أوباش الضاحية الفرنسية

الكاتب : جمال جبران   المشاهدات : 313   الردود : 0    ‏2005-11-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2005-11-10
  1. جمال جبران

    جمال جبران عضو

    التسجيل :
    ‏2005-10-31
    المشاركات:
    6
    الإعجاب :
    0
    كبر الأولاد على حين غفلة. كبروا على هامش مدينة لا تلتفت إليهم ولا تعترف بأمثالهم. هم لم يقرروا ان يولدوا ويكبروا فيها لكن قدرهم جاء اليها منذ عقدين واكثر عندما هاجر آباؤهم ليشقوا أنفاق المترو وليسووا الارصفة وليشيدوا الابنية العملاقة والواجهات الانيقة.. لكن المدينة الساحرة واسمها باريس لم تتسع لتلك الوجوه السمراء والايدي الخشنة فلم تخجل من رمي عمالها على الهامش. تركتهم لمصيرهم في الضواحي المهملة حيث أقاموا وأنجبوا وظلوا يبحثون في دائرتهم المفرغة عن عدالة اجتماعية بخلت بها المدينة عليهم.
    كبر الأولاد داخل حدود الضواحي فيما ظلت أبواب المدينة عصية عليهم. يعيشون على مقربة منها ولا يستطيعون امتلاكها. لذا صاروا يعرفون حدود ضواحيهم جيدا، يتماهون بها ويغرقون في احيائها المرتبكة بين انطواء على الداخل وانفتاح لا أفق له. في المساحة الفاصلة بينهما تتراكم هموم العيش وتضيق الحياة ويصير الفقر والحرمان مشتركا يتقاسمونه في يومياتهم المتوالدة من بعضها.
    كبر الاولاد في زمن البحث عن لقمة عيش وهوية تحمل الكثير من الالتباس. هم حملوا جوازات سفر فرنسية لكن ذلك لم يمنحهم امتيازا في البلد الذي ولدوا فيه. حاصرتهم بطالة قالوا إنها تطالهم لأنهم <<مواطنون درجة ثانية>>، وجاءهم الفراغ ثقيلا ينفخونه بغضب مع سيجارة رخيصة.
    بقيت وجوههم المتعبة على حالها، لم يتسنّ لها ان تظهر على البطاقات البريدية التي يشتريها السياح الحالمون بباريس، كما لم ير فيها أهل السياسة وصانعو القرار الا ملامح جريمة او تطرفا قادما.
    كبر الاولاد وقد سئموا من وجوههم المتعبة واستحال غضبهم بركانا. صار قادرا على الاشتعال مع اول عود ثقاب.
    نزلوا الى الشوارع التي تعرف جيدا وقع اقدامهم ليقذفوا كل التراكمات التي ضاق بها الصدر من مجتمع لا يريد الاعتراف بهم. ربما وجدوا ان الوقت قد حان ليعلنوا عن أنفسهم، ليقولوا انهم موجودون وان لهم الحق بالحياة مثلهم مثل باقي ابناء الجمهورية.
    ربما تطرفوا في غضبهم، ربما تمادوا في جموحهم لكن <<لا احد يعلم معاناة شباب الضواحي الا من ولد وكبر هناك>>، يقولها احدهم بحرقة من خبر <<الغربة في الوطن>>. والوطن هو فرنسا حتى لو وصفهم وزير الداخلية بالاوباش والحثالة وحتى لو ظلوا <<الابناء غير الشرعيين>> لمجتمع ينظر اليهم بريبة واضحة.
    لن يحمل أبناء المهاجرين أمتعتهم ويرحلوا الى بلاد آبائهم كما يتمنى الكثيرون هنا في السر وفي العلن. هذا جيل ولد وكبر في فرنسا وان تنكرت له. صار فرنسيا، رغم سحنته العربية او الإفريقية، ولم يعد ممكنا ازاحة البصر عنه.
    كانت فرنسا حازمة في <<قبضتها>> عندما شعرت بأن علمانيتها مهددة. فاتها ان ثمة تهديدا أشد خطورة على الجمهورية من قطعة قماش على رأس طفلة!! وان الاندماج لا يحصل فقط برؤوس لا غطاء عليها.
    هو <<غيتو>> الفقر والعوز والتمييز والانطواء... ولائحة طويلة لا تنفع معها <<عنتريات>> نيكولا ساركوزي.
    للمناسبة، يذكرنا الرجل بوزير داخليتنا الأسبق.. <<القبضاي>>. تذكرنا ضواحي باريس المشتعلة بحي السلم.
    زينب خليل عن السفير اللبنانية
     

مشاركة هذه الصفحة