محاضرات السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

الكاتب : مجدد   المشاهدات : 7,035   الردود : 156    ‏2005-11-12
حالة الموضوع:
مغلق
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-12
  1. مجدد

    مجدد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-10-04
    المشاركات:
    1,179
    الإعجاب :
    0
    يوجد الكثير من اللبس في معرفة افكار السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي
    يرجع ذلك لعدة اسباب لعل من اهمها استخدام وسائل الاعلام الرسمية لتشوية الحقائق عن السيد الشهيد
    لذا فانا من هذا المنتدى اقدم اليكم بعض محاضرت السيد الشهيد .
    نبدى بالمحاضرة الاولى
    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين.
    وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين.
    في مجال معرفة الله سبحانه وتعالى، وفي سبيل ترسيخ مفاهيم معرفته سبحانه وتعالى في أنفسنا لتعزيز الثقة به سبحانه وتعالى هناك وسيلة هي من أهم الوسائل ،تلك الوسيلة هي: التمجيد والتعظيم لله سبحانه وتعالى من خلال عرض الثناء عليه بكماله ،كماله المطلق، والقرآن الكريم قد اشتمل على كثير من الآيات الكريمة التي كانت على هذا الأسلوب، قال تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (الحشر:22) {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الحشر:23) {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر:24)
    {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة:255) {هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (غافر:65) {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:18) {وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (القصص:70) { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:73) { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (الأنعام:101 ـ103) وكثير من السور في القرآن الكريم تصَدَّرت بالثناء على الله مثل قوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}{يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} (سـبأ:1ـ2) {عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ}(سـبأ: من الآية3)
    وسور أخرى تصدَّرت بقوله تعالى {سَبَّحَ}أو{ يُسَبِّحُ} مثل ما في أول هذه السورة سورة التغابن {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التغابن:1) {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (الحشر:1) وكقولـه تعالى {فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (يّـس:83) وقوله تعالى{فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}،{وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ}{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}(الروم:17ـ19) وما أكثر ما ورد في القرآن الكريم من أمثال هذه الآيات.
    وليس فقط في القرآن الكريم بل ورد على هذا النحو أذكار كثيرة شرعها الله لعباده أن يرددوها في صلاتهم وفي غير صلاتهم مثل( سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ، والله أكبر). وهذه من أذكار الصلاة وكذلك (سبحان الله العظيم وبحمده) ، (سبحان الله الأعلى وبحمده ) ونحن في الصلاة ،ندخل في الصلاة بالتكبير لله (اللَّهُ أَكْبَرُ) وداخلها نكرر التكبير لله عند الركوع وعند السجود وعند القيام ،وعند القعود.
    والتسبيحة: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ،والله أكبر) هي من الأذكار التي وردت أحاديث بفضلها.
    كل هذا هو في الواقع خطاب ثناء على الله، يردده الإنسان بلسانه ليترك آثاراً في النفس.
    إذا تأملنا في الآيات الأولى قول الله تعالى { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } يتبادر إلى ذهنك كل ما عرضه في القرآن الكريم من أنه الملك ،وأنه الإله ،وأنه الرب ،وأنه المدبر لشئون السموات والأرض ،وأنه مالك لأمر عباده، هو الذي يحكم فيهم ،هو الذي يتولى هدايتهم، هو الذي يُشرِّع لهم ، { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ }.
    كلمة {لا إِلَهَ إِلَّا اللَّه} التي نرددها ونرفعها في أذاننا كل يوم للصلاة ، كلمة {لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} التي تتردد في القران كثيراً ، سواء بعبارة {لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}أو عبارة { لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} تكريرها جيلاً بعد جيل سراً وجهراً هي في حد ذاتها دليل على أنه فعلاً ليس هناك إله إلا الله.
    من هو ذلك الإله الذي جاء يعترض علينا فيقول :لا ،بقي واحد ثاني. عندما نؤذن في الصلاة وبمكبرات الصوت (أشهد أن لا إله إلا الله) ونكرر ذلك ثم نقول في الأخير لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) ونقرأ القرآن وهو مليء بـ{لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}لو كان هناك إله آخر لظهر.
    فنحن نرددها جيلاً بعد جيل مئات السنين ، يرددها المسلمون في كل بقاع الدنيا ، ولا أحد ظهر ليقول بأنه باقي واحد ثاني هو أنا.إذاً فحقيقة ليس هناك إله آخر.
    إنما نحن الذين نصنع آلهة داخل أنفسنا ، نصنع آلهة من الأشخاص ممن هم عبيد كالأنعام وليسوا حتى مثل بقية الناس، نحن من نصنعهم آلهة، ونحن من نصنع داخل أنفسنا آلهة، في الوقت الذي نسمع قول الله تعالى يتكرر في آذاننا وعلى مسامعنا {فاعلم أنه لا إله إلا الله}. والمؤذن للصلاة يقول لنا: (لا إله إلا الله ). ونحن نقول في صلاتنا { سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله ،والله أكبر }.
    لماذا لا نفكر في كيف يجب أن نستفيد من تكرير { لا إله إلا الله } فنرسخ في داخل أنفسنا أن ما سوى الله لا يجب أن يخيفنا ، ولا ينبغي أن نخاف منه ، لا ينبغي أن نعتمد عليه ،ونطمئن إليه في مقابل الابتعاد عن إلهنا الذي لا إله إلا هو ،وهو الله سبحانه وتعالى.
    في درس سابق ( ) حول قول الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (محمد:19) تحدثنا كثيراً عن كيف يجب أن نتعامل مع{لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}، وكيف يجب أن يكون ترديدنا لها، وكيف نستفيد منها ، وكيف هو الأثر الكبير ،الأثر المهم الذي تصنعه في النفوس ، التي تحاول أن ترسخ معانيها فيها ، كيف ستصبح قوة تقهر كل من يبرزون في هذا العالم كآلهة للناس ، ممن هم عبيد أذلاء ضعفاء أمام الله الواحد القهار، جبار السموات والأرض ، وكيف يجب أن تكون ثقتنا بالله ثقة مطلقة ، فما الذي يمكن أن نخاف منه سوى الله؟. من الذي يملك ما يملكه الله؟. من هو الكامل ككمال الله؟. من هو الحي الذي لا يموت ـ سوى الله؟. من هو القاهر كقهر الله؟. من هو الجبار كجبروت الله؟. لا أحد. لا أحد.
    حتى كل من يبرزون في هذه الأرض يتَعَاظَمُون أنفسهم ويقدمون أنفسهم كجبارين وطواغيت إنهم أذلاء ،إنهم ضعفاء،إنهم مساكين، مساكين أمام جبروت الله الواحد القهار، ما أضعفهم، وما أحقرهم، وما أذلهم، وما أذلنا نحن، وما أحقرنا، وما أضعفنا إذا أصبحنا نخاف منهم ولا نخاف من الله، ما أضعفنا وما أحقرنا وما أعمى بصائرنا إذا اطمئنينا إليهم، ولا نطمئن ولا نثق بالله سبحانه وتعالى.
    سبحانه وتعالى هو الله وحده فبه ثِق ،وعليه توكل ،وإياه فاسأل ، وبه فاستعِن، وإليه فارغب، وإياه فارهب، وإياه فاعبد، وله فأخلص ،{ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ }. أليست هذه وحدها تكفي أن تتعامل مع الله على هذا النحو، وأن تنظر إليه هذه النظرة؟ ؛أنه لا إله ءَأْلَهُ إليه ،أتجه إليه ،أصْمُد إليه ، أقصده، أعبده إلا الله
    {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} أليس في هذا ما يدفعني إلى أن أثق به ،وأطمئن إليه، وأتوكل عليه، وأشعر بعظمته ، وأرسخ في نفسي الشعور بعظمته؟. هو عالم الغيب والشهادة ، فهو من إذا اعتصمت به اعتصمت بمن لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، بمن لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، فمتى يمكن أن يَسْتَغْفِلني أعدائي إذا كان وليي هو من يعلم الغيب في السموات والأرض ،هو عالم الغيب والشهادة؟. وأين يمكن أن أكون فلا يراني؟ أو أدعوه فلا يسمعني؟{قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى}(طـه:46) {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ}{الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ}{وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ}{إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الشعراء:217ـ 220)
    { هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} وكما قلنا في درس سابق أن مجموع اللفظتين تفيد المبالغة في أنه رحيم بعباده.
    ولو تأملنا من خلال هدايته للناس ،من خلال تشريعه للناس، من خلال تدبيره لشئون عباده، لشئون مملكته لوجدنا ما يبهرنا من مظاهر رحمته بنا، لوجدنا ما يبهرنا من مظاهر حلمه عنا. رحمته الواسعة بنا ونحن ما نزال في بطون أمهاتنا ،وبهذا ذكَّرنا في القرآن الكريم.
    رحمته بنا ونحن في أحضان أمهاتنا، يعطفن علينا بقلوب مليئة بالرأفة والشفقة على الرغم من أننا نكون في ظرف لا ننفع الأمهات فيه بشيء ، بل نؤذيهنّ. أليس الولد يؤذي أمه بأشياء كثيرة؟. يقلقها وقت نومها ، يقلقها أثناء عملها ، يوسخ ثيابها، وتخدمه بكل رغبة ، تخدمه بكل ارتياح ، يعجبها وترتاح حتى عندما تسمع صوته، وإن كان في منتصف الليل بعد أعمال شاقة طول النهار، يعجبها أن تسمع صوته ، وتضمه إلى صدرها وتَحْنُو عليه بقلبها وعطفها.
    وهكذا تجد في مختلف الحيوانات الأخرى، حتى تلك الحيوانات الشرسة ،تلك الحيوانات ذات المنظر البشع. أنثى التمساح التي ليس له حِجْر تحتضن صغارها فيه، أين تضع صغارها؟. في فمها. ذلك الفم المليء بالأسنان الرهيبة ، فم طويل فيه مواشير من الأسنان فتحمل أولادها برفق وشفقة فوق أسنانها الرهيبة المفترسة، فيحس بالطمأنينة، ويحس بالارتياح فوق تلك الأسنان، التي لو رآها واحد منا عن بُعْد لولى هارباً من بشاعتها ،لا تحاول أن تطبق فمَها على صغارها، تطبق فمها بالشكل الذي فقط يمسك صغارها. الرحمة حتى داخل الفم المليء بالأسنان المفترسة البشعة الشكل الكثيرة العدد.
    وهكذا تجد في بقية مخلوقات الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق بمرحلة من مراحل المخلوقات هي مرحلة الولادة، ومرحلة الحضانة للصغار.
    مظاهر رحمته تعالى بنا واسعة جداً حتى في تشريعه لنا ،يشرع لنا ما هو ضروري بالنسبة لحياتنا أن نسير عليه، حتى وإن لم يكن هناك من ورائه لا جنة ولا نار. المتأمل يرى بأنه فعلاً ضروري للحياة ،أليس الناس يشرعون لأنفسهم قوانين ودساتير؟ ،هل وراءها جنة أو نار من الدولة التي تشرعها؟. لا. مجرد تشريعات يقال: تمشون عليها لتستقر بها الحياة السياسية والاقتصادية ، ويحصل استقرار داخل هذا الشعب أو ذلك الشعب فيسعد الناس. هذا كل ما يقولونه من وراء ما يشرعون. ومع هذا ما أكثر الأخطاء التي تظهر في تلك التشريعات ؛لأنها ناقصة جاءت من قاصرين وناقصين شرعوها للناس، الناس الذين لا يمكن أن يعلم بما هو تشريع مناسب لهم إلا الله الذي خلقهم سبحانه وتعالى.
    أمَّا الله سبحانه وتعالى فتجد كيف أنه فيما هدانا الله إليه وفيما شرّعه لنا مما هو ضروري بالنسبة لحياتنا لتستقيم عليه، ويسعد الناس في السير على نهجه ، يأتي ليعدنا على ذلك بالأجر العظيم والثواب الكبير ، برضاه وبالأمن يوم لقاه، وبالجنة التي عرضها السموات والأرض التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتَلَذّ الأعين. أليس هذا من مظاهر رحمة الله؟.
    لو أتى رئيس من الرؤساء وصاغ دستوراً معيناً ،أو قانوناً في مجال من المجالات وقال: من التزم به وسار عليه فسوف نعطيه قطعة أرض في محافظة (حضرموت) سعتها كذا وكذا بمضختها بالقائمين عليها ،لاتجه الناس لتطبيق ذلك القانون،ولآمنوا به ربما أعظم من إيمانهم بالقرآن من أجل أن يحصلوا على قطعة أرض، أو من أجل أن يحصل الواحد منهم على وظيفة معينة، وما قيمة الوظيفة ،وما قيمة قطعة الأرض في مقابل جنة عرضها السموات والأرض؟!. {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} (محمد:15) كل هذه الأنهار ،كل تلك الجنات المتدلية الثمار، كل تلك الجنات الواسعة المساحات، كل ذلك النعيم الدائم الذي لا ينقطع ،كله يعتبر زيادة منه سبحانه وتعالى ،رحمة لعباده ، وعدهم به فيما إذا ساروا على هديه، والتزموا بتشريعه، أن يمنحهم ذلك النعيم العظيم، هذه رحمة عظيمة.
    ثم تجد أثناء دفعه للناس إلى أن يلتزموا بتشريعه ، ودفعه بالناس إلى أن يسيروا على صراطه المستقيم الذي يوصلهم إلى مستقر رحمته الجنة، يفتح لهم في الدنيا أبواباً كثيرة لمضاعفة الأجر : من أول وَهْلَه الحسنه بعشر حسنات.
    أي الناس من أقاربك من أرحم الناس بك يمكن أن يبادلك على هذا النحو في تصرفاتك معه الحسنه بعشر حسنات؟. هل يمكن أن تتعامل معك أمُّك على هذا النحو في أمور تخصها فتقول لك: يا بني اذهب واعمل وحاول أن تكسب لي مائة ريال وأنا سأعطيك بدل المائة ألف ريال، هل هذا يحصل؟. أو أبوك هل يمكن أن يعمل هكذا؟. أو حتى أولادك هل يمكن أن يعملوا هكذا؟. أي الناس ممن هم رحماء بك يمكن أن يتعاملوا معك على هذا النحو؟ من حيث المبدأ مائه بألف ريال أو حسنه بعشر حسنات؟. لا أحد إلا الله سبحانه وتعالى .
    من الذي فرض عليه هذا؟. هل أحد فرض عليه هذا من جهة عباده؟. لا.
    هو الرحمن الرحيم ،هو الرؤوف الرحيم الذي يرشدنا، ويشجعنا بمضاعفة الأجر على أعمالنا، لنكون جديرين بما وعد به أولياءه، لتثقل موازيننا يوم القيامة. فجعل الحسنة بعشر حسنات والسيئة واحدة منك يكتبها واحدة ،وعندما تتوب تمحي كلها وتتبدل حسنات مكانها، أليست هذه رحمة؟.{يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (الفرقان: من الآية70) {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}(هود: من الآية114) يحتفظ لك برصيدك من الحسنات مهما أمكن، إلا أن تأتي أنت بحماقتك فتعمل ما يحبطها ،فتصبح أنت من جنيت على نفسك.
    قد أعتذرُ إلى شخصٍ أسأت إليه ،ماذا يمكن أن يعمل لي بدل اعتذاري إليه؟. سيقول لي: ” جاهك على الرأس يا رجال ، وكانت زلّة وانتهت، ونحن اخوة من الآن فصاعدا ”. أليس هذا كل ما يمكن أن يعمله شخص يحترم وصولك إليه لتعتذر من زلة بدرت منك نحوه؟. أما الله فهو يتوب عليك بل هو أحياناً - ومع بعض عباده - يتوب عليهم أولاً ليتوبوا، {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَـتُوبُوا}(التوبة: من الآية118) ومتى ما تاب أحدنا من زلة بدرت منه، أو سيئة هي في نفس الوقت ضر عليه وليست على الله. هل هناك ضر على الله فيما أعمل؟. فلأنني رفعت ضراً عن الله قدّر لي ذلك العمل فبادلني بحسنات بدل تلك الأزمة التي فككتها عنه؟. ليس هكذا.
    الله لا تضره معاصينا ،معاصينا ضر علينا نحن ،ولكن على الرغم من ذلك يأتي هو فيبدل ـ عندما نتوب إليه ـ يبدل سيئاتنا بحسنات ،الأمر الذي لا يكاد أن يفعله أي شخص ممن تعتذر نحوهم من زلة بدرت منك إليهم وإن كانت ضراً عليهم.
    أما الله سبحانه وتعالى فهو الذي لا تضره معصية من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، وهكذا يتعامل معنا.
    ثم هل هذا هو أكثر ما يمكن الحصول عليه وما يمكن أن يعمله بالنسبة لمضاعفة الحسنات؟. لا. يفتح مجالات واسعة ،ويفتح أبواباً واسعة: في خلال اليوم هناك أوقات معينة فيها، يُضاعِِف فيها الأعمال. في خلال الأربعة والعشرين ساعة هناك وقت متأخر في ثلث الليل الأخير يضاعف فيه الأعمال والحسنات أكثر. هناك داخل الأسبوع يوم واحد يضاعف فيه الحسنات وهو يوم الجمعة ، في نفس هذا اليوم ساعة واحدة يضاعف فيها الأجر أكثر. في السنة هناك شهر يضاعف فيه الحسنات أكثر إلى سبعين ضعفاً، وفي نفس الشهر ليلة واحدة يضاعف فيها الحسنات آلاف الأضعاف هي ليلة القَدْر.
    في ليالٍ وأيام معينة هي ليال العشر الأولى ذي الحجة تضاعف فيها الحسنات أكثر. هذا بالنسبة للزمن.
    وكذلك بالنسبة للأماكن هناك يفتح أماكن معينة تكون العبادة فيها أفضل: المساجد ،والمساجد متعددة هناك مساجد العبادة فيها أفضل من العبادة في المساجد الأخرى ، كالمسجد الحرام ومسجد رسول الله (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) والمسجد الأقصى، في داخل المسجد الحرام بجوار الكعبة تبدوا الحسنات أكثر وتضاعف أكثر.
    ثم بالنسبة للأجواء التي تُؤدى فيها العبادة تجد كيف أن العمل الجماعي يكون الأجر فيه مضاعفاً أكثر فعندما تصلي جماعة تصبح صلاتك بنحو خمس وعشرين صلاة.
    وفيما يتعلق بالمال يفتح مجالات لمضاعفة الأجر بشكل أفضل وأكثر من الحسنة بعشر إلى الحسنة بسبعمائة حسنة وأكثر {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:261) أليس هو سبحانه وتعالى برحمته من يعمل على أن يضاعف حسناتنا؟. تلك الحسنات التي تصدر منا بأعمال بسيطة وليس بحاجة إليها ،بل نحن المحتاجون إليها ، فيضاعفها لنا ليرفع درجاتنا ،لأنه حتى وإن كان يريد منا أن ندخل الجنة فهو يريد أن ندخلها ونحظى بدرجات رفيعة فيها.
    فيما يتعلق بأعمالك أنت في الدنيا وأنت تجمع المال من الذي يمكن أن يتعامل معك من أسرتك على هذا النحو فيفرغ وقته ويُجهد نفسه في تَـثْمِير رأس مالك. فتجمع عند أخيك أو عند والدك أو عند أمك مائة ألف فيقوم هو بتثميرها ومضاعفتها فلا تمُرّ عليها فترة من الزمن إلا وقد أصبحت سبعمائة ألف ،هل هناك أحد يعمل هذا؟.
    هل يمكن لأبيك أن يعمل هذا؟ تودع عنده مائة ألف فيقوم هو بالعمل فيها والتجارة فيها واستثمارها لتصبح بعد أربع أو خمس سنين سبعمائة ألف؟. لا. بل قد لا يبقى رأس المال سالماً. سيأكلها ويقول: الولد وما ملك لأبيه، أليس هذا هو ما قد يحصل؟. وهكذا تجد أمك ،هكذا تجد أخاك ،هكذا تجد أباك، هكذا تجد إخوانك وأصدقاءك ،ليس هناك أحد مستعد ـ ممن هو رحيم بك ـ أن يُجهد نفسه ليُثَمِّر رأس مالك هكذا.
    ثم بعد أن يُثَمِّر رأس مالك فيصبح سبعمائة ألف هل سيعطيك فيما بعد سيارة قيمتها أربعة ملايين جائزة على أن مالك كثر إلى سبعمائة ألف هل هذا ممكن؟. أما الله فيعطي بعد مضاعفة الحسنات يضاعفها يضاعفها ثم في الأخير يعطيك جائزة مهمة جداً جداً لا يساويها شيء {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}(التوبة: من الآية72)
    الإنسان لو يتأمل في القرآن الكريم لوجد من دلائل رحمة الله الواسعة في مجال هدايته وتشريعه لعباده وفيما يصنع الله لعباده لوجد كم هو ـ فعلاً ـ رحمن ورحيم، رحيم رحيم بعباده ما يجعله يستحي ويخجل أمام الله.
    هذا فيما يتعلق بتشريعه، وكما سبق فيما يتعلق بتدبيره لشئون خلقه مما ذكرنا من رعاية الصغار في المخلوقات.
    تدبيره أيضاً لشئون خلقه من الليل والنهار والحر والبرد وإنزال المطر وأشعة الشمس وكلها كلها تكون بالشكل الذي لا يضر الإنسان، ولا يضر ما يعتبر من الضروريات لبقائه حياً في هذه الدنيا ولاستقامة معيشته فيها ،فيأت الليل بقدر ،ويأتي النهار بقدر ،وتصل أشعة الشمس إلينا بقدر ،وين‍زل إلينا الماء من السماء مفرقاً بقطرات حتى لا يجرف أموالنا وبيوتنا وهو ملايين الأطنان في السماء.
    هل يأتي بالسحاب فين‍زل الماء منه دفعة واحدة على بلد واحد؟. كان سينهينا. لكن ين‍زل بشكل قطرات متفرقة فتجتمع القطرات فترى منها الأودية التي تجرف الصخرات.
    وكم ذكر في القرآن الكريم فيما يتعلق بتدبير شئون خلقه من مظاهر رحمته بهم ،ليفهموا أنه رحيم بهم.
    وإذا فهمنا أنه رحيم بنا ماذا يعني ذلك؟.
    هل يعني أن نقول لك الحمد يا الله، ولك الشكر يا الله)، ثم نتجه إلى اتخاذ آلهة من دونه نطيعهم ونمجدهم، وكأنه سبحانه مجرد فاعل خير لا علاقة له بنا ولا دخل له في شئوننا ـ لاـ إنه إلهنا وملكنا وربنا هو خالقنا ورازقنا بيده حياتنا وموتنا وإليه مصيرنا، هو الذي يجب أن نطيعه ونحبه ونتولاه ونعتصم به ونتوكل عليه ونخشاه.
    إذا عرفنا كم هو رحيم بنا، فستترك هذه المعرفة شعوراً مهماً في أنفسنا ؛لأنك حينها -كما ذكرت سابقاً- تستعرض أقرب المقربين إليك فلا تجد فيهم من يمكن أن يكون فيه معشار معشار ما يحيطك الله به من عنايته ورحمته، دع عنك مدير المديرية التي أنت فيها ،محافظ المحافظة التي أنت فيها ،رئيس البلد الذي أنت فيه من لا يعلم أين أنت ،ولا ممن أنت ،ولا كيف أنت ،ولا يبالي على أي حال كنت ،وهم من نخافهم، من نرغب إليهم، من نرمي بكل توجيهات الله بعيداً عنا من أجل الخوف منهم، من نتردد في أن نقول الحق من أجل الخوف منهم ،هل هم يمتلكون ما نخاف منه مثلما يمتلك الله؟. لا. هل أن فضلهم علينا أعظم من فضل الله علينا؟. لا. هل أن رحمتهم بنا أعظم من رحمة الله بنا ،فنحن نؤثر الرغبة إليهم والالتزام بتوجيهاتهم أكثر مما يصدر من جانب الله تعالى؟.لماذا؟. لماذا كل ذلك؟.
    لأنا كما قال الله سبحانه وتعالى {قُتِلَ الْأِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} (عبس:17) قتل: ***، *** الإنسان ما أكفره!!.
    وفعلاً كل إنسان يستحق اللعنة إذا لم يرجع ليتفهم جيّداً معاني رحمة الله به ،يتفهم جيداً معاني معرفته بالله ، ليعرف بأنه ليس هناك ما يمكن أن يدفعه إلى أن يميل إلى هذا الجانب أو ذلك الجانب لا لرغبة ولا لرهبة ،ولا لخوف ولا لرجاء.
    ومما يؤكد لنا أهمية المعرفة والتفهم لمعنى أنه تعالى رحيم بنا أن الله سبحانه وتعالى صدر سور كتابه الكريم بآية{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وهي آية من أعظم الآيات وأهمها،لها دلالتها المهمة جداً جداً، على أن كل هداية منه تعالى، وكل تشريع منه، وكل توجيه داخل هذا القرآن الكريم هو من منطلق رحمته، يقوم على أساس رحمته ،ويسير بنا في أجواء رحمته ، وينتهي بنا إلى مستقر رحمته. ثم تجد داخل السور نفسها أنه تكرر كثيراً ذكر الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مجتمعة أو مفترقة مثل{تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}( فصلت:2) {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (الفاتحة:2ـ3) وهكذا تتكرر.
    لو نأتي إلى هذا الاسم الإلهي {الرَّحِيمِ} ونتأمل مظاهر رحمته فينا لكفتنا هذه، فضلاً عن اسمه {عَلِيمٌ و حَكِيمٌ و خَبِيرٌ و سَمِيعٌ و بَصِيرٌ و قَدِيرٌ} إلى آخر أسماءه الحسنى ،اسمه العظيم{رَّحِيمِ} وحده لو نأتي ونتأمل معناه ونتلمّس مظاهره في حياتنا كلها، وفي تشريعه لنا لوجدنا أنفسنا في حالة سيئة من الكفران بالله ، من الظلم لأنفسنا ، وسنرى أنفسنا كما قال الله سبحانه وتعالى {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ}(ابراهيم: من الآية34)
    وعندما يذكِّرنا بنعمه في القرآن الكريم فهو كذلك لننظر إليها من منظار أنها مظهر من مظاهر رحمته بنا أيضاً ألم يتكرر في آيات كثيرة تذكيره تعالى لنا بنعمه علينا؟.أ لم تتكرر آيات كثيرة يقول لنا فيها {وما بكم من نعمة فمن الله} {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}(لقمان: من الآية20) {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا}(براهيم: من الآية34) وكون الأشياء كلها بالنسبة لنا نعمة منه أليس ذلك يعني أنها مظهر من مظاهر رحمته بنا؟. أليس ذلك يعني أنه سبحانه وتعالى رحيم بنا؟.
    ثم نأتي إلى بقية الأسماء الحسنى التي أثنى الله سبحانه وتعالى بها على نفسه في هذه الآية ؛لننظر إليه سبحانه وتعالى نظرةَ مَن نفسُه ممتلئة بالشعور بعظمة الله: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ}(الحشر: من الآية23) يكرر نفس العبارة الأولى {هُوَ اللَّهُ}ولهذا التكرير أثره الهام في خلق التفاتة لدى الإنسان ليتوجه بانقطاع إلى الله، ثم أنظر كيف جاء بعدها جملةٌ من أسمائه تعالى من أول الآية تستشعر عظمة الله، الذي قال {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ}(الحشر: من الآية21) لتتذكر دائماً من هو، كلما ذكِر اسمه أو تليت عليك آياته أنه {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ـ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الحشر:22 ـ23) أنه {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ } أنه الذي { لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} أنه الذي { يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ثم تأمل كيف جاءت هذه الأسماء كلها بـ(أل) التي تفيد الاختصاص فقوله تعالى{الْمَلِكُ}يعني أنه هو وحده من له ملك السماوات والأرض وما فيهما ، إذاً فهو هو وحده من له حق التصرف فينا ،وهو وحده من يجب أن نرغب إليه ، ونخاف منه.
    ثم تجد مُلكَه سبحانه وتعالى ليس كمُلكِ الآخرين من البشر مُلْك تسلُّط،مُلك جبروت، ملك طغيان ، أوامر جافة ، وَنواهي جافة، لا تكريم فيها ولا كرامة معها. أما الله عز وجْل فإن ملكه مُلْكُ رحمة وهداية ملك تكريم ورعاية كله قائم من منطلق أن رب العالمين ، وهو الرحمن الرحيم بهم ، نفس المعنى الذي جاء في أول سورة الفاتحة{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (الفاتحة:1ـ3) هو الذي ربوبيته تقوم على أساس رحمته، ربوبيته لعباده مظهر من مظاهر مُلكه وتدبير لشئون عباده الذين هو مَلِكُهم.
    {الْقُدُّوسُ} المُن‍َزَّه المُعَظّم ،فأنت عندما تكون منقطعاً ،إليه ملتجئاً إليه تجهر بأنه ربك وأنه ملكك ،وأنه إلهك ،وأنه وليّك، فإنه من هو فخرٌ لك أن يكون إلهك ؛لأنه (قدُّوس)، هو من‍زّه ، هو معظّم ، أنت لم تلجئ نفسك إلى طرف تستحي إذا ما أحد عرف أنه وليك أو أنه قدوتك أو أنه رئيسك أو أنه ملكك فتخزى ،أما الله فإنه من يشرفك أنه إلهك أنه ربك وملكك، من تتشرف بأنك عبدٌ له
    ولهذه القضية أهميتها في السمو بالنفس حتى على مستوى القدوات من البشر، ألم نقل في مقام آخر إن من الفخر لنا، أن قدواتنا من أهل البيت ، ليسوا من أولئك الملطخين بعار المخالفة للرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) الملطخين بالأخطاء والمساوئ، والمواقف السيئة، فنجهد أنفسنا في الدفاع عنهم وفي تَنْمِيق مظهرهم.
    الله سبحانه وتعالى {الْقُدُّوسُ}، هو الذي تفتخر بعبوديتك له، وتفخر بقربك منه. أليس هناك في هذه الدنيا من يفخر بأنه مقرب من الرئيس أو مقرب من الملك؟. ويرى لنفسه مكانة عظيمة يتطاول بها على الناس ، أنه شخص له كلمته عند الرئيس أو عند الملك أو عند رئيس الوزراء أو عند الشيخ فلان، أليس هذا هو ما نراه؟. ومن هم هؤلاء؟. من هم هؤلاء؟. البشر الضعفاء القاصرون الناقصون المساكين.
    فإذا كنا نجد من يفخر بقربه منهم ،من يفخر بتوليه لهم، من يفخر بطاعته لهم ، فلماذا نحن لا نفخر على الآخرين بأننا نعمل لنكون مقربين إلى الله؟!. أن نبحث عن كيف نحصل على ما فيه مجد لنا ،وعزة لنا، وفخر لنا هو أن نقرب من الله وأن نعزِّز علاقتنا به، وأن نرسخ تولينا له ؛لأنه {الْقُدُّوسُ}.
    {السَّلامُ الْمُؤْمِنُ} سلام لأوليائه ، مؤمن لأوليائه ، فكن من أوليائه ليرعاك ويحيطك بالسلامة بالأمن من الضلال ، من الذل في هذه الدنيا، وهو من سيوصلك إلى دار السلام في الآخرة ، ألم يصف جنـته بأنها دار السلام في الآخرة؟.
    {الْمُهَيْمِنُ} هو المهيمن على كل شيء ،فكيف تخاف ،وكيف ترهب ممن هم تحت هيمنته!!. إذا كان رئيس أمريكا هو من يهيمن على بقية الزعماء ،ومَن هو؟ ، أليس هو مَن الله مهيمن عليه؟. فما هو إلا ذرة من ذرات هذا الكون الذي يهيمن الله عليه ،فانظر كيف نـتعامل نحن: نخاف من شخص هناك وهو مهيمن عليه شخص آخر، وهذا الشخص الآخر هو مهيمن عليه شخص آخر، وهذا الكبير في الأخير هناك من هو مهيمن عليه وهو الله الواحد القهار، الذي يقول لنا في كتابه {هُوَ اللَّهُ}.
    عبارة (هو) هي تناجيك في كل لحظة وأنت تبحث عن أن تـنصرف بذهنك إلى هذه الجهة أو إلى هذه الجهة ، تقول لك: {هُوَ} وحده {اللَّهُ}.
    بالإمكان إذا كنت تبحث عن السلام ،أو تبحث عن الأمن ، كما هو حال العرب الآن في صراعهم مع أعداء الإسلام والمسلمين يبحثون عن السلام ويـبحثون عن الأمن ،فلم يجدوا سلاماً ولم يجدوا أمناً وإنما وجدوا ذلاً وقهراً وإهانة ، ودوساً بالأقدام. لماذا لا تعودون إلى الله وهو الذي سيمنحكم السلام. أليست إسرائيل هي في موقع سلام بالنسبة للفلسطينيين؛ لأنها مهيمنة عليهم؟. هل هي التي تخافهم أم هم الذين يخافونها؟.
    نحن لو التجأنا إلى الله سبحانه وتعالى ـ بما فينا تلك الحكومات التي تبحث عن السلام ،وأولئك الكبار الذين يبحثون عن السلام من أمريكا، ويبحثون عن السلام من روسيا ، يـبحثون عن السلام من بلدان أوروبا، بل يـبحثون عن السلام من إسرائيل نفسها ، عودوا إلى الله هو الذي سيمنحكم القوة ،يمنحكم العزة فتكونوا أنتم المهيمنين على الآخرين لأنكم تمسكتم بالله السلام المؤمن المهيمن وهناك من الذي يستطيع أن يسيطر عليكم؟. من الذي يستطيع أن يؤذيكم؟. من الذي يمكنه أن يقهركم؟. أوليس هذا هو السلام؟.
    السلام لا يتحقق لك إلا إذا كنت في موقف عزة وقوة ومكانة، أما أن تبحث عن السلام وأنت تحت، - كما يصنع بعض الفلسطينيين، وكما يصنع العرب الآن - فإنما هو استسلام ،هو استسلام ،وأنت في الواقع تحت رحمة عدوك، بإمكانه أن يضربك في أي وقت ، بإمكانه أن يختلق لك مشكلة مع أي بلد آخر فتدخل في حرب مع ذلك البلد كما رأينا.
    هل يريد الناس سلاماً بما تعنيه الكلمة ،وأمناً بما تعنيه الكلمة؟. فليعودوا إلى السلام المؤمن المهيمن ، الذي كتابه مهيمن على الكتب ،الذي سيجعلهم مهيمنين بكتابه على بقية الأمم وحينها سيحظون بالسلام، وينعم العالم كله بالسلام.
    والإسلام هو دين السلام، لكن السلام بمعناه الصحيح، وليس بمعنى إقفال ملفات الحرب من جانب مع أعداء الله وأعدائهم فليس هذا هو السلام.؟ أن نقول : انتهى الأمر أن نلغي الجهاد ، ونلغي الحروب لنعيش مع الآخرين في سلام. هذا هو ما حصل لنا نحن المسلمين ، وما عمله كبارنا ،ظلوا يلهثون وراء السلام ويناشدون الآخرين بأننا نريد السلام ويـبحثون عن السلام ، بعد أن ألقوا آلة الحرب وألغوا اسم (الجهاد) ،فما الذي حصل؟. هل حصل سلام أم حصل دوس بالأقدام؟. بل حصل استسلام. أليس هذا هو الذي حصل؟.
    إفهم إسلامك الذي سيحقق لك السلام، فهو دين الله السلام ،لكن بمعنى آخر، متى ما سرت على نهج هذا الدين، متى ما تمسكت بهذا الدين ،متى ما اعتصمت بالله المشرِّع والهادي بهذا الدين ستكون قوياً ،ستكون عزيزاً ، ستكون الأعلى حتى وإن كنتم ترون أنفسكم في وضعية لا تملكون ما يملك العدو من قدرات وإمكانيات مادية {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}(محمد:35). ألم يستنكر عليهم أن يدعوا إلى السِّلم وهم في موقف يجب أن يكونوا هم الأعلون؟. فكيف تبحث عن السّلم مع الآخرين وأنت من يجب أن تكون أنت من يحاول الآخرون أن يبحثوا عن السِّلم معك ، فتقول لهم: أدخلوا في الإسلام لتحظوا بالسِّلم ،ليكون لكم ما لنا وعليكم ما علينا. ألم يكن هذا ما عمله الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) في أيام جهاده ،عندما كان يخيرهم بين واحدة من اثنتين :إما الشهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ،أو الحرب. أنتم تريدون السلام إذاً ادخلوا في هذا الإسلام لتحظوا بالسلام ، وإلا فليس أمامكم إلا السيف. حينها يصح أن نقول عن أنفسنا بأننا قد حصلنا على السلام ، وحينها سنعرف معنى كلمة(السلام) الذي شُوِّه معناه ، فأصبح يعني الآن الاستسلام للآخرين.
    {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ} أليس في هذه الأسماء الحسنى -التي تتحدث عن كمال الله سبحانه وتعالى- أليس فيها ما يصنع الثقة في نفوس أولئك الذين ارْتَمَوا تحت أقدام أمريكا وإسرائيل؟. لماذا يعرضون عن الله وهم من يعترفون ويشهدون بأنفسهم بأنهم مسلمون ،وأنهم مؤمنون بهذا القرآن الكريم؟ وبرسوله الكريم محمد(صلى الله عليه وعلى آله وسلم).
    هذه هي التي ضربت المسلمين كباراً وصغاراً (عدم الثقة بالله) ، عدم الثقة بالله حتى فينا نحن الصغار نخاف من شخص هو مسكين بالنسبة للآخرين فهناك من هو مهيمن عليه ،والذي هو مهيمن عليه مسكين بالنسبة لذلك الأمريكي الذي في واشنطن الذي هو مهيمن عليه ،والكل مساكين ومقهورون تحت جبروت الله وقهره.
    ارتبط بالله رأساً وتجاوز كل هذه الأصنام في هذه الدنيا، وارتبط بالله رأساً، وثق به ، وهو من سيجعلك قوياً أقوى مما يملكه هؤلاء من وسائل القوة في هذه الدنيا.
    هو أيضاً { الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} بما في هذه الأسماء من معاني العزة والجبروت والقهر للأعداء ،فأنت عندما تلتجئ إليه لا يمكن أن تقول عنه: (الله هو طيب ، لكن نفسه سمحة فإذا كان كذلك فلن يحرك ساكناً مع أعدائنا، ونحن عارفين له، فهو يريدنا أن نمسح أكتافهم ونحاول أن نحسن أخلاقنا معهم لأنه مسكين سالك لطريقه لا يريد أن يتدخل في شيء). هل الله هكذا؟. حاشى الله أن يكون كذلك.
    الله في الوقت الذي يقول لنا{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ} هذه الأسماء تبدوا رقيقة ،ولكنه يقول أيضاً -إذا ما وثقت به وأنت في ميدان المواجهة والصراع مع أعدائك وأعدائه من يريدون ظلمك وقمعك واستذلالك- هو {عَزِيز} يمكنك أن تمتنع به ، وهو (جَبَّار،مُتَكَبِّر) سيقهرهم، وسيجعلك أنت من تقهرهم،ألم يقل الله تعالى{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ}(التوبة:14) هو يقول: سأجعلكم جبارين على أعدائكم ،ومتكبرين على أعدائكم ،لكن عندما تثقوا بي. عندما تثق بالله ، ستثق بمن هو سلام لك وأمْنٌ لك في مقامات السلام معه ، وهو عزيز جبار متكبر سيمنحك من عزته وكبريائه وجبروته ما تقهر به أعداءك وأعداءه ، ليس هناك نقص إطلاقاً في جانب الله عندما تثق به وتلتجئ إليه.
    عندما تشعر بعظمته ليس فيه صفة واحدة كما هي في الناس ، والتي نسمعها كثيراً من بعضنا بعض تقول: (فعلاً أن فلاناً رجل جيد ، ولا يقصر في شيء لكن ليس من أهل هذه المواقف التي تحتاج إلى القوة ، ولا قدرة له في مثل هذا الموقف).
    أما الله فهو من يكون لك في كل المواقف ،ولك بأكثر مما يمكن أن تدرك ، ويرعاك من حيث لا تحتسب ،ويملأ قلوب الآخرين رعباً بالشكل الذي لا يمكن أن تصنعه وسائل إعلامك ،ولا يمكن أن تصنعه أيضاً آليتك العسكرية. هو من نصر نبيه بالرُّعب بمسافة شهر، وكم كان الجيش الذي معه؟. هم أولئك الذين حُوصروا في المدينة عدد قليل ونصره الله بالرعب، فكان بعض أعدائه من اليهود يخربون بيوتهم ويقطعون نخيلهم أحياناً ، ويرحلون خوفاً ورعباً من قبل أن يجيّش الجيوش عليهم،
    { الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بعد هذه الأسماء الحسنى ترى غريباً جداً جداً أولئك الذين يلتجئون إلى غير الله سبحانه وتعالى ما أسوأ حالهم! ، ما أحط مكانتهم!، وما أتعسهم!. وما ألأمهم!، عندما يلتجئون إلى غير الله ،إلى صنم من الأخشاب أو صنم من الحجر أو صنم من البشر؛ لأنهم يخافون ، ويرجون منه أشياء ،والله قال لهم في هذه الآيات {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}(الحشر:23) من يمكن أن ترجوه ،من يمكن أن تعتمدواعليه ، من يجب أن تخافوه؛ ولأنه ليس هناك في هذا العالم ، ليس هناك في الوجود من يمكن أن يكون متصفاً بكمال الله سبحانه وتعالى ،ولا بجزءٍ من كمال الله سبحانه وتعالى -إن صح التعبير- فإن من الظلم لأنفسنا ومن الإساءة إلى الله ربنا الذي هو { الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ } من الإساءة البالغة إليه أن نجعل له شركاء فنمنحهم ولاءنا ، ومنهم نخاف ،وإليهم نرغب.
    { سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ }. تن‍زيه لله عن أن يكون له شريك ، تن‍زيه لله وتقديس له عن أن يكون له شريك في ملكه، شريك في ألوهيته تنزيه له عن أن يسوّى به غيره،فيجعل نِدَّا له أو شريكاً له، تنزيه له عن أي قصور أو تقصير في تدابيره لشئون خلقه.
    {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(الحشر:24) {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ} هو من قال لبني إسرائيل: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً}(الاسراء:6) عندما يقول الناس: نحن قليل الآخرون قد يستذلونا ،قد يُقتل منا كذا ،ونحن قليل لا نستطيع أن نعمل شيئاً). الله هو الخالق، هو الذي يستطيع أن يمدكم بأموال وبنين ، ألم يقل نوح  لقومه {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً}(نوح:10) {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً}(نوح:11) {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}(نوح:12) إذا ما قتل ابني هذا وابني هذا هو من سيمدني بأبناء آخرين {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً }.
    هو الخالق هو البارئ ، كلمة {بَارِئ} تشبه معنى كلمة {خَالِق} فيما تعنيه من الإبداع والابتداع، أو أنه فاطر ما خلقه.
    { الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ } أن يخلق الشيء على كيفية معينة على نحوٍ معين ، الذي برأ النّسَمَة ، كما كان في قَسَم الإمام علي ( والذي فلق الحبّة وبرأ النّسَمة) خلقها على كيفية معينة ، فطرها هو وابتدعها هو بدون مثال سابق.
    {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} فهنا ذكر لنا مجموعة من أسمائه الحسنى ، ماذا تعني؟. تعني كمالاً بالنسبة لله سبحانه وتعالى، ليس مجرد أسماء ألفاظ لا تعني شيئاً. الآن لو وضعنا لشخص منا عدة أسماء هل يمكن أن تزيد في معانيه شيئاً فنسميه :أحمد ومحمد وقاسم وصالح ومسفر وجابر. هل لهذا زيادة فيك؟. لا. هل تغير هذه الكلمات عن كمال بالنسبة لك؟ أو تعطي شهادة بكمالك؟.الله هنا عرض لنا مجموعة من أسمائه الحسنى التي هي حديث عن كماله ، كماله المطلق في كل شيء ، (عالم الغيب والشهادة ، الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)
    ثم قال لك أيضاً له الأسماء الحسنى ، عُد إليها في بقية الآيات والسور في القرآن الكريم واجمعها وستجد كم هي. أشبه شيء بإحالة لنا إلى ما ذكره من أسماءه في بقية السور والآيات الأخرى، ارجع إليها هناك حكيم ، حليم سميع ، بصير إلى آخر أسمائه الحسنى، تلك الأسماء التي تشهد بكماله ، لترى نفسك بأنه يمكن لك، بل يجب عليك، بل لا يجوز لك غير هذا أن تتوكل عليه ،وأن تثق به ،وأن تستشعر عظمته سبحانه وتعالى.
    استشعار عظمته في نفوسنا أن تملأ عظمته نفوسنا ،هذه قضية مهمة ، قضية مهمة، ولا شيء يمكن أن يمنحنا هذا الشعور سوى القرآن الكريم فيما يعرضه من أسماء الله الحسنى ، ومعانيها ،ومظاهرها ،وما فيها من شهادة بكمال الله سبحانه وتعالى.
    { اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ } هذه آية الكرسي -تحدثنا عنها في درس سابق- ، هي في نفس هذا المسار يمكن أن نتحدث عنها في مجال خلق شعور بعظمة الله سبحانه وتعالى ، وثناء عليه ،وشهادة بكماله، وكل أسمائه الحسنى ، هي مفردات تعبر عن كماله المطلق سبحانه وتعالى هو العلي العظيم.
    وهذا الأسلوب بالنسبة لنا يجب أن نرسخه في حياتنا أن تكون هناك أوقات كما نحن ندعو الله في أوقات معينة يكون هناك أوقات نمجِّد الله فيها ، نعظم الله نقدس الله ، من خلال ذكره الكثير الذي شرعه مثل (سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، ولا إِلَهَ إلا اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ) يردد الإنسان هذه التسبيحة كلما تذكر ،هي ثناء على الله ، وتعظيم وتمجيد لله سبحانه وتعالى ، تترك في النفس أثراً طيباً هو شعور بعظمة الله ، وتذكر دائم لله سبحانه وتعالى.
    هناك أيضاً في دعاء الإمام علي  أو في ما أثر عنه ، وفيما أثر عن الإمام زين العابدين  من هذا النوع، من الكلام الذي هو تمجيد لله شيء كثير ،مناسب جداً أن يعود الإنسان إليه. فقط نحن نرى أنفسنا ندعو الله سبحانه وتعالى أدعية ربنا آتنا ..اللهم اقض حاجاتنا ، اللهم ..اللهم) أليس هذا هو ما يحصل؟. هذا يسمى دعاء ، هناك نوع آخر يسمى (تمجيد لله وثناء عليه)، هو عبادة مهمة ذات قيمة عظيمة، ولها أثرها فيما يتعلق بالنفس، في مقام معرفة الله سبحانه وتعالى واستشعار عظمته.
    فيما أثر عن الإمام زين العابدين  في دعاء يوم عرفة قال  : (الحمد لله رب العالمين ،اللهم لك الحمد بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام،رب الأرباب ،وإله كل مَأْلُوه، وخالق كل مخلوق، ووارث كل شيء، ليس كمثله شيء ،ولا يعزب عنه علم شيء ،وهو بكل شيء محيط، وهو على كل شيء رقيب.
    أنت الله لا إله إلا أنت،الأحد المُتَوحِّد، الفرد المُتَفَرِّد. وأنت الله لا إله إلا أنت، الكريم المتكرم، العظيم المتعظم، الكبير المتكبر. وأنت الله لا إله إلا أنت العلي المتعال الشديد المِحَال. وأنت الله لا إله إلا أنت الرحمن الرحيم العليم الحكيم. وأنت الله لا إله إلا أنت السميع البصير القديم( ) الخبير. وأنت الله لا إله إلا أنت الكريم الأكرم ،الدائم الأدْوَم. وأنت الله لا إله إلا أنت ،الأول قبل كل أحد ،والآخر بعد كل عدد. وأنت الله لا إله إلا أنت الدّاني في علوّه والعالي في دُنُوِّه. وأنت الله لا إله إلا أنت ذو البَهَاء والمجد ،والكبرياء والحمد. وأنت الله لا إله إلا أنت الذي أنشأت الأشياء من غير سِنْخٍ( ) ، وصوَّرت ما صورت من غير مثال ،وابتدعتَ المبتدَعات بلا احتِذَاء، أنت الذي قدَّرت كل شيء تقديراً ،ويسرت كل شيء تيسيراً ،ودبرت ما دونك تدبيراً.
    أنت الذي لم يُعِنْك على خلقك شريك، ولم يؤازرك في أمرك وزير، ولم يكن لك مشاهد ولا نظير، أنت الذي أردت فكان حتماً ما أردت ، وقضَيتَ فكان عَدلاً ما قضيتَ ، وحكمت فكان نَصَفاً ما حكمت، أنت الذي لا يحويك مكان ،ولم يقم لسلطانك سلطان، ولم يُعْيِك برهان ولا بيان. أنت الذي أحصيت كل شيء عدداً ، وجعلت لكل شيء أمداً وقدرت كل شيء تقديراً. أنت الذي قصُرَت الأوهامُ عن ذاتيّتك ، وعجزت الأَفهامُ عن كيفيتك ،ولم تدرك الأبصار موضع أيْنِيَّتِك ، أنت الذي لا تُحَد فتكون محدوداً، ولم تُمثَّل فتكون موجوداً( ) ،ولم تلد فتكون مولوداً. أنت الذي لا ضد معك فيعاندك ، ولا عِدْل فَيُكَاثِرَك ،ولا نِدَّ لك فيعارضك ،أنت الذي ابتدأ واخترع ، واستحدث وابتدع، وأحسن صنع ما صنع،
    سبحانك ما أجل شأنك ، وأسْنَى في الأماكن مكانَك( )، وأصدع بالحق فرقانَك، سبحانك من لطيفٍ ما ألطفك ، ورؤوفٍ ما أرأفك ، وحكيمٍ ما أعرفك، سبحانك من مليكٍ ما أمنعك، وجوادٍ ما أوسعك، ورفيعٍ ما أرفعك، ذو البهاء والمجد ، والكبرياء والحمد ، سبحانك بسطت بالخيرات يدك( )، وَعُرِفت الهداية من عندك، فمن التمسك لدين أو دنيا وجدك.
    سبحانك خضع لك من جرى في علمك، وخشع لعظمتك ما دون عرشك، وانقاد للتسليم لك كل خلقك، سبحانك لا تُحَسّ ولا تُجَس ، ولا تُمَس، ولا تُكَاد ولا تُمَاط ( )،ولا تُنازع ،ولا تجارَى ،ولا تُمَارَى ، ولا تخادَع ،ولا تماكَر. سبحانك سبيلك جَدَد( )، وأمرك رَشَد ،وأنت حي صمد. سبحانك قولك حُكم، وقضاؤك حَتْم، وإرادتك عزم. سبحانك لا رادّ لمشيئتك ، ولا مبدل لكلماتك. سبحانك باهر الآيات فاطر السموات، بارئ النسمات).
    أليس هذا تمجيداً لله تعالى؟.
    وهكذا الإمام زين العابدين  يُمَجِّد الله سبحانه وتعالى بهذا الأسلوب الذي يشد النفوس نحو الله ،يشد القلوب نحو الله سبحانه وتعالى ، ومن خلاله تتعرف على معاني أسماء الله الحسنى ، وتعرف سعة علم الله ، ما أمكنك ذلك، وتعرف حكمته، وتدبيره، وقدرته.
    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا، وأن يعرفنا بأسمائه الحسنى ، وأن يعرفنا من كماله ما يجعلنا نثق به ، ونعتمد عليه، ونعتز به فنؤمن به ونقدس له.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-11-12
  3. نيغروبونتي

    نيغروبونتي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-27
    المشاركات:
    538
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: محاضرات السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

    رحم الله المجاهد العلوي الثائر حسين بدر الدين الحوثي واسكنه الله فسيح جناته
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2005-11-12
  5. مجدد

    مجدد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-10-04
    المشاركات:
    1,179
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: محاضرات السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

    شكرا اخي نيغروبونتي على المرور الكريم
    ورحم الله السيد الشهيد
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2005-11-14
  7. مجدد

    مجدد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-10-04
    المشاركات:
    1,179
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: محاضرات السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

    انشاء الله المحاضرة الثانية في اقرب فرصة
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2005-11-14
  9. نبض عدن

    نبض عدن قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-08-06
    المشاركات:
    4,437
    الإعجاب :
    1
    مشاركة: محاضرات السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

    شكر جميل ؟؟؟ وان شاء الله كتب ؟؟؟
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2005-11-14
  11. من اجل اليمن

    من اجل اليمن عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-02-26
    المشاركات:
    2,266
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: محاضرات السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

    راااااااااااااااااااااائع
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2005-11-14
  13. ابوهاشم

    ابوهاشم قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-12-30
    المشاركات:
    2,725
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: محاضرات السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

    تسلم أخي على النقل
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2005-11-15
  15. مجدد

    مجدد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-10-04
    المشاركات:
    1,179
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: محاضرات السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

    تشرفت بمروركم الكريم الاخ نبض عدن والاخ من اجل اليمن وليكن نبض قلوبنا من اجل اليمن
    تشرفت بمرورك استاذي ابو هاشم وانشاء الله انقل المحاضرات تباعا .
    وللجميع لا تحرمونا مشاركاتكم
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2005-11-17
  17. مجدد

    مجدد عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-10-04
    المشاركات:
    1,179
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: محاضرات السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

    انقل اليكم المحاضرة الثانية للسيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
    قلنا في الأسبوع الماضي في مثل هذا اليوم : مناسب جداً أن نجتمع كل يوم خميس في هذه القاعة ولتكن جلسة ، ممكن أن نسميها حتى جلسة تخزينه ، نخزن جميعاً، بدل أن نكون بشكل مجموعات كل مجموعة تخزن في بيت في هذه القرية وفي تلك القرية، وبدل أن تتحدث كل مجموعة لوحدها عن الأحداث التي تدور في العالم في هذا الـزمان، فلنتحدث جميعاً بدل أن نتحدث كمجموعات في بيوتنا في جلسات القات، فتنطلق التحاليل الخاطئة والمغلوطة ، وينطلق التأييد والرفض المغلوط في أكثره ،داخل هذه المجموعة وتلك المجموعة وتلك المجموعة من المخزنين في مجالس القات، وبدل أن نتحدث كمجاميع هكذا مفرقة في البيوت حديثاً أجوف ،تحليلاً لمجرد التحليل ، وأخبار لمجرد الفضول ، وبطابع الفضول نتناولها ،ثم نخرج وليس لدينا موقف ، تخرج كل مجموعة وليس لها رؤية معينة ،ولا موقف ثابت ،تتقلب في حديثها ومواقفها تبعاً لما تسمعه من وسائل الإعلام.
    فتكون النتيجة هي أن يهلك الناس أنفسهم ، تكون النتيجة هي أن يخرج هذا أو ذاك من ذلك المجلس ،أو من ذلك المجلس في هذه القرية أو تلك القرية ولا يدري بأنه قد تحول إلى كافر أو يهودي أو نصراني من حيث يشعر أو لا يشعر -وبالطبع من حيث لا يشعر- فلنجتمع هنا ولنخزن ولنتحدث ، ولكن بروحية أخرى ،نتناول أحداثاً ليست على ما تعودنا عليه ، ونحن ننظر إليها كأحداث بين أطراف هناك وكأنها لا تعنينا، صراع بين أطراف هناك ، وكأننا لسنا طرفاً في هذا الصراع أو كأننا لسنا المستهدفين نحن المسلمين في هذا الصراع. نتحدث بروحية من يفهم أنه طرف في هذا الصراع ومستهدف فيه شاء أم أبى ، بروحية من يفهم بأنه وإن تنصّل عن المسئولية هنا فلا يستطيع أن يتنصّل عنها يوم يقف بين يدي الله.
    نتحدث أيضاً لنكتشف الكثير من الحقائق داخل أنفسنا ،وفي الواقع ، وعلى صعيد الواقع الذي نعيشه وتعيشه الأمة الإسلامية كلها ، نتحدث بروح عملية ،بروح مسئولة، نخرج برؤية واحدة بموقف واحد، بنظرة واحدة بوعي واحد، هذا هو ما تفقده الأمة.
    نحن نعرف جميعاً إجمالاً أن كل المسلمين مستهدفون، أو أن الإسلام والمسلمين هم من تدور على رؤوسهم رحى هذه المؤامرات الرهيبة التي تأتي بقيادة أمريكا وإسرائيل ، ولكن كأننا لا ندري من هم المسلمون.
    المسلمون هم أولئك مثلي ومثلك من سكان هذه القرية وتلك القرية، وهذه المنطقة وتلك المنطقة ،أو أننا نتصور المسلمين مجتمعاً وهمياً ، مجتمعاً لا ندري في أي عالم هو؟. المسلمون هم نحن أبناء هذه القرى المتناثرة في سفوح الجبال ، أبناء المدن المنتشرة في مختلف بقاع العالم الإسلامي ، نحن المسلمين، نحن المستهدفون .. ومع هذا نبدو وكأننا غير مستعدين أن نفهم، غير مستعدين أن نصحوا ، بل يبدو غريباً علينا الحديث عن هذه الأحداث ، وكأنها أحداث لا تعنينا ، أو كأنها أحداث جديدة لم تطرق أخبارها مسامعنا، أو كأنها أحداث وليدة يومها.
    فعلاً أنا ألمس عندما نتحدث عن قضايا كهذه أننا نتحدث عن شيء جديد، ليس جديداً إنها مؤامرات مائة عام من الصهيونية ،من أعمال اليهود، خمسين عاماً من وجود إسرائيل ، الكيان الصهيوني المعتدي المحتل، الغُدّة السرطانية التي شبّهها الإمام الخميني رحمة الله عليه، بأنها (غدة سرطانية في جسم الأمة يجب أن تُسْتأصَل).
    إن دل هذا على شيء فإنما يدل على ماذا؟. يدل على خبث شديد لدى اليهود، أن يتحركوا عشرات السنين عشرات السنين ، ونحن بعد لم نعرف ماذا يعملون. أن يتحركوا لضربنا عاماً بعد عام ضرب نفوسنا من داخلها، ضرب الأمة من داخلها ،ثم لا نعلم من هم المستهدفون، أليس هذا من الخبث الشديد؟. من التضليل الشديد الذي يجيده اليهود ومن يدور في فلكهم؟.
    فلنتحدث لنكتشف الحقائق - كما قلت سابقاً - الحقائق في أنفسنا ، ولنقل لأولئك الذين تصلنا أخبار هذا العالم وما يعمله اليهود عن طريق وسائل إعلامهم، هكذا نحن نفهم الأخبار ، هكذا نحن نفهم الأخبار.
    ما هي الحقيقة التي نريد أن نكتشفها داخل أنفسنا؟.هي: هل نحن فعلاً نحس داخل أنفسنا بمسئولية أمام الله

    أمام ما يحدث؟. هل نحن فعلاً نحس بأننا مستهدفون أمام ما يحدث على أيدي اليهود ومن يدور في فلكهم من النصارى وغيرهم؟.
    عندما نتحدث عن القضية هذه ،وعن ضرورة أن يكون لنا موقف هل نحن نُحِسّ بخوف في أعماق نفوسنا؟وخوف ممن؟. بالطبع قد يكون الكثير يحسون بخوف أن نجتمع لنتحدث عن أمريكا وعن إسرائيل وعن اليهود وعن النصارى. ولكن ممن نخاف؟. هل أحد منكم يخاف من أمريكا؟. لا. هل أحد منكم يخاف من إسرائيل؟. لا.
    ممن تشعر بأنك تخاف منه؟. من هو الذي تشعر بأنك تخاف منه؟. عندما تتحدث عن أمريكا، عندما تتحدث عن إسرائيل، عندما تلعن اليهود والنصارى، إذا شعرنا في أعماق أنفسنا بأننا نخاف الدولة فإننا نشهد في أعماق أنفسنا على أن هؤلاء هم ماذا؟. هم أولياء لليهود والنصارى، أي دولة كانت يحدث في نفسك خوف منها فإنك في قرارة نفسك تشهد بأن تلك الدولة هي من أولياء اليهود والنصارى. هذه واحدة، وإلا ما الذي يمكن أن يخيفني من جانبهم إذا ما تحدثت عن أمريكا وإسرائيل وعن اليهود والنصارى؟؟.
    ثم لنقل لهم هم من يمكن أن يدخل في نفس أي واحد منا خوف منهم: (ليس من مصلحتكم أن تظهروا للناس بأنهم يخافونكم إذا ما تحدثوا عن اليهود والنصارى ، وتحدثوا عن أمريكا وإسرائيل؛ لأنكم وإن قلتم ما قلتم وإن صنعتم ما صنعتم من مبررات فإن القرآن علمنا أنها ليست بشيء ، أنها ليست واقعية ، القرآن الكريم قال لنا:{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}(المائدة:52) من مصلحتكم أن لا تعززوا تلك الحقيقة في أعماق النفوس من أننا نخاف منكم إذا ما تحدثنا عن اليهود والنصارى ، إن أعماق النفوس هو مكمن الحقائق ، ففي أعماق النفوس تكون بذرات السَّخط ، تكون هناك بذور الحرية ، تكون هناك بذور الصرخات التي تسمعونها في وجوه أوليائكم وفي وجوهكم إذا ما تحركتم لتبرهنوا على أنكم فعلاً كما شعر الناس أمامكم بأنهم يخافون منكم فتعززون في أعماق نفوسهم هذه الحقيقة ،التي ليس من صالحكم أن تفهموا الناس بأنها حقيقة دعوها، فمن مصلحتكم أن تدعوها وهماً ، وأن تكون وهماً في نفوس الناس، ليس من مصلحتكم أن يكون من جانبكم أي تحرك ، أي حدث لتعززوا هذه الحقيقة في النفوس.
    وكما قلنا سابقاً: لا تستطيعون أبداً لا تستطيعون أبداً ما دام لدينا ـ كمؤمنين ـ إيمانٌ بالله وبصدق قوله هو ،أن كل ما ينطلق من عبارات تدل على مسارعة باتجاه فوق أو باتجاه تحت، إلى اليهود والنصارى فإنها تنبئ عن مرض في القلوب، وإن أول من هدد كل من تنطلق من فمه أو يتحرك بما يدل على مرض في قلبه ،إن أول من هدده هو الله حيث يقول:{ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ}، بل هدد بأن حقائق أمركم ستكشف هناك {وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ} (المائدة:53) أليس هذا تهديد إلهي؟.
    نحن كل ما بدر منا، وكل صرخة نرفعها، كل اجتماع نعمله كهذا أو غيره نحن إنما تأثرنا بوسائل إعلامكم فماذا تريدون أنتم عندما تعرضون علينا أخبار ضربات اليهود والأمريكيين والإسرائيليين هنا وهناك في أفغانستان وفي فلسطين وفي كل بقعة من بقاع هذا العالم، عندما تعرضونها علينا ماذا تريدون أنتم من خلال العرض؟.
    عندما تأتي أنت أيها المذيع وتعرض علينا تلك الأخبار ، وعبر الأقمار الصناعية لنشاهدها ، فنشاهد أبناء الإسلام يُقًتَّلُون ويُذبحون، نشاهد مساكنهم تهدم ، هل تظن أننا سننظر إلى تلك الأحداث بروحية الصحفي الإخباري الذي يهمه الخبر فقط لمجرد الخبر. وتهمه نبرات صوته وهو يتحدث واهتزازات رأسه ، إن كنت لا تريد من نبرات صوتك أن توجد نبرات من الحرية نبرات في القلوب ، في الضمائر تصرخ بوجه أولئك الذين تقدم لنا أخبارهم ، إن كنت لا تريد باهتزاز رأسك أن تَهز مشاعر المسلمين هنا وهناك ،إن كنت إنما تحرص على نبرات صوتك وعلى اهتزازات رأسك لتظهر كَـ فَنيِّ إعلامي، نحن لا ننظر إلى الأحداث بروحيتك الفنية الإعلامية الإخبارية ، نحن مؤمنون ولسنا إعلاميين ولا صحفيين ولا إخباريين نحن نسمع قول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} (الصف:2ـ3) نحن ننظر إلى ما تعرضه على شاشة التلفزيون بنظرتنا البدائية ،نحن لا نزال عرباً لم نَتَمَدّن بعد، ببساطة تفكيرنا كعرب مسلمين لا تزال في نفوسنا بقية من إبَاءٍ ،بقية من إيمان ، فنحن لسنا ممن ينظر إلى تلك الأحداث كنظرتك أنت.
    لنقول لهم: إذا كنتم لا تريدون من خلال ما تعرضون أن تحدثوا في أنفسنا أن نصرخ في وجه أولئك الذين يصنعون بأبناء الإسلام ما تعرضونه أنتم علينا في وسائل إعلامكم فإنكم إنما تخدمون اليهود والنصارى وتخدمون أمريكا وإسرائيل بما تعرضون فعلاً؛ لأنكم إنما تريدون حينئذٍ بما تعرضون أن تعززوا في نفوس أبناء الإسلام في نفوس المسلمين الهزيمة والإحباط والشعور باليأس والشعور بالضَّعَة ، أو فاسكتوا فلا تعرضوا شيئاً ، ولكن لو سكتم فلم تعرضوا شيئاً ستكون إدانة أكبر وأكبر، ستكونون بسكوتكم تسكتون عن جرائم، تسكتون عن جرائم لليهود والنصارى في كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي ضحيتها هم أبناء الإسلام، هم إخوانكم من المسلمين.
    هذه الحقيقة : التي يجب أن نعرفها وأن نقولها لأولئك، وأن نرفض الحقيقة التي يريدون أن يرسخوها في أنفسنا هم من حيث يشعرون أو لا يشعرون، حقيقة الهزيمة ، (الهزيمة النفسية)، لا نسمح لأنفسنا ، لا نسمح لأنفسنا أن نشاهد دائماً تلك الأحداث وتلك المؤامرات الرهيبة جداً جداً ، ثم لا نسمح لأنفسنا أن يكون لها موقف ، سنكون من يشارك في دعم اليهود والنصارى عندما نرسخ الهزيمة في أنفسنا ، عندما نَجْبُن عن أي كلمة أمامهم.
    إذاً فهمنا بأنه ليس من صالح أي دولة كانت أن تُظهِر للآخرين ما يخيفهم من جانبها عندما يتحدثون ويصرخون في وجه أمريكا وإسرائيل ، عندما يرفعون صوتهم بلعنة اليهود الذين لعنهم الله على لسان أنبيائه وأوليائه.
    ثم سنسهم دائماً في كشف الحقائق في الساحة ؛ لأننا في عالم ربما هو آخر الزمان كما يقال ،ربما -والله أعلم- هو ذلك الزمن الذي يَتَغَرْبَل فيه الناس فيكونون فقط صفين فقط مؤمنون صريحون/ منافقون صريحون، والأحداث هي كفيلة بأن تغربل الناس ، وأن تكشف الحقائق.
    عندما نتحدث أيضاً هو لنعرف حقيقة أننا أمام واقع لا نخلوا فيه من حالتين، كل منهما تفرض علينا أن يكون لنا موقف ، نحن أمام وضعية مَهِيْنة، ذل، وخزي ، وعار ، استضعاف ، إهانة، إذلال ، نحن تحت رحمة اليهود والنصارى، نحن كعرب كمسلمين أصبحنا فعلاً تحت أقدام إسرائيل، تحت أقدام اليهود، هل هذه تكفي إن كنا لا نزال عرباً، إن كان لا يزال لدينا شهامة العربي وإباه ونَخْوَته ونجدته لتدفعنا إلى أن يكون لنا موقف.
    الحالة الثانية : هي ما يفرضه علينا ديننا، ما يفرضه علينا كتابنا القرآن الكريم من أنه لا بد أن يكون لنا موقف من منطلق الشعور بالمسئولية أمام الله سبحانه وتعالى، نحن لو رضينا - أو أوصلنا الآخرون إلى أن نرضى - بأن نقبل هذه الوضعية التي نحن عليها كمسلمين، أن نرضى بالذل أن نرضى بالقهر ، أن نرضى بالضَّعَة ، أن نرضى بأن نعيش في هذا العالم على فتات الآخرين وبقايا موائد الآخرين ، لكن هل يرضى الله لنا عندما نقف بين يديه السكوت؟. من منطلق أننا رضينا وقبلنا ولا إشكال فيما نحن فيه سنصبر وسنقبل. فإذا ما وقفنا بين يدي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، هل سنقول: (نحن في الدنيا كنا قد رضينا بما كنا عليه؟). هل سيُعْفينا ذلك عن أن يقال لنا: ألم نأمركم؟ {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} ( المؤمنون: من الآية105) ؟{ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} (غافر: من الآية50) ؟. ألم تسمعوا مثل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا}(آل عمران: من الآية103) ومثل قوله تعالى{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)}(آل عمران) أليست هذه الآيات تخاطبنا نحن؟. أليست تحملنا مسئولية؟.
    ألم يقل القرآن لنا: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}(آل عمران: من الآية110) ؟. ألم يقل الله لنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ}(الصف: من الآية14) ؟.
    فإذا رضينا بما نحن عليه وأصبحت ضمائرنا ميتة،لا يحركها ما تسمع ولا ما تحس به من الذلة والهوان، فأعفينا أنفسنا هنا في الدنيا فإننا لن نُعفى أمام الله يوم القيامة،لابُدّ للناس من موقف،أو فلينتظروا ذلاً في الدنيا وخزياً في الدنيا وعذاباً في الآخرة،هذا هو منطق القرآن الكريم،الحقيقة القرآنية التي لا تتخلف لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ}(الأنعام:من الآية115){وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ}(الأنعام:من الآية34){مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}(قّ:29) ثم عندما نتحدث ونذكر الأحداث وما يحصل في هذا العالم وما يحدث ،ووصلنا إلى وعي بأنه فعلاً يجب أن يكون لنا موقف ، فما أكثر من يقول: (ماذا نعمل؟. ماذا نعمل وماذا بإمكاننا أن نعمل؟). أليس الناس يقولون هكذا؟. هذه وحدها تدل على أننا بحاجة إلى أن نعرف الحقائق الكثيرة عما يعمله اليهود وأولياء اليهود ،حتى تلمس فعلاً بأن الساحة ، بأن الميدان مفتوح أمامك لأعمال كثيرة جداً جداً جداً.
    أولا تدرون أن بإمكانكم أنتم في هذه القاعة أن تعملوا عملاً عظيماً ،وكل واحد منكم بإمكانه أن يعمله وستعرفون أنه عمل عظيم عندما تحسون في أنفسكم أن عملاً كهذا سيثير هذا أو ذاك ، وسينطلق المرجفون من هنا وهناك والمنافقون من هنا وهناك فيرجفون ويثبطون.
    الميدان ليس مقفلاً ، ليس مقفلاً أمام المسلمين ،أعمال اليهود والنصارى كثيرة، ومجالات واسعة ، واسعة جداً ،وهم يحسون بخطورة تحركك في أي مجال من المجالات لتضرب عملهم الفلاني ، أو تؤثر على مكانتهم بصورة عامة ، أو لتؤثر على ما يريدون أن يكون سائداً ، غطاء على العيون وعلى القلوب.
    (…)
    أو قد يقول البعض: (فقط هي أحداث هنا وهناك). لقد حُسِم الموضوع بالشكل الذي يؤهل أمريكا لأن تعمل ما تريد أن تعمل في بقاع العالم الإسلامي كله، فما سمعناه بالأمس في أفغانستان هو ما يُحَاك مثله اليوم ضد حزب الله في لبنان، هو ما يُحاك مثله اليوم ضد الجمهورية الإسلامية في إيران، هو ما يُحاك مثله اليوم ضد المملكة العربية السعودية للسيطرة على الحج، على مشاعر الحج فنحن من كنا نصرخ لتحرير القدس، سنصرخ -إن كنا سنصرخ - عندما تُحتل مكة عندما تُحتل المدينة ، وهذا محتمل احتمالاً كبيراً جداً.
    فكيف ترى بأنه ليس بإمكانك أن تعمل ، أو ترى بأنك بمعزل عن هذا العالم وأنك لست بمستهدف ، أو ترى بأنك لست مُستذَل، ممن هو واحد من الأذلاء ، واحد من المستضعفين، واحد من المُهانين على أيدي اليهود والنصارى، كيف ترى بأنك لست مسئولاً أمام الله ،ولا أمام الأمة التي أنت واحد منها ، ولا أمام هذا الدين الذي أنت آمنت به؟!.
    هذا شيء مؤكد، أنه بعد أن سلّم الجميع لأمريكا، أن تكون هي من يقود التحالف العالمي -والذي من ضمنه الدول العربية- لمكافحة الإرهاب.
    والإرهاب ما هو من وجهة نظر أمريكا ما هو الإرهاب؟. في رأس قائمة الإرهاب هو ذلك الجهاد الذي تكررت آياته على صفحات القرآن الكريم ، هذا هو الإرهاب رقم واحد ، من وجهة نظرهم.
    وهذا هو ما وقّع عليه زعماء العرب ، ما وقع زعماء المسلمين على طمسه ، إذاً ربما شاهدتم ما يُدبر ضد حزب الله، وفعلاً هذا هدف رئيسي من وراء كل ذلك التمثيل ،قصة أسامة أو التمثيلية التي كان بطلها أسامة وطالبان، فلا أسامة ولا طالبان هم المستهدَفون، ولا ذلك الحدث الذي حصل في نيويورك هو الذي حرك أمريكا ، من يدري من يدري أن المخابرات الأمريكية قد تكون هي من دبرت ذلك الحدث ؛لتصنع المبررات وتهيئ الأجواء لتضرب من يشكلون خطورة حقيقية عليها ، وهم الشيعة ، هم الشيعة [وإن كانوا في نفس الوقت يكرهون الجميع ويستهدفون الجميع سنة وشيعة.]
    اليهود يعرفون بأن السنِّية لن يشكلوا أي خطر عليهم ، ونحن رأينا فعلاً رأينا فعلاً ما يشهد بأنهم فعلاً ينظرون هذه النظرة. أليس زعماء العالم الإسلامي اليوم سنِّية؟. أليسوا سنّة كلهم؟. ربما واحد منهم (خاتمي) شيعي، هؤلاء هم ماذا عملوا في هذا العالم؟.
    أليسوا هم من وافق ، من سارع إلى التصديق على أن تكون أمريكا هي من يقود التحالف العالمي ضد ما يسمى بالإرهاب؟. ومن هو الذي يقود التحالف العالمي؟. أمريكا، أمريكا هم اليهود ،وأمريكا هي إسرائيل ،اليهود هم الذين يحركون أمريكا ويحركون إسرائيل ، ويحركون بريطانيا ويحركون معظم الدول الكبرى، اليهود هم الذين يحركونها.
    لقد تجلّت حقيقة خطيرة جداً.. خطيرة جداً جديرة بأن نلعن كل صوت رفع في تاريخ الإسلام أو خُطَّ بأقلام علماء السوء أو مؤرخي السوء الذين عملوا على تَدْجِيْنِ الأمة لكل حكام الجور على طول تاريخ الإسلام ، نقول لهم : انظروا ماذا جنت أيديكم في هذا العصر ، انظروا ما تركت أقلامكم، انظروا ما تركت أصواتكم، يوم كنتم تقولون: (يجب طاعة الظالم ، لا يجوز الخروج على الظالم، يجب طاعته لا يجوز الخروج عليه، سيحصل شق لعصى المسلمين)، وعبارات من هذه. أنتم يا من دَجَّنْتُم الأمة الإسلامية للحكام، انظروا كيف دَجَّنَها الحكام لليهود، انظروا كيف أصبحوا يتحركون كجنود لأمريكا وإسرائيل.
    و نحن نعرف - من نتعلم ومن نحمل علماً - ما أخطر ما أخطر ما تجني على نفسك وعلى الأمة باسم عالم وباسم علم. عندما رفعوا أصواتاً مثل تلك أيام أبي بكر أيام عمر ، أيام عثمان، أيام معاوية ، أيام يزيد، أصوات كانت تُرفع، وهكذا على طول تاريخ الأمة الإسلامية إلى اليوم نقول لهم: انظروا ،انظروا دَجَّنْتُمونا لأولئك فدجنونا لليهود ، وكما كنتم تقولون لنا أن نسكت، أسكتوا لا ترفعوا كلمة ضد هذا الخليفة أو هذا الرئيس ، أو ذلك الملك أو هذا الزعيم. هم اليوم يقولون لنا: اسكتوا لا تتحدثوا ضد أمريكا وضد إسرائيل.
    فما الذي حصل؟. ألم يقدم علماء السوء القرآن الكريم والإسلام كوسيلة لخدمة اليهود والنصارى في الأخير؟.
    هذا هو الذي حصل، هذا هو الذي حصل، ولا تُقْبل المبررات عند الله سبحانه وتعالى تحت اسم (لا نريد شق عصى المسلمين) ، هذا هو شق عصى المسلمين ، هذا هو كسر الأمة، هذا هو كسر نفوس المسلمين ،هذا هو كسر القرآن، وكسر الإسلام بكله، أن تصبح وسائل الإعلام، وأن تصبح الدول الإسلامية في معظمها هكذا تعمل على تَدْجِين الشعوب المسلمة ، أبناء الإسلام أبناء القرآن تُدَجِّنُهم لليهود والنصارى..أي خزي هذا؟!. وأي عار هذا؟!.
    ثم بعد هذا من يَجْبُن أن يرفع كلمة يصرخ بها في وجه أمريكا وإسرائيل فإنه أسوء من أولئك جميعاً ،إنه هو من توجهت إليه أقلام وأصوات علماء السوء ومؤرخي السوء على امتداد تاريخ الإسلام وإلى اليوم، وهو من تتجه إليه خطابات الزعماء بأن يسكت ،فإذا ما سكتَّ كنت أنت من تعطي الفاعلية لكل ذلك الذي حصل على أيدي علماء السوء وسلاطين الجور. فهل تقبل أنت.؟ هل تقبل أنت أن تكون من يعطي لكل ذلك الكلام فاعلية من اليوم فما بعد؟.
    ألا يكفيك أنت ما تشاهد ؟. ألا يكفيك ما ترى؟. إلى أين وصلت هذه الأمة تحت تلك العناوين؟؟.
    وهذا هو الذي كان يدفعنا - أيها الأخوة - إلى أن نتحدث بصراحة في مجالسنا بدئاً من أيام الرسول (صلى الله عليه وعلى آله وسلم) إلى اليوم -حسب معرفتنا -؛لتتجلى الحقائق ، لنكتشف الحقائق، إذا كان هناك لا يزال ذرة من إيمان، ذرة من إباء، ذرة من شهامة.
    ما يتعرض له اليوم حزب الله ، ومن هو حزب الله؟. إنهم سادة المجاهدين في هذا العالم ،هم من قدموا الشهداء، هم من حفظوا ماء وجه الأمة فعلاً، لقد ظهروا بالشكل الذي كنا نقول: (مازال هؤلاء يحافظون على
    ماء وجوهنا هم الذين حفظوا الشهادة على أن الإسلام لا يمكن أن يُهزَم).هم اليوم تحاك ضدهم المؤامرات ،ولكن بأسلوب آخر، هل اتهموا حزب الله بأنه كان وراء عملية ضرب البرج في نيويورك؟. لا أعتقد، لو اتهموه بذلك لشدّوا أنظار الأمة إلى حزب الله، وهذه حالة خطيرة جداً جداً على أمريكا وإسرائيل أن تنطلق من أفواههم كلمة واحدة تشد المسلمين إلى حزب الله ، حاوَلوا أن يشدوا أنظار المسلمين إلى ذلك الرمز الوهمي ،الذي لا يضر ولا ينفع، لا يضر أمريكا ولا ينفع المسلمين (أسامة وطالبان). أليسوا هم من اُتِّهِموا بحادث نيويورك من بعد ربع ساعة من الحادث تقريباً؟.
    حزب الله يُدبر لـه تحت عناوين أخرى لا تكون جذابة، وحينها عندما يُضرب حزب الله فنكون نحن المسلمين لم نعد نرى في حزب الله بأنه يشكل خطورة على أمريكا وإسرائيل ؛لأنه لم يقصم رأس أمريكا ، ذلك البرج الذي كان منتصباً في نيويورك.
    هذا من خبث اليهود أن يضربوا برجاً هكذا ؛لأنهم أصبحوا يعرفون أننا نحن العرب أصبحت أنظارنا كأنظار القطط، تنظر إلى الشيء الذي يتحرك طويلاً منتصباً، فيوهمونا بأن هذا رأس أمريكاَ ضُرب على يد أسامة وطالبان ،إذاً أولئك هم من ضرب أمريكا أما حزب الله ماذا عمل؟.
    ليُضرَب حزبُ الله فيما بعد ثم لا يتحرك في المسلمين شعرة واحدة ،يُضرب من يُضرَب فليُضرَب حزب الله فلتضرَب إيران فليُضرَب العراق كل هؤلاء ليسوا بشيء ، فقط نكون حريصين على أن يسلم أسامة وطالبان.
    وقد سلموا فعلاً ،لأن أمريكا كانت أحرص منا على سلامتهم ،أين هي الإحصائيات عن قتل واحدٍ من قادتهم؟. أين هي الإحصائيات عن قتل ولو ألف شخص منهم؟. لا شيء. الله يعلم وحده أين ذهبوا ، والأمريكيون يعلمون أيضاً أين ذهبوا. هكذا يخطط اليهود، هكذا يخطط اليهود.
    ولنعرف حقيقة واحدة من خلال هذا ، أن اليهود أن الأمريكيين على الرغم مما بحوزتهم من أسلحة تكفي لتدمير هذا العالم عدة مرات حريصون جداً جداً على أن لا يكون في أنفسنا سخط عليهم ، حريصون جداً جداً على أن لا نتفوه بكلمة واحدة تنبئ عن سخط أو تزرع سخطاً ضدهم في أي قرية ولو في قرية في أطرف بقعة من هذا العالم الإسلامي ، هل تعرفون أنهم حريصون على هذا؟.
    والقرآن الكريم كان يريد منا أن نكون هكذا عندما حدثنا أنهم أعداء ، يريد منا أن نحمل نظرة عداوة شديدة في نفوسنا نحوهم ،أي أن ننظر إليهم على أنهم أعداء لنا ولديننا، لكنا كنا أغبياء لم نعتمد على القرآن الكريم، كنا أغبياء، فجاءوا هم ليحاولوا أن يمسحوا هذه النظرة، أن يمسحوا هذا السخط.
    لماذا؟. لأنهم حينئذٍ سيتمكنون من ضرب أي منطقة أو أي جهة تشكل عليهم خطورة حقيقية، ثم لا يكون هناك في أنفسنا ما يثير سخطاً عليهم، ثم لا تكون تلك العملية مما يثير سخط الآخرين من أبناء هذه الأمة عليهم، هكذا يكون خبث اليهود والنصارى، هكذا يكون خبث اليهود بالذات، أما النصارى فهم هم قد أصبحوا ضحية لخبث اليهود، النصارى هم ضحية كمثلنا ،تلك الشعوب هم ضحية مثلنا لخبث اليهود، هم من يحركهم اليهود، من أصبحوا يصفقون لليهود.
    لماذا لم تبادر أمريكا إلى أن تتهم حزب الله وتضرب حزب الله ،ونحن نعلم بأن من هو رأس قائمة الإرهاب -كما تقول- هو إيران وحزب الله؟ ؛ لأن أمريكا هي اليهود ، اليهود هم الذين يحركونها ،هم يريدون أن يضربوا في الوقت الذي يكون فيه، ما حدث أو على ضوء ما حدث في نيويورك ، قد أحدث رعباً في نفوس الناس فبدت أمريكا تتحرك بقطعها (…)
    ثم سارع إليها الآخرون فأيدوها ، ثم انطلقوا هم ليكمموا أفواه المسلمين عن أن ينطقوا ، أن تنطلق من حناجرهم صرخة ضد أمريكا وضد إسرائيل. حينئذٍ رأت الأجواء المناسبة لأن تضرب هنا وهناك ، وتحت مبرر أصبح لدينا مقبولاً هو أن أولئك إرهابيون ،وطبعاً الإرهابيون قد أجمع العالم كله عليهم فليُضربوا.
    قد نسينا أننا مسلمون، نسينا أنه ليس فقط المستهدف هو حزب الله أو إيران إنما الأمة كلها، ألم نفرح نحن عندما رأيناهم يمسكون الوهابيين في اليمن؟. وقلنا: (نعمة ، وهذا من بداية الفرج أن يمسك هؤلاء لأنهم وُصِموا بأنهم إرهابيون). أنتم جميعاً ، أبناءْ هذا الشعب كله ممكن أن يكونوا إرهابيين في نظر أمريكا، وستكون أنت إرهابي داخل بيتك؛ لأنه لا يزال داخل بيتك كتاب إرهابي لديهم هو القرآن الكريم ، لا زال في بيتك -أنت أيها الزيدي- كتب هي - من وجهة نظر أمريكا - في بداية وفي أول قائمة الكتب الإرهابية، كتب أهل البيت عليهم السلام ، ليس فقط الوهابيون هم الضحية، ليسوا هم المستهدفين فعلاً ، زعماؤهم لن يتعرضوا لسوء -هذا ما اعتقد- كلها تمثيليات.
    الإرهابيون الحقيقيون هم الوهابيون يوم كانوا يفرقون كلمة الناس ، يوم كانوا ينطلقون داخل هذا المسجد وتلك القرية ، وهذه المدرسة وذلك المعهد؛ ليثيروا في أوساط الناس العداوة والبغضاء ضد بعضهم بعضاً؛ وليثقفوا أبناء المسلمين بالعقائد الباطلة التي جعلت الأمة ضحية طول تاريخها وأصبحت اليوم بسببها تحت أقدام اليهود والنصارى ، هم إرهابيون فعلاً عندما كانوا يعملون هذه الأعمال ضدنا نحن أبناء الإسلام ـ أمَّـا أمريكا فلا نعلم أنهم قد عملوا ضدها أي شيء ـ .
    ولكن على الرغم من هذا كله هل تعتقدون بأننا نؤيد أن يُمسكوا؟. نحن لا نؤيد أن يمسك يمني واحد تحت أي اسم كان ، سواء كان وهابياً شافعياً حنبلياً زيدياً كيفما كان، نحن نرفض ، نحن ندين ونستنكر أن يُمسك تحت عنوان أنه إرهابي ضد أمريكا ، وحتى (الزنداني) نفسه وهو من نكرهه، نحن لا نؤيد أن يمسك تحت عنوان أنه إرهابي ضد أمريكا.
    هذا ما يجب أن نتفاداه جميعاً ، ما يجب أن نتفاداه جميعاً، حتى وإن ارتحنا في داخل أنفسنا من واقع أن هؤلاء هم ضربونا، هم ضربونا فعلاً ، هم أثروا فعلاً، لكن أنت إذا أيدت فإنك أول من تحكم على نفسك متى ما قالوا أنك إرهابي أن تُسلَّم ثم لا أحد يدين ولا يستنكر ولا يصرخ.
    فعلاً نحن نكرههم، ونحملهم مسئولية ما أحدثوه من فرقة داخل الزيدية من البسطاء المساكين الذين أصبحوا ضحية لدجلهم وتضليلهم ،ونقول لهم: أنتم إرهابيون فعلاً بهذا الاعتبار، ولكننا فيما إذا تعرضتم لمسك تحت مسمى الإرهاب فإننا نستنكر أن يمسك أبغض شخص منكم عندنا.
    لأن هذا لم يكن حتى عند العرب البدائيين مما يمكن أن يقبل ،نحن كعرب ، نحن كمسلمين -وإن كنا طوائف متعددة- نرفض أن يكون لأمريكا أو إسرائيل، أن يكون لليهود تسلط على واحدٍ منا كائناً من كان، ونحن في داخلنا فلنتصارع، ونحن في داخلنا فلنصحح وضعيتنا، وهكذا يعمل من لا زالوا قبائل في بعض مناطق اليمن ،متى ما كانوا مختلفين فيما بينهم يتحدون صفاً واحداً ضد طرف آخر هو عدوٌ للجميع.
    نعود من جديد أمام هذه الأحداث لنقول: هل نحن مستعدون أن لا نعمل شيئاً؟. ثم إذا قلنا نحن مستعدون أن نعمل شيئاً فما هو الجواب على من يقول (ماذا نعمل؟).
    أقول لكم أيها الاخوة اصرخوا ، ألستم تملكون صرخة أن تنادوا:
    [ الله أكبر/ الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]
    أليست هذه صرخة يمكن لأي واحد منكم أن يطلقها؟. بل شرف عظيم لو نطلقها نحن الآن في هذه القاعة فتكون هذه المدرسة ،وتكونون أنتم أول من صرخ هذه الصرخة التي بالتأكيد - بإذن الله - ستكون صرخة ليس في هذا المكان وحده، بل وفي أماكن أخرى ،وستجدون من يصرخ معكم - إن شاء الله - في مناطق أخرى:
    [ الله أكبر/ الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود / النصر للإسلام]( )
    هذه الصرخة أليست سهلة ، كل واحد بإمكانه أن يعملها وأن يقولها؟.
    إنها من وجهة نظر الأمريكيين - اليهود والنصارى - تشكل خطورة بالغة عليهم.
    لنقل لأنفسنا عندما نقول: ماذا نعمل؟. هكذا اعمل ، وهو أضعف الإيمان أن تعمل هكذا، في اجتماعاتنا، بعد صلاة الجمعة،وستعرفون أنها صرخة مؤثرة ، كيف سينطلق المنافقون هنا وهناك والمرجفون هنا وهناك ليخوفونكم، يتساءلون :ماذا؟. ما هذا؟.
    أتعرفون؟، المنافقون المرجفون هم المرآة التي تعكس لك فاعلية عملك ضد اليهود والنصارى ؛ لأن المنافقين هم إخوان اليهود والنصارى {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ}(الحشر: من الآية11) فحتى تعرفون أنتم ،وتسمعون أنتم أثر صرختكم ستسمعون المنافقين هنا وهناك عندما تغضبهم هذه الصرخة ، يتساءلون لماذا؟. و ينطلقون ليخوفوكم من أن ترددوها.
    إذاً عرفنا أن باستطاعتنا أن نعمل، وأن بأيدينا وفي متناولنا كثير من الأعمال، وهذه الصرخة [الله أكبر/ الموت لأمريكا / الموت لإسرائيل/ اللعنة على اليهود - لأنهم هم من يحركون هذا العالم من يفسدون في هذا العالم - / النصر للإسلام] هي ستترك أثرها ، ستترك أثراً كبيراً في نفوس الناس، إنشاء الله.
    ما هو هذا الأثر؟. السخط ، السخط الذي يتفاداه اليهود بكل ما يمكن ،السخط الذي يعمل اليهود على أن يكون الآخرون من أبناء الإسلام هم البديل الذي يقوم بالعمل عنهم في مواجهة أبناء الإسلام، يتفادون أن يوجد في أنفسنا سخط عليهم، ليتركوا هذا الزعيم وهذا الرئيس وذلك الملك وذلك المسئول وتلك الأحزاب - كأحزاب المعارضة في الشمال في أفغانستان - تتلقى هي الجفاء، وتتلقى هي السخط ،وليبقى اليهود هم أولئك الذين يدفعون مبالغ كبيرة لبناء مدارس ومراكز صحية وهكذا ليمسحوا السخط.إنهم يدفعون المليارات من أجل أن يتفادوا السخط في نفوسنا، إنهم يعرفون كم سيكون هذا السخط مكلفاً ، كم سيكون هذا السخط مخيفاً لهم. كم سيكون هذا السخط عاملاً مهماً في جمع كلمة المسلمين ضدهم. كم سيكون هذا السخط عاملاً مهماً في بناء الأمة اقتصادياً وثقافياً وعلمياً، هم ليسوا أغبياء كمثلنا يقولون ماذا نعمل؟. هم يعرفون كل شيء.
    من خلالهم تستطيع أن تعرف ماذا تعمل إذا كنت لا تعرف القرآن الكريم ماذا تعمل ضدهم؟.
    والقرآن الكريم هو الذي أخبرنا عنهم ،وكيف نعمل ضدهم، فحاوِل أن تعرف جيداً ما يدبره اليهود والنصارى؛ لتلمس في الأخير إلى أين يصل ،ولتعرف في الأخير ماذا يمكن أن تعمل.
    نحن يجب أن نكون سبّاقين ، ونحن - في هذه القاعة- متعلمون وطلاب علم ووجهاء ، أن نكون سبّاقين ، ليكون لنا فضل السبق، فلنكن أول من يصرخ بهذا الشعار ،أول من يعلن الاستنكار ضد مسك أي شخص، من يستنكر أي عمل تريد أن تعمله أمريكا ضد حزب الله وضد إيران ، وضد العراق ، وضد أفغانستان ،وضد أي بلد إسلامي، وضد السعودية نفسها التي كنا نعاني منها ، - وما زلنا نعاني - الكثير الكثير ، الأمور أصبحت أكبر ، أكبر بكثير ، عدو الأمس قد يصبح صديق اليوم بالنسبة لك ، أمام هذه الأحداث المرعبة.
    ماذا لو تعرض الحج؟. هل تظنون أنه مستحيل؟. كنا نقرأ من سنين نقرأ من سنين نصوصاً لوزراء بريطانيين ونصوص ليهود ،وهم يصيحون من الحج ، وقرأنا للإمام الخميني وهو يؤكد - قبل أكثر من عشرين عاماً- بأن أمريكا وإسرائيل تخطط للاستيلاء على الحج.
    ولتعرف أهمية الحج بالنسبة للأمة وفي مواجهة أعداء الإسلام والمسلمين ارجع إلى القرآن الكريم تجد آيات الحج متوسطة للحديث عن بني إسرائيل ، وآيات الجهاد والإعداد ضدهم في أكثر من موقع في القرآن الكريم. فهم لا بد ، لا بد أن يعملوا للاستيلاء على الحج بأي وسيلة ممكنة، وقد رأوا بأن الأمور تهيأت لهم على هذا النحو، حتى أصبح زعماء المسلمين بعد أن فرقوا البلاد الإسلامية إلى دويلات، كل دولة لا يهمها أمر الدولة الأخرى ، فإذا ما ضُرِبَت السعودية تحت مسمى أنها دولة تدعم الإرهاب ، والسعوديون أنفسهم نستطيع أن نقطع بأنهم لم يعملوا ضد أمريكا أي شيء، لكنهم يواجَهون بحملة شديدة ، ويواجهون بحملات دعائية ضدهم في الغرب، تَصِمُهُم بأنهم دولة تدعم الإرهاب ، وأنهم إرهابيون ، وأن مصالح أمريكا في المنطقة معرضة للخطر من الإرهابيين، السعوديون أنفسهم لم يفهموا ما هذا؟. استغربوا جداً لماذا هذه الضجة ضدنا، ونحن أصدقاء، نحن أصدقاء لكم أيها الأمريكيون ، ما هذه الضجة ضدنا؟.
    كل ذلك يدل أن بالإمكان - فعلاً - أن تضرب السعودية للاستيلاء على الحرمين ، ونحن سننظر - في بقية بقاع الدنيا - بأن الذي حصل هو حصل داخل المملكة العربية السعودية ، وعلى مناطق هي تحت سيادة المملكة العربية السعودية، ونحن يمنيون وهم سعوديون ، نحن مصريون وهم سعوديون، نحن باكستانيون وهم سعوديون، نحن.. وهكذا كل دولة مسلمة ربما تقول هذا المنطق. وسيقول زعماؤها :لا ..السعودية إنما ضُرِبت لأنها دعمت الإرهاب، ثم سيقطع زعماء البلدان الأخرى علاقاتهم مع السعودية، كما قطعوها مع طالبان، ألم يقطعوها مع طالبان سريعاً؟. السعودية والإمارات العربية وباكستان كانت هي الدول التي اعترفت بـ(طالبان). ظهر في الصورة أن أمريكا تريد أن تضرب هؤلاء هم إرهابيون ، إذاً نقطع علاقاتنا معهم، سيتكرر هذا مع السعودية نفسها ، وقد يتكرر مع باكستان نفسها إذا ما جُنِّدَت الهند ضدها، وهكذا سيصبح اسم (إرهاب ، إرهاب، إرهاب، أنت إرهابي، دولة إرهابية) هي العبارة التي تُقَطِّع الأسباب ،وتقطع العلاقات ،وتُقَطِّع كل أسباب التواصل فيما بيننا.
    يمكن لأي شخص لا يستشعر المسؤولية ،يمكن لأي شخص لا يهمه أمر المسلمين ، يمكن لأي شخص ليس فيه ذرة من عروبة أن يقول للآخرين: (هم إرهابيون، من الذي قال لهم أن يعملوا هكذا ، هم إرهابيون)، تصبح كلمة للتبرير يبرر كل إنسان موقفه السلبي من الآخرين ، تبرر كل دولة موقفها السلبي من الدولة الأخرى وهكذا. حالة خطيرة استطاع اليهود والنصارى أن يصنعوها ، استطاعوا أن يصنعوها.
    ماذا يمكن أن نعمل نحن؟. ستقول الدولةنحن يمنيون وهم سعوديون ، والسعوديون هؤلاء هم دعموا الإرهاب ، وإنما يُضرَبوا من أجل أنهم إرهابيون) لن يتفوه اليهود بكلمة واحدة أنهم سيحتلون مكة والمدينة ، لكن سيحتلونها. وما زالوا محافظين على آثار اليهود في أماكن قريبة من المدينة، ويمكن لليمن نفسه أن يكون ضحية لليهود، هل تعرفون ذلك؟. والوثائق بأيديهم ،بأيديهم (بصائر) - حسب منطقنا - وثائق.
    أولاً ماذا يمكن أن يعملوا؟. كثير من المشائخ الذين كانوا هنا يحاربوننا يوم كانوا يستلمون من السعودية مبالغ ، ألم يكونوا هم من سهل للوهابيين أعمالهم؟، وهم يستلمون مبالغ من المال من السعودية؟. سيستلمون مبالغ من أمريكا ، لكن لعمل آخر ؛ليسكتونا ليضربونا، ليضربوا تراثنا ، مدارسنا بحجة أنها إرهابية.
    ثم عندما تتهيأ الأجواء على شكل أكبر وأكبر، ستسمع نبرة أن اليمن كان هو شعب يهودي في السابق، في التاريخ، أليس كذلك؟.{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُود ِ(4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7)} (البروج) هذا كان في أيام أحد ملوك حِمْيَر الذي فرض على اليمنيين أن يكونوا يهوداً ، فرض اليهودية في اليمن ،وكان كثير من اليهود الذين كانوا ما يزالون في اليمن هم من بقايا اليهود الذين كانوا في أيام الدولة الحميرية في بعض مراحلها. ففرضوا اليهودية على اليمن.
    حينئذٍ سيقول كُتَّاب -من نوع أولئك الذين تأسفوا على أن بلقيس ذهبت إلى سليمان  لتسلم ،قالوا: (أننا خسرنا حضارة ، لماذا تذهب بلقيس لتسلم على يد سليمان &#61557 - أقلام هنا في اليمن ستخدم اليهود، بعض الأحزاب حاولت أن يكون في أعضائها يهود، في بعض مناطق تعز وفي صنعاء ، -أنا لا أذكر اسم ذلك الحزب بالتحديد- يحاول أن يكون له علاقة قوية باليهود ، وأن يكون في أعضائه يهود ، ويفتخر بذلك، سينطلق كُتَّاب من هذا النوع يذكرونا بأمجادنا بحضارتنا السابقة. ألم يبدءوا بربطنا نحن اليمنيين -من قبل فترة طويلة- بتلك الأعمدة التي كانت ما تزال من آثار دولة بلقيس ، دولة السبئيين والمعينيين ، الأعمدة والآثار ألم يربطونا بها وأنها شاهد على حضارتنا وعلى مجدنا في التاريخ؟ ، سيصبح في الأخير شاهد على حضارتنا كأمة لها ثقافة أيام كنا يهود ، سيقولون هكذا ، ليس بعيداً ، لا تستبعدوا شيئاً أليس هناك داخل لبنان عملاء لإسرائيل ضد اللبنانيين؟. أليس هناك داخل الفلسطينيين من أبناء الفلسطينيين أنفسهم ممن يرون أبناء وطنهم أبناء إخوانهم ، أبناء أمهاتهم يُذبّحون ويُقتلون فيعملون مع إسرائيل وبكل إخلاص مقابل دولارات؟. ألم يحصل هذا؟. هل نحن اليمنيين لسنا على هذا النحو؟. والله كثير -فيما أعتقد- وسيظهر كثير من زعماء القبائل وليس فقط من الصغار ،صغار وكبار سيظهرون، ومثقفون وكُتَّاب سيظهرون. من باع دينه -والدين سواء يباع من وهابي أو من سعودي أو من إسرائيل أو من أمريكا - الذي باع دينه من هذا سيبيعه من هذا ، والذي سيدفع أكثر سيبيعه منه قبل أن يبيعه من الطرف الآخر.
    إذاً يجب - أيها الأخوة - أن لا نسمح لهذا التَّدجِين الذي يُراد له أن يكون في اليمن وفي بقية شعوب البلاد العربية أن لا تتكلم ضد اليهود، ولا تتكلم ضد النصارى سيقولون إرهابيون، ليضربوا هذا فتفرح، وتصبح أنت بوق إعلام يعجبك أن ضربوا ، والحمد لله ضُربوا ، ستخلق روحية يحمد الله الآخرون عندما تضرب أنت، ستعزز في نفوس الناس كلمة (إرهاب)، كلمة (إرهابي)، سيقولون إرهابي ، وأن يسكتوا عن أمريكا وإسرائيل، أن نسكت عن اليهود والنصارى {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}(المائدة: من الآية78) من ذلك الزمان ، ثم نسكت عن لعنهم في هذا الزمان؟!. ونحن من نصيح تحت أقدامهم من شدة الألم ،من الخزي ، من العار، من الذل؟!.
    نسكت عن لعنهم؟ سنلعن اليهود والنصارى ،سنلعن أمريكا وإسرائيل، سنلعن أولياءهم حتى تترسخ في أوساطنا في أوساط الشعوب في أوساطنا نحن اليمنيين أولاً.
    لا نسمح لوسائل الإعلام أن تعزز الهزيمة في أنفسنا من خلال ما تعرضه ،لا نسمح - ولا للدولة نفسها - أن تطلب منا أن نسكت فنسكت، لا يجوز أن نسكت، لا يجوز أن نسكت أمام الله ،وليس هناك أي مبرر إطلاقاً ، ليس هناك أي مبرر ديني ،وأتحدى .. أتحدى من يمكن أن يخلق أي مبررٍ ديني في وضعية كهذه للسكوت أمام ما يحصل.
    فإذا كنا في الأخير لا نخاف الله ، وإنما نخاف الآخرين فنسكت خوفاً من الآخرين - ونحن قلنا أنهم هم يجب أن يكونوا من يعمل على أن لا يظهروا أنفسهم بالشكل الذي يخيف الآخرين منهم، لأنهم سيبرهنون على أنهم أولياء لليهود والنصارى - سنعمل على أن نصرخ ،ونعلن أننا نستنكر أن يُضرب حزب الله أن تضرب إيران أن يضرب العراق، ونحن صرخنا سابقاً .
    ألم تخرج مظاهرات في صعدة يوم زحف الأمريكيون وتلك الدول على العراق؟. نحن خرجنا مظاهرة و صرخنا فعلاً ،وأعلنا أننا مع الشعب العراقي ،وأننا ضد التدخل الأمريكي، وصرخنا عندما تدخلوا ورفعنا أصواتنا، وقمنا بمسيرة كبيرة في الشارع العام بصعدة.
    ونحن سنصرخ -وإن كان البعض منا داخل أحزاب متعددة- سنصرخ أينما كنا ،نحن لا نزال يمنيين ،ولا نزال فوق ذلك مسلمين ، نحن لا نزال شيعة، نحن لا نزال نحمل روحية أهل البيت عليهم السلام التي ما سكتت عن الظالمين ، التي لم تسكت يوم انطلق أولئك من علماء السوء من المغفلين الذين لم يفهموا الإسلام فانطلقوا ليدجنوا الأمة للظالمين ،فأصبح الظالمون يدجنوننا نحن المسلمين لليهود. أليس هذا الزمن هو زمن الحقائق؟. أليس هو الزمن الذي تجلى فيه كل شيء؟. ثم أمام الحقائق نسكت؟!. ومن يمتلكون الحقائق يسكتون؟!. لا يجوز أن نسكت.
    بل يجب أن نكون سباقين ،وأن نطلب من الآخرين أن يصرخوا في كل اجتماع في كل جمعة الخطباء ،حتى تتبخر كل محاولة لتكميم الأفواه ، كل محاولة لأن يسود الصمت ويعيدوا اللحاف من جديد على أعيننا.
    لقد تجلى في هذا الزمن أن كُشفت الأقنعة عن الكثير ،فهل نأتي نحن لنضع الأقنعة على وجوهنا ،ونغمض عيوننا بعد أن تجلت الحقائق ،وكُشفت الأقنعة عن وجوه الآخرين؟!. لا يجوز هذا ، لا يجوز.
    هذا هو حديثي في هذه الجلسة .
    أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لأن نكون من أنصار دينه ،وممن يصرخ في وجه أعدائه ،ممن يعمل على إعلاء كلمته ، وأن يتقبل منا ، وأن يُبَصِّرنا ويلهمنا ويوفقنا ويسددنا إنه على كل شيء قدير.
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2005-11-18
  19. نيغروبونتي

    نيغروبونتي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2005-05-27
    المشاركات:
    538
    الإعجاب :
    0
    مشاركة: محاضرات السيد الشهيد حسين بدر الدين الحوثي

    هذا هو البحث على الاصول
    رحم الله شهيدنا الحوثي
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة