الجهاد في سبيل الله الحلقة (15)

الكاتب : د.عبدالله قادري الأهدل   المشاهدات : 459   الردود : 0    ‏2002-03-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2002-03-29
  1. د.عبدالله قادري الأهدل

    د.عبدالله قادري الأهدل عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-06-12
    المشاركات:
    661
    الإعجاب :
    0
    الحلقة ( 15 )

    الكفر مانع من صحة العبادة، وليس بعذر

    الكفر لا يعتبر عذرا يسقط التكليف بالعبادة عن الكافر، وإنما هو مانع عن صحة الأداء، بمعنى أنه لا يترتب على أداء الكافر أيَّ عبادة إسقاط فريضة وقبول عمل و ثواب.

    كما قال تعالى: ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) [ الفرقان 23 ]

    ويبحث علماء أصول الفقه هذا الموضوع في مبحث: هل يخاطب الكافر بفروع الشريعة؟

    وهذا يشمل جميع الأعمال التي يؤديها الكافر، ظنا منه أنها تنفعه عند الله، ولو كانت من أعمال البر، كالصدقة وبر الوالدين وغيرها، لأن الإيمان أساس لقبول الأعمال وترتب الأجر والثواب عليها، ولهذا قيد الله دخول من عمل صالحا الجنة بكونه مؤمنا.

    كما قال تعالى: ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فألئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) [ النساء 124 ]

    وقال تعالى: ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم آجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) [ النحل 97 ]

    والجهاد من أعظم الأعمال الصالحة التي لا تصح من كافر، وهو – أي الجهاد – ملازم لهذا القيد [ في سبيل الله ] الذي لا ينطبق على عمل الكافر.

    وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأعمال التي ظاهرها الصلاح، الصادرة من الكافر: هل تنفعه؟ فأجاب أنها لا تنفعه بسبب كفره، كما في حديث عائشة رضي الله عنها، قالت ك قلت: يا رسول الله، عبد الله بن جدعان، كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: (لا ينفعه. إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) [ مسلم 1/196 ] أي إنه لم يؤمن بالله واليوم الآخر.

    ومنع الرسول صلى الله عليه وسلم الرجل المشرك الذي تردد عليه مرتين يستأذنه في القتال معه، ليصيب من المغنم وهو على شركه، ثم إذنه له بعد أن دخل في الإسلام، دليل واضح على عدم صحة الجهاد من الكافر، كما في حديث عائشة رضي الله عنها، أنها قالت: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بدر، فلما كان بحرة الوَبَرة، أدركه رجل قد كان يدرك منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( تؤمن بالله ورسوله؟ ) قال: لا. قال: (فارجع فلن أستعين بمشرك ) قالت: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال: كما قال أول مرة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كما قال له أول مرة، قال: ( ارجع فلن أستعين بمشرك ) قال: ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: ( تؤمن بالله ورسوله؟ ) قال: نعم. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فانطلق ) [ مسلم 3م1449 ]

    هل يجوز الاستعانة بالكفار في الحرب؟

    وقد اختلف العلماء في التوفيق بين حديث عائشة المذكور، وأحاديث أخرى حصلت فيها الاستعانة بمشركين. قال الإمام النووي رحمه الله: " وقد جاء الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه، فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول – أي حديث عائشة – على إطلاقه، وقال الشافعي وآخرون: إن كان الكافر حسن الرأي، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به، استعين به، وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين "
    [ شرح النووي على صحيح مسلم 12/198 وما بعدها ]

    وهناك وجوه أخرى في الجمع بين الحديثين.

    والذي يظهر أن الأصل عدم مشروعية الاستعانة بكافر، إلا في حالات نادرة يعلم فيها من حال الكافر – أو تدل القرائن – على صدقه وعدم خيانته، وتكون الحاجة إلى الاستعانة به شديدة، لعدم وجود من يستعان به من المسلمين في تلك الحالة: " وإن كان في الاستعانة به مصلحة للمسلمين، كما استعان الرسول صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أريقط، إذ كان دليله في الهجرة إلى المدينة، وكما استعان بصفوان بن أمية في غزوة حنين " [ فتح الباري 6/129 وراجع سيرة ابن هشام 1/491، 2/440 ]

    هل يجوز الاستعانة بالمسلم الفاجر؟

    أما الاستعانة بالرجل الفاجر الذي يظهر الإسلام، فقد دلت السنة على جوازها ووقوعها، في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، الذي ترجم له الإمام البخاري رحمه الله بقوله: [ باب إن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر ] ونص الحديث كما يأتي: " شهدنا مع رسول الله عليه وسلم، فقال لرجل ممن يدعي الإسلام: ( هذا من أهل النار ) فلما حضر القتال قاتل الرجالَ قتالا شديدا، فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الذي قلت: إنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا، وقد مات، فغال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إلى النار ) قال: فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك، إذ قيل: إنه لم يمت، ولكن به جراحا شديدا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح، فقتل نفسه. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: ( الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله ) ثم أمر بلالا فنادى في الناس: ( إنه لا يدخل الجنة غلا نفس مؤمنة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ) [ صحيح البخاري بفتح الباري 6/179، وصحيح مسلم 1/105 ]

    وقال ابن تيمية رحمه الله:
    " ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بر وفاجر فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور، فإنه لا بد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم، فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين والدنيا، وإما الغزو مع الأمير الفاجر، فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يُمكن إقامة جميعها، فهذا واجب هذه الصورة وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين، لم يقع إلا على هذا الوجه " [ مجموع الفتاوى 28/506 ]

    وذكر بعض الكتاب المعاصرين الإجماع على جواز الاستعانة بالمنافق والفاسق، لخروج المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال. [ كتاب المؤتمر الرابع لمجمع البحوث الإسلامية، صفحة 226 وما بعدها ].
     

مشاركة هذه الصفحة