبه الله ابناً في صلاح هذا الراهب ، فسأل الملك الراهب : أنا شيخ وليس لي ولد ، أترغب أن تخلفني في الملك ؟
    كان الراهب يقطع الأخشاب ، فأوقف عمله ، وقال للملك : أنا ذاهب الى النهر لأغسل أذني اللتين لوثتهما كلماتك ، وتوجه الى النهر ووجد فلاحاً جاء ليسقي بقرته من النهر، فسأل الراهب متعجباً من فعلته ، فأخبره القصة ، فأبعد الفلاح بقرته ، وقال : لن أدع بقرتي تشرب من ماء ملوث .

    فن الهايكو
    الهايكو مجموعة من القصائد والأشعار تراكمت عبر القرون كما تراكمت الحكايات ، وهي تقدم حكماً ومعاني بعذوبة ، ولكنها - كما يقول أتباع مذهب الزن - لا تكشف عذوبتها إلا للأذهان الحفية والقلوب المتيقظة ، فالهايكو حالة من البساطة والرشاقة وتعرية الجوهر.
    الحكمة والرحمة متاحة كما المطر متاح لكل الناس والأشياء « مطر ربيعي/ أمرر يدي بلطف/ على اليقطينة المتصدعة » ويحنو على الخيزران « نداوتها/ يصعب نسيانها/ خيزرانات هذه السنة » فتتحدى خيزرانة التربة الجرداء، وتكبر، وتشمخ بيأس بحثاً عن اطلالة على الهواء الطلق، ويحاول « تايغو » مساعدتها بمودة وحنو لا نهائي ، وصبر غير محدود ، وبساطة وحكمة غامضة ، وذات ليلة يجرده اللصوص من ثروته الصغيرة ، العصا والأرز والثياب البسيطة ، ولكنهم لم يستطيعوا أن يسرقوا منه القمر « اللص أخذ كل شيء/ ما عدا القمر/ على النافذة » .
    قدرة الرحمة هو عنوان كتاب الدلاي لاما « بنيتنا الاجمالية (الجسد والعقل) مكيفة مع بيئة تنطوي على المحبة ، كل واحد يشوقه هناء الآخر ، بغض النظر عن الموقف الذي يمكن أن يبديه هذا الآخر تجاهنا ، تلك هي الرحمة ، تبقى الرحمة عنصراًً أساسياً لا يمكن لأي نشاط بشري أن يكون نافعاً بدونه » .
    وفي الهايكو فكاهة ترفيهية فيها حنان ظاهر يخلو من الدعابة السوداء والقسوة المتوهجة ، والخيالات التي تلمع مثل : حراب وسيوف تحت أشعة الشمس وتعبر أيضاً عن رضا بالحياة بقلب رضي وعزة نفس ، مع سخرية رقيقة ورحمة ، وفيها حركة رقص مرحة تتوق للحرية الداخلية .
    وربما تكون المعاني الوراثية التي تسعى اليها الفكاهة في الهايكو تقلل من مزاياها لكنها تبقى ممتعة للقراءة ، وهذه نماذج وأمثلة من قصائد الفكاهة في الهايكو :
    « انها خضراء
    كان يمكن أن يكفيها ذلك
    الفليفلة »

    « في كوخي
    كل ما عندي لأقدمه لك
    هو أن البعوض صغير »

    « ثلاثة رجال يلتقون
    ليحتفلوا بالعام الجديد
    ويتخاصموا »

    « الكركي طائر مستحب، ولكنه عندما يصيح
    يصيح بصوت تتمزق له
    شجرة الموز »

    « أنتزع شعراتي البيض
    تحت وسادتي
    جرادة تئز »

    « النقار الأخضر
    يتأمل
    خشب كوخي القشي »

    يتكون الهايكو من بيت واحد يتألف من ثلاثة أجزاء ، كأنه « يتيم » ويعبر عن لحظة مباشرة يلتقطها الشاعر أو الراهب أو الفيلسوف كأنه الزمن الذي تقطفه ، أو تقدر على قطفه .
    هل تعرف قطرة الماء أن المحيط فيها ؟ هل نعي روابطنا بالكون ؟ حياتنا الصغيرة تنصهر في الحياة الكبيرة ، هي نحن ، ونحن هي ، وأشياء أخرى لا يمكن تعلمها إلا بالصمت .
    يحتاج الصمت الى تدريب وترويض قاس وطويل ، كما في أغنية فيروز « تعبان على سكوته » لكن الصمت ليس عملية دفاع سلبية ، أو حرماناً من المثيرات الخارجية أو الداخلية ، صمت الزن هو أن تفتح باباً مشرعاً على اللامتناهي والمغامرة .
    ويعد ماتسوهو مونفوزا الملقب بـ « باشو » - وهي كلمة تعني « شجرة الموز » في اشارة الى صومعة الشاعر التي كان يعتكف فيها - من أعظم شعراء الهايكو، وقد ولد عام 1644 م من أسرة بوشي المحاربي، وفي سن السابعة والثلاثين بعد سلسلة من الوظائف صار راهب زن ، وبعد سنوات من الاستغراق والتأمل بدأ يرتحل عبر البلاد حتى توفي عام 1694 م .
    ومن أشعاره التي تعبر عن الصمت :
    « شمس شتاء
    على حصان
    صورة الظل المتجمدة »
    « حديقة في الشتاء
    القمر مثل خيط
    صوت حشرة »
    « أصوات الناس
    تعود الى الطريق
    مساء خريفي »

    تعبر القصائد السابقة عن صور من الصمت الأخاذة ، التمثال المتجمد على حصانه ، في جماد أبدي ، والقمر الجديد بهلاليته الرقيقة ، وطنين الحشرة الناعم ، ولكن الزن هو خبرات شخصية ، يعاش أفضل مما يحكى كل يسلك طريق القصيدة التي تفضي به الى الصمت ، الى السكينة الداخلية .
    وفي المجمل فإن الزن محاولة لإطلاق النفس والعقل والروح من الجدران التي تحبس الذهن مدعية أنها تحميه .
    وقد لجأ معلمو الزن طيلة القرون الى الحكاية لنقل تعاليمهم ، فكانت لدينا قصص قادمة من أعماق العصور ، من الهند والصين واليابان ، صقلها الزمن ، نستعين بها لنكتشف الخفي في المرئي ، والمطلق في النسبي ، والأبدي في الزائل .
    ماذا يمكن أن تعني هذه القصيدة ؟
    " في هذا المشهد الربيعي
    لا يوجد أفضل، ولا أسوأ
    أغصان الزهور تنمو بطبيعتها
    بعضها طويل وأخرى قصيرة "
    لقد كان الوصف يبدو لي قبل قراءة القصة وصفاً عادياً تجريدياً ، وعلي أن أغرق في صمت وتأمل لأدرك- وقد لا أدرك- الحكمة التي أضاءت في ذهن الشاعر ليؤلف القصيدة ، ولكن تتجلى لأمثالي على نحو جميل مؤثر عندما تكون خاتمة لقصة عن لص اقتحم المعبد ، وطلب المال من الراهب سيشري ، فقال له وهو ثابت لم يغير من هيئته للصلاة : المال في الصندوق ، خذه ولا تزعجني وأنا أصلي ، وأخذ اللص المال ، وحين أراد الخروج قال له الراهب دون أن يلتفت إليه : دع في الصندوق بعض المال لأدفع الضريبة ، فترك اللص الذي أربكه ثبات الراهب بعض النقود ، وأراد أن يخرج ، فقال له الراهب : عندما نتلقى هدية يجب أن نشكر ، هيا قل شكراً ، فتمتم اللص متذللاً بكلمة شكر واختفى .
    وفي العام التالي قبض على اللص ووجهت إليه تهمة السرقة ، وبخاصة سرقة المعبد التي يعاقب فاعلها بالموت ، ولكن الراهب قال في المحكمة : إن اللص لم يسرق ، طلب مني المال فأعطيته وشكرني وانصرف ، وتحول اللص الى ناسك صالح .
    الكوان
    الكوان هو إحدى طرق الزن ، وهو تدرب عقلي يدفعنا الى التخلي عن طرق تفكيرنا العادية كي نتآلف مع مقاربة أخرى للواقع ، بدلاً من المقارنات ، والمحاكمة العقلية ، والمنطق ، هكذا تعرف الأشياء بلا تبريرية ، أو لياقة ، أو معقولية لكنها تهزنا ، وتجبرنا على الانطلاق مباشرة نحو لب الأشياء ، وتمنحنا الفرصة لتجربة جديدة ، تجربة اليقظة .
    ومن أمثلة الكوان الشهيرة : " ماذا كان وجهك قبل ولادة أبويك ؟ "
    « تعرف الصوت الذي تحدث اليدان ، ماهو صوت اليد الواحدة ؟ "
    وأخيراً ، كان راهب زن يتهيأ للحديث في ساحة القرية ، وقد أعد خطابه بعناية ، وتأهب لقراءته ، ولكن هبت فجأة رياح قوية وعصفت بأوراقه وألقتها على أغصان شجرة ليمون ، وفوجئ الراهب ولم يعرف ماذا يحدث الناس ، فقال : هاكم يا أصدقائي باختصار ما وددت أن أعرضه عليكم ، عندما أجوع آكل ، وعندما أتعب أنام..
    - ولكن أليس كل الناس يفعلون مثلك أيها المعلم ؟
    - لا ، ليس بالطريقة نفسها .
    - لماذا ، أيها المعلم ؟
    - عندما يأكل الناس يفكرون في الكثير من الأشياء ، وعندما ينامون يفكرون بمشكلاتهم ، لهذا لايفعلون مثلي .
    ونزل المعلم ، وقال للناس وهم يمطرونه بالأسئلة : أما التفاصيل فستجدونها على أغصان شجرة الليمون .
     

مشاركة هذه الصفحة