الفهم الخاطئ للإيمان و التوكل

الكاتب : عاشق الابتسامات   المشاهدات : 580   الردود : 3    ‏2005-11-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-14
  1. عاشق الابتسامات

    عاشق الابتسامات مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-03-28
    المشاركات:
    5,630
    الإعجاب :
    8
    بسم الله الرحمن الرحيم

    قاعد في بيته في لهو و لعب وهو بوافر صحته تكلمه : قم يا أخي انظر لنفسك يطالعك في وقار و يتكلم بصوت كالهمس يتلمس الإيمان في حروفه : سيأتيني رزقي إلى بيتي كما قدر الله لي و لو جريت جريا او سعيت سعيا فرزقي هو هو فلم أقوم ؟؟ !!

    لم تمض ساعة على بدء مذاكرته حتى ملّ .. ترك الدراسة و ذهب يقرأ كتابا دينيا
    تقول له : قم يا ولدي فذاكر .. يقول لك بصوت كله إيمان :
    سيوفقني الله غدا .. توكلت على الله .. دعني أقرأ هذا الكتاب الديني ..


    يسهر حتى قرب الفجر .. ثم يستسلم للنوم و يقول ساقوم للفجر توكلت على الله فينام حتى صلاة العصر !!!!

    يحمل سيفه و يقول : سنحارب أعداء الله .. سنقاتل اسرائيل و امريكا
    و سينصرنا الله .. لم تمض دقيقة حتى أتت رصاصة أسكتته دون أن يفعل شيئا


    بعد هذه المقدمة ..
    يتضح لكم أخطاء شائعة في معنى التوكل على الله .. ومعنى الإيمان بالقدر
    و اغلب من يقع فيها عامة الناس الذين لا يتوفر لهم العلم الكافي..


    عن سعد بن عبيدة، عن أبى عبد الرحمن، عن على كرم الله وجهه، قال: ( كنا فى جنازة فى بقيع الغرقد. فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقعد وقعدنا حوله. ومعه مخصرة. فنكس فجعل ينكت بمخصرته. ثم قال "ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار. وإلا وقد كتبت شقية أو سعيدة" قال فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا، وندع العمل؟ فقال "من كان من أهل السعادة، فسيصير إلى عمل أهل السعادة. ومن كان من أهل الشقاوة، فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة" فقال "اعملوا فكل ميسر.أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة. وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة ثُمَّ قَرَأَ :
    ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ).
    قال سراقة : ما أجدنى أجد على العمل منى كـ الآن .

    فالله عز وجل ربط الأقدار بالأسباب فهما كقاعدة البناء و البناء فمن نقض أحدهما هدم البناء كله .
    هؤلاء الذين يقولون لو كان الله تعالى قدر لى المعصية فلم يعذبنى !
    و من يقولون لو كان الله تعالى قدر لى أن أدخل الجنة فسأدخلها و لو كنت مثل فرعون !
    هؤلاء لم يفهوا ما فهم سراقه .


    و أعود الى التوكل على الله فأقول أن التوكل لا يعني إبطال السبب أبدا،بل ان العمل بالأسباب هو من شروط التوكل؛ فمثلا المزارع الذي يتوكل على الله ولا يزرع ولا يجتهد، فإنه من المستحيل ان يحصد شيئا لأنه بذلك خالف مفهوم التوكل نفسه ولا يمكن ان يقال عنه بأنه متوكل.
    وقد حدث في زمن الرسول ان أعرابيا أهمل إبله ولم يعقلها -أي يربطها- ثم قال: توكلت على الله، فزجره النبي وقال له: (إعقلها وتوكل)

    فقد ظن الأعرابي إن مجرد التلفظ بـ توكلت على الله يغني عن العمل بالأسباب المحافظة على إبله فالتوكل لا يبطل الأسباب مع أن الله سبحانه وتعالى قادر على إعطاء المطلوب بدون العمل بالأسباب، إلا انه سبحانه ربط المسببات بالأسباب جعل هذا من سنن الحياة؛ فلا نجاح من دون اجتهاد ولا رزق من دون سعي ولا شفاء من دون دواء حتى لو تلفظ بـ(توكلت على الله) ألف مرة.

    وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى أراد من الإنسان التماس الأسباب مع التوكل. فأمر المسلمين بالحذر من الأعداء والإستعداد لهم، ولم يقل لهم دعوا كل هذه الوسائل وتوكلوا على الله، بل أمرهم بتهيئة الأسباب والوسائل اللازمة تحت ظلال عقيدة التوكل.

    قال تعالى : ( و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل )
    وقد جاء في الحديث الشريف عن النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم ): (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقتم كما ترزق الطيور، تغدو خماصا وتروح بطانا)؛

    وهذا لا يعني ان يبقى الإنسان في بيته، بل معناه ان يغدو في طلب الرزق كما تغدو الطيور
    و هنا مثال للرسول صلى الله عليه و سلم الذي في سيرته كل الهدى في التوكل على الله و العمل بالأسباب


    انتظر صلى الله عليه وسلم أمر ربّه في الهجرة إلى المدينة بعد أن هاجر إليها معظم أصحابه، وجاءه الإذن من الله تعالى بالهجرة، فما هي الترتيبات التي اتّخذها رسول الله عليه الصلاة والسلام لهجرته:

    1- إحضار رفيق من خيرة الرّفقاء ألا وهو صاحبه أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ليصحبه في طريقه إلى دار هجرته.

    2- إعداد زاد السّفر من طعام وشراب ربطته أسماء بنت أبي بكر بنطاقها بعد أن شقّته نصفين حتى لقّبت بذات النطاقين.

    3- إعداد راحلة ممتازة للرّكوب عليها في هذا السفر الشّاق الطّويل.

    4- إحضار رجل عالم بمسالك الطريق ودروبها الوعرة ليكون دليلا في هذه الرحلة الصعبة.

    5- ولمّا أراد أن يخرج من بيته الذي طوّقه العدو وحاصره فيه حتى لا ينفلت منه، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ابن عمّه عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه أن ينام على فراشه تمويها على العدو الذي ما برح ينتظر خروجه من المنزل ليفتك به ثمّ خرج وترك العدو ينتظر قومته من فراشه الذي يتراءى لهم من خلال شقوق الباب.

    6- لمّا طلبه المشركون واشتدّوا وراءه يبحثون عنه وعن صاحبه أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي فرّ معه، كان صلى الله عليه وسلم قد ذهب الى الجنوب بدلا من الشمال إلى غار ثور عكس جهته الاصلية الشمال ثم دخل ليستتر عن أعين طالبيه الناقمين الحاقدين عليه .

    7- لمّا قال له أبو بكر: لو أنّ أحدهم نظر تحت قدمه لأبصرنا يا رسول الله، قال له: ما ظنّك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما !؟


    فمن خلال هذه الحادثة التي تجلّت فيها حقائق الإيمان والتّوكل معا، يلاحظ أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان لا ينكر الأسباب، ولم يعتمد عليها لوحدها، لا بل أخذ بالأسباب وحضّر وجهّز وخطط ثم انطلق متوكلا على الله سبحانه وتعالى

    الحديث يطول و كم أحببت ان يكون اقصر من ذلك
    و لكني فضلت ان يكون وافيا شافيا بإذن الله ..
    و الله الهادي إلى سواء السبيل
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-11-14
  3. عاشق الابتسامات

    عاشق الابتسامات مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-03-28
    المشاركات:
    5,630
    الإعجاب :
    8
    مشاركة: الفهم الخاطئ للإيمان و التوكل

    وهناك فهم خاطئ أيضا لمفهوم النصر ..
    فيعتقد البعض أنه بالابتعاد عن المعاصي و بالجد في العبادة و بالدعاء فقط سينصرنا الله بها دون الاستعداد وبذل الاسباب للنصر بينما نرى في كل سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
    أخذه بأسباب النصر في كل شيء .. ثم الدعاء


    فنلاحظ في المثال الذي ذكرته اعلاه تخطيطه في هجرته و لم يهاجر بواسطة البراق كما في ليلة الاسراء , صعد غار ثور في جنوب مكة و تكلف مشقة الصعود اليه بدلا من الانتقال مباشرة للمدينة جهة الشمال كي يخدع قريش و لذا جنت قريش و بحثت في كل مكان حتى هي تحملت مشقة الصعود للغار .. فالمعجزات كانت دوما للتثبيت فقط فكل شيء يحدث بسنة الله و بذل الاسباب ..

    فعلى المؤمن ان يأخذ بالأسباب فيعمل بما يستطيع و يترك مالا يستطيع الى الله فمنه السعي و من الله التوفيق .. فالطالب يذاكر ما أستطاع و يبذل الجهد في العلم ثم يخلص لله و يدعوه و من ثم يفتح الله له و يوفقه حينما يرى منه صدق الطلب .. و الالحاح في الدعاء
    و المجاهد يخطط و ينظم و يجهز غاية ما يستطيع و لا يعص الله أو يتعد حدوده ثم يدعوه و يخلص لله تعالى فسيرى النصر بإذن الله


    ينبغي علينا ان نقرا سيرة نبينا الحبيب و صحابته الكرام و تابعيه وكيف وفقهم الله
    لعلنا في يوم ما نعيد ما سطروه من امجاد مرة أخرى و ذلك وعد الله ..

    سبحانك اللهم بحمدك أستغفرك و اتوب اليك اشهد ان لا اله الا انت
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-11-17
  5. مراد

    مراد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-11-28
    المشاركات:
    13,702
    الإعجاب :
    2
    مشاركة: الفهم الخاطئ للإيمان و التوكل

    " التواكل " داءٌ خطير من أدوائنا القاتلة ، ونتاجه اليوم - على المستوى العام - في الهوان الذي تعيشه أجزاء كبيرة وعزيزة من وطننا الإسلامي الكبير ، ناهيك عن نتاجه - على مستوى كل فرد - الهزيمة النفسية التي أصبحت كالهواء الذي نستنشقه ..
    وما أحسن تربية النبي صلى الله عليه و آله وسلم لأمته ، فقد جاءه رجل وأراد أن يترك ناقته فقال أرسل ناقتي وأتوكل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( إعقلها وتوكّل ) ..!!

    والسعيد من وفقه الله لأن يتزن في مسألة التوكل و الأخذ بالأسباب ، ويكون ديدنه وشعاره : توكل وأعمل ، وليس إعمل وتوكل ، فيجعل التوكل أساساً ثم يبذل السبب ويجتهد ، دون الركون إلى السبب وحده .


    حقيقة موضوع هام و قيّم أخي الدكتور عاشق الابتسامات
    تمنيت لو كان في جزئين منفصلين :)

    تحياتي لك
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-11-19
  7. عاشق الابتسامات

    عاشق الابتسامات مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-03-28
    المشاركات:
    5,630
    الإعجاب :
    8
    مشاركة: الفهم الخاطئ للإيمان و التوكل

    اخي الحبيب القلم ,,
    شكرا لحضورك البهي و تعليقك الرائع .. دمت سندا

    إن أهم شيء في الدين هو العقيدة ..
    الموضوع لربما كان الافضل له التقسيم لكني احببت ان اختصر و أشفي غليل من يقرأ بتركيز
    من دون تشتيت للفكرة ..

    و لربما ساقسمه من جديد في موضوعين منفصلين كما اشرت ..
    و الاهم من ذلك هو الفائدة للجميع إن شاء الله ..

    تحية طيبة
     

مشاركة هذه الصفحة