دور صادم حسين في خدمة مخططات أمريكا في الشرق الأوسط

الكاتب : من حزب التحرير   المشاهدات : 534   الردود : 1    ‏2005-11-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-13
  1. من حزب التحرير

    من حزب التحرير عضو

    التسجيل :
    ‏2005-11-13
    المشاركات:
    32
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم


    دور صدام حسين في خدمة أهداف أميركا في الشرق الأوسط


    لمعرفة دور صدام حسين في خدمة الأهداف الأميركية في الشرق الأوسط لا بد من استعراض الصراع الدولي على هذه المنطقة ، وعلى منطقة الخليج بوجه خاص ، في النصف الثاني من هذا القرن .


    ومع أن الصراع الدولي على الخليج جزء من الصراع على المنطقة كلها ، إلا أنه لا بد من إيلائه عناية خاصة ، نظراً للأهمية البالغة التي يحظى بها لدى الدول الطامعة في بلاد المسلمين ، بفضل ما تضمه أراضي الدول المحيطة بالخليج من احتياطات هائلة للنفط لا يُعرف لها نظير مُكتشَف حتى الآن .


    ومع أن النفط كمادة استعملها الإنسان منذ آلاف السنين ، إلا أن أهميته لم تبرز إلا في هذا القرن ، بعد أن أصبحت وسائل الحياة في مختلف جوانبها تعتمد عليه بشكل متزايد ، تستوي في ذلك الجوانب المدنية والعسكرية . ويمكن القول اليوم إنه ما من دولة في العالم تستطيع الاستغناء عن النفط للحظة واحدة . وكلما كانت الدولة صناعية متقدمة كلما كان اعتمادها على النفط أشد وأكثر حيوية . فالنفط غدا مصدر الطاقة الرئيس في العالم كله . ولا يتصور أن يعثر الإنسان على مصدر بديل ذي جدوى اقتصاديـة في المدى المنظور ، رغم كل الأبحاث والتجارب التي تُجريها الدول المتقدمة في هذا المجال .


    ورغم أن شركات النفط الغربية التي بدأت العمل في منطقة الخليج بعد الحرب العالمية الأولى لم ترَ في النفط سوى سلعة تجارية في البداية ، وتنافست عليه تنقيباً وإنتاجاً بسبب أرباحه الوفيرة ، إلا أن هذا التنافس ما لبث أن تحول إلى صراع بين الدول التي تنتمي إليها هذه الشركات بعد الحرب العالمية الثانية .


    ومن المفارقات أن الشركات النفطية التي كانت تعمل في مجال النفط في الشرق الأوسط كانت كلها في البداية أوروبية إلى أن رأت بريطانيا جرّ الشركات الأميركية إليها ، بهدف حمل الولايات المتحدة على مشاركتها عبء الدفاع عن المنطقة في وجه الخطر الشيوعي الذي بدا داهماً في ذلك الوقت .


    ونتيجة للتوسع في استخدام النفط كمصدر للطاقة في وسائل المواصلات البرية والبحرية والجوية ، وفي المصانع علـى اختلاف أنواعها ، في المجالين المدني والعسكري ، فإن هذه المادة المهمة لم تعد مجرد سلعة تجارية بل مادة حيوية بالغة الأهمية . وأدى ذلك إلى تحوّل المنافسة بين شركات النفط الغربية إلى صراع بين الدول التي تنتمي إليها هذه الشركات على السيطرة على منابع النفط .


    ومع ظهـور دراسات خلال السبعينات من هذا القرن تشير إلى احتمال نضوب منابع النفط المكتشفَة في العالم خلال عقود ، تأجج الصراع الدولي على النفط ، وأصبحت السيطرة على منابعه الغنية ، وخاصة في منطقة الخليج ذات الاحتياطات الهائلة ، مسألة حيوية للدول النافذة في العالم .


    وفي الشرق الأوسط ، ومنطقة الخليج جزء منه ، تزامن هذا الصراع مع محاولات أميركا طرد بريطانيا من المنطقة ، ومحاولات بريطانيا التشبث بنفوذها والرد على المحاولات الأميركية .


    ويمكن القول أن أهم نجاح حققته أميركا في الخمسينات في إطار هذا الصراع هو أخذها مصر عام 1952 ، وبناء زعامة جمال عبد الناصر للعرب كلهم ، واستغلال وزن مصر في المنطقة وشعبية جمال عبد الناصر لدى شعوبها في محاولات استئصال النفوذ البريطاني من المنطقة كلها .


    وفي مواجهة المد الأميركي في المنطقة ، لم تقف بريطانيا مكتوفة اليدين ، بل حاولت التشبث بكل قطر كان تحت سيطرتها ، كما حاولت استرداد ما خسرته . وركزت جهودها على محاولة القضاء على عبد الناصر ، سواء من داخل مصر أو خارجها . فاستغلت عداء الإخوان المسلمين والوفديين للزعيم المصري ، كما تواطأت مع فرنسا وإسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 ، ثم مع إسرائيل وحدها عام 1967 في الحرب التي سُمّيت بحرب الأيام الستة ، والتي استهدفت القضاء على عبد الناصر وكادت تنجح في تحقيق هذه الغاية .


    وكان العدوان الثلاثي ومشاركة بريطانيا العسكرية المكشوفة فيه أول حرب تخوضها لندن في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الثانية دفاعاً عن نفوذها وعن مصالحها .


    غير أن أميركا ، وفي أو تدخل سافر لها في المنطقة منذ الأربعينات أفشلت العدوان الثلاثي ، وأجبرت كُلاً من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل على الانسحاب التام من الأراضي والمياه المصرية .


    وكان من جملة الضغوط التي مارستها أميركا ضد بريطانيا بالذات لإجبارها على الانسحاب إصدارها الأوامر لناقلات النفط بعدم تفريغ حمولاتها في الموانئ إلا بعد استجابة لندن لمطالبها .


    وقد تلقت بريطانيا في هذه التجربة درساً قاسياً لا يُظن أنها ستنساه في يوم من الأيام . واستخلَصت بريطانيا من هذه التجربة عبرة ذات شقين : لا بد أن تؤمِّن لنفسها حاجتها من النفط في جميع الظروف والأحوال ، ولا بد من زعزعة سيطرة أميركا على أسواق النفط العالمية ونزعا إن أمكن .


    وتمثلت السيطرة الأميركية على أسواق النفط في ذلك والوقت في (( الأخوات السبع )) . و (( الأخوات السبع )) عبارة عن سبع شركات نفطية ( معظمها أميركية ) ، ظلت تسيطر حتى عام 1970 على 90% من الاحتياطي العالمي للنفط ، كما كانت تحتكر إنتاج 80% من نفط العالم ، وتملك طاقة تكرير بنسبة مماثلة ، وتهيمن على أسواق النفط العالمية بشكل شبه مطلق وكانت تملك بالإٌضافة لذلك 50% من أساطيل نقل النفط والغاز في العالم .


    فهذه الشركات كانت تشتري النفط من الدول والشركات المنتجة له ( بالإضافة طبعاً إلى ما تنتجه هي ) ، وتقوم بتسويقه في العالم ، ما جعل لها الكلمة الفصل في تحديد الأسعار وفي تزويد الدول بهذه المادة أو حجبها عنها .


    والتحكم بهذه العمليات الضخمة كان يتم ( ولا يزال ) من خلال مجلس إدارتها الكائن في طابق شاهق من ناطحة سحاب في مدينة دالاس بولاية تكساس الأميركية .


    ولتقويض هذه السيطرة الأميركية على النفط وتسويقه ، وضعت بريطانيا خطة طويلة الأمد ، بدأت في تنفيذها في أواخـر الخمسينات ، حين أوعزت لعملائها في الأقطار المنتجة للنفط بتشكيل منظمة ذات امتداد عالمي ، تنضوي تحت لوائها الأقطار المصدرة للنفط ، حتى يكون لهذه الأقطار من خلال هذه المنظمة قول في السياسات النفطية ، سواء على صعيد الإنتاج أو التسويق .


    وهكذا وُلدت منظمة الأقطار المصدِّرة ( أوبيك ) عام 1960 . وبدأت هذه المنظمة في التحرك للسيطرة على سياسات النفط . ولما كانت معظم الأقطار الأعضاء في أوبيك في ذلك الوقت واقعة تحت النفوذ البريطاني ، بدأ نفوذ لندن على أسواق النفط يتزايد بشكل مطرد ، على حساب السيطرة الأميركية ، وخاصة وبعد تأسيس (( الأوابك )) ، منظمة الأقطار العربية المصدرة للنفط .


    أما لتأمين حاجتها من النفط في كل الظروف والأحوال ، فإن بريطانيا شرعت في البحث والتنقيب عن منابع النفط في أراضيها وفي البحار المحيطة بالجزر البريطانية ، ولم توفَّق في العثور على النفط إلا شمال بحر الشمال . وبسبب سوء الأحوال الجوية في تلك المنطقة ، فإن استخراج النفط منها تطلّب مبالغ طائلة .


    ولتأمين التمويل اللازم لهذا المشروع الحيوي حسب تقدير الساسة البريطانيين في ذلك الوقت ، أوعزت لندن إلى عملائها ، من حكام الدول المنتجة للنفط بتأميم شركات النفط في بلادهم ، ومعظمها بريطانية ، لتضرب عصفورين بحجر واحد . فمن جهة تحصل على مبالغ ضخمة من المال كتعويض لشركاتها ، ومن جهة أخرى تنتهي سيطرة الشركات الأميركية على إنتاج النفط في الدول المعنية .


    والنتيجة معروفة ، وهي أن بريطانيا صارت من الدول المصدِّرة للنفط ولم تعد تحت رحمة أحد في تأمين احتياجاتها الذاتية من هذه السلعة الحيوية .


    وقد برزت سيطرة عملاء بريطانيا على سوق النفط بعد عمليات التأميم ، إذ شرعت الدول المنتجة للنفط بتصديره بنفسها ، بل وأنشأت أساطيلها الخاصة من ناقلات النفط والغاز ، كما فعلت معظم دول الخليج .


    وهكذا تراجع نفوذ (( الأخوات السبع )) على سوق النفط إلى حد كبير ، نظراً لفقدانها معظم عمليات التسويق التي كانت تقوم بها لنفوط الدول الواقعة تحت النفوذ البريطاني .


    وقد تجلَّت سيطرة عملاء بريطانيا على سوق النفط بعد حرب عام 1973 بين العرب وإسرائيل . فقد رفع عملاء بريطانيا في ذلك الوقت ، وعلى رأسهم فيصل ملك السعودية ، شعار (( سلاح النفط )) . وأخذوا يتحكمون في سوق النفط ، فيعطونه للدول التي اعتبروها صديقة ، ويمنعونه عن الدول التي اعتبروا مواقفها مناوئة للعرب . وبالإضافة لذلك ، فإنهم أخذوا يتحكمون في أسعار النفط ، فرفعوها إلى مستويات أوجعت كافة الدول المستوردة للنفط ، وخاصة الدول الغربية الصناعية واليابان .


    صحيح أن أميركا نفسها دولة مصدِّرة للنفط ، وشركاتها كانت من أوائل المستفيدين من رفع أسعار النفط بل ولها دور في رفع الأسعار ، غير أن المسألة لم تكن بالنسبة لها مسألة ربح أو خسارة مادية بقدر ما كانت مسألة السيطرة على سوق النفط ، وما يترتب على هذه السيطرة من نفوذ سياسي . ولهذا لم يَطُل الوقت حتى شرعت أميركا في وضع خططها لاستعادة السيطرة على سـوق النفط .


    وقد بدأت أولاً بشن حملة دعائية عالمية لاقت نجاحاً كبيراً لدى جميع الدول المستوردة للنفط التي ذاقت مرارة ارتفاع الأسعار . وأبرز ملامح هذه الدعاية تصوير شيوخ النفط بالجهلة البدائيين الذي لا يجوز للعالم (( المتحضر )) أن يترك بأيديهم هذه المادة الحيويـة ليعبثوا بها . وفي رد مباشر بدأت الدول الصناعية برفع أسعار منتجاتها المصنّعة ، بحجة أن تكاليف صناعتها زادت نتيجة لارتفاع أسعار النفط ، رغم أن زيادة أسعار هذه المنتجات لم تكن متناسبة على الإطلاق مع الزيادة الضئيلة نسبياً في كلفة الإنتاج الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط . وفي الخفاء أخذت واشنطن تعمل على الإطاحة بعملاء بريطانيا وإحلال عملائها مكانهم ، وخاصة في منطقة الخليج . وكانت البداية قتْل الملك فيصل ليكون عميلها فهد ولياً وملكاً غير متوج للسعودية .


    وفي العراق أخذت تعزز مكانة صدام حسين ، فجعلته يتولى أمر إنهاء التمرد الكردي الذي كان يتزعمه الملاّ مصطفى البرزاني في شمال العراق ، وذلك من خلال اتفاق الجزائر ( 1975 ) ، الذي أنهى الخلاف الإيراني ـ العراقي حول شط العرب باقتسامه مناصفةً بين الدولتين ، وكان من أهم شروطه تعهّد إيران ( أيام الشاه ) بالعمل على إنهاء التمرد الكردي . وبالفعل انتهى هـذا التمرد ، وعاش البرزاني بقية أيام حياته في فلوريدا .


    وأتبعت واشنطن ذلك بإشعال الثورة الإيرانية عام 1978 ، مستغلة في ذلك شعبية الخميني الذي كان يقيم في العراق ، ومكانته عند الشعب الإيراني ومعظم ملالي إيران .


    وبعد أن أصبح صدّام الرجل القوي في بغداد تمكن من إبعاد البكر ، والحلول محله كرئيس للعراق ( 1978 ) . وبذلك سيطرت الولايات المتحدة على أهم ثلاث دول في منطقة الخليج : السعودية والعراق وإيران . ولم يبق عليها سوى الهيمنة على ما تبقى من دويلات الخليج التي يحكمها أمراء وشيوخ بحكم انتمائهم لعشائر معينة ، وتحت تصرفهم ثروات نفطية هائلة . ورأت أميركا أن الطريقة المثلى للهيمنة على هؤلاء الحكام هي تخويفهم ودفعهم للارتماء في أحضانها لحمايتهم . ووضعت لتحقيق هذا الهدف عدة خطط ، بحيث كانت كلما فشلت خطة استبدلت بها غيرها .


    وكانت أولى هذه الخطط الإيعاز لإيران ، بعد أن أصبح الخميني زعيمها غير المنازَع ( 1979 ) ، برفع شعــار (( تصديــر الثورة )) ، مستغلة في ذلك وجود أعداد كبيرة من الإيرانيين في معظم دول الخليج ، إلى جانب حقيقة أن جزء غير قليل من سكان هذه الدول من أتباع المذهب الجعفري ، المتعاطفين في معظمهم مع الخميني ، قائد الدولة الوحيدة الحاملة للواء التشيُّع في المنطقة .


    وبالفعل قام أنصار الخميني في بعض هذه الدول بتحركات نشطة أزعجت الحكام ( وخاصة في الكويت ) ، ولكن هؤلاء الحكام سرعان ما سيطروا على الوضع ، وأوقفوا التحركات الإيرانية داخل دولهم عند حدها . وكان من الطبيعي أن لا تدفعهم هذه التحركات في النهاية لطلب الحماية الأمريكية .


    وجربّت أميركا بعد ذلك خطة أخرى ، تمثلت في حفز الاتحاد السوفيتي على احتلال جارته أفغانستان ( 1979 ) . فقد كان عميل أميركا بابراك كارمال منفياً في تشيكوسلوفاكيا . وفجأةً عاد كارمال إلى كابول ليتزعم انقلاباً عسكرياً رفع لواء الشيوعية . وأدى هذا الانقلاب إلى نشوء حالة من الاضطراب عمّت أفغانستان ، مما جعل الاتحاد السوفيتي يهبّ لنجدته . ومع أن أميركا نفت علمها بالحشود السوفيتية على الحدود الأفغانية ، إلا أن أقمار التجسس التي كانت تملكها ، والتي يُقال أنها تستطيع تحديد أي شيء بحجم السيجارة على الأرض ، لا يمكنها أن تخطئ وجود الحشود التي بلغ عدد جنودها حوالي 80 ألفاً . وما يؤكد معرفة واشنطن المسبقة ورضاها عن العملية إعلان الإدارة الأميركية بأن لروسيا مصالح أمنية حيوية في أفغانستان ، وذلك عقب الغزو بأيام قليلة .


    وبالغت واشنطن في تصوير مخاطر هذه العملية على دول شبه القارة الهندية ومنطقة الخليج . وأطلقت على الأقطار المعرّضة للخطر السوفيتي المزعوم وصف (( قوس الأزمات )) .


    وفي هذه الأثناء أعلن كارتر أن الخليج منطقة حيوية لأمن الولايات المتحدة ، وهو الإعلان الذي عُرف فيما بعد باسم (( مبـدأ كارتر )) . كما أرسل زبيغنيو بريجنسكي ، مستشاره لشؤون الأمن القومي ، إلى باكستان ، في مهمة طارئة . وأخذ يتحدث بريجنسكي عن الخطر الشيوعي الداهم ، مذكراً بالأطماع الروسية القديمة في الوصول إلى المياه الدافئة ، وضرورة التصدي لها من دول المنطقة .


    ونشط عملاء أميركا وغيرهم في المنطقة في إرسال (( المجاهدين )) إلى باكستان ، للعبور منها إلى أفغانستان ، والمشاركة في التصدي للشيوعيين ( الكفرة ) ، ودرء (( خطر الإلحاد )) عن بلاد المسلمين ، وكأن الرأسمالية التي تحمل أميركا لواءها ليست كافرة ، ويهمها أمر الإسلام والمسلمين .


    وأخذ المسؤولون الأميركيون يتوافدون على دول الخليج ، مهولّين من الخطر الشيوعي ، وعارضين على هـذه الدول الحماية الأميركية . غير أن دويلات الخليج ، وحكامها كلهم من عملاء الإنجليز لم تنطلِ عليهم هذه الحيلة ، ورفضوا الاستجابة لواشنطن .


    وهنا تفتق ذهن المخططين الأميركيين عن إشعال الحرب بين العراق وإيران على نحو يجعل الرعب يدب في قلوب حكام الخليج . وبدأ التوتر يتصاعد بين العراق وإيران استجابة لرغبة واشنطن حتى بلغ الأمر حد الانفجار . فبادر صدام حسين بمهاجمة إيران ، وركّز هجومه البري على ما تُسمى (( عر بستان )) ، الواقعة في الجنوب الغربي من إيران . وتظاهر حاكم العراق بأن حربه وقائية ، في ضوء رفع إيران لشعار (( تصدير الثورة )) ، واستجابة بعض العراقيين الشيعة لهذا الشعار ، والقيام بقلقلة أمن العراق .


    وهكذا اندلعت حرب ضروس بين الجارتين المسلمتين استمرت ثماني سنوات ، وحصدت الأخضر واليابس في الدولتين ، وخاصة في العراق . وبعد اشتعال هذه الحرب بأيام ، عقد وزيرا خارجية أميركا والاتحاد السوفيتي ( إدموند ماسكي وأندريه غروميكو ) ، اللذان كانا يحضران الدورة العادية للجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك ، اجتماعاً دام ساعة ونصفاً تركز البحث فيه على الحرب العراقية ـ الإيرانية ، أصدرا بعده بياناً مقتضباً فحواه أن الدولتين تقفان على الحياد من هذه الحرب ، وتدعوان الدول الأخرى لعدم التدخل أو تزويد أي من الطرفين بالسلاح ولم يخلُ البيان بالطبع من دعوة الدولتين لوقف العمليات الحربية .


    ودلّ هذا البيان بشكل لا لبس فيه على أن الدولتين اللتين كانتا تُسميان بالعملاقين راضيتان عن استمرار الحرب ، وبذلك تكون الدولتان قد تجاهلتا دورهما الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة والمتمثل في الحفاظ على (( الأمن والسلم والدوليين )) ، باعتبارهما من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن . أما عملاء بريطانيا في المنطقة فقد اضطروا للوقوف إلى جانب العراق بالمال وأحياناً بالرجال حتى لا ينهار ما اعتبروه خندقهم الأمامي في وجه الخطر الإيراني .


    ولوحظ أن هذه الحرب ظلت طوال سنواتها الثماني تتركز حول البصرة ، في إشارة واضحة إلى الهدف منها . فالبصرة كما هو معلوم قريبة من حدود الكويت . زعيمة دويلات الخليج في ذلك الوقت . وتخويف الكويت واستجابتها للحماية الأميركية من شأنهما أن ينعكسا على باقي دول الخليج ، التي كانت تنظر للكويت باعتبارها قدوتها .


    صحيح أن الكويت كان يتملكها الخوف كلما كانت إيران تحقق مكاسب عسكرية في منطقة البصرة ، ولكن هذا الخوف لم يدفعها لطلب الحماية الأميركية ، واكتفت بمد العراق (( بوابة العرب الشرقية )) بالأموال اللازمة لشراء السلاح . ومن باب التضييق على دول الخليج بوجه عام ، والكويت بوجه خاص ، أوعزت أميركا لصدام بتوسيع نطاق الحرب ، ومدّها إلى ميـاه الخليج .


    وهكذا بدأت الطائرات العراقية بقصف ناقلات النفط الإيرانية في مياه الخليج . واعتبرت إيران هذا العمل مسوِّغاً ليس للتعرض للسفن العراقية وحدها ، وإنما لكل السفن المتجهة إلى موانئ الخليج ، وخاصة الكويت ، نظراً لأنها كانت تقدم الدعم المالي لصدام .


    وهنا اشتدت مخاوف دول الخليج ، بما فيها الكويت ، مما جعلها تقبل برفع الأعلام الأميركية وغيرها على السفن التجارية المتجهة لموانئها ، وخاصة ناقلات النفط والغاز .


    ورأت أميركا في هذه البادرة علامة مشجّعة ، وإن كانت غير كافية . فرتبت الأمور لزيادة مخاوف الكويت لعلها تستسلم . وتمثل هذا الترتيب بقيام صدام بتسليم شبه جزيرة الفاو لإيران في عملية عسكرية سريعة استغرقت ليلة واحدة فقط . وكان هدف أميركا من ذلك منح إيران منصة لإطلاق صواريخها الصينية من نوع سيلكوورم على الكويت ، حيث لا يزيد مدى هذه الصواريخ عن مائة ميل ، ولكنه مدى كاف لوصول الصواريخ للكويت .


    والمتأمل في احتلال إيران للفاو ويدرك بسهولة أن الفاو منطقة لا قيمة استراتيجية لها فيما يتعلق بالحرب ضد العراق . إذ تفصلها عن باقي الأراضي العراقية عوائق طبيعية كأداء ، نظراً لكثرة السبخات والمستنقعات التي تفصل بينها وبين منطقة البصرة . ومع أن الحرب استمرت بعد احتلال الفاو مدة طويلة نسبياً إلا أن إيران لم تستفد منها أيّ شيء في عملياتها ضد العراق . والشيء الوحيد الذي استفادته من الفاو هو ضرب الكويت بالصواريخ ، وإثارة ذعر حكامها وأهلها . وليس أدل على أن احتلال الفاو كان بهدف تخويف الكويت من قيام السفير الإيراني في الكويت صبيحة يوم الاحتلال بالاتصال بأمير الكويت ليقول له : (( أصبحنا جيران )) .


    ولإخفاء صدام حقيقة أنه سلّم الفاو ، بادر بإعدام كبار ضباط الوحدات العراقية التي كانت مرابطة في الفاو بتهمة التقصير والخيانة . ومن أجل ذرّ الرماد في العيون حشد حاكم العراق ثلاثة فيالق في مواجهة الفاو ، متظاهراً بأنه مصمم على استعادتها . ولم يَطُل الأمر حتى سحب هذه الفيالق متذرعاً بالعوائق الطبيعية التي تجعل الهجوم على الفاو بالغ التكلفة . وقال صدام يومها بعد أن قرر الانسحاب (( هم بقاعهم واحنا بقاعنا )) ( أي هم في أرضهم ونحن في أرضنا ) .


    ومرة أخرى توافد المسؤولون الأميركيون على الكويت يعرضون الحماية ، ويطالبون بمنحهم تسهيلات على أرض الكويت لتخزين العتاد والأسلحة اللازمة للقوات الأميركية التي ستهب لنجدة الكويت عندما يحدق بها الخطر . وتزحف نحوها القوات الإيرانية .


    غير أن أمير الكويت عرض على أميركا بدلاً من ذلك إقامة جزيرة صناعية في البحر لتخزين هذه الأسلحة والمعدات ، بحجة أن إعطاء واشنطن قاعدة في البر الكويتي من شأنه أن يثير سخط الشعب . وكان طبيعياً أن ترفض أميركا الفكرة ، لأن هدفها الحقيقي الحصول على موطئ قدم على البر الكويتي .


    وبعد أن فشلت أميركا في تحقيق هدفها من خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية ، رغم استمرارها سنوات عديدة ، وفي ضوء تقارير طبية تحدثت عن تدهور صحة الخميني ودنو أجله ، أخذت ترتب الأمور لإنهاء الحرب قبل موته . إذ من المعلوم أنه لو مات الخميني قبل انتهائها فلن يجرؤ خليفته كائناً من كان على إنهائها قبل تحقيق الهدف الذي حدده الخميني لها ، ألا وهو إسقاط نظام صدام ، وإقامة (( جمهورية إسلامية )) في العراق .


    ومع أن تمويل هذه الحرب تحملت عبئه السعودية بالدرجة الأولى ثم الكويت ، إلا أن أميركا قدّمت للعراق قروضاً زراعية بلغت خمسة مليارات دولار كانت تودع في بنك (( انترناشيونالي )) في أطلنطا بجورجيا ، حيث تُحوّل لشراء لوازم عسكرية من الولايات المتحدة . ولعلّ أهم ما اشتراه العراق من السوق الأميركية في ذلك والوقت (( الكمبيوتر العملاق )) ، الذي كان له الأثر الحاسم في تطوير الصواريخ العراقية ، والتحكم في مساراتها ، إلى جانب قراءة الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية .


    وهكذا قررت واشنطن إنهاء الحرب ، واستصدرت القرار 598 من مجلس الأمن . وطلب القرار من الدولتين وقف الأعمال الحربية تمهيداً لإنهاء الحرب والتوصل لمعاهدة سلام . غير أن إيران رفضت القبول بالقرار في البداية بحجة أنه لا يرتب على العراق الذي أشعل الحرب أية تَبِعات . أما العراق فأعلن على الفور أنه يقبل القرار ، ومستعد لتنفيذه فور إعلان الطرف الآخر عـن قبوله له .


    وبعد أشهر من صدور هذا القرار أوعزت أميركا للخميني بإنهاء الحرب . وكان لا بد من (( سيناريو )) يليق بالخميني . فصدر القرار بتولية رافسنجاني العميل الأميركي العريق المسؤولية عن الحرب كوكيل للخميني . وبالفعل رتّب رافسنجاني الأمور ، فسحب قوّاته من الفاو ومن منطقة (( جزر مجنون )) لتحتلها القوات العراقية بهجوم خاطف خلال أقل من يومين ، وأخذت القوات العراقية تتوغل في الأراضي الإيرانية ، وكأنه لا يوجد مدافعون عن هذه الأراضي . ورفع رافسنجاني تقريراً عن هذا الوضع للخميني ، مما جعله يعلن إنهاء الحرب بطريقة دراماتيكية ، قال فيها إنه لأهون عليه أن يتجرّع السمّ من أن يعلن قبوله بقرار مجلس الأمن ( رقم 598 ) ، ولكن استمرار الحرب ، حسبما فَهِمَ من المسؤولين عنها ، فيه دمار للبلاد والعباد .


    وهكذا انتهت الحرب ، وظهر صدام بمظهر البطل المنتصر ، مع أن هذه الحرب الآثمة ، التي أشعلها خدمة لأميركا ، كلفت شعبي العراق وإيران المسلمين ما يقارب المليوني قتيل ، كما كلّفت العراق بوجه خاص عشرات مليارات الدولارات من الديون ، وهوى الدينار العراقي إلى عُشر قيمته أو أقل ، ولم يبقَ في العراق إلا وقد فُجِعَ بقتيل أو أسير أو مقعد .


    وكما هو معروف ، فإن الدول الحيّة ذات المطامح لا تكفّ عن رسم الخطط لتحقيق أهدافها ، فهي كلما فشلت خطة وضـعت غيرها . والدولة التي تقعد عن رسم الخطط لتحقيق أهدافها ، حتى لو كانت دولة كبرى ، هي دولة آذنت شمسها بالزوال . أما الدولة الأولى في العالم ، سواء أكانت متفردة أو متفوقة ، فإنها كلما فشلت خطة رسمت غيرها حتى تحقق ما تطمع إليه أو تطمع فيه .


    وكانت خطة أميركا الأخيرة لتحقيق هدفها في الهيمنة على منطقة الخليج ، بل والشرق الأوسط بأسره ، هي دفع العراق لاحتلال الكويت ، دون المس بالعائلة الحاكمة ، حتى تكون إعادة هذه العائلة إلى سلطانها درساً لغيرها من دويلات الخليج ، فترتمي كلها في حضن واشنطن ، كما حصل الفعل .


    وعلى أية حال ، ما كانت أميركا لتسمح لقطر إسلامي بضم قطر آخر بالقوة ، حتى لا يكون ذلك سابقة توقظ الأمل في نفوس المسلمين بإمكانية تحقيق وحدتهم ولو بالقوة ، عندما يتحررون من نير الكفار ويقيمون الخلافة .


    وبعملية الكويت ، ورضوخ حكامها ، ومعهم حكام باقي دويلات الخليج ، للهيمنة الأميركية ، وعقدهم اتفاقات أمنية ودفاعية مع واشنطن ، وقبولهم بتمركز قوات برية وبحرية وجوية في أراضي دولهم ومياهها ، صارت لأميركا الكلمة الفصل في قرارات هذه الدول السياسية والاقتصادية والعسكرية ، كما سيطرت على نفط الخليج كله ، بدءاً من إيران وانتهاء بالإمارات العربية المتحدة ، مروراً بكل من العراق ، والكويت ، والسعودية ، والبحرين ، وقطر .


    وبهذه السيطرة صار بوسع أميركا التحكم حين يلزم في الدول الأخرى التي تعتمد على نفط الخليج كاليابان ودول أوروبـا الغربية . وبالطبع ذلك مرهون باستمرار هيمنتها على دول الخليج لا سمح الله .


    ولضمان استمرار سيطرتها على هذه المنطقة الحيوية بالنسبة للكثير من الدول في العالم ، فإن واشنطن تبنّت نظرية (( الاحتـواء المزدوج )) . وظاهر هذه النظرية أنها لحماية دول الخليج من الخطرين : العراقي والإيراني . ولكن حقيقتها هي الاستعانة بالعراق وإيران في تمكين سيطرتها على باقي دول الخليج . ولعب ويلعب صدام في هذا الإطار دوراً بشعاً آخر ، على حساب إدامة الحصار على بلاده ، وتجويع شعب العراق ، وحرمانه من أبسط أساسيات الحياة .


    فهو لا يكفّ عن مشاكسة فرق التفتيش التي تعمل في العراق للتأكد من خوله من أسلحة الدمار الشامل . وتتخذ الولايات المتحدة من هذه المشاكسة ذريعة لحشد القوات بمختلف أنواعها في منطقة الخليج ، بحجة ضرب العراق لتأديبه على مشاكساته أو ثنيه عنها . ويدبّ الرعب في هذه الأثناء في دول الخليج نظراً لأنها تخشى أن يطالها رد صدام على الضربات الأميركية . وهذا بدوره يساهم في إضعاف موقف هذه الدول إزاء أميركا ، مما يجعلها تقبل باستقبال طائراتها وأساطيلها البحرية ، وتحمّل نفقات نشر هذه القوات في أراضيها ومياهها .


    أمّا إيران فإنها تظل ترفع شعار التصدي لقوات (( الشيطان الأكبر )) في الخليج ، وتقوم بإجراء المناورات في مياه الخليج وعلى شواطئه ، وتثير مخاوف دول الخليج من وقوع صدام مسلح بينها وبين القوات الأميركية ، مع ما يترتب على ذلك من أخطار على هذه الدول التي تتمركز فيها القوات الأميركية . وذلك بالإضافة إلى توتير علاقاتها مع دولة الإمارات العربية المتحدة حول الجزر الثلاث التي احتلتها إيران في الخليج أيام الشاه .


    ومع أن أهداف نظرية (( الاحتواء المزدوج )) لم تعد تخفى على أحد ، بمن في ذلك حكام الخليج أنفسهم ، إلا أن إدراك الأمـور شيء ، واتخاذ موقف على أساسها شيء آخر ، وخصوصاً إذا كان هذا الموقف يعني التصدي للدولة الأولى في العالم ، التي يتصور الجميع أنها قادرة على إلحاق الأذى بكل من يتصدى لها .


    ولم يقتصر تأثير الدور الذي لعبه صدام في خدمة أميركا على منطقة الخليج وحدها ، بل كان له تداعيات إقليمية أوسع مدى ، إلى جانب التداعيات الدولية .


    فعلى الصعيد الدولي ، استغلت أميركا احتلال العراق للكويت ، وأنشأت تحالفاً دولياً واسعاً لإخراج العراق من الكويت ، ضمّ دولاً كبرى كبريطانيا وفرنسا ، كما ضمّ دولاً أقل شأناً من مختلف بقاع العالم ، بما في ذلك دول عربية وأخرى قائمة في العالم الإسلامي . وجعلت واشنطن هذا التحالف يجسّد زعامتها الدولية وانفرادها بالموقف الدولي ، خاصة وأن مناورة الكويت تزامنت مع تصدّع الاتحاد السوفيتي الذي كان على وشك الانهيار .


    وأما على الصعيد الإقليمي ، فإن ما قام به صدام من قصف تل أبيب بالصواريخ كان رسالة أميركية لإسرائيل هدفها إفهام الشعب الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية أن المراهنة على دوام التفوّق العسكري على العرب وهم ، وأن الحدود الآمنة لا تقام على أسس جغرافيـة . وبذلك تهيأت إسرائيل لما أعلنه بوش ، عقب انتهاء الحرب مباشرة ، من أنه سيشرع بحل (( قضية الشرق الأوسط )) وفق أسس معينة . ودخلت إسرائيل بالفعل في عملية مدريد .


    هذه هي أهم الأهداف التي مكَّن صدام واشنطن من تحقيقها ، على صعيد الخليج ، وعلى صعيد النزاع العربي ـ الإسرائيلي ، وعلى صعيد الموقف الدولي . وكل ذلك تمّ ويتم على حساب جماجم أبناء العراق ، وعلى حساب جوع العراقيين ، وفقدهم أبسط مقوّمات الحياة . ولكن صدّاماً لا يهمّه شيء من ذلك . فكل ما يهمّه رضا أسياده ، ظنّاً منه أن هذا الرضا كفيل بإبقائه في سدة الحكم . وما درى أن الكثيرين من عملاء أميركا ، وغير أميركا من الدول الغربية ، الذين قدّموا لأسيادهم الكثير ، خلعهم أسيادهم كما يُخلع الحذاء القديم ، وألقوا بهم في مزابل التاريخ ، حين وجدت هذه الدول أن مصلحتها في إزالتهم ، دون أن يكون لخدمات هؤلاء العملاء السابقة أي اعتبار .


    وما يمضّ القلب أن ما قام به صدام سواء من إشعال الحرب مع إيران ، أو من احتلال الكويت ، قد ألحق الأذى بالأمة الإسلامية كلها ، لأنه مَثّل تحطيماً للأواصر الإسلامية ، ولقيم الأخوّة والتعاضد بين المسلمين ، ولحرمة دمائهم فيما بينهم ، الأمر الذي أضرّ بشكل فادح في العمل الجاد المخلص لإنهاض الأمة واستئناف الحياة الإسلامية .


    وعمالة صدام لأميركا قديمة . وسبق للحزب أن كشف عنها عام 1975 قبل وبعد اتفاق شط العرب في الجزائر ، كما أكدها في النشرة التي أصدرها حول زيارة فهد للعراق ، والمؤرخة في 13/6/1975 ، وبيّن فيها أن تلك الزيارة ، وما تخللّها من اجتماعات بين فهد وصدام عميلي أميركا ، تدل على أن أميركا تريد أن تجعل للعراق دوراً في الخليج .


    ويغلب على الظن أن عمالة صدام لأميركا بدأت حين عاش في القاهرة بضع سنوات في أواسط الستينات ، بعد هروبه من العراق عقب مشاركته في المحاولة البعثية لاغتيال عبد الكريم قاسم عام 1961 .


    صحيح أن البعثيين شاركوا عملاء الإنجليز في انقلاب 17 تموز 1968 ، ولكنهم سرعان ما تخلّصوا منهم بانقلاب آخر في الثلاثين من نفس الشهر ، وانفردوا بالسلطة ، وساروا مع عبد الناصر .


    ومع أن أحمد حسن البكر الذي بقي رئيساً للجمهورية ظل عميلاً للإنجليز ، إلا أن معظم شركائه في السلطة كانوا مع عبد الناصر ، وخاصة صالح مهدي عماش وطه الجزراوي وصدام حسين .


    وكان هؤلاء أشبه بعصابة داخل السلطة . وقد استغلّوا فرصة تولي صدام لجهاز المخابرات العراقية في شن حملة استمرت عدة سنوات للتخلص من عملاء الإنكليز داخل العراق . وكثيراً ما نصبوا المشانق لعملاء الإنكليز بعد إدانتهم في محاكمات عسكرية بالخيانة . ومع أن عملاء الإنكليز كانوا يستحقون القتل لخيانتهم لأمتهم ، ولكن الذين أعدموهم كانوا يستحقون القتل أيضاً لعمالتهم لأميركا وخيانتهم لأمتهم . ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن طه الجزراوي كان من بين أشهر القضاة العسكريين في تصفية عملاء الإنكليز . وطه الجزراوي هذا هو نفسه طه ياسين رمضان الذي يتولى هذه الأيام منصب نائب صدام .


    وقد حاول الإنكليز بعد أن تقلّص نفوذهم في العراق نتيجة لتعزز مركز صدام ، الإطاحة بنظام البعث في العراق . ودبّروا بالتواطؤ مع البكر ، الذي كان لا يزال رئيساً للجمهورية ، خطة انقلاب يتزعمها حردان التكريتي ، الذي سبق أن اضطره عملاء أميركا للهرب من العراق . وجاء حردان للكويت وأخذ يستعد للقفر إلى بغداد في ساعة الصفر . غير أن الأمريكيين علموا بسبب وجـوده في الكويت . وبينما كان حردان يجري بعض الفحوص الطبية في أحد مستشفيات الكويت ، تصدّت له مجموعة اغتيال عراقية وقتلته . وهربت المجموعة إلى السفارة العراقية ، مما حال دون ملاحقتها مِن قِبل رجال الأمن الكويتيين . ومن المفارقات أن قَتَلة التكريتي رافقوا نعشه في الطائرة التي أقلّته إلى بغداد ، دون أن تستطيع السلطات الكويتية التعرض لهم بشيء ، رغم ما ألحقوه بها من إذلال .

    هذا هو صدام حسين ، وهذا هو الدور الذي لعبه في خدمة أسياده الأميركيين ، على حساب أبناء بلده وأمته ، دون أن يتّعظ بغيره ، ويدرِك أن العملاء مهما طال يومهم فلا بدّ له من نهاية ، إما على أيدي أسيادهم أو على أيدي غيرهم . وقصة صدام على مرارتها تنطوي على عبرة للأمّة . إذا يجب أن تدرك أن أميركا رغم كل عناصر القوة التي تمتلكها ما كانت لتنجح في تحقيق أهدافها في بلاد المسلمين لولا وجود صدام وأمثاله من العملاء على رأس السلطة في هذه البلاد . كما يجب أن تدرِك الأمّة كذلك بأن بقاء هؤلاء العملاء في السلطة يعتمد على إرادتها . فهي التي تقرّر البقاء تحت نفوذ الكفار أو تحرير نفسها بالقضاء على ركائزهم في بلادها .


    28/من شعبان 1418 هـ


    28/12/1997 م .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-11-15
  3. صخـر

    صخـر عضو

    التسجيل :
    ‏2005-02-15
    المشاركات:
    105
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: دور صادم حسين في خدمة مخططات أمريكا في الشرق الأوسط

    اقول علج التحرير لا اكثر ... علقمي المستقبل لليمن ...
     

مشاركة هذه الصفحة